منتديات مجلة أقلام

منتديات مجلة أقلام (http://montada.aklaam.net/index.php)
-   منتدى الحوار الفكري العام (http://montada.aklaam.net/forumdisplay.php?f=9)
-   -   عفوا استاذ ساري ..هذا ليس زمنك (http://montada.aklaam.net/showthread.php?t=4346)

د.أيمن الجندي 16-05-2006 09:19 PM

عفوا استاذ ساري ..هذا ليس زمنك
 
في البدء بدا لي الأمر شبيها بحلم ..كان ليل الشتاء قد سقط مبكرا كعادته..وثمة لذعة برودة محببة في الهواء ..وبينما كنت أسير في طريقي لمنزلي سمعت غناء جماعيا تصاحبه أوركسترا كاملة فتوقفت مستطلعا ..وبدا واضحا أن الغناء ينبعث من المبنى العتيق لقصر الثقافة.
مضيت إلى القاعة فوجدت ما يقرب من أربعين فتاة وفتى وقوفا يصدحون وقوفا بأغنية لأم كلثوم طالما اعتبرتها من أجمل ما غنت ..طقطوقة " ما دام تحب بتنكر ليه " .. كتبها الشاعر العاشق أحمد رامي ولحنها المتيم المقهور محمد القصبجي فلا عجب أن بدت الأغنية أقرب لتنهيدة ..
الغناء كان من أجمل ما يكون ، أقولها بثقة عاشق قديم للطرب الشرقي الأصيل..كانت القاعة تموج بالأنغام الشجية ..وكنت في حال من النشوة والذهول .. النشوة بفعل تلك الكيمياء المجهولة التي نسميها الفن وتأثيرها الغامض على الروح ..أما العجب فلأنني من رواد قصر الثقافة المنتظمين لترددي على المكتبة العامة ، ناهيك أن المبنى يقع في طريقي للمنزل فكيف ومتى حدثت تلك النهضة الموسيقية التي لا أدري لها تفسيرا .
دارت هذه الخواطر في ذهني كلمحة خاطفة ..ومضيت أنظر حولي محاولا العثور على إجابات لأسئلتي الحائرة ..القاعة كانت متواضعة للغاية ...الأرضية من البلاط القديم باهت اللون ، والجدران كالحة مشققة ..الكراسي الخشبية عتيقة جدا ، والمكان برمته ينتمي لعالم المباني الحكومية المتداعية التي نشعت جدرانها وسقط سقفها منذ ثلاثين عاما .
ملابس الفتيات متواضعة جدا ..بسيطة إلى حد يوجع قلبك كلما فكرت أن أخوانك من بني البشر يقضون رحلة حياتهم على الكفاف دون أمل في مستقبل أفضل اللهم إلا قطعة لحم أثيوبي عابرة يقيمون الاحتفالات من أجلها وتستقبلها الوزيرة بنفسها احتفالا بالحدث العظيم ..ثياب الفتيان لم تكن أفضل حالا كما هو متوقع بل إن بعضهم كان يرتدي جلبابا بلديا ..وبالتأكيد لا يزيد ما في جيوبهم عن ثمن الميكروباس الذي سيعودون به لمنازلهم في نهاية الأمسية ..باختصار جو عام من البؤس والعوز يتناقض – بشدة – مع ذلك المحتوى الفني شديد الثراء الذي تموج به الأنغام الدافئة في فناء القاعة .
النظر لأعضاء العازفين تثير الشجون أيضا ..عازف الكمان – مثلا - يناهز الثمانين ..نحيف بشكل يصعب تصوره ..الكمان الذي يعزف عليه قديم وبائس ومتواضع ..باقي العازفين على نفس الشاكلة ..نفس الملابس البسيطة والملامح الجادة..
وقتها بدا لي الأمر كلغز غير قابل للتفسير حتى وقعت عيناي على المايسترو فعلمت – بالإلهام وحده – أنه مفتاح السر ..عملاق عريض المنكبين شديد الجاذبية ..له لحية بيضاء ونظرة متوهجة..يقف مسيطرا بنظراته وحركات يديه على أعضاء الفرقة الموسيقية الواقعين كلية تحت تأثيره ..أسد لو كنت تفهم تلك الهالة المغناطيسية التي تبعث من عيون أسد . فيما بعد عرفت أن اسمه ساري .
....................................
مرت بي هذه الذكريات البعيدة وأنا أتابع بدهشة وقائع محاكمة المطرب ( تامر حسني ) ..الفتى تهرب من الخدمة العسكرية وزور في محرر رسمي لاستخراج جواز سفر ..المفروض أن هذه التهمة تمس شرف الإنسان في أي مجتمع متحضر وتوجب احتقار المجتمع له .. لكن واضح أن الأمور أختلت – ربما بلا رجعة – في المحروسة ..الذي حدث كان مدهشا . تبادلت المراهقات فيما بينهن نداءات للخروج بالسيارات يوم المحاكمة للتعبير عن رفضهن لمعاقبة نجمهن المحبوب ..وتبنت زوجات كبار المسئولين الدفاع عن تامر حسني ..وطلق رجل زوجته التي لبست ثياب الحداد حين تم القبض عليه ..وفي سجن أبي زعبل كانت الزيارات بالطعام الفاخر وزجاجات المياة المعدنية تتوالى على المطرب وسط ذهول المسجونين وابتسامات المسئولين .
يوم المحاكمة تجمع نحو ألفي مراهقة ومراهق لمساندته ..وكان الحكم – ولا تعقيب على أحكام القضاء – هو السجن عام مع وقف التنفيذ ..
ألف علامة استفهام هنا ..لكل علامة ألف دلالة على ما آل إليه حال المجتمع المصري .
...........................
شخصيا أنا لا أميل كثيرا لنظرية المؤامرة ..ليس لأنها غير حقيقية ولكن لأنها تحولت لإجابة جاهزة مملة تصلح لكل التساؤلات ..ولكن إذا كانت هذه النظرية صحيحة فإنني أهنأ المتآمرين على نجاحهم الباهر في تجريف التربة المصرية الخصبة المتراكبة عبر أجيال ..
أنا لا استهين أبدا بالتراث الفني الثقافي للأمة المصرية .. على العكس تماما أنا أؤمن أن ما يصنع الهوية هي مئات التفاصيل الدقيقة - ومنها بلا شك تلك الأغاني التي سمعناها من الراديو أثناء حياتنا العادية فعلقت بذاكرتنا دون أن ندري - لتتجمع سويا وتغزل ثوب المواطنة على مقاسك بالضبط ..ثوبا لا تراه العين أبدا إلا وقت مفارقة الوطن لتكتشف في دهشة بالغة أنك مصري شديد الانتماء للهوية المصرية ..
الأمم المتقدمة أدركت ما للفنون من تأثير بالغ في تكوين الهوية القومية..وفي وقت ما تكدست الزهور في الحديقة المصرية ..كان يصعب أن تحدد مطربك – أو ملحنك - المفضل لسبب بسيط أنه كان لديك عشرة على الأقل يستحقون المركز الأول بامتياز في كل مجال..وكان تأثير تلك النهضة عارما على المحيط العربي من حولنا ..باختصار ما يمكن أن ندعوه دون خطأ ( القوة الناعمة ) لمصر.
وتغير الزمان وصارت الغلبة للأغنية الهابطة والكلمة الركيكة واللحن الصاخب ..تفوق الزجاج الملون على الماس الأصيل الذي استغرق صنعه ملايين السنين ، وتشابه الفالصو مع المعادن الثمينة ، وصرنا – كذوق عام – نجد من يفضل النخيل البلاستيكي الصناعي على شجرة التوت العتيقة ..
شخصيا لم أسمع عن تامر حسني من قبل ولكني علمت أن شهرته الساحقة كانت مع تلك الأغنية التي تقول كلماتها :
كل مرة باشوفك فيها بابقى نفسي أ..
أ...
أجيلك أقلك إنك كلك
على بعضك عندي بالحياة
طب أ..
طب أ..
........................
شيء ما خطأ يحدث للأمة المصرية بصرف النظر عن أي خلفية دينية..الفنون تعكس ثقافة المجتمع وترتيب أولياته ونظرته للقيم في الحياة . أم كلثوم كانت تغني لعمالقة شعراء الفصحى والعامية فأرتفع الذوق العام للمجتمع كله .. قولوا لي من فضلكم ماذا قدم تامر حسني من صنيع للأمة المصرية بحيث يستحق كل هذا التكريم الذي لم ينل قطرة منه رجل كالأستاذ ساري الذي قدم – ولا يزال - شيئا حقيقيا له طعم ولون ورائحة ..له اسم وهدف وأسلوب؟ ..
فيما بعد عرفت الكثير عن الأستاذ ساري الرجل الخمسيني الجاد الذي وهب نفسه للفن الذي أحبه وأخلص له ..مثله في ذلك مثل باقي أفراد الفرقة الموسيقية المغمورة ..كلهم ارتضوا الفقر لأنهم – ببساطة – يفعلون ما يروق لهم ويحترمونه ..ألا وهو الحفاظ على الهوية الفنية للأمة المصرية ..شيء ما قريب الشبة بالرواية المشهورة 451 فهرنهيت للكاتب راي برادبوري حينما قام النظام القمعي بحرق كل التراث الثقافي للإنسانية وكانت المقاومة الوحيدة الممكنة هي تلقين الصغار شفاهة ذلك التراث الثقافي في مشاهد بالغة الروعة أخرجها فرانسو تريفو ..
يخطئ من يظن أن الأمر لهوا ..الموسيقى كأي لغة مكتوبة في العالم لها قواعدها الصارمة جدا والتي تحتاج دراسة شاقة من أجل فهمها وممارستها ..وقد شهدت بنفسي جلسات التدريب المنهكة وثورة الأستاذ العارمة على تلاميذه الذين يحتملون كل شتائمه بحب واضح ..وسمعت بأذني اللعنات التي تنهال على رؤوسهم حينما يخطئون فيما يراه هو بديهيا وواضحا ..
كان واضحا أنهم يحبونه حقا ويجلونه ..لذلك- فقط -استطاع أن يحول البؤس إلى شهد صاف كما يخرج اللبن من بين فرث ودم ..واستطاع شغل وقت شباب في عمر المراهقة كان مصيرهم المحتوم الجلوس على المقاهي أو ما هو أسوأ ..
وأيا ما كان رأيك في الغناء حسب خلفيتك الثقافية والدينية وحسب نصيبك أيضا من كيمياء الفن وما إذا كانت عصاه السحرية قد لامست روحك أم لا ..فإنك في كل الأحوال تشعر أنك أمام شيء جاد لا خلاعة فيه ولا سطحية ..عمل يؤخذ بنفس الجدية التي يدق بها النجار شاكوشه على قطعة خشب ..أو استماع طبيب لدقات قلب مريضه ..نفس ملامح الانهماك والتركيز..أما المقابل فهو لا شيء من الناحية المادية ولكنه الكثير جدا من احترام الذات والإيمان بأهمية ما تقوم به.
............................
أستاذ ساري – كما يجب أن نعلم كلنا – ليس الوحيد من هذا الطراز ..في كل أنحاء مصر ..في المدن الصغيرة والمراكز والنجوع يوجد أمثاله يختلفون في الطول والعرض واللون ويتشابهون في الإيمان بقيمة عملهم والإخلاص له ويتشابهون أيضا في الفقر الشريف..يرفضون العزف في الملاهي الليلية لأن فطرتهم السليمة تنفر منه ولأنهم يؤمنون بأهمية الحفاظ على تراث الأمة المصرية المستباحة بالطول والعرض.
وردة بيضاء له - ولأمثاله- مع الكثير من الحب والاحترام عالما أنهم لا يطمعون في شيء آخر من هذه الدنيا المحيرة .
...............

هشام الشربيني 17-05-2006 12:31 AM

دائما أهرع حيث أنت .. لأحجز لنفسي مكانا في المقاعد الأمامية لأكون أول المتلقفين لفيضك ..
أي جمال وأي أسلوب وأية روعة !!

بالفعل صدقت أيها الأيمن دكتور أيمن ..
فساري لم يعد ساريَ المفعول في زماننا ..
إننا في زمن البغاث , وعلى النسور أن تنقميء في أعشاش العصافير قبل أن تبتلعها بطون المعتقلات ..

نحن في زمن تامر الآمر .. ذلك الشيء الآدمي العجيب والذي لا أقبل والله أن يغني لي في غرفتي خصيصا ..
ولكن لا لوم على الذباب إذا ما ابتغى صفائح القمامة .. إنها فطرته التي جبل عليها ..
فما بالك بمن انتكست فطرته ؟؟

لا لوم ولا عتاب .. فقط نبتهل أن يخرجنا الله عز وجل من الدنيا لا علينا ولنا بفضله فضله ولطفه .

د.أيمن الجندي 17-05-2006 12:39 AM

دائما تغمرني بودك
شكرا لك اخي هشام

فاطمة الجزائرية 17-05-2006 05:29 PM

................السلام عليكم , نشكر الدكتور أيمن لتفطنه ويقظته , للأسف كتبت البارحة ردا ولكنه لم يبعث , ولكن تأكد أن حاضرنا وعالمنا لا يعطي ميدالية إلا لمن حطم قاعدة الحق وواستبدلها بنظرية الفساد والباطل , اما الذي يرسم خريطة النجاة والصلاح فمكانه التراب والسجن المؤبد ......
لعلمكم حين قرأت ما كتبه الدكتور أخذت ورقتين متشابهتين كتبت في الأولى الأستاذ ساري وفي الأخرى الأستاذ شاري ثم أخلطتهما و اغمضت عيني فإذا بي احمل ورقة الأستاذ ساري بينما الورقة الاخرى سقطت في الارض.........وتاكدت حينها أن النقط الثلاثة الموجودة فوق السين في الورقة الأخرى لم تمنع أحقية السيد ساري في قائمة فاطمة ....على العكس لقد زادت الأخرى ثقلا اسقطها في الهاوية ولم ارد حملها لأنها اتسخت .....أرأيتم عالم ساري لا يسير في كل الاماكن بل فقط في عالمنا نحن الأقلاميين .................الذين يعطون للكلمة والحق والصدق مكانته السامية ..........السؤال المطروح للمناقشة : هل تجد للسيد ساري أهمية في حياتك وقائمتك أنت ؟ وما رسالتك للمجتمع الذي لا يحب دروسه ؟ وماذا ستفعل لو حاول مجتمعك تغيير برنامج أستاذك فجأة؟............فاطمة.

رولا زهران 17-05-2006 08:46 PM

كل مرة باشوفك فيها بابقى نفسي أ ه..
أ.ه....أ.ه
أجيلك أقلك إنك كلك
على بعضك عندي بالحياة
طب أ ه..
طب أ ه..
أ ه أ ه
اعزائي
هل نسيتوا انه عصر السرعه عصر الوصول
عصر الخلاعه والتعري!!
عزيزي حصل نقاش بين الاخ العزيز موسى حوامده والاستاده سوسا البرغوثي مع انني اصغرهم بكثير لكني الموضوع كان جداب بدافع الاخ عن نانسي وهيفاء وروبي وعن الغناء والفن وما اشبه دالك وتناسى ام كلثوم وغيرها من العمالقه السابقه

هنا خييو سوى كان تامر اوخالد اونانسي وروبي
وهيفاء انهم جميعا فنهم هابط
عندما يظهرن عاريات بحركات مثيره للجنس هل هدا يعتبر جمال !!!!!

!انه فن هابط يستخدم فيه الاغراء وتعري الجسد للوصول
لضمن الثبات قي عقول الشباب المعاصر ،

" إسفافا و إباحية و ليس غناء ،

ووتامر وغيره نتمنى ان يصحوا ويقدموا شئ يفيد ويرفع من قيمه الوطن تحياتي

د.أيمن الجندي 17-05-2006 09:32 PM

اشكر للاخت فاطمة ورولا لطفهما
تحياتي

فاطمة الجزائرية 18-05-2006 05:20 PM

السلام عليكم , سنستمر في مناقشة القضية التي طرحها الدكتور أيمن , وهي عموما مشكلة من مشاكل هذا العصر لم يدرك قيمتها إلا عدد قليل من الناس .....
السؤال المطروح للمناقشة : هل تجد للسيد ساري أهمية في حياتك وقائمتك أنت ؟ وما رسالتك للمجتمع الذي لا يحب دروسه ؟ وماذا ستفعل لو حاول مجتمعك تغيير برنامج أستاذك فجأة؟......بالتوفيق......فاطمة.

نايف ذوابه 19-05-2006 10:03 AM

السلام عليكم أخي د. أيمن
أولا أحب أن أبدي ملاحظة هي تكرار مصطلح الأمة المصرية في كتاباتك، وهذا مصطلح غريب على كاتب مسلم متخصص بالكتابات الإسلامية ووضوح الرؤية الإسلامية في كتاباته..

المصريون شعب في رؤيتنا وهم جزء من الأمة الإسلامية العظيمة الشاهدة على الناس شهادة حق لا شهادة باطل، وأما الأمة المصرية فهذا مصطلح يرونه المتفاخرون بمصريتهم لا بإسلامهم وهم يربطون مصر بتاريخها قبل الإسلام التاريخ الفرعوني ويعتبرون الإسلام مرحلة في تاريخها ولا يتأسفون عليه بل يعدون العرب الذين فتحوا مصر بصفتهم مسلمين يعدونهم مستعمرين غزاة، والذين يعتدون بمصريتهم وأن مصر أمة يمثلون التيار الليبرالي الذي أسس له أحمد لطفي السيد وطه حسين ويسير عليه الحزب الوطني الحاكم وهناك حزب جديد أعلن عنه منذ سنتين تقريبا ينفخ في هذا الكير "الأمة المصرية" ويتنكر للإسلام كهوية وثقافة وحضارة...

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فساري يا د. أيمن هو بشكل عام معيار الأهلية والكفاءة واحترام الذات والإخلاص بغض النظر عن اختيارك للنموذج كونه موسيقيا، هذه المعايير التي مرغت بالتراب وديست تحت الأقدام واستبدل بها ما يسمى بـ" فيتامين و" يعني واسطة ونفوذ ونفاق للوصول ... وهذا النموذج للأسف معمم في كل بلاد العرب أوطاني بل في كل البلاد الإسلامية ..
د. أيمن : ما أبرعك في توصيف الواقع وفضح عورته!! لكن حينما تأتي للعلاج تكون رفيقا رفيقا وحليما حليما، وتمر مرور الكرام وتمس الأسباب والدواعي مسا خفيقاً على طريقة "لا تنام بين القبور ولا تشوف منامات وحشة" علشان متزعلش حد منك!!
في أمان الله يا غالي ....

د.أيمن الجندي 19-05-2006 02:04 PM

الحقيقة يا أخي الغالي ( ولا أزعم أني أحتكر الصواب ) أني لا أجد بأسا في مصطلح (الأمة المصرية ) ولا التأكيد على هويتها ..والخلافات القديمة بين المفكرين أصبحت الآن في ذمة التاريخ وتجاوزها الزمن ..هناك خصائص لا شك فيها للأمة المصرية وخصائص لسوريا الكبرى ( بالمعنى التاريخي لا الجعرافي ) وخصائص للأمة الإيرانية وخصائص للأتراك ولأندونيسيا ..وكل هذا يصب في مصلحة الحضارة الإسلامية...ولا ينتقص منه ..مثل ذلك التنوع في أفراد العائلة الواحدة ..
سأحكي لك موقفا واقعيا حيث كنت في المستشفى وكان معي زميل طبيب قبطي ..ودخل عليه مريض مسيحي ولكنه يرتدي العقال الفلسطيني ..بينما أنا أقوم بالكشف عليه لاحظت على ملامح صديقي أنه يريد أن يقول شيئا ..بالفعل بعد أن انتهى الكشف ..قال لي : بالله عليك من الغريب هنا ؟ ..قلت له وقد بدأت أفهمه : هو ..قال أنه يدين بنفس ديني ..ولكنه كان في الغرفة هو الغريب ..أنت مسلم ( هكذا قال لي صديقي ) وأنا مسيحي قبطي ولكن بيننا الكثير جدا من الأشياء المشتركة أكثر مما بيني وبينه ..هكذا قال ..يجمعني معك المواطنة ويجمعني معك السكن في نفس الحي ورؤية نفس الوجوه ..ويجمعني معك الأغاني التي سمعناها معا والأفلام التي شاهدنها والكتب التي قرأنها ..ونفس معاناة الطريق والهموم المشتركة ..
ووجدتني أوافقه على رأيه ..خصوصا حينما ضرب مثالا بمسلم هندي يحضر الآن وسألني : من سيكون الغريب في هذه الحالة رغم أنه أخاك في الدين ؟ .
ما أود قوله أننا لا تفرط في معتقداتنا على الأطلاق ونؤمن بالأخوة الدينية ولكن هناك ود حقيقي لمن لم يحاربونا في الدين ..وحتى بمنطق الدعوة نفسها فإن ما يحذب غير المسلم للإسلام هو حسن المعاملة وليس الأضطهاد بالتأكيد ..
أما ما يتعلق بالتاريخ الفرعوني فأنا شديد الأنتماء له والاعتزاز به ..ولا أجد أطلاقا أي تعارض مع أعتزازي بعقيدتي في الأحساس بقيمة هذا التراث الإنساني الفريد .
لن أكون شاعرا لو قلت لك أني أرى الله تعالى في المتحف المصري ويملأ قلبي خشيته ورهبته وحبه وأجدني أسبح بحمد ربي دون أن أشعر ودون أن أقصد ..
إن الطريق إلى الله تعالى قد يمر بزهرة بعصفور بتمثال ..بكل ما خلق وأوجد وجعله دليلا على رعايته لنا ..ودعني أهمس لك أنك لو زرت المتحف المصري ورأيت آثار آلاف السنين وتلك العيون المتوهجة والملامح الحالمة والوجوه الخاشعة ..وهيئة الصلاة في عناق اليدين لأدركت دون جهد أن هؤلاء القوم كانوا يبحثون عن الله تعالى
الموضوع طويل وذو شجون وأشكر لك فتحه ولعله يتحول لمقالة مستقلة ويكون لك الفضل فيها فكن معي وأطرح تساؤلاتك فهي ما تصنع الفكرة والمقال


الساعة الآن 10:32 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط