منتديات مجلة أقلام

منتديات مجلة أقلام (http://montada.aklaam.net/index.php)
-   منتدى القصة القصيرة (http://montada.aklaam.net/forumdisplay.php?f=5)
-   -   فن التكرار.. (http://montada.aklaam.net/showthread.php?t=74822)

عبد الرحيم الجزائري 18-09-2025 12:38 PM

فن التكرار..
 
في صباح بارد، اجتمعت الحيوانات في ساحة الأمم كأنها تحضر جلسة برلمان شكلي لا أحد يصدّق نتائجه. جلس الأسد على صخرته العالية، يوزّع المهام بصوت خافت، أقرب إلى الموظف الحكومي الذي يقرأ نصًّا محفوظًا، لا يملك تغييره:

الحمار يجلب الحطب والماء (ولما لا؟ فكل الدساتير القديمة تؤكد أن الحمار خُلق ليُحمَّل).

الكلب يحرس ويصيد (الأمن قبل الخبز).

الخنزير يحرث الأرض (الزراعة دائمًا من نصيب من يهوى الطين).

الأرنب يوقد النار (قربان صامت لدفء الآخرين).

البقر والماعز يسكبان الحليب (إنتاج أبدي، لا ينقطع، ولا يطالب بأجر مطلقا).

كل شيء بدا طبيعيًا في عالم يتقن فن التكرار. لكن عند آخر الصف، حيث يقف الذئب متأملًا الغابة، حدث شيء عجيب: التفت إليه الأسد وقال بجفاء:
"أنت… سترعى الجديان."

ارتجف الذئب، ثم انفجر ضاحكًا ضحكة قصيرة تشبه ضحك سجين يسمع عن لجنة عفو:
"أنا؟ راعٍ للجديان؟! لم أولد لهذا. اختر غيري."

الحيوانات كلها أدركت أن الاعتراض خطر. فنظروا إلى الأرض بجديةٍ مصطنعة. الكلب عضّ ذيله كمن يقول في سره: "اللهم لا تجعلها نصيبي." الأرنب قفز قفزة عصبية كأنها ترفيه مسرحي. أما الأسد، فبقي على حاله، متقنًا دور الحاكم الذي يكرر جملته الأبدية:
"الأوامر لا تُناقش."

الذئب لم يسكت، تحدث عن مزاجه، عن صعوبة الجديان، عن أنه غير مناسب. لكن الأسد اكتفى بنظرة سريعة، ثم أغلق الجلسة، كما تُغلق جلسات برلمان لا يغير قرارات معدّة سلفًا.

في المساء، أُرسل رسول يسأل عن قرار الذئب. وجده عند حافة الغابة، رأسه بين كفيه، كمن أفاق أخيرًا على فداحة المهمة.

سأله الرسول بدهشة بريئة:
"ما الذي يبكيك أيها الذئب؟"

رفع الذئب رأسه، ابتسم ابتسامة شاحبة وقال:
"بكيت… لأنني خفت أن تكون مجرد كذبة. لكن ما يخيفني أكثر… أن تكون حقيقة."

راحيل الأيسر 19-09-2025 06:30 AM

رد: فن التكرار..
 
الكثير من الرمزية هنا
والكثير من الاسقاطات السياسية ..
لغة منسابة وأحداث ظاهرة تخفي خلفها أحداثا أخرى يعلمها من ألقى السمع وأيقظ الضمير والقلب ..

اللغة سلسة كعادتك
تقول بعبارات قليلة الكثير مما تود قوله
ويصل المتلقي المعاني كاملة بسبب دقة اختيارك للفظ من بين مرادفاتها ..

أعان الله من يعيش في الغابة
ستبقى الغابة غابة
والحكم والأمر والنهي والغلبة في الغاب للأقوى
والأقوى هنا بمعنى ( الأكثر بلطجة )


تحيتي وتقديري للقاص المبدع أستاذنا / عبد الرحيم الجزائري ..

راحيل الأيسر 19-09-2025 06:31 AM

رد: فن التكرار..
 
أثبت النص مع التقدير لأستاذنا المكرم

عبد الرحيم الجزائري 21-09-2025 03:54 PM

رد: فن التكرار..
 
في صباح آخر، بدا المشهد كما هو: الأسد على صخرته، والبقية مصطفّون في صفوف مطيعة، يرددون واجباتهم اليومية كأنها أذكار عبودية قديمة. غير أن مكان الجديان صار فارغًا، كفراغ سرّ لا يُسأل عنه. لم يتجرأ أحد على ذكرهم، وكأنهم لم يكونوا يومًا.

الذئب، وقد اعتاد مذاق اللحم الطري، صار أكثر هدوءًا، وأكثر دهاءً. ابتسم للأسد باحترام زائف، ثم قال بصوت متهدج يشبه صوت من يُلقي تقريرًا رسميًا:
"مولاي، الحمار لم يعد يطيع. يتأفف من الحمل، ويتذمّر من الماء. وربما يفكر في العصيان."

تجهم الأسد قليلًا، وهزّ رأسه بحكمة مصطنعة:
"لا مكان لمن يعصي. أبعده عن القطيع."

انطلق الذئب، وعاد مساءً يمسح فمه كمن عاد من مهمة عسكرية ناجحة. قال للأسد بنبرة باردة:
"الحمار… صار بعيدًا. لن يقلقك بعد اليوم."

في اليوم التالي، وقف الذئب بين الصفوف، وألقى بشكوى جديدة:
"الخنزير، يا مولاي، صار يعبث في الحقول، لا يحرث كما ينبغي. وكأنه يفسد أكثر مما يصلح."

كرّر الأسد الجملة نفسها، بصوت متعب:
"الأوامر لا تُناقش. أبعده."

ومرة أخرى، غاب الخنزير كما غاب الحمار.

هكذا مضى الأمر: الأرنب "يختبئ"، الكلب "يشك في ولائه"، البقر والماعز "لم يعودا منتجين كما في السابق". والذئب في كل مرة يعود من مهمته بابتسامة شاحبة، يردد عبارته المعتادة:
"لقد أبعدتهم… بعيدًا."

مع مرور الأيام، خلت الساحة من الأصوات، ولم يبقَ إلا الذئب والأسد. جلس الأسد على صخرته، يحدّق في الفراغ، كأن شيئًا يثقل صدره.

اقترب الذئب بخطوات بطيئة، ثم جلس أمامه وقال بهدوء مريب:
"مولاي، لم يبقَ أحد… غيرك."

لم يردّ الأسد، لكنه شعر لأول مرة برعشة غامضة. كأن كلمة "بعيدًا" التي طالما صدّقها، صارت الآن تقترب منه.


الساعة الآن 07:10 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط