![]() |
ما لا يقوله المطر
كان الغيمُ ذاتَ مساءٍ يحمل في صدره حكايا الماء، يمضي مثقلًا بأسرار السماء، كأنما اختزن من أنفاس الأرض ما يكفي ليعيد إليها نبضها الأول. ثم أقبل في صمتٍ مهيب، لا يطرق الأبواب، بل يوقظ النوافذ من غفوتها، وينثر على وجه التراب رسائلَ لا تقرؤها إلا القلوب التي ما زالت تُصغي لحديث الأشياء.
هبطت القطرة الأولى، فارتعش وجه الأرض كأنها عرفت صوتًا غاب عنها طويلًا. لم تكن قطرةً عابرة، بل كانت قبلةً من السماء على جبينٍ أرهقه الانتظار، وهمسةً خفية تقول للتراب: ما زالت فيك أسرارٌ لم تولد بعد. هناك، بين شقوق اليابس، كانت بذورٌ صامتة تحمل في أعماقها مواسمَ من الخضرة، تنتظر يد الغيث لتزيح عنها ستار الغياب. فما الموت الذي نراه في الأشياء إلا سكونٌ طويل قبل انبثاق الحياة، وما الصمت إلا لغةٌ أخرى لا يسمعها إلا من ألف التأمل. كان المطر ينسج على وجه الطريق وشاحًا من اللمعان، ويوقظ في الحقول ذاكرةً قديمة؛ فهذه شجرةٌ تفتح ذراعيها للريح، وهذه زهرةٌ ترفع رأسها كأنها تستقبل زائرًا طال غيابه، وهذا جدولٌ صغير خرج من مخبئه ليحكي للصخر أن للحياة دائمًا طريقًا، وإن طال الاحتباس. وللمطر قلبٌ يشبه قلوب العارفين؛ يعطي دون سؤال، ويهطل على الجميع دون أن يختار لونًا أو مكانًا. يلامس القصر كما يلامس الكوخ، ويصافح الوردة كما يعانق العشب الصغير، وكأنه يقول للكون كله: إن الرحمة لا تعرف إلا طريق العطاء. كنت أرقب انسكابه على الزجاج، فأرى فيه حروفًا لا تشبه الحروف، وأسمع نغمًا لا تصنعه الآلات. كأن القطرات أصابع خفية تعزف على أوتار الروح، فتستخرج من أعماقها ألحانًا كانت مختبئة تحت ركام الأيام. وكم يشبه الإنسان غيمةً بعيدة؛ يحمل في داخله ما لا يراه الآخرون، وقد يثقل صدره بما ادخر من أحزان، حتى إذا جاءته لحظة صدقٍ أو رحمةٍ أو دعاء، انفرجت مغاليقه، وانهمر ما فيه حياةً على من حوله. إن بعض الدموع ليست انكسارًا، كما أن بكاء السماء ليس حزنًا؛ فرب دمعةٍ أحيت قلبًا، ورب مطرةٍ أحيت وطنًا من الجدب. وما كل ما يخرج من العين ألمًا، فقد تكون الدموع أحيانًا غسلًا للروح، كما يكون المطر غسلًا لوجه الأرض. ثم مضى الغيم، وخفت صوت القطرات، وبقيت الحكاية معلقةً في الهواء؛ شجرٌ أكثر اخضرارًا، وترابٌ أكثر عطرًا، وقلوبٌ خرجت من عزلتها وهي تحمل شيئًا من صفاء السماء. وهكذا يمضي المطر... لا يترك اسمه على الأشياء، لكنه يترك أثره فيها. لا يطالب الأرض بأن تتذكره، فهي تعرفه حين تُخرج من أعماقها ربيعًا جديدًا. وكذا أصحاب الرحمة والجمال؛ يمرون في الحياة كالغيث، لا يطلبون تصفيقًا، لكنهم يتركون وراءهم مواسم لا تنتهي من النور. |
رد: ما لا يقوله المطر
الشاعر المتألق عبد الحافظ أحمد الجندي،
لقد نجحتَ في رسم لوحة بصرية متكاملة الأطراف؛ فالمطر ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل كائن حي يحمل أسراراً، والقطرة هي "قبلة من السماء على جبين أرهقه الانتظار"، وهذا تصوير بليغ ينم عن حس فني عالٍ. امتاز نصك بإيقاع هادئ ينساب بسلاسة تشبه خرير الماء ووقع القطرات، وقد ساعدك على ذلك حسن اختيار الألفاظ مثل: (صمت مهيب، يوقظ النوافذ، رتعش وجه الأرض، ينسج وشاحاً). أبرز ما ميز الخاطرة هو الانتقال السلس من وصف الطبيعة إلى عمق النفس البشرية؛ فالربط بين غيمة المطر وثقل صدر الإنسان بالأحزان، وبين بكاء السماء ودموع البشر، أضفى على النص أبعاداً إنسانية ووجدانياً دافئاً. الخاتمة جاءت متسقة تماماً مع روح النص، حيث جعلت المطر رمزاً لصناع الجمال والرحمة الذين يمرون بسلام ويتركون أثراً لا يُمحى، وهي لفتة دلالية عميقة. أنت كاتب تمتلك قلباً رقيقاً ولساناً عذباً، وقدرةً فريدة على استنطاق الطبيعة وتحويل عناصرها إلى مشاعر نابضة بالحياة. هذه الخاطرة تحمل مشروع نص نثري رفيع المستوى، وكل ما تحتاجه هو مزيد من التكثيف اللفظي والتحليق في فضاء الرمز بعيداً عن التقريرية المباشرة. دمت محلقاً في سماء الإبداع، وبانتظار المزيد من غيث يراعك. تحياتي.. |
رد: ما لا يقوله المطر
أثبت هذا البهاء الأخاذ
وأعود إليه مع التقدير لأخي المكرم وكل الاحترام . |
رد: ما لا يقوله المطر
هذا النص من النصوص التي تستهويني
هذه اللغة تغرقني وتغويني شخصيا .. كل نص عناصره الطبيعة بطيورها وأيكها والأغاريد بنسائم الأصيل وحمرة الغروب ، برذاذ الندى الفجري والضياء الوردي حين يختلط بالغلس وبآخر سدف الليل مفسحا المدى للفجر .. تشعره نص يفتح أفقا تلو أفق فما بالك واللغة بهذا الألق والفكر العميق يستنطق معان خفية ويخلق فلسفة لرمزية المطر وحكاياته وأسراره ولثمه صدر الأرض فتعبق بروائح العشق الدفين .. وما هذا الضوع والعطور التي تفوح وتتصاعد إلا وَثْبات فرح واشتياق التربة للمسة الرواء .. فارهة وأنيقة لغتك وجانب الخيال والفلسفة واللغة الرمزية التي تفتأ تمدد ظلالها إلى أبعد من المحمول اللغوي والعبارات ودلالاتها .. أستاذي وأخي المكرم / عبد الحفيظ الجندي تشرفت بك أروقة المنتدى شعرا ونثرا سعداء بقلمك الأنيق بيننا .. |
رد: ما لا يقوله المطر
اقتباس:
ما سطَّرته أناملك ليس تعليقًا على نص، بل نصٌّ آخر يجاوره في الألق، ويؤكد أن الكلمة الجميلة لا يكتمل بهاؤها إلا حين تقع في قلبٍ يحسن الإصغاء إليها، وعقلٍ يدرك ما وراء ظاهرها من الإيحاء والرمز. لقد بلغتِ من حسن القراءة مبلغًا جعلني أرى نصي بعينيك، فألفيتُ فيه من المعاني ما أضاءته ذائقتك الرفيعة، وكأنكِ أزحتِ الستار عن خفايا كانت تستحي أن تعلن نفسها إلا لقارئٍ من طرازك. أما هذا الثناء الكريم، فأحسبه من فيض نبلك، وسعة فضلك، وحسن ظنك، وهو وسام أعتز به، يحملني مسؤولية أن أظل وفيًّا للكلمة، ساعيًا إلى أن يكون الأدب رسالةً تسمو بالروح، وتوقظ الجمال الكامن في الأشياء. فلكِ مني خالص الامتنان، وجميل الدعاء، وليرعَ الله قلمًا إذا كتب أمتع، وإذا قرأ أنصف، وإذا نقد أنار. دمتِ أديبةً تتهادى على ضفاف اللغة، وتغرس في رياض الأدب من الورد ما يبقى عبيره في الذاكرة طويلًا. |
رد: ما لا يقوله المطر
اقتباس:
قرأتُ كلماتكم كما تُقرأ الرسائل النادرة؛ بامتنانٍ يفيض، وتأملٍ يعلّم، وسرورٍ يضاعف مسؤولية الكاتب تجاه حرفه. لقد أوليتم النص عناية الناقد البصير الذي لا يكتفي بالإشادة، بل ينفذ إلى أعماق التجربة، فيستخرج ما خفي على صاحبه أحيانًا. وما تفضلتم به من ملاحظات، ولا سيما دعوتكم إلى مزيدٍ من التكثيف والتحليق في فضاء الرمز، هو توجيه أعتز به، وسأجعله نصب عيني في محاولاتي القادمة. أسعدني أن تجد الخاطرة صدى لديكم، وأن تلامس شيئًا من ذائقتكم الرفيعة؛ فشهادة ناقدٍ يمتلك هذا الحس المرهف وسامٌ أعتز به، وحافزٌ للمضي في طريق الكلمة الصادقة. جزيل الشكر لكم على هذا النقد الراقي، وعلى كرمكم الأدبي، وبارك الله في قلمكم، وأدام عليكم جمال الذائقة ونبل الحرف. خالص التقدير والاحترام. |
رد: ما لا يقوله المطر
(وهكذا يمضي المطر... لا يترك اسمه على الأشياء، لكنه يترك أثره فيها. لا يطالب الأرض بأن تتذكره، فهي تعرفه حين تُخرج من أعماقها ربيعًا جديدًا. وكذا أصحاب الرحمة والجمال؛ يمرون في الحياة كالغيث، لا يطلبون تصفيقًا، لكنهم يتركون وراءهم مواسم لا تنتهي من النور.) . . . هذه القفلة ليست قفلة عادية أو كلمات عابرة ، كلا هذه القفلة من قلب عميق، حكيم ..يحمل عبق تراب اليمن السعيد.. . . .كل التقدير والاحترام |
| الساعة الآن 08:41 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط