![]() |
قراءة في أضمومة_لاحد لي_لعبدالرحمن الموكلي
توصلت من الباحث و الناقد و المبدع، بباهواري خليفة، بأضمومة شعرية تحمل عنوان، لا حد لي، للشاعر السعودي، عبدالرحمن الموكلي، الصادرة عن ندار الجبل، للنشر و التوزيع، في طبعتها الأولى، سنة، 2012. و هي أضمومة تتكون من تسع و أربعين نصا ، في وعاء ذي سعة ست و ستين صفحة. قلت في نفسي، و قد حصلت على الهدية المباركة، لأغتنم عذع الفرصة السانحة لأخلو بنفسي مع باقة من الشعر، فهو المخلص الوحيد من هذه الحياة الآلية المكيفة لكل شيء. ذلك أن الشعر يعود بالإنسان إلى حياته الشعورية الفطرية التي هي منبع الإحساس بالجمال، و بالحق، و بالخير قبل أن تتلوث بالماديات، و تطمس ينابيعها. قرات هذه الباقة ثمرة ثمرة من ثمار مائدة الديوان، لان هذه القراءة على الأقل حركت في نفسي الكثير من الأحاسيس و المشاعر النبيلة. و قد قرأتها غير متبع في عرضها أي منهج من مناهج التحليل و النقد، و إنما تركت نفسي على سجيتها، فيكفي انفعالنا بالشعر و تجاوبنا معه، و اهتزازنا لموسيقاه، و ارتفاعنا مع أخيلته، و غوصنا في أعماق معانيه، لأن ذلك، في نظرنا، هو مقياس كل نقد و تقويم. أغلب النصوص النصوص جاءت قصيرة جدا ، بحيث لا يتجاوز حجمها الصفحة الواحدة، مما يجعلنا ندرجها ضمن القصيدة الومضة. فما الومضة؟ الومضة لغةً من«وَمضَ» و ومضَ البرقُ: لمع خفيفاً، و أومَضَتِ المرأةُ: سارقتِ النّطر، و أومضَ فلانٌ: أشار إشارة خفية. و في هذا المعني شيءٌ مِن اللّمعان و التلالُؤ و التألُق و الإشراق و التوهُّج و فيه شيءٌ من الإدهاش و التشويق و فيه شيءٌ آخر من الشفافية و الغموض الآسر و عدم الايضاح لکلّ شيءٍ. و فيه شيءٌ آخر مِن التکثيف و الاختزال و الاقتصاد اللّغويّ. و قد قيل: «البلاغة هي الايجاز» کما قيل «خير الکلام ما قلَّ و دلَّ».«و يتداخلُ مع معني الومضة، البرقية و لذلک يقال: «القصيدة البرقية، القصيدة الومضة و هي قصيدة مکثفة و مختزلة جدّاً.» (االموسي، 2005/ موقع اتحّاد الکتاب) إذن فهي نصٌّ أشبه مايکون ببرقٍ خاطفٍ يتسم بعفوية و بساطة تمکنه من النفاذ إلي الذاكرة للبقاء فيها معتمداً علي ترکيزٍ عالٍ و کثافة شديدة مردّها انطباع کامل واحد مستخلص من حالة شعورية أو تأملية أو معرفية عميقة إذن فهي تتوفّرُ علي الترکيز و الغني الواضح بالايحاءات و الرّموز و تدفقُ رقراق و انسياب عضوي بديع لوعي شعريّ عميق. فالشکل نصٌّ مختصرٌ مختزلٌ بأعلي قدرة للاختزال.1 طيمة الكتابة من الموضوعات التي لفتت انتباهنا، الحضور المهيمن للحب و مسألة الكتابة، كلازمة دلالية و شعرية و ايقاعية متكررة و متجددة ، مما يجعل من ديوان، لا حد لي، نشيدا شعريا متلاحما موزعا إلى وقفات أو معزوفات شعرية مختلفة و مؤتلفة في الآن ذاته، يسري بينها و عبرها خيط شعري و شعوري ناظم و لاحم. الاحتفاء بالكتابة هذا الاحتفاء البهي و المشع بالكتابة و العشق و الشوق..يكمله احتفاء بهي آخر بالشعر و بأعراس القصيدة ضمن قصائد هذا الديوان. إن ما يبهجنا و يدهشنا فعلا، هو هذا الاحتفاء الجميل بالشعر و الحياة، رغم كل المشاق و الخطوب المعاكسة لأحلام الشعر و الحياة. و كديل على ما سقناه، قصيدة، أتمخطر، ص 47،المعبرة على ألم الكتابة و عشقها. يقول الشاعر فيها، و سنفرد قراءة موسعة قليلا لها، ليس على اإطلاق أمر تحت أقواس النصر .................................. بل أتسلل تحت قصف الشعر حيرتي تنكأ الأرض و يقيني يجرح السماء من الملاحظ أن الشاعر قد قسم نصه إلى مقطعين، و جعل بينهما فاصلا فارقا، في المقطع الأول رفض لحقل يعده مخربا رغم ما يجلبه من سعادة نصر، و في الثاني، يخبرنا عن معاناته الابداعية، بواسطة جملة، قصف الشعر، فكلمة القصف، مجلوبة من حقلها العسكري لتأخذ معنى مغايرا، إنه معنى الألم و المعاناة، غير أنها معاناة لذيذة، لكونها تحقق البناء و السمو إلى أعلى. كما يلعب التضاد دورا مهما في إبراز هذه المعاناة اللذيذة. إنه توكيد من خلال هذا النص و غيره من النصوص، سرت لي مثلا، ص 28، كلك أنا ص 29..، التي تخترقها قضية الشعر و معاناة الكتابة، أنه شاعر ملتزم بالشعر و ملتحم به، مسكون بجمرته المقدسة و مهموم بأمره و سحره، لا يملك عنه حلولا، و لا منه فكاكا. و هذا العشق الصوفي*المدنف للشعر ظاهر في لغة الشاعر الشعرية، المكثفة و المقطرة بحساب، كما هو ظاهر في أخيلته و طريقة بنائه و توليفه لجسد القصيدة. هذا العشق الجارف للشعر هو الذي جعل الشاعر يتهيب و يخشع في حضرة الشعر، فتأتي قصائده مقطرة و مكثفة.و جريا على عادة العرب، فخير الكلام، و هنا في الشعر، ما قل و دل، و لم يصب القارئ بالملل و الضجر. طيمة الحب لا شك في أن الجمال و الحب و تجربة العشق من أحفل الينابيع بالمشاعر في الوجدان البشري، لأن حديث الشاعر عن الحب، هو بالنسبة لكل قارئ، حديث عن مشاعره بالذات و غوص في أعماق وجدانه، حيث تتجاوب الأصداء كما تتجاوب الأشعة على أفق البحر.. و بناء عليه، نرى أن نصوص الأضمومة تحتفل بالحب ، و بمباهجه، فلاي كاد يخلو نص من نصوصها من هذه الكلمة الشاعرية و السحرية، فهي، نتيجة تواترها، تشكل أحد اهم مفاتيح المجموعة.. و من النماذج الدالة على ما سبق ذكره، النصوص التالية،'قال' ص 25، 'بلا أسف' ص 27، 'صورتها' ص 14، و غيرها من النصوص. و قد استوقفني نص'افرد جناحيك'ص 26، و لي معه الوقفة التالية، في ارتباطها بالطيمة المفتاح.. فالنص يحمل عنوانا بصيغة الأمر، يدعو بصريح العبارة إلى إفراد الجناحين حبا، و التحليق عاليا في ربوع المحبة الغامرة بالخصب، خصب المشاعر الدافئة التي تملأ ثنايا الأضمومة بماء الحياة، و ترفدها بالأحاسيس الطيبة، في علاقة الرجل بالمرأة؛ إذ لا حب من دون أحد الطرفين. فالقطبان معا ينشدان الانغمار و الاندماج و الانصهار في بعضهما. لذلك كانت القصائد لحن افتتان بالطرف الآخر، و رسم مسار و مصار التفاعل البهي بين الطرفين.. افرد جناحيك كلما تختمر الحروف بروحك .............................. افرد جناحيك افردهما ليطير الحبيب إن التكرار عامل فني و أسلوبي يدعم حقل الإفراد لغاية طيران الحبيب، و هو فعل يتكئ أساسا على نتيجة يتوخاها الشاعر و هي تحليق الحبيبين؛ إننا أمام طيران الطرفين و قد انصهرا.. و ليس غريبا أن يجمع الشاعر في نصه هذا الحب و الكتابة في نسيج واحد، لان الطيميتن مندغمتين كاندغام الحبيبين. و هذا الحب سنجده، كما أسلفنا، فاردا جناحيه في معظم قصائد الأضمومة، مما يدفعنا إلى القولن، إنه الطيمة الكبرى التي تحتوي باقي الطيم، و و تسلكها في عقدها. إن الطيمات الأخر العازفة للحن الحب بمختلف تلويناته و دلالاته، من عشق إلهي ، و حب نسائي، و وفاء للصديق، هي الطيمات التالية الحنين و الحرية و العدل، و قد قام الشاعر برسم معالمها في عتبة الإهداء الموجه للأجيال الجديدة، هاته الاجيال التي وهبت و ستهب أرواحها فداء لقيم الحرية و العدل، و ستعزز ثورتها بكل معاني الجمال.. و نحن نلمس من خلال هذا الإهداء ، و التركيز على هذه القيم، إشارة المبدع إلى تلك الفئة التي كرست حياتها للنضال من أجل عالم جميل، و أثثت كتاباتها الجديدة بصبر النساك لأجله، إنها صاحبة كتابة منزاحة عن الكتابات السابقة ، المتكلسة ، أي المصابة بارتفاع كوليسترول الثبات و من ثم التبعية لانموذج ما عاد قابلا لمواصلة الحياة، لانه صار نموذجا يمجد الظلم و التكلس الفني و الجمالي معا..بمعنى عدم قدرتها على التجدد المستمر..و يأتي نص، 'لا حد لي'، ص 46، و الذي منح الأضمومة عنوانها، ليؤكد ما سلف. أنه نص يؤكد أن الشعر استشراف ما لم يوجد بعد، إنه اللامحدود و اللامعروف بعد و الذي ينسحب على أشكال البناء قدر انسحابه على المجاهيل الاستبصارية غير المطروفة، التي ليس له من خيار في اقتحامها و تخييلها. إنه نوع من الهروب إلى الإبداع كأفق جاذب لا مفر من تصويب خطى الكتابة الشعرية في اتجاهه. يقول الشاعر مؤكدا ذلك يا من مثاني هواك على الليل رضاك و الفجر ساني لما الصباح يدندن و الشمس توزع ناياتها ............................. و أ نالا حد لي في سمائك سوى لفظ مائك لطفا كساني إن النص يحتفل بميلاد الكتابة الجديدة، عبر مجموعة من اللفاظ ذات الارتباط، الفجر و الشمس و الناي.. كما أن الأضمومة تشير إلى بحثها المحموم عن صوتها الخاص بها بحث يستوعب أفضل ما قدمه السابقون، ليكسب سمته الخاصة بنزوعه صوب المستقبل. نزوع إلى إنتاج واقع التخيل ، و الحلم، مما يطور المعرفة الشعرية و يعمقها..إنها ممارسة شعرية متقدمة و بناء وعي أوثق إلماما بطبيعة هذه الشعرية بمحدداتها و باختناقاتها في آن. يتبع |
| الساعة الآن 10:15 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط