![]() |
الحلم الضائع
تعارفا في سنتهم الدراسية الأولى , جمعتهم علاقة نَديّة , نقيّة كبياض الثلج , بيضاء رقيقة , لها عينان سوادوان تختزلان عمق المرأة وبراءة الأطفال , حملا معا ً أعباء غربتهما , أحسّت معه بالأمان , كطفلة بقيت على سجيتها , تشتكي إليه , تفتح قلبها , تتلمس نبرات خوفه عليها , تنتشي بإخلاصه والصدق في عينيه , وتمّر الأيام , ويكبران معا ً , وتكبر الأحاسيس ؟ يشتاق إلى لقائها , يلجأ إليها حين يغضب , و حين يحزن , وحين يحتاجها ! نما سر ٌّ بين قلبين أبيضين نقيين , يسمع نداءها عندما تحتاج إليه تفرح بقدومه - فرح الشجر بقدوم المطر - تحس بخطواته عندما يخرج قاصدا ً مسكنها , تتجهز كأجمل امرأة ٍ لرجل لا يحب الانتظار , تلتقي العينان وتصبح الوجوه مرآ ة للفرح , تكاد أن تحضنه ويكاد أن يأخذها بين ذارعيه . يمشيان , يسرحان , يتناولان قهوة سريعة , يتناقشان , يتنبآن , كبرا معا ً , ودنت سنة التخرّج , ودنا الفراق , يلتقيان والقلق يهمين عليهما ويتساءلان بصمت ٍ , ثم ماذا ؟ ما الذي تخبئه الأيام ؟ مرّت عليهما لقاءات طويلة دون كلام , رفيقهما الصمت ورقراق الدمع في العيون , تجرأ يوما ً ! - سألها ؟ ماالذي تأملينه مني ؟ - أجابته برقتها ولطافتها الآسرة , وبريق عينيها السوداوين وهي تكبح فيض الدمع فيهما ! تنهدت بعمق وقالت : لاشيء ! فأنا أعلم بأني لست بفتاة أحلامك ,وأنا لم أطمح يوما ً أكثر مما يجمعني بك الآن ! خمسة أعوام مرت عندما صارحها بأنها ليست فتاه أحلامه , نسي هو , لكنها لم تنس َ ! أطرق رأسه , سرح طويلا ً وساد الصمت , واحتارت الكلمات ! قال لها بصوت وكأنه آت من بعيد : نعود للبيت ؟ - كما تشاء . مشيا بخطوات ثقيلة وأفكار شاردة ,الصمت يرافقهم , حاصرهم الفراق بظله , لا محالة , كل تلك المشاعر لم تستطع أن تهدم ذلك الجدار القادم ؟ ! أوصلها إلى مسكنها , مشت بتثاقل ٍ وجمود كأنها تساق إلى الموت ؟ أيقنت بأنها خسرته , لوّحت بيديها وهي تودّعه , وفي عينيها رجاء ما شفع لها ليرجع ! فهو يعني ما قاله منذ خمس سنوات . صعدت الأدراج , وبقي هو متسمّرا ً في مكانه , لم تعد قداماه تطاوعانه على السير , أحس ّبغمامة كبيرة من الحيرة غطّت تفكيره ؟ نظر إليه ( حارس العمارة ) , وكأنه قرأ ما يدور في خلده - لا تتركها إنها تحبك ! زاد ألمه وأحس بوجع الضمير ! إحساس ٌ بالذنب يصارع قراره الجائر , برّأ نفسه بأنه لم يغشّها يوما ً . مشى مبتعدا ً , محاولا ً إسكات أصوات أعماقه , آه لو يستطيع أن يسمي أحاسيسه بأسمائها , زفر بقوة , أعلن براءته من جراحاتها وعمق آلامها . ومضى , ومضت . لكنه أبدا ً يحن ُّ إليها ؛ يبحث عنها في كل ركن وزاوية , كم يشتاقها ! كم يفتقدها , يسأل عنها الصباحات .. والقمر ؟ يسأل المسافات والدروب ؟ يسأل المقاعد والأشجار التي جلسوا في ظلالها ؟ يسأل عنها طاولة المقهى ويبحث عن جواب ٍ في عيون الندلاء ؟ لكنها رحلت . رحلت وأخذت جزءا ً من فؤاده وزرعت فيه الحنين , الحنين إلى صوتها , إلى رائحة شعرها , إلى سواد عينيها , إلى دلالها الطفولي عندما كانت تغضب منه ! إلى فرح عينيها عندما كانت تراه . آه كم استوفى الشوق منه ؟ كم ثأر لها ؟ سقاه المرّ من جنايته ؟ واكتوى بنار الندم ! لاهثا ً يسأل عنها المسافات , والريح , يسأل رذاذ المطر عن خصلات شعرها الأسود , وبريق عينيها تحت ظلال القمر . طأطأ رأسه حسرة ً , أيقن بأنها لن تأتي ولن تكرّر . |
رد: الحلم الضائع
نص جميل يتناول الموضوع الأزلي المتجدد أبدا : الحب بعذاباته و تجلياته و تحولاته ... وقد رصد الكاتب ذلك كله بأسلوب جميل بين طالب و طالبة جامعيين يجدان نفسيهما على مفترق الطريق بانتهاء السنة الجامعية الخامسة- سنة التخرج -
كانت القصة ستأخذ طابعا أقوى - في نظري- لو أن عامل الفراق كان واضحا و موضوعيا .فقد بحثت عن السبب الذي حال دونهما فلم أجد سوى كلمة صدرت منه منذ خمسة سنوات " خمسة أعوام مرت عندما صارحها بأنها ليست فتاه أحلامه , نسي هو , لكنها لم تنس " غياب قوة العامل الموضوعي لافتراق الحبيبين قلل بعض الشيء من قوة التأثير في القصة . تقبل الأستاذ عبد السلام خالص التحية و عميق المودة |
رد: الحلم الضائع
الأستاذ الفاضل خليف محفوظ
أشكرك على قراءتك و تعليقك على النص سيدي الفاضل , كان هذا النص من بداياتي في النت وهو الثاني بعد ( امرأة وشيطان ) , البارحة عندما قرأته وقبل انزاله , رأيت فيه ملاحظتك تماما ً , لكن أحيانا ً التعب والتكاسل من إعادة الصياغة وكذلك احترام الزمن الذي كُتب فيه النص , تجعلك تحجم عن تعديله . ومنكم نستفيد دائما ً . |
رد: الحلم الضائع
نعم نحن بحاجة لسبب اقوى يشفع لهذا الطالب
تركه لحبيبة عمره وهجرها لها وهي المغرمة فيه. من الواضح انه ندم ولات ساعة ندم... استاذ عبد السلام شكرا لك استمتعت هنا بقصة الحب الطاهرة الجميلة... مودتي وتقديري. تحياتي. |
رد: الحلم الضائع
أهلا ً بك ريما , أهلا ً بك دائما ً
متابعتك تسعدني . |
رد: الحلم الضائع
ليتنا بلا ذاكرة .... لكن كيف ذاك وكل شيء يسكن خلايا الذاكره باحضانها التي نسرع اليها حين تعصف بنا رياح الحنين فنغمس مداد الحرف برحيق الذكرى فيتشكل شراع الشوق فوق امواج الندم لتتكسر على صخرة العذاب بسواحل القهر
رغم انها كانت ستكون اجمل واروع ورغم انها من البدايات لكنها كانت تبشر بميلاد كاتب يعرف كيف يثير القراء اخي عبدالسلام تحية لك بعد هذا الغياب الطويل اشتقنا لك لك مني كل التحية والتقدير دمت بالف خير |
رد: الحلم الضائع
أخي الفاضل عبدالكريم
كلماتك الجميلة تنبع من قلب شاعر لك سلامي والمودة . شكرا ً لك على كل شيء |
| الساعة الآن 04:04 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط