![]() |
حوار مع أمبرتو إيكو
امبرتو إيكو : موسوعة ( تفاعلية ) مثقف إيطالي , قرأناه منظرّا ً وناقدا ً وأديبا ً , كما قرأناه باحثا ً في الفلسفة والجمالية والشعر
ووسائل الإعلام والترجمة . قامت بالحوار الصحفية اللبنانية جماناحداد سوف ابدأ بسؤال ناجم عن تجربتي الشخصية مع كتابتك إذ لطالما جذبتنا نحن قراءك نحو اتجاهات متنوعة ورضخنا لك بطيبة خاطر , لكني حين اضطررت إلى ( تطويقك ) خلال الأشهر القليلة الماضية بغية تحديد نقاط حديثنا , عجزت عن ذلك لفرط اختلاف مجالات اهتمامك وكثرتها , من تاريخ الجمالية وعلم الرموز إلى الشعر الطليعي والرواية وأدوات التواصل , الخ .. ما سر ّ هذين التنوع والغزارة , وكيف توفق بين كل هذه الجوانب من دون أن يصيبك التبدد ؟ ثمة في الواقع إجابتان عن سؤالك هذا , الأولى علمية والثانية فلسفية , أما الرد العلمي فهو إني شرعت في الاهتمام بالجمالية , القديمة والمعاصرة على السواء منذ اطروحتي الجامعية , وقد جذبني هذا الاهتمام تدريجيا ً إلى الشعر والفنون , وتحديدا ً إلى طليعياتها , وبينما كنت منكباً على هذه , وعيت ُ أهمية أنظمة التواصل الجماهيرية والشعبية , فجاء بحثي الأول عن الجمالية في التلفزيون , ثم أحسست في مرحلة ما بالحاجة إلى نظرية توحّد كل هذه الاهتمامات , كي لا أشعر أني مصاب بانفصام بالشخصية فوجدت هذه النظرية الموحّدة في علم الرموز والعلامات . أما الرواية , فأكتبها لمتعتي الشخصية , يمكنك اعتبارها ( تسلية أيام الآحاد ) خضت غمارها من دون أن أتخيل أن لها أي علاقة بكتاباتي البحثية والنقدية , ثم أدركت ُ أنها تشكل في معنى ما استمرارا ً لما سبق , وأنها الملعب الذي أطبّق فيه نظرياتي المختلفة , إذا ً هناك في شكل ما نمط سير منطقي ومتماسك في حياتي . أما الإجابة الفلسفية , فقد أعطاني إياها مسبقا ً أحد اساتذتي عندماكنت ُ فتيا ً , إذ قال لي يوما ً : ( اعرف يا أمبرتو أننا نولد وفي رأسنا فكرة واحدة , وأننا نعيش كل حياتنا ساعين وراء تلك الفكرة بالذات ) . أذكر أني أعتقدت يومذاك أن استاذي هذا في غاية الرجعية , لإلغائه كل احتمالات التغيير لدى الإنسان . لكني إذ رحت ُ أنضج , اكتشفت ُ أنه على حق , وأني طوال حياتي لم أسع َ إلا وراء فكرة واحدة فقط لا غير : المشكلة هي أني لم اعرف بعد ما هي تلك الفكرة ! ( يضحك ) . لكني متفائل وآمل في اكتشافها قبل موتي . في أي حال لفتني قولك إنك تشعر , حتى أثناء كتابة البحوث , بأنك إنما تروي قصصا ً ... بالضبط , ولطالما كان الأمر كذلك , فعندما قدمت ُ أطروحتي حول جمالية توما الأكويني عام 1954 , وجّه إلي أحد المشرفين ملاحظة مفادها : ( من الواضح أنك لم تزل شابا ً للغاية , إذ إن باحثا ً متمرسا ً كان ليجري البحوث ويستخلص منها الاستنتاجات التي تشكل مادة أطروحته ,أما أنت فقد صغت الأطروحة كما لو أنك تروي لنا قصة بوليسية ) . أدركت ُ أنه على حق , لأن أطروحتي كانت فعلا ً قصة بوليسية , لكنه كان على خطأ أيضا ً , لأني مقتنع بأن الباحث المتمرس والبارع يجب أن لا يكتفي بعرض استنتاجات بحوثه , بل أن يروي كذلك ( قصة ) إنها القصة البوليسية التي أنكب على حلّها في تلك اللحظة والتي ينبغي لي إبراز الحبكة فيها و ( الضحايا ) والمذنبين وعواقب أفعالهم . إذا ً كما ترين , أنا شخص لم يفعل سوى كتابة الروايات كل حياته , هذا هو شغفي الحقيقي . وللحديث بقية إن شاء الله .. |
رد: حوار مع أمبرتو إيكو
فعلا ً , ففي كتابك الأخير , ( عن الأدب ) تذكر أنك بدأت تكتب القصص مذ كنت في الثامنة من العمر . ولكن إذا ابتعدنا لبرهة عن نظرية ( البحث - الرواية ) وأخذنا في الاعتبار الرواية في شكلها المتعارف عليه , من الواضح أنك لم تفصح عن هذا الشغف على نحو مباشر إلا على عتبة الخمسين , مع ( اسم الوردة ) .
أجل , أنا النموذج المضاد للروائي المبكار , وسبب ذلك يعود إلى ما ذكرته آنفا ً : إذ إنّي لم أكن أشعر بالحاجة إلى كتابة الروايات ما دمت ُ أكتب نصوصي وبحوثي كأنها قصص . أنظر اليوم إلى شخصية أدبية عظيمة مثل رولان بارت , ولا يسعني إلا أن أعجب إزاء الحزن الشديد الذي تملّك هذا الرجل طوال حياته لأنه كان يريد أن يكتب رواية ولم يستطع : لقد كتب بارت في رأيي روايات رائعة , إلا أنها كانت ( نصوص ) ببساطة . هذا كل ما في الأمر . شخصياً , لم يكن عندي ذاك الهاجس يوما ً , واعترف أني بدأت في كتابة الرواية بشكلها المتعارف عليه , كما تقولين , لمحض التسلية والمتعة الشخصية , لا رغبة في إثبات شيء . يتبع ... |
| الساعة الآن 08:51 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط