![]() |
مقدّمة ديوان بكر
مقدمة
بقلم فوزي الديماسي / تونس أجدني على قارعة النص الشعري كما الطفل على رمل الجمال ، يعبث بحبّات حروفه ، فيبني في الخيال قصورا ، مدائن ، فتذروها الأمواج ، ويعيد الكرة مرة ، بعد مرّة ، وأريج الصّور المتدفّقة يحثّ فيه قوافل الحيرة ،والسؤال ، فيطلق لفلك التفكّر العنان ، فيمخر عباب النّظم ، لعلّه يدرك على درب الدهشة لحظته الهاربة ، ويشدّه وجع الكتابة إلى جذع المعنى ، ويمنّي النفس ببراءة طفلة تداعب دميتها والأحلام بلقاء عاشق في محراب التجلّي ، والذوبان في ماء اللغة الهادر ، أليست اللغة صلب الشعر ، وترائبه ، إنّها مادّته ، ووجعه ، وروحه التي بها يبعث من كهوف الصمت ، وهي مخزن الوجود ، وقراره المكين على حدّ تعبير الفيلسوف هايدغار ، ذلك هو الشعر ، إنّه لحظة إنصات للصوت القابع في قيعاننا ، بل هو رسم لا بالكلمات فحسب ، كما عرّفه الشاعر نزار قباني ، إنّما هو رسم بالهمّ الذاتي ، والموضوعيّ على حدّ السواء ، ورسم بالآهات ، والدمع ، ونار الذكريات ... هو تواشج ، وتنافر ، هو مدّ ، وجزر بين الذات الجوانيّة ، وأخيّتها البرّانيّة على حد تعبير الأستاذ مطاع صفدي ، مرّة بمرّة ، لعبة الوجه ، والقفا ، وديوان الشاعرة حياة اليعقوبي " ذاكرة في شاعرة " هو ساحة لألوان شتّى من الأحاسيس ، والمشاعر ، تجسّمها لغة حالمة ، محترقة في آن ، وذات / شاعرة مضطربة على جنبي قولها المتوتّر ، تراوح مكانها بين الاقتصاد ، والإسراف ، بين الفجر والديجور ، وأجدني لحظة دخولي إلى نصوصها ، كامرأة على باب البحر ، والشمس مائلة إلى المغيب تنتظر قدوم حبيبها ، قد يأتي ، وقد يخيب انتظارها ، وبين الحلم ، والخيبة وبين أروقة الصّور المتدافعة على عتبات النصّ ، والكلمات أحاول مسك خيط عوالمها ، وتبّينه ، فيرتدّ إليّ الفكر ممتطيا صهوة حيرة عاتية ، فكنت إزاء قصائدها في مهبّ اللذّة ، كما الماسك على الماء ، أسوة بقولها : اعترفت بوجعي....ككل العشاق فكنت القصيدة......قرأها الجميع إلا أنت ........ ويبقى الأمل ، ألم يقل أجدادنا " ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل " ، و الشعر أمل أو لا يكون ، كذلك قصائد حياة اليعقوبي ، تحثّ كلماتها الغد في النفس ، وعلى إجهادها تحاول الذات التائهة / الشاعرة مواصلة الرحلة ،والترحال ، فتخضّب كلماتها أحلامها بمدائن من زبرجد ، ونخل ، وماء ، وتشيّد على شاطئ الأماني مسالك للعاشقين ، وتنفخ في خمول الفجر أجنحة من طين اللغات ، وضياء الأفق ، وترسم على ثغر الوجود بالثلج خرائط للمشرّدين ، وترفع القمر في عليّين ، وتجعل من القلب مرافئ لعرائس البحر، وحكايا الأوّلين ، وتزرع في الكهوف نار القرى ، وترتّل في سكون الحيرة آيات من دفاتر الغاوين ، ثمّ توجّه وجهها شطر رؤاها ، فيسفّه واقعها انتظاراتها : على مفرق الحلم أنظم لوعتي يغتالني الشوق طي الكلام ناح لون قتامتي ورسمت عند الريح فجر غيابها وأسرع خطوي لوهم يجيء قميص خطايا وأنت الملاذ سأشكوه وجدي ونفسي.....أبت نأت ....ما اشتكت لكي لا ألوك الأماني وبعض الحكايا وقصائدها كما البدو ، دائمة الترحال في دروب "المحاولة " بحثا عن مستقرّ ، لذلك كانت جلّ نصوصها قلقة ، متوتّرة ، مختفلة الطول ، والقصر ، تارة تجيء بوحا ، وبالتلغيز ، والإختزال والتكثيف تتدثّر أطوارا ، تسلك طرقا أخرى ، إنّها رحلة ممتعة على لوح القول النبيل ، بين الحلم ، والجرح ، والذكريات ، والأمنيات ، والأمل ، ووجدتني بين ثنايا النصّ كأهازيج النسوة في حقول الخلق ، والبناء ، كأغاني الرعاة ، كآهات الثكالى ، وأحلام العذارى على حافة غدير العمر ، كلمات تحثّ الحياة على السير نحو نقطة الضوء الموعودة ، وتعلّم الوجود تراتيل النخل ، كما يبقى الوطن في وجدان الشاعرة قيمة القيم ، تناجيه ، تهدهده ، تبكيه ، تزفّ إليه أسباب التحليق ، وترسمه بريشة القريحة في دنيا الحرائر نؤوم الضحي رافلة في الماء ، والبهاء كما في قولها : لماذا يحاصرني الغياب يا بلدي .... يا شمس هذا الليل أين الأفول ....؟ أو في قولها : هلا عدت ودخلت مدن العشق والجياع قلوبا سحقتها الغربة هلا نفخت الروح في اليراع وتدثر بما شئت من ألوان الحب بدون امتناع خذ من رحيق الأرض طيبها.....ولو كنت في مدن الضياع خط أحلامك على أسوارها فهنيئا لحلمك المستطاع يغزوه أمل .... ذلك هو الشعر في ديوان حياة اليعقوبي معاناة ، أسوة بقول الأستاذ محمود المسعدي واقتفاء لآثاره وسننه في فنّ القول ، وماهيته " الأدب مأساة أولا يكون " وتعدّدت في المأساة وجوهها : لغويّة ، وحضاريّة ، وسياسية ، وعاطفيّة ، وقطرية ، وكونية ، ولسان حالها في ممارستها لشهوة القول : " أراوح مكاني بين كهف النفس ، وشمس الأحلام ، وأجدني مضطرب الخطوات بين جثث حروفي ،أعفّر المداد ، ويعفّرني ، والقريحة كما دموع الحيارى بلا بوصلة على لوح التيه ، تتهجّى دروب المرافئ ... لا أعرف جنس ما أكتب، لكنه خطاب يحكي الشجن ، ويحاكيه ، وألم دفين يكتبني ... هو قولي يحثّ فيه سؤال شريد شهوة القول ، تلك هي كلمات حياة اليعقوبي ، ومناخاتها في ديوانها البكر هذا ... صوفية جريحة " |
| الساعة الآن 05:22 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط