![]() |
التقييم العام الأول لوقف إطلاق النار في غزة
التقييم العام الأول لوقف إطلاق النار في غزة
5/10/2026 (وجهة نظر أمريكية) في 29 أيلول/سبتمبر 2025، كشف الرئيس ترامب عن خطته المؤلفة من عشرين نقطة لإنهاء حرب غزة. وبعد عشرة أيام، أعلن أن إسرائيل و"حماس" قد (وافقتا على المرحلة الأولى من الخطة). وبعد مرور عام، لا تزال الخطة تنطوي على وعود كبيرة، لكنها لا تزال بعيدة عن التنفيذ الكامل. إنجازات مبكرة، ثم مأزق لا يمكن الحكم على خطة وقف إطلاق النار بمجرد قياس الفجوة بين ما وعدت به وما تحقق على أرض الواقع. فبعد وقت قصير من توقيعها ، عاد عشرون رهينة إسرائيلياً أحياء إلى ديارهم، كما أعيدت جثث ثمانية وعشرين رهينة آخرين. وأفرجت إسرائيل عن 250 سجيناً فلسطينياً محكوماً عليهم بالسجن المؤبد، و 1,700 آخرين من سكان غزة اعتُقلوا بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر. وزادت المساعدات الإنسانية إلى 4,200 شاحنة أسبوعياً. وانسحب "جيش الدفاع الإسرائيلي" إلى "الخط الأصفر" الجديد، الذي يفصل بين المناطق الساحلية المكتظة بالسكان التي لا تزال تحت سيطرة "حماس"، وبقية قطاع غزة الذي تسيطر عليه إسرائيل. وفي الوقت نفسه، أُنشئ "مجلس السلام" (BoP) بقيادة الولايات المتحدة باعتباره الآلية الرئيسية للإشراف على تنفيذ بقية الخطة وتسريعها، بما في ذلك حشد التمويل لإعادة الإعمار، وتعبئة الدول للمساهمة في "قوة الاستقرار الدولية (ISF) " المقترحة، وضمان استقطاب أفراد الشرطة الفلسطينية وإخضاعهم للتدقيق الأمني والتدريب، ومساعدة "اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG) " ذات الطابع التكنوقراطي على الانتقال إلى غزة وبدء تولي مهام الحكم. وكان الهدف من "مجلس السلام" أيضاً معالجة العقبات السياسية المختلفة التي قد تؤخر هذه المهام، وضمان تحقيق المعادلة الأساسية للخطة بما في ذلك نزع سلاح "حماس" مقابل إعادة إعمار غزة والانسحاب الإسرائيلي. وكان التسلسل واضحاً، إذ سيعمل المجلس على إقناع "حماس" بالوفاء بالتزاماتها وتسليم أسلحتها، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى تفعيل المراحل الأخرى من الاتفاق. وقد تحقق بعض هذه العناصر من الناحية الشكلية، لكن جوهرها لم يتحقق بعد. فقد بدأ التكنوقراط الفلسطينيون الخمسة عشر الذين يشكلون "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" في وضع خطط لإدارة غزة خلال الفترة الانتقالية. كما أقر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 "مجلس السلام"، وسلطته في الإشراف على "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، والخطة المكونة من عشرين نقطة، مما أضفى شرعية دولية على هذه الآليات. ثم قام “مجلس السلام " بتعيين نيكولاي ملادينوف - وهو دبلوماسي متمرس يعرف المنطقة وأطرافها الفاعلة ومشاكلها معرفة وثيقة - ممثلاً سامياً للعمل مع "اللجنة الوطنية لإدارة غزة". وبمجرد وصول اللجنة التكنوقراطية إلى غزة، ستكون مهمتها الأولى استعادة الخدمات الأساسية والبدء في توفير مساكن مؤقتة تمهيداً لإعادة الإعمار الشاملة. ومع ذلك، لا يزال العديد من سكان غزة يعيشون في خيام موبوءة بالقوارض، وسط مياه الصرف الصحي والدمار. وما دامت عملية إعادة الإعمار الضرورية هذه بلا أفق زمني محدد، ولا توجد مؤشرات على تحسن كبير أو مواعيد واضحة لوصول "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" وبدء عملها، فلن تتمكن اللجنة من ترسيخ شرعيتها أو تقويض سيطرة "حماس". وفي 23 أيلول/سبتمبر، كشف "مجلس السلام" عن خطة بقيمة 2.45 مليار دولار لدعم هذه العملية، وحدد لها جدولاً زمنياً يمتد ستة أشهر، يركز على توفير المأوى والمياه والمستشفيات والمدارس والكهرباء والطرق وفرص العمل. ومع ذلك، أقر المجلس أيضاً بحاجته إلى تمويل إضافي لتنفيذ هذه الخطة. وتتضح الفجوة بين الطموح والواقع بشكل أكبر عند النظر إلى التحدي الأمني. ففي حين وافقت ألبانيا وكوسوفو والمغرب، وربما دول أخرى، على المساهمة في "قوة الاستقرار الدولية" (ISF)، لا تزال هذه القوة بعيدة عن الانتشار الفعلي في غزة. وبالمثل، يهدف المسؤولون إلى تشكيل قوة شرطة فلسطينية قوامها 16,000 فرد، يتم تدريبهم في مصر، لكن التنفيذ لا يزال متأخراً. وتدفع القاهرة بأنها لا تستطيع المضي في تدريب المزيد من الأفراد ما لم تضمن إسرائيل السماح لأفراد الشرطة الجدد بالعودة إلى غزة. وفي الوقت نفسه، لا يزال أعضاء "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" عالقين في مصر أيضاً - غير قادرين على دخول القطاع الذي يفترض أن يتولوا إدارته إلى أن يتم تدريب عدد كاف من أفراد الشرطة وتبدأ عملية نزع سلاح "حماس". ونتيجة لذلك، لا تزال "حماس" الطرف الوحيد الذي يمارس مهام الحكم في غزة بعد مرور عام على وقف إطلاق النار. ولا يزال أعضاؤها مسلحين، وتسيطر الحركة على نحو 40 في المائة من قطاع غزة، فيما لا يزال معظم سكان القطاع يقيمون في المنطقة الخاضعة لسيطرتها بعد عمليات النزوح التي حدثت أثناء الحرب. ولا تستطيع "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" أن تتولى الحكم بدلاً من "حماس" ما لم تتوافر لها الحماية الكافية؛ وهذا يتطلب قوة شرطة فلسطينية موثوقة تدعمها "قوة الاستقرار الدولية". ويفسر هذا الترابط بين الخطوات المتتابعة بدقة حالة الشلل الحالية. فلا يمكن لـ"اللجنة الوطنية لإدارة غزة" أن تحل محل "حماس" حتى يتوافر الأمن؛ ولا يمكن تحقيق الأمن حتى يتم نزع سلاح "حماس"؛ ولن يتم نزع السلاح حتى توضع آليات للتحقق من الامتثال وتحديد العواقب المترتبة على أي خرق؛ ولن يتم تمويل إعادة الإعمار حتى يتم التأكد من أن هذه الخطوات الأخرى قد بدأت بالفعل. خريطة الطريق الصادرة في تموز/يوليو: اختراق أم اتفاق على الورق؟ في 30 تموز/يوليو، بعد أشهر من المحادثات، أعلن "مجلس السلام" التوصل لاتفاق مع "حماس" بشأن "خريطة طريق" لتنفيذ خطة ترامب. وتتناول "خريطة الطريق" التحدي الشائك المتمثل في نزع السلاح من خلال تقسيم الجزء الخاضع لسيطرة "حماس" من قطاع غزة إلى خمس مناطق، على أن يبدأ التنفيذ في الشمال والجنوب ويتقدم نحو الوسط، وفق جدول زمني محدد لكل منطقة. ومن المقرر تسليم الأسلحة إلى الشرطة الفلسطينية المدعومة من "قوة الاستقرار الدولية"، في عملية تخضع لآلية تحقق لضمان الامتثال. بعد ذلك، من المقرر أن تدخل "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" وقوات إضافية من الشرطة الفلسطينية إلى المنطقة التي نُزعت منها الأسلحة، على أن تنسحب إسرائيل منها. وبعد نزع السلاح في المناطق الخمس جميعها، يُتوقع أن ينسحب "جيش الدفاع الإسرائيلي" إلى شريط ضيق على أطراف قطاع غزة، مع تمركز "قوة الاستقرار الدولية" بين الأراضي التي تديرها "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" والمناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. ويهدف هذا النهج إلى جعل الامتثال قابلاً للقياس بدلاً من أن يظل مجرد تعهدات، بما يمكّن "مجلس السلام" من التحقق من وفاء "حماس" بالتزامها بتسليم أسلحتها منطقة تلو الأخرى - وهو شرط مسبق لانسحاب إسرائيل تدريجياً من كل منطقة. كما أن التحديد الدقيق لفئات الأسلحة المشمولة بعملية نزع السلاح أمر بالغ الأهمية. وخلال المفاوضات، بدت "حماس" مستعدة لتسليم الأسلحة العسكرية الثقيلة، مثل الصواريخ وقذائف الهاون والرشاشات التي تحتاج الى طواقم تشغيل. ومع ذلك، أوضح المجلس أن عملية نزع السلاح الواردة في "خريطة الطريق" ستشمل أيضاً البنادق، مستنداً إلى قانون "السلطة الفلسطينية" الذي يحظر على الأفراد حيازة هذه الأسلحة. لماذا لم تبدأ العملية بعد؟ لا تزال هناك تساؤلات جدية بشأن قابلية خطة نزع السلاح للتنفيذ. فالعديد من أسلحة "حماس" المتبقية مخبأة في الأنفاق؛ فهل ستقدم الحركة إلى المجلس خريطة كاملة لشبكة الأنفاق؟ وهل ستسلم بالفعل الجزء الأكبر من ترسانتها عندما يحين الوقت؟ وقد أبلغ المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر "حماس" بأن أي خرق للاتفاق سيوقف العملية ويؤدي إلى رد عسكري إسرائيلي. وهناك تعقيد آخر يتمثل في مطالبة "حماس" بأن تقوم السلطات أيضاً بمصادرة الأسلحة التي وزعتها إسرائيل على العشائر الفلسطينية المنافسة. بالإضافة الى ذلك، لا تزال معضلة التسلسل المشار إليها آنفاً قائمة؛ فلا يمكن أن تبدأ عملية نزع السلاح دون وجود قوة شرطة فلسطينية مدعومة من "قوة الاستقرار الدولية". وقد وافقت إسرائيل من حيث المبدأ على قيام مصر بتدريب دفعة أولى تضم 5,000 شرطي فلسطيني، وقد أكمل بعضهم التدريب بالفعل. ومع ذلك، لم تسمح حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لهؤلاء الخريجين الذين خضعوا للفحص الأمني بالعودة إلى غزة، كما لم تسمح لمرشحين جدد بالتوجه إلى مصر لتلقي التدريب. وعندما أعلن الرئيس ترامب عن اتفاق 30 تموز/يوليو، قال إن إسرائيل راضية عنه، لكن سرعان ما تبين خلاف ذلك. فقد رفض نتنياهو "خريطة الطريق" علناً في 9 آب/أغسطس؛ إذ عارضتها قاعدته السياسية، ومع اقتراب الانتخابات، لم يكن مستعداً للظهور بمظهر المتساهل مع "حماس"، في ظل انعدام الثقة على نطاق واسع في استعداد الحركة الفعلي لنزع سلاحها. وبناءً على ذلك، أبلغ نتنياهو "مجلس السلام" بأنه لا يستطيع تيسير عملية تدريب الشرطة في الوقت الراهن، على ما يبدو خشية استغلال منافسيه من اليمين المتطرف هذه الخطوة ضده. ويبدو أن مسؤولي المجلس ينتظرون الآن إجراء الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر قبل البدء في تنفيذ الخطة. ومع ذلك، أتاحت التأخيرات السابقة لإسرائيل ذرائع لعدم الوفاء بالتزاماتها. فعلى سبيل المثال، منذ الانسحاب الأولي لـ"جيش الدفاع الإسرائيلي" من أجزاء معينة من غزة، وسعت القوات الإسرائيلية نطاق سيطرتها من نحو نصف مساحة القطاع إلى أكثر من 60 في المئة. وإضافة إلى ذلك، كان من المفترض أن تعيد إسرائيل فتح معبر رفح، لكنها لم تفعل، كما منعت دخول بعض المعدات اللازمة لإزالة الأنقاض وفتح الطرق. كذلك، دفعت الاعتبارات الانتخابية إسرائيل إلى عرقلة مشاريع نصت عليها خطة ترامب، مثل زيادة المساعدات وأعمال البناء في المناطق الخارجة عن سيطرة "حماس" - ومن بينها مشروع إسكان ممول من الإمارات لإيواء 50,000 فلسطيني نازح بالقرب من رفح و"الخط الأصفر". علاوة على ذلك، استأنفت إسرائيل عملياتها العسكرية بعد توقفها في أوائل آب/أغسطس، رغم أن "خريطة الطريق" الصادرة في 30 تموز/يوليو نصت على وقف جميع هذه العمليات. وقد دفع ذلك ملادينوف إلى التعبير عن إحباطه خلال اجتماع "مجلس الأمن الدولي" في 26 آب/أغسطس، قائلاً: "بعد ثلاث سنوات من الحرب وعشرين عاماً من العمليات العسكرية، أسأل: هل ستمنع ضربة أخرى لمستودع ذخيرة تابع لـ"حماس" الحركة من إعادة التسلح أو إحكام قبضتها على غزة؟ لن تفعل. بل ستؤخر فحسب عملية نزع السلاح التي كان من الممكن أن تبدأ، وتعرقل الانتقال المدني اللازم لضمان عدم إعادة التسلح مستقبلاً." ومن وجهة نظره، تغفل إسرائيل الصورة الأكبر. فهو لم يكن يدعو الإسرائيليين إلى الثقة بـ"حماس"، بل كان يرى أن "خريطة الطريق" تتيح اختبار التزام الحركة، وربما نزع سلاح غزة، في حين لا تستطيع غارات "جيش الدفاع الإسرائيلي" تحقيق أي من هذين الهدفين. وبالفعل، تكمن القيمة الأساسية لـ"خريطة الطريق" في استبدال الثقة بالتحقق، وربط الخطوات الإسرائيلية بأداء قابل للقياس من جانب "حماس". فمن خلال السماح بتدريب المزيد من أفراد الشرطة الفلسطينية ونشرهم في المنطقة الأولى المحددة في الخطة، تستطيع إسرائيل ضمان تلبية متطلباتها الأمنية، وفي الوقت نفسه إجبار "حماس" على الاختيار بين نزع سلاحها بصورة يمكن التحقق منها أو كشف نفسها بوصفها الطرف الذي يعرقل إعادة الإعمار. وستحتاج الشرطة إلى قدر من الدعم على الأقل من "قوة الاستقرار الدولية" في هذا الجهد، سواء لتعزيز قدراتها أو لردع "حماس"، رغم أن وحدات "قوة الاستقرار الدولية" لن تقاتل "حماس". وعندئذ، سينسحب "جيش الدفاع الإسرائيلي" إلى نطاق محدد داخل قطاع غزة مباشرة. ومع ذلك، فإن رفض نتنياهو حتى البدء بهذه العملية يهدر مكسباً دبلوماسياً محتملاً، ويبقي عبء تعطيل التقدم على عاتق إسرائيل، في حين ينبغي أن يقع على "حماس". |
رد: التقييم العام الأول لوقف إطلاق النار في غزة
بعد عام على وقف إطلاق النار في غزة ... 2
أولويات الولايات المتحدة في العام الثاني ٧ أكتوبر ٢٠٢٦ (وجهة نظر أمريكية) على إدارة ترامب أن تستعد للدفع بحزمة من الإجراءات الملموسة فور انتهاء الانتخابات الإسرائيلية، من توفير المساكن المؤقتة التي يحتاجها السكان بشدة إلى عقد اجتماعات رفيعة المستوى مع الوسطاء الإقليميين، مع تجنب أي خطوة توحي بالتخلي عن السلطة الفلسطينية. حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطته للسلام ذات النقاط العشرين العام الماضي بدت شديدة الطموح في ظل الظروف القائمة. فلو طبقت كاملة لفتحت الطريق أمام تحويل قطاع غزة الذي أنهكته الحرب وتغيير الواقع بين الإسرائيليين والفلسطينيين في آن واحد. حصيلة متفاوتة في التنسيق جريا على عادة إدارة ترامب لم يُشكَّل فريق كبير يضم مختلف الوكالات الحكومية عند الإعلان عن خطة السلام لأول مرة. وتولى متابعة التنفيذ بدلا من ذلك فريق صغير شديد الحماس يرتبط بجاريد كوشنر، المبعوث الشخصي للرئيس وصهره. وصُممت آليتان لتنفيذ العناصر الأساسية الواردة في النقاط العشرين. أولاهما مركز التنسيق المدني العسكري الذي أنشأه الجيش الأمريكي ويديره من مدينة «كريات غات» جنوب إسرائيل، وقد تغير اسمه لاحقا إلى المركز الدولي لدعم غزة. ويضم المركز اليوم ممثلين عن أربع وعشرين دولة بينها مصر والأردن والمغرب والإمارات العربية المتحدة. وتتنوع مهامه بين تسهيل دخول الإغاثة الإنسانية ووضع خطط لإزالة الركام والذخائر غير المنفجرة وإعداد خطوات لاستئناف التعليم والتجارة وسائر الأنشطة المدنية. كما يراقب وقف إطلاق النار ويشرف على كل ما يدخل غزة من مواد ويتولى إدارة الأزمات لاحتواء أي توتر بسرعة. وقد أراد الرئيس ترامب أن تكون هذه المهمة بقيادة عسكرية، وبدا أنه يثق بالقيادة المركزية الأمريكية أكثر من ثقته بالسلك الدبلوماسي الأمريكي. وحققت هذه الآلية نجاحات مبكرة، لا سيما في استئناف المساعدات الإنسانية والنشاط التجاري. وتولت كل دولة ممثلة في مركز التنسيق المدني العسكري إعداد خطط عمل يديرها التكنوقراط الفلسطينيون في اللجنة الوطنية لإدارة غزة، حتى تتمكن هذه اللجنة من مباشرة عملها فور وصولها إلى غزة. لكن اللجنة لم تصل بعد وما زالت عالقة في القاهرة كما أوضح المقال التمهيدي. وصحيح أن أعضاء اللجنة الوطنية لإدارة غزة سيستفيدون جيدا من كل ما أُنجز من أعمال تحضيرية حتى الآن، غير أن الآمال التي بعثها مركز التنسيق المدني العسكري والمركز الدولي لدعم غزة في البداية تراجعت. ويعود ذلك أساسا إلى طول الوقت الذي تستغرقه السلطات لإدخال اللجنة الوطنية لإدارة غزة والشرطة الفلسطينية وقوة الاستقرار الدولية إلى غزة. ولم تكن إدارة ترامب تعوّل على المركز الدولي لدعم غزة في عملية نزع السلاح، بل أسندت إلى مجلس السلام الذي تقوده الولايات المتحدة قيادة الجهود الدبلوماسية لإقناع حماس بتسليم سلاحها. وقاوم قادة حماس هذه الفكرة أشهرا قبل أن يوافقوا في 30 تموز/يوليو على خريطة طريق تركز على التنفيذ لنزع السلاح وما يرتبط به من إجراءات. وجاء ذلك ثمرة جهود دؤوبة ومتناسقة بذلها الممثل السامي للمجلس نيكولاي ملادينوف ومسؤولون من الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا. إطلاق العملية في عام 2026 وما بعده لا يُتوقع اتخاذ خطوات تنفيذية مهمة قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، لكن على إدارة ترامب أن تحدد من الآن كيف ستتعامل مع أصعب التحديات التي تطرحها خريطة طريق تموز/يوليو. أولا، على المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين والعرب أن يثبتوا لشعوبهم أن هذه الآلية قادرة على تحقيق تقدم ملموس بعد الانتخابات الإسرائيلية بوقت قصير، حتى يقتنع الجميع بأن خريطة الطريق هي السبيل الوحيد الموثوق. فنزع السلاح الحقيقي عملية طويلة بطبيعتها، ولذلك ينبغي لمجلس السلام أن يبادر إلى مخاطبة الناس في كل الأطراف ويدعوهم إلى الصبر وأن يحقق في الوقت نفسه تقدما فعليا على الأرض. أما الفلسطينيون والعرب فيحتاجون إلى ما يثبت أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة بدأت تصنع غزة مختلفة. فكلما طُهرت منطقة من أسلحة حماس وبنيتها التحتية وجب على اللجنة أن تسارع إلى إزالة الركام وإعادة الخدمات الأساسية وتوفير مساكن مؤقتة للمدنيين الذين يعيشون منذ سنوات في مخيمات خيام بائسة. ثانيا، على واشنطن أن تضمن وفاء كل طرف بالتزاماته. وهذا يتطلب اهتماما متواصلا على أعلى المستويات في إدارة ترامب، بما في ذلك الرئيس نفسه. فعلى إسرائيل والوسطاء في مجلس السلام أن يروا أنه يتابع عن كثب ويحاسب كل طرف مهما كانت انشغالات السياسة الأمريكية في أماكن أخرى من المنطقة. وبعد انتهاء الانتخابات الإسرائيلية ينبغي للرئيس أن يُظهر للجميع عزمه على تنفيذ خطة السلام في غزة، وهي أبرز إنجازات سياسته الخارجية في ولايته الثانية. ثالثا، على إدارة ترامب ألا تتخلى عن السلطة الفلسطينية. فمع أن المسؤولين الأمريكيين تعاملوا مباشرة مع حماس في الأشهر الأخيرة، فإن السلطة الفلسطينية هي التي ستعود في النهاية إلى غزة وتتسلم المسؤولية من القيادة الانتقالية، بشرط أن تأخذ التزاماتها الإصلاحية على محمل الجد. فالنقطة التاسعة عشرة من خطة ترامب تنص على أنه “عندما يُنفذ برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية بأمانة، قد تتهيأ أخيرا الظروف لمسار موثوق نحو تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة”. خاتمة على إدارة ترامب في المحصلة أن تذكّر إسرائيل بالمصلحة الثنائية المشتركة في التحرك سريعا بعد انتخابات تشرين الأول/أكتوبر واختبار التزام حماس بخريطة طريق تموز/يوليو. ويعني ذلك السماح لعناصر الشرطة الفلسطينية القليلين الذين أتموا تدريبهم بالعودة إلى غزة، والسماح للدفعة التالية المؤلفة من 5000 مرشح للشرطة بالسفر إلى مصر للتدريب، وتسهيل نشر اللجنة الوطنية لإدارة غزة وقوة الاستقرار الدولية. ولن تهدد أي من هذه الخطوات أمن إسرائيل تهديدا جديا، لأنها ستنفذ تدريجيا منطقة بعد أخرى، ولن يُطلب من الجيش الإسرائيلي الانسحاب من أي منطقة قبل التحقق من نزع سلاح حماس فيها. بل إن إطلاق هذه العمليات سيلقي العبء الدبلوماسي كاملا على حماس التي ما زالت تصريحاتها العلنية بشأن نزع السلاح الحقيقي غامضة. وسيخسر أعضاء حماس الكثير، ناهيك عن سكان غزة، إن لم تفِ الحركة بالتزاماتها. فإذا واصلت التهرب من الفرص المتكررة للالتزام بنزع السلاح فالأرجح أن تمنح إدارة ترامب إسرائيل الضوء الأخضر لاستئناف عمليات عسكرية واسعة. وهذا الاحتمال ينبغي أن يدفع مصر وقطر وتركيا إلى مزيد من الضغط على حماس. .. |
رد: التقييم العام الأول لوقف إطلاق النار في غزة
بعد عام على وقف إطلاق النار في غزة... 3
الانتقال من الحرب إلى سيطرة أمنية مستدامة 7/10/2026 (وجهة نظر أمريكية) شكّل وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر الماضي نهاية مرحلة الحرب المكثفة في قطاع غزة التي اندلعت عقب هجوم حركة "حماس" عام 2023، ومثّل تحولاً كبيراً في النهج العسكري الإسرائيلي. فبعد عامين من القتال المتواصل وإضعاف البنية التحتية العسكرية لـ"حماس" إلى حد بعيد، انتقل جيش الدفاع الإسرائيلي إلى مفهوم عملياتي مختلف. وفي غضون أيام، أعادت وحداته انتشارها على ما بات يُعرف بـ"الخط الأصفر"، بالتزامن مع إطلاق سراح آخر عشرين رهينة إسرائيلية على قيد الحياة. وبعد مرور عام تقريباً، تواجه إسرائيل سؤالاً استراتيجياً جوهرياً: هل تمثل البنية الأمنية القائمة حالياً في غزة انتشاراً مؤقتاً لمرحلة ما بعد الحرب، أم أنها تشكل أساساً لتموضع طويل الأمد؟ وإذا كان هذا الانتشار مؤقتاً، فما الظروف التي قد تسمح للجيش الإسرائيلي بتقليص وجوده الميداني تدريجياً وإعادة الانتشار باتجاه إسرائيل؟ كما مثّل السابع من تشرين الأول/أكتوبر انهياراً للمفهوم الأمني الذي اعتمدت عليه إسرائيل في غزة لسنوات. فقد أخفقت في آن واحد عناصر الردع والتفوق الاستخباري والحواجز التكنولوجية والتموضع الحدودي الثابت نسبياً، ما أفضى إلى كارثة استراتيجية وصدمة وطنية عميقة أصابت المجتمع الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية على حد سواء. وسيحتاج التعافي من هذه الصدمة واستعادة الثقة بقدرة الدولة على حماية بلداتها الحدودية إلى وقت، لذا ستكون أي عودة سريعة إلى خطوط ما قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر صعبة، حتى لو تحسنت الأوضاع في غزة. ومن ثم، يتمثل التحدي في الأشهر المقبلة وما بعدها في تحديد مقدار العمق الاستراتيجي الذي تحتاج إليه إسرائيل، وما إذا كان من الممكن في نهاية المطاف تحقيق الوظائف الأمنية الأساسية التي توفرها السيطرة الميدانية حالياً من خلال وجود عسكري أصغر بكثير. ولا يمكن النظر إلى هذه المسألة بمعزل عن البيئة الإقليمية والدولية. فالولايات المتحدة والسعودية، على وجه الخصوص، تمتلكان أدوات نفوذ اقتصادية ودبلوماسية واستراتيجية يمكن أن تمنح إسرائيل هامشاً أوسع للمناورة. وإذا قررتا استخدام هذا النفوذ، كأن تعرض السعودية التطبيع في إطار اتفاقيات أبراهام، فقد تغيران المعادلة الاستراتيجية جذرياً. من حملة هجومية إلى سيطرة أمنية مستدامة بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وتشرين الأول/أكتوبر 2025، تطورت الحملة الإسرائيلية من استهداف البنية التحتية العسكرية والحكومية لـ"حماس" بالقوة النارية والمناورات القتالية إلى حملة استنزاف مطولة تقوم على السيطرة الميدانية وعمليات المتابعة ضد ما تبقى من قدرات الحركة. غير أن وقف إطلاق النار شكّل تحولاً في العقيدة العسكرية. فبدلاً من المناورات الواسعة والمتواصلة، بدأ الجيش الإسرائيلي يركز على أربعة مبادئ مترابطة: أولها الدفاع المتقدم لخلق مسافة مادية تفصل القوات المعادية عن البلدات الإسرائيلية؛ وثانيها الحفاظ المستمر على التفوق الاستخباري لرصد التهديدات الناشئة قبل أن تتبلور؛ وثالثها حرية العمل العملياتي لمواصلة الضربات أو دخول المناطق الخاضعة لسيطرة أطراف أخرى عند الضرورة؛ ورابعها الجهود الوقائية لضمان عجز "حماس" وغيرها من الجماعات المسلحة عن إعادة بناء القدرات العسكرية اللازمة لشن هجوم واسع آخر. بعبارة أخرى، لم تعد إسرائيل تسعى إلى مجرد تدمير "حماس" عبر مناورة حاسمة، كما أنها لا تسعى إلى إدارة غزة أو تحمل المسؤولية عن سكانها المدنيين. بل تسعى إلى قدر كاف من السيطرة على البيئة المادية والمعلوماتية يحول دون ظهور تهديد عسكري استراتيجي، مع ترك الحكم المدني لآليات فلسطينية و/أو دولية. وعليه، لم يعد المقياس الحقيقي للنجاح هو عدد مقاتلي "حماس" الذين يُقتلون أو حجم ما يُدمّر من بنيتها التحتية، وإنما ما إذا كانت الحركة قادرة مجدداً على العمل كتنظيم عسكري متكامل يستطيع شن هجوم كبير آخر. ويُعد "الخط الأصفر" التجسيد المادي لهذا المفهوم. فهو لم يُصمم ليكون حدوداً دولية، بل خط سيطرة عملياتياً يوفر المراقبة والإنذار المبكر وحماية البلدات الإسرائيلية الحدودية والاستجابة السريعة للتهديدات الناشئة. ويقوم المنطق العسكري لهذا الخط على إبعاد هذه التهديدات عن إسرائيل وإطالة فترة الإنذار المتاحة لها. وبذلك، تحولت المساحة الواقعة على الجانب الإسرائيلي من الخط، والتي تشكل نحو 60 في المئة من أراضي غزة، من ساحة قتال مؤقتة إلى منطقة أمنية متقدمة. وتتسم هذه المنطقة بوجود عسكري ومراقبة وجمع للمعلومات الاستخبارية وأعمال هندسية وقدرات للرد السريع، فضلاً عن القدرة على تنفيذ عمليات عسكرية محدودة النطاق من دون العودة فوراً إلى حجم المناورات التي شهدتها الحرب. وعلى الجانب الآخر من الخط يقع الحيز المدني الرئيسي في غزة، حيث يتركز معظم السكان الفلسطينيين، وحيث يُفترض أن تتولى الحكم آليات فلسطينية و/أو دولية، لا إسرائيل. ومع ذلك، قد تجد إسرائيل نفسها مضطرة من حين إلى آخر إلى دخول هذا الحيز عسكرياً لضمان السيطرة الأمنية. وهنا تنشأ مفارقة. فالأطراف الدولية ستواصل انتقاد إسرائيل بسبب إبقاء وجودها في غزة وتنفيذ عمليات عبر "الخط الأصفر". لكن هذه العمليات ضرورية في الوقت الراهن لمنع "حماس" من إعادة بناء قدراتها العسكرية، وكلما نجحت، ازدادت احتمالات أن تتمكن إسرائيل في نهاية المطاف من تقليص وجودها الميداني. أما إذا سُمح لـ"حماس" بإعادة بناء قدراتها، فقد تخلص إسرائيل إلى أن السيطرة الميدانية المتقدمة والدائمة أمر لا غنى عنه. ولا شك في أن هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر أعاد تشكيل التفكير الإسرائيلي طويل الأمد في هذه القضايا بصورة جذرية. فقبل ذلك التاريخ، كانت إسرائيل تسعى في الغالب إلى إدارة التهديد الصادر من غزة، أما الآن فتسعى إلى منع القطاع من أن يشكل مصدراً لتهديدات عسكرية استراتيجية. وينطلق هذا المفهوم الأمني الناشئ من أن المسافة تشكل في حد ذاتها عنصراً من عناصر الحماية الأمنية، لأن العمق الاستراتيجي يقلل احتمال أن يتحول اختراق تكتيكي محدود، على غرار هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، فوراً إلى كارثة استراتيجية. لكن للعمق الاستراتيجي أثمانه. فكلما توغلت القوات الإسرائيلية أكثر داخل غزة، ازدادت الأعباء العسكرية والمخاطر على الجنود، وارتفعت الكلفة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية. بل إن إطالة أمد الوجود العسكري الإسرائيلي قد تقوض الدعم السياسي الأمريكي للبنية الأمنية القائمة. ورغم هذه الأثمان، يبدو مستبعداً أن تتخلى إسرائيل في وقت قريب عن أي جزء من العمق الاستراتيجي الذي اكتسبته حديثاً. غير أن تموضعها قد يتغير بسرعة إذا تبدلت الظروف السياسية أو الدبلوماسية، لا سيما إذا قدمت السعودية عرضاً جاداً للتطبيع مشروطاً بإعادة انتشار إسرائيلي واسعة خارج غزة. الاستعداد لإعادة انتشار مشروطة ينبغي لإسرائيل أن تبدأ من الآن التخطيط لاحتمال إعادة الانتشار مستقبلاً، وقبل وقت طويل من أن تخلص إلى أن هذه الخطوة ممكنة سياسياً أو عسكرياً. فالانتظار حتى تشتد الضغوط الدبلوماسية أو السياسية سيضع إسرائيل وجيشها في موقع رد الفعل، في حين أن التخطيط المسبق سيمكنهما من تحديد الوظائف الأمنية التي توفرها المنطقة المتقدمة حالياً، والتي يجب إيجاد بدائل لها قبل أن يصبح التخلي عن الأرض آمناً. وعلاوة على ذلك، يجب أن تضع جميع الأطراف في حسبانها أن أي إعادة انتشار مستقبلية ستكون مرهونة بتحقق شروط معينة، لا بجدول زمني محدد. إذ يتعين أن تجتمع عدة شروط بمرور الوقت قبل أن تبدأ أي انسحابات إسرائيلية: • ألا تعود "حماس" تمتلك منظومات الأسلحة أو القدرات التنظيمية واللوجستية والقيادية اللازمة لشن هجوم واسع. ويجب أيضاً تطبيق آليات فعالة لنزع سلاح حركة "الجهاد الإسلامي" الفلسطينية. • أن تثبت سلطة حاكمة بديلة قدرتها على حفظ النظام الداخلي ومنع التنظيمات المسلحة من إعادة بناء قدراتها. • أن تُطبق آليات فعالة لمنع دخول الأسلحة والجهات المعادية والمكونات اللازمة لإعادة بناء البنية التحتية العسكرية إلى غزة. • أن تحتفظ إسرائيل بقدر كاف من النفاذ الاستخباري يتيح لها رصد جهود إعادة بناء القدرات العسكرية قبل أن تتحول إلى تهديد عملياتي. • أن تثبت الأطراف الدولية امتلاكها قدرة فعلية على إنفاذ ترتيبات ما بعد الحرب، لا مجرد إعلان استعدادها لذلك. • أن تكون إسرائيل واثقة من قدرتها على الدفاع عن بلداتها الحدودية. وإذا تعذر تحقيق هذه الشروط، فقد تخلص إسرائيل إلى أن استمرار السيطرة العسكرية المتقدمة يظل ضرورة. تشرين الأول/أكتوبر 2026 – تشرين الأول/أكتوبر 2027: عام الاختبار ينبغي التعامل مع العام المقبل بوصفه فترة للتقييم الاستراتيجي، لا مجرد استمرار للانتشار القائم. فبحلول تشرين الأول/أكتوبر 2027، أو ربما قبل ذلك إذا توافرت الظروف المناسبة، يُفترض أن تكون إسرائيل قادرة على تقييم ما إذا كانت بنية ما بعد الحرب قد أحدثت تغييراً مستداماً. ومرة أخرى، ستتمثل الاختبارات الرئيسية في ما إذا كانت "حماس" قد مُنعت من إعادة بناء قوة عسكرية منظمة؛ وما إذا كانت بنية حاكمة بديلة قد أثبتت قدرتها على الصمود؛ وما إذا كانت السلطات واثقة من قدرتها على منع استخدام غزة منصة لشن هجمات عسكرية؛ وما إذا كان بمقدور إسرائيل الحفاظ على استخبارات موثوقة وحماية كافية لبلداتها الحدودية في ظل سيطرة ميدانية أقل اتساعاً. وسيؤثر أداء الآليات الدولية المكلفة بنزع السلاح والإنفاذ تأثيراً كبيراً في نتائج هذا الاختبار. وحتى في سيناريو الانتقال، لن تعود إسرائيل ببساطة إلى النموذج الأمني الذي كان سائداً قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر. فأي دفاع مستقبلي عن المحيط الحدودي سيتطلب اختراقاً استخبارياً عميقاً، ومراقبة متواصلة، ودفاعات مادية متعددة الطبقات، وقوات رد سريع، وعقيدة واضحة للعمل الوقائي ضد التهديدات الناشئة، واستعداداً مثبتاً لتطبيق هذه العقيدة الجديدة بفاعلية من خلال قرارات مناسبة بشأن الانتشار وتخصيص الموارد. ومن شأن هذا النهج أن يعكس درساً آخر تعلمته إسرائيل بثمن باهظ من السابع من تشرين الأول/أكتوبر: أنها لم تعد قادرة على الاعتماد على الردع وحده، أو التفوق التكنولوجي، أو الدفاعات الحدودية الثابتة لحماية مواطنيها. .. |
رد: التقييم العام الأول لوقف إطلاق النار في غزة
بعد عام على وقف إطلاق النار في غزة... 4
التعامل مع الخلافات بين الوسطاء الإقليميين ٨ أكتوبر ٢٠٢٦ (وجهة نظر أمريكية) ما لم تحدد واشنطن مبادئ واضحة بشأن "حماس"، فإن تباين الرؤى الاستراتيجية التي تتبناها أنقرة والقاهرة والدوحة تجاه الحركة سيؤدي حتما إلى تآكل التعاون بينها، لا سيما مع دخول عملية التنفيذ مرحلة أكثر صعوبة. برزت خلال العام الماضي ثلاث دول بوصفها الوسطاء الرئيسيين في الشرق الأوسط بشأن غزة، وهي مصر وقطر وتركيا. فبعد أن أدت هذه الدول دورا محوريا في التوصل إلى وقف إطلاق النار وانضمت إلى "مجلس السلام"، تولت قيادة الجهود الرامية إلى تنفيذ الخطة ذات النقاط العشرين التي طرحها الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب". وتقدم كل منها إسهاما فريدا في هذا الجهد، ولها جميعا مصلحة في دفع عملية التنفيذ قدما. غير أن رؤاها لـ"حماس" وعلاقاتها بها متباينة، بما في ذلك تصورات متناقضة تماما للدور الذي ينبغي أن تؤديه الحركة بعد انطلاق المراحل التالية من خطة ترامب. وجاءت النتيجة متفاوتة. فمن جهة، ثمة تعاون تكتيكي فعال أسفر عن تقدم ملموس، مثل موافقة "حماس" على إطار لإخراج أسلحتها من الخدمة. ومن جهة أخرى، ثمة توترات متكررة بين الوسطاء تعقد العملية. أما المشاركة الأمريكية فكانت متقطعة وغير واضحة إزاء بعض القضايا الرئيسية. ومن دون موقف واضح وانخراط مستمر رفيع المستوى من جانب واشنطن، قد تصل هذه العملية الهشة إلى طريق مسدود أو تنهار، أو تفضي إلى نتيجة تدمج "حماس" في التيار السياسي السائد وتكافئها فعليا على الجرائم التي ارتكبتها في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. كيف تنظر تركيا وقطر ومصر إلى المحادثات مع "حماس" حافظت تركيا تحت قيادة الرئيس "رجب طيب أردوغان" على علاقات طويلة الأمد مع "الجناح السياسي" لـ"حماس"، علما بأن حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان يتشارك مع الحركة أيديولوجيتها الإسلاموية. ففي عام 2006، استقبل أردوغان "خالد مشعل" الذي كان يرأس الحركة آنذاك، في خطوة خالفت الإجماع الدولي على مقاطعة "حماس" إثر فوزها في الانتخابات الفلسطينية التي جرت ذلك العام، وذلك بسبب رفضها نبذ الإرهاب أوالاعتراف بإسرائيل. وفي محطات أخرى على مر السنين، استضافت تركيا كبار قادة "حماس" وسمحت للحركة بالعمل على أراضيها، وأبقت على تواصل دبلوماسي مع قادتها وقدمت لها دعما دبلوماسيا في أوقات الضغط الدولي. وفي صيف هذا العام، اختار "خليل الحية"، الزعيم الجديد لـ"حماس"، تركيا وجهة لأول زيارة خارجية له، حيث استقبله وزير الخارجية التركي "هاكان فيدان". واللافت أن هذه العلاقة الوثيقة مكنت أنقرة أيضا من ممارسة نفوذ كبير على "حماس"، كان آخر مظاهره إقناع الحركة بقبول الاتفاقات المتعلقة بغزة. ومع ذلك، لم تصنف تركيا "حماس" قانونيا منظمة إرهابية حتى اليوم، بل يصف أردوغان أعضاءها مرارا بأنهم "مناضلون من أجل الحرية" ويشبههم بالفصائل القومية التي حاربت من أجل استقلال تركيا في القرن العشرين. وعلى نحومماثل، كانت قطر من الدول القليلة التي تحدت مقاطعة "حماس" عام 2006، إذ تعاملت مع الحركة على أعلى المستويات الدبلوماسية. ففي عام 2012، زار أمير قطر آنذاك الشيخ "حمد بن خليفة آل ثاني" غزة والتقى "إسماعيل هنية" الذي كان يشغل حينها منصب رئيس وزراء الحكومة التي تقودها "حماس" وأصبح لاحقا زعيما للحركة. وفي العام ذاته، بدأت قطر استضافة قيادة "حماس" في الدوحة بطلب من واشنطن بعد طرد الحركة من سوريا. وبين عامي 2018 و2023، نسقت قطر وإسرائيل تحويل مدفوعات شهرية إلى الحكومة التي تقودها "حماس" في غزة. ورغم أن الهدف من ذلك كان الحفاظ على عمل المؤسسات الحكومية في القطاع ومنع مزيد من عدم الاستقرار، فإنه عاد بالنفع السياسي على "حماس" ومكنها من استثمار مزيد من الموارد في تعزيز قدراتها الإرهابية. وتنظر قطر إلى علاقتها بـ"حماس" باعتبارها جزءا من مساعيها الأوسع للاضطلاع بدور محوري في الوساطة الدولية. غير أن الدوحة تميل إلى تجاوز حدود دورها بوصفها وسيطا عبر تبني مواقف دبلوماسية داعمة للحركة، غالبا بالشراكة مع تركيا. فضلا عن ذلك، دأبت قناة "الجزيرة" الممولة قطريا على انتهاج خط تحريري مؤيد لـ"حماس". وقد شهدت علاقات الدوحة بالحركة توترا في بعض الأحيان، كان آخره حين رفضت "حماس" إدانة الهجمات الإيرانية على قطر ودول خليجية أخرى، لكنها لم تقترب قط من حد القطيعة. وعلى غرار تركيا، ترى الدوحة في هذه العلاقة وسيلة لممارسة النفوذ على "حماس"، بما في ذلك ما يتعلق بالمبادرات السياسية الأمريكية مثل التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة. في المقابل، ترى القاهرة في "حماس" تهديدا وتتعامل معها بوصفها منظمة إرهابية. ويستند هذا العداء إلى ثلاثة عوامل: أولا، نشأة "حماس" في كنف جماعة "الإخوان المسلمين" التي تعد الخصم اللدود لحكومات مصرية متعاقبة، واستمرار علاقاتها بها؛ ثانيا، ما ارتبط بذلك من أفعال وسياسات انتهجتها "حماس" وهددت أمن مصر، لا سيما في حقبة "الربيع العربي"؛ ثالثا، الموقف الرسمي للقاهرة القائل بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني. وبناء على ذلك، قصرت مصر تعاملها مع "حماس" على القنوات الاستخباراتية. ورغم هذه العلاقة العدائية، تتمتع مصر بنفوذ كبير على الحركة لأسباب عدة، منها الدور المحوري الذي تؤديه القاهرة في عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، واختراقها الاستخباراتي الاستثنائي لغزة، وعلاقاتها الراسخة مع إسرائيل، إضافة إلى واقع جغرافي يجعل مصر المنفذ الوحيد غير الإسرائيلي للدخول إلى غزة والخروج منها. وقد أدت هذه الرؤى المتباينة بين حين وآخر إلى صدامات بين أنقرة والدوحة والقاهرة بشأن السياسة تجاه غزة. وتجلى ذلك بأوضح صوره خلال الحرب بين إسرائيل و"حماس" عام 2014، حين سعت قطر وتركيا إلى توجيه واشنطن نحو وقف لإطلاق النار بشروط أكثر ملاءمة للحركة. ورأت القاهرة في هذه المساعي محاولة لا لتقوية "حماس" فحسب، بل لتهميش مصر أيضا، سواء في الدبلوماسية الإقليمية عموما أوفي ملف غزة الذي تعده القاهرة قضية أمن قومي من الدرجة الأولى وانفردت بإدارته خلال الأزمات السابقة. ومنذ ذلك الحين، عادت العلاقات بين الدول الثلاث إلى طبيعتها إلى حد كبير، لكن خلافاتها العميقة بشأن "حماس" لا تزال قائمة، ولا تزال مصر حذرة دائما من أي خطوات قد تهمشها في ملف غزة. تقارب تكتيكي وتباعد استراتيجي للوسطاء الثلاثة مصلحة مشتركة في نجاح المراحل الأولى من الخطة ذات النقاط العشرين التي طرحها الرئيس ترامب. فجميعهم يرون في عدم الاستقرار في غزة محركا رئيسيا لعدم الاستقرار الإقليمي، ولدى شعوبهم جميعا تعاطف عميق مع معاناة الفلسطينيين. علاوة على ذلك، لكل منهم مصالحه الخاصة. فبالنسبة لمصر، يشكل عدم الاستقرار في غزة تهديدا مباشرا لحدودها وأمنها القومي. وبالنسبة لقطر، من شأن النجاح في غزة أن يعزز مكانتها بوصفها لاعبا دبلوماسيا. أما تركيا، فسيعزز النجاح موقعها في الدبلوماسية الإقليمية ولدى الرأي العام العربي. كما يرى الثلاثة في الخطة الأمريكية سبيلا لتعزيز علاقاتهم مع واشنطن وإبراز قيمتهم في هذه العلاقة. وبناء على ذلك، عمل الوسطاء عن كثب في العام الماضي على دفع وقف إطلاق النار قدما وضمان الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين، ثم عادوا للعمل معا في صيف هذا العام للضغط على "حماس" كي تلتزم بإخراج أسلحتها من الخدمة. وقد اتسمت هذه الجهود بتنسيق جيد حرم "حماس" من القدرة على اللعب على التناقضات بين الأطراف الثلاثة. غير أن الخلافات الجوهرية بين الوسطاء لا تزال قائمة تحت سطح هذا التعاون، وتتعلق بالدور الذي ستؤديه "حماس" على المدى البعيد في الحياة السياسية الفلسطينية المشروعة. وبطبيعة الحال، ليست الفكرة التي تطرحها تركيا وقطر عن تحول الحركة إلى حزب سياسي بالجديدة. فبعد فوز "حماس" في انتخابات 2006، اشترطت اللجنة الرباعية الدولية (الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) للتعامل مع الحركة أن تنبذ الإرهاب وتعترف بإسرائيل وتقبل الاتفاقات السابقة. وكان الهدف من هذه الشروط التي عرفت بـ"مبادئ الرباعية" ضمان ألا تجني "حماس" ثمار الاعتراف الدولي من دون أن تغير سلوكها وأيديولوجيتها الأساسية تغييرا جذريا. واليوم، تقتضي هذه المبادئ من "حماس" ليس فقط إخراج أسلحتها في غزة من الخدمة، بل أيضا نبذ الإرهاب من حيث المبدأ ونزع سلاحها في الضفة الغربية. ويوضح استمرار قادة "حماس" في الدفاع عن مجزرة 7 تشرين الأول/أكتوبر مدى أهمية هذه الشروط. إلا أن أنقرة تجاهلت مبادئ الرباعية طويلا في تعاملها مع "حماس"، ودفعت نحو نتائج تكرس الحركة حزبا سياسيا شرعيا من دون أن تتغير جوهريا. وتعارض القاهرة هذه الفكرة بشدة، وهو موقف قد ينبع من معارضة مصر لجميع الأحزاب السياسية المرتبطة بجماعة "الإخوان المسلمين"، أومن مخاوفها إزاء الهوية الإرهابية لـ"حماس"، أومن قناعتها بأن استمرار مشاركة الحركة في السياسة الفلسطينية وصفة لعدم استقرار دائم. وستترتب على هذه الخلافات بطبيعة الحال تداعيات عملية على مسار التنفيذ الحالي، إذ إن طول مدته وتعقيده سيفرضان حتما على الوسطاء الثلاثة احتواء الأزمات واتخاذ قرارات صعبة في نزاعات معقدة، بما فيها النزاعات بينهم. ورغم أنهم أظهروا تماسكا لافتا حتى الآن، ستأتي أوقات يسعى فيها كل منهم إلى توجيه العملية بما يخدم تفضيلاته الخاصة. وإذا استرشدنا بالتجارب السابقة، فمن المرجح أن تركز مصر على تقليص التنازلات المقدمة لـ"حماس" إلى أدنى حد، واللجوء إلى الضغط عند الضرورة، وعرقلة السياسات التي قد تسهم في دمج الحركة في التيار السائد. في المقابل، يرجح أن تكون تركيا وقطر أكثر تقبلا لمواقف "حماس" وأكثر استعدادا لعرض حلول وسط عليها، وأن تكونا أكثر حرصا على السياسات التي تنتهي بالاعتراف بـ"حماس" فاعلا سياسيا ودبلوماسيا شرعيا، لا سيما في حالة تركيا. الدور الأمريكي رغم انخراط واشنطن المهم في مسارات عمل مختلفة لتنفيذ وقف إطلاق النار، لا تزال المشاركة الأمريكية رفيعة المستوى متقطعة. غير أن انخراطا أمريكيا أعمق أمر لا غنى عنه، لا سيما في التعامل مع إسرائيل. فعلى أرض الواقع، أدى تكرار عدم استعداد الحكومة الإسرائيلية للوفاء بالتزاماتها إلى تعزيز الموقف التفاوضي لـ"حماس" وتقليص قدرة الوسطاء على الضغط عليها (خاصة في حالة مصر)، كما رسخ نهجا يقوم على تقديم الحوافز لمنظمة إرهابية لم تبد أي ندم. والواقع أن إدارة ترامب بعثت برسائل متضاربة بشأن دور "حماس". فالموقف الأمريكي الرسمي لا يزال راسخا في مبادئ الرباعية، إذ يتوقع من "حماس" ليس فقط إخراج أسلحتها في غزة من الخدمة، بل القيام بالمثل في الضفة الغربية وسائر مناطق نشاطها، إلى جانب نبذ الإرهاب على المستوى الأيديولوجي. لكن في الوقت نفسه، أوجد تواصل الإدارة المباشر والمتكرر مع "حماس" انطباعا بأن واشنطن تبدي مرونة إزاء دمج الحركة في التيار السياسي السائد على المدى البعيد، ولا سيما اللقاءات التي جمعت قادة الحركة بمسؤولين كبار مثل "جاريد كوشنر" والمبعوث الأمريكي الخاص "ستيف ويتكوف". ولتبديد هذه الانطباعات، ينبغي للإدارة أن تعلن موقفا واضحا يستند إلى مبادئ الرباعية ويحدد الشروط التي يمكن بموجبها قبول "حماس" حزبا سياسيا. وينبغي للمسؤولين الأمريكيين بعد ذلك الامتناع عن أي تواصل إضافي مع الحركة إلى أن تستوفي هذه الشروط، حتى وإن كان ذلك مستبعدا. كما أن تحديد هذا الموقف سيساعد الإدارة على الاستعداد للحظات الحتمية التي ينهار فيها التوافق التكتيكي بين الوسطاء الثلاثة بسبب خلافاتهم الاستراتيجية. .. |
رد: التقييم العام الأول لوقف إطلاق النار في غزة
بعد عام على وقف إطلاق النار في غزة...5
قراءة من القدس ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ (وجهة نظر أمريكية) رغم أن أي حكومة إسرائيلية جديدة تنبثق عن انتخابات هذا الشهر ستتمتع بهامش أوسع للتعاون مع إدارة ترامب في تنفيذ خطة غزة، فإن المخاوف العميقة التي أعربت عنها إسرائيل بشأن "خارطة الطريق" ستظل قائمة، ما يستدعي جهوداً دبلوماسية منسقة ورفيعة المستوى مع "مجلس السلام". ينظر الإسرائيليون عموماً إلى خطة إدارة ترامب لإزالة التهديد الذي تمثله حركة "حماس" وإرساء الاستقرار في قطاع غزة باعتبارها رهاناً طويل الأمد تبدو فرص نجاحه ضئيلة. ومع ذلك، يدركون أنها الخيار الوحيد المتاح، وأنها ستظل على الأرجح كذلك بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في وقت لاحق من هذا الشهر. فما أبرز المصالح التي تراهن عليها إسرائيل في هذا المسار؟ وكيف يمكن أن تتعامل حكومتها الجديدة مع هذه القضايا في ظل مساعي الولايات المتحدة وأطراف أخرى إلى تسريع تنفيذ المراحل المقبلة من الخطة؟ عام من اختبار حدود الخطة أدى إطلاق خطة ترامب العام الماضي، وإنشاء "مجلس السلام" ذراعاً تنفيذية لها، إلى تولي الولايات المتحدة قيادة ملف غزة، فيما انتقلت إسرائيل إلى دور ثانوي، وإن ظل بالغ الأهمية. وجاء هذا التحول نتيجة إخفاق إسرائيل في تحقيق أهدافها كاملة في غزة بعد عامين من القتال العنيف الذي أعقب هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر. فقد منيت "حماس" بهزيمة عسكرية، لكنها احتفظت بقدرتها على الحكم وطورت قنوات لاستعادة عافيتها. حددت خطة ترامب صراحة أهداف إسرائيل في غزة: إطلاق سراح جميع الرهائن (وهو ما تحقق في المرحلة الأولى)، ونزع سلاح "حماس" وإبعادها عن السلطة، وضمان ألا تستخدم غزة مجدداً منصة لتهديد إسرائيل. وقدمت الخطة مساراً يغلب عليه الطابع السياسي لتحقيق هذه الأهداف العصية على التحقق، من دون توفير آليات لإنفاذها على الأرض. غير أن إسرائيل لا تعتقد أن هذا النهج سينجح في التعامل مع تنظيم إسلاموي عنيف مثل "حماس". ولذلك، سعت خلال العام الماضي إلى اختبار حدود الخطة قدر الإمكان، فأبقت الضغط الميداني المتواصل على الحركة، واشترطت نزع سلاحها قبل أي إعادة إعمار، وتعمدت إبطاء تنفيذ الجوانب السياسية من الخطة. ووسعت إسرائيل أيضاً نطاق سيطرتها الفعلية في غزة من نحو 53 في المئة من مساحة القطاع (المنطقة التي حددها "الخط الأصفر" لوقف إطلاق النار العام الماضي) إلى نحو 64 في المئة (المنطقة التي يحددها "الخط البرتقالي" الأحدث). ولا تزال "حماس" تسيطر على المساحة المتبقية، حيث تعيش الغالبية العظمى من سكان غزة البالغ عددهم مليوني نسمة. وواصلت إسرائيل استهداف كبار العناصر الإرهابية والبنية التحتية العسكرية في تلك المنطقة، ما أعاق مساعي "حماس" إلى استعادة سيطرتها على الحكم واسترجاع بعض قدراتها العسكرية، من دون أن يوقفها تماماً. في غضون ذلك، أتاح التعاون الإسرائيلي في إيصال المساعدات تحسناً ملموساً في الأوضاع الإنسانية. لكن مع بقاء غزة أنقاضاً، تفاقمت مشكلات الصرف الصحي والنظافة العامة، فيما يواجه السكان نقصاً حاداً في أماكن الإيواء الملائمة مع اقتراب الشتاء. تأخر تفعيل الهيئات التنفيذية المنصوص عليها في خطة ترامب: فلم تدخل "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" القطاع بعد بسبب مخاوف أمنية؛ وتوقف تدريب الشرطة الفلسطينية لأن إسرائيل لم تتعهد بالسماح تلقائياً للمتدربين الذين اجتازوا التدقيق الأمني بالعودة إلى غزة؛ ولا تزال "قوة الاستقرار الدولية" في مراحل تأسيسها الأولى. وفي 26 تموز/يوليو، وافق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي على نشر أولي محدود للغاية يضم 200 جندي من القوة الدولية ينتمون إلى "دول صديقة". غير أن إسرائيل رفضت مقترحات لإشراك قوات تركية، باعتبار تركيا دولة غير صديقة. مخاوف القدس من خارطة الطريق لإقناع "حماس" بقبول خارطة طريق التنفيذ المعلنة في تموز/يوليو، ولو ظاهرياً، لجأ "مجلس السلام" إلى مزيج من الضغوط السياسية الناعمة التي مارسها الوسطاء الإقليميون (مصر وقطر وتركيا)، والانخراط الأمريكي المباشر، وحوافز أخرى. وأثار هذا النهج مخاوف متعددة لدى إسرائيل. بالنسبة إلى إسرائيل، يعد نزع سلاح "حماس" وسائر التنظيمات الإرهابية في غزة المهمة الأهم، لكنه أيضاً تحد بالغ الصعوبة. فقد رسخت الحركة قدراتها العسكرية في القطاع بعمق على مدى سنوات، وأنشأت شبكات أنفاق متطورة تمتد مئات الأميال، إلى جانب مشروعات ضخمة أخرى للتسلح. وفي ضوء الصدمة الوطنية التي خلفها هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، تصر إسرائيل اليوم على أن يكون نزع السلاح شاملاً لجميع الجهات والقدرات، وكاملاً، وقابلاً للتحقق، ودائماً. يرى معظم الإسرائيليين أن نزع السلاح فعلياً يتطلب أن يظل تهديد موثوق بعملية واسعة النطاق يشنها "جيش الدفاع الإسرائيلي" مسلطاً على "حماس"، إذ تمسكت الحركة بوضوح بعقيدتها القتالية، وبذلت خلال العام الماضي جهوداً ظاهرة لإعادة بناء جناحها العسكري وإعادة التسلح. لكن إسرائيل تدرك أن الولايات المتحدة لن تمنح على الأرجح الضوء الأخضر لتوسيع استخدام الخيار العسكري في المستقبل المنظور. وفي أفضل الأحوال، تقدر الاستخبارات الإسرائيلية أن أشكالاً أخرى من الضغط قد تدفع "حماس" إلى التخلي عن بعض قدراتها العسكرية الثقيلة، مع الاحتفاظ بأسلحة أخرى. وفي جميع الأحوال، ستسعى الحركة إلى كسب الوقت للتملص من نزع سلاحها أطول فترة ممكنة. وخلال المشاورات المستمرة مع الحكومة الأمريكية و"مجلس السلام" منذ تموز/يوليو، أثارت إسرائيل سلسلة من التساؤلات والاعتراضات بشأن خطط نزع سلاح "حماس" وإبعادها عن السلطة: • بما أن الشرطة الفلسطينية و"قوة الاستقرار الدولية" لم تصمما لنزع سلاح "حماس" بالقوة، فكيف سيضمن "مجلس السلام" الامتثال الكامل في غياب أدوات الإنفاذ اللازمة على الأرض؟ وما العواقب التي ستترتب على عدم الامتثال؟ • تدعو خارطة الطريق إلى "تفكيك" القدرات العسكرية لـ"حماس" وبنيتها التحتية، وتسليم أسلحتها الثقيلة إلى "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" لتخزينها. لكن إسرائيل تطالب بتدمير جميع هذه الأسلحة ومكونات البنية التحتية أو إخراجها فعلياً من غزة، لضمان عدم تمكن "حماس" من الوصول إليها مجدداً. وقد أبلغ "مجلس السلام" إسرائيل أن هذه القدرات ستصبح بالفعل "غير قابلة للاستخدام"، لكن لم يتضح بعد كيف سيحدث ذلك ومتى. • تمنح طبيعة الخطة وبطء تنفيذها "حماس" وقتاً ومساحة أكبر مما ينبغي لإعادة تنظيم صفوفها. وتقدر السلطات الإسرائيلية عدد مسلحي الحركة حالياً بنحو 30 ألفاً، وهو عدد آخذ في الازدياد. • تنص خارطة الطريق على نزع مرحلي للسلاح، بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي تدريجي إلى نطاق أمني قرب الحدود التي كانت قائمة قبل الحرب. لكن إسرائيل تصر على ألا ينفذ جيشها أي إعادة انتشار إضافية قبل استكمال نزع السلاح بصورة كاملة وقابلة للتحقق، باستثناء التراجع عن التوسع المحدود الذي نفذه خلال الأشهر الأخيرة، أي العودة من "الخط البرتقالي" إلى "الخط الأصفر". ولم يتفق بعد على الترتيب الدقيق لمراحل الانسحاب الإسرائيلي. • طلب "مجلس السلام" من إسرائيل حصر ضرباتها في غزة بالتهديدات "الوشيكة". لكن إسرائيل، استناداً إلى عقيدتها الوقائية التي تبنتها بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، أصرت على استهداف التهديدات "الناشئة" أيضاً، وفسرت هذا الوصف تفسيراً واسعاً. وفي الأسابيع الأخيرة، وبموافقة أمريكية ضمنية، كثفت استهداف كبار القادة العسكريين في "حماس" (إذ قتلت ثلاثة من قادة ألويتها الخمسة)، إلى جانب أشخاص شاركوا في مجزرة السابع من تشرين الأول/أكتوبر. • تبدو "حماس" مستعدة للقبول بخطط إقامة حكومة بديلة في غزة، إذ تدرك بلا شك عبء حكم منطقة دمرت بهذا القدر من دون امتلاك الوسائل اللازمة لإدارتها. لكن إسرائيل، التي أخفقت في إيجاد بديل لـ"حماس"، تخشى ظهور "نموذج حزب الله" في القطاع، بحيث يواصل مسلحو الحركة التحكم في القرارات من وراء الستار بدعم من الموالين لها في الجهاز الإداري، حتى لو تولت جهات أخرى القيادة الرسمية. ويزيد من هذا القلق ما توحي به خارطة الطريق من احتمال السماح لـ"حماس" بالاحتفاظ بأسلحة شخصية خفيفة. فقد أثبتت الحركة مراراً أن الأسلحة الخفيفة تكفيها لفرض سيطرتها داخلياً. ومع ذلك، تكتفي خارطة الطريق بالنص على أن الأسلحة الشخصية "ستخضع لأحكام القوانين الفلسطينية ذات الصلة"، بينما أشار "مجلس السلام" بصورة منفصلة إلى أنه سيطرح برنامجاً لإعادة شراء هذه الأسلحة. • وتفيد تقارير أيضاً أن الوسطاء الإقليميين وعدوا "حماس" بالسماح لها بخوض الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وإن كان ذلك باسم مستعار وضمن ائتلاف، إذا وافقت على مبدأ تفكيك "جناحها العسكري" والتخلي عن حكم غزة. ولم تخف قطر وتركيا يوماً رغبتهما في إضفاء الشرعية على "حماس" بوصفها طرفاً سياسياً. لكن إسرائيل ترفض هذا السيناريو في ضوء الدروس القاسية التي استخلصتها من السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ومن فوز "حماس" في الانتخابات التشريعية عام 2006. التداعيات الانتخابية في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، لم يقدم أي من الأحزاب الرئيسية المتنافسة استراتيجية جديدة بشأن غزة. بل حالت الحسابات الانتخابية دون إبداء الحكومة الحالية مرونة في تنفيذ خطة ترامب، ما دفع المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر إلى القول إن "الانتخابات المجنونة" في إسرائيل تجعل مسؤوليها "غير عقلانيين بعض الشيء". ورغم أن غزة ليست الجبهة الأهم أو الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى إسرائيل، التي ينصب اهتمامها بدرجة أكبر على إيران ولبنان، فمن المرجح أن تتبنى أي حكومة جديدة الأولويات التالية: • التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة، بما يستلزم العمل ضمن إطار خطة ترامب. • التمسك باستمرار حرية إسرائيل في التحرك لمواجهة التهديدات. • جعل نزع سلاح "حماس" الشرط الذي تتوقف عليه جميع العناصر الأخرى في الخطة. • شريطة تحقيق ما سبق، إبداء قدر أكبر من المرونة في المسائل الرئيسية المتعلقة بالتنفيذ، ولا سيما تسريع تشكيل الشرطة الفلسطينية و"قوة الاستقرار الدولية" ونشرهما، وحسم تفاصيل إعادة الانتشار الإسرائيلي على مراحل، والمضي قدماً في حلول الإسكان والأنشطة التجارية وغيرها من البرامج المدنية. • التعاون مع "مجلس السلام" في تنفيذ مشروعات تجريبية لإعادة الإعمار ("مناطق آمنة") في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في غزة، بهدف مساعدة السكان المنكوبين ومنحهم أملاً في المستقبل، والضغط على "حماس" عبر تشجيع سكان غزة على الانتقال من المناطق التي تسيطر عليها الحركة إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. ومن ثم، فإن إحدى المسائل المهمة القليلة التي تتوقف على نتائج هذه الانتخابات هي ما إذا كان الناخبون سيختارون قادة مستعدين للنظر في السماح للسلطة الفلسطينية بالاضطلاع بدور متنام في غزة. الخلاصة رغم أجواء التشكيك السائدة، فالحقيقة أن "حماس" ضعفت بدرجة كبيرة عسكرياً ومالياً وسياسياً. ووفقاً لاستطلاعات رأي حديثة، تراجع التأييد الشعبي الفلسطيني للحركة ولـ"الكفاح المسلح" الذي تمثله تراجعاً ملحوظاً. لذلك، وبعد تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، يفترض أن تتمكن واشنطن والقدس من استغلال هذا الضعف وإعادة الزخم إلى خطة ترامب، من خلال إعطاء ملف غزة الأولوية وتسريع وتيرة التنفيذ. ولتحقيق هذه الأهداف على أفضل وجه، ينبغي اتخاذ الإجراءات التالية: • استخدام جميع أدوات الضغط المتاحة إلى أقصى حد، بما في ذلك إبقاء الخيار العسكري الإسرائيلي مطروحاً، صراحة أو ضمناً. • تسريع نشر الهيئات المعنية بتنفيذ الخطة على الأرض. • البدء بإعادة الإعمار في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في غزة في أقرب وقت ممكن، مع اشتراط نزع سلاح "حماس" فعلياً قبل أي إعادة إعمار في المناطق التي تسيطر عليها الحركة. وينبغي أن يكون ذلك أيضاً شرطاً مسبقاً لأي إعادة انتشار إسرائيلية. • تشديد الضغط المالي على "حماس"، مع التركيز على منعها من استغلال المساعدات الواردة لملء خزائنها. • الضغط على قطر وتركيا لعدم إتاحة أي سبيل أمام "حماس" للتهرب من نزع السلاح الفعلي، وتجنب مكافأة الحركة سياسياً. • تسريع تنفيذ الحلول الإنسانية، مع التركيز على إعادة تأهيل البنية التحتية وتوفير أماكن الإيواء الملائمة. أما بشأن القضايا السياسية الأطول أمداً، فسيكون من الصعب سياسياً على أي حكومة إسرائيلية في المستقبل المنظور تأييد الطموح الأمريكي إلى رسم مسار يفضي في نهاية المطاف إلى إقامة دولة فلسطينية. وفي الوقت الراهن، ينبغي إيلاء اهتمام أكبر لإصلاح السلطة الفلسطينية إصلاحاً حقيقياً، بما يمكنها من الاضطلاع بدور في غزة ويعزز هذا الدور. وبالتوازي مع ذلك، ينبغي لجميع الأطراف تجنب إضفاء الشرعية السياسية على "حماس"، سواء بمساعدتها على المشاركة في الانتخابات الفلسطينية المقبلة أو بالتخطيط لمزيد من التواصل الأمريكي المباشر مع مسؤوليها. وأخيراً، ينبغي أن تتكامل جهود نزع السلاح ونزع الشرعية مع جهود مكافحة التطرف، ولا سيما البرامج الرامية إلى توعية سكان غزة بمخاطر التطرف الإسلاموي وخطاب الكراهية. فقد ظلت هذه البرامج حلقة أساسية مفقودة في غزة لفترة طويلة، ومن شأن المضي في تنفيذها أن يبعث برسالة مفادها أن القدس وواشنطن تمتلكان من الحكمة الاستراتيجية والصبر والمثابرة ما يكفي لكسب هذا الرهان الطويل الأمد. .. |
| الساعة الآن 02:53 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط