منتديات مجلة أقلام

منتديات مجلة أقلام (http://montada.aklaam.net/index.php)
-   منتدى الأدب العام والنقاشات وروائع المنقول (http://montada.aklaam.net/forumdisplay.php?f=2)
-   -   غزة وتحدياتناالثقافية (http://montada.aklaam.net/showthread.php?t=26945)

محمد صوانه 26-02-2009 11:26 AM

غزة وتحدياتناالثقافية
 
غزة وتحدياتنا الثقافية
بقلم : سمير عطية

<img alt="" border="0">
هل من المفارقة أن أكون قرب مقبرة شهداء مجزرة صبرا وشاتيلا ليلة بدء العدوان الصهيوني على غزة؟
وهل يمكن أن تكون قراءة الفاتحة على أرواحهم، في الوقت الذي تجهز فيه غارات الصهاينة عدّتها للتحليق في سماء غزة، حافزاً لأن أمطر شهداء صبرا وشاتيلا بالدعاء؟!
لا شك أن الجرح واحد والنزف واحد، حتى لو تغيرت الجغرافيا قليلاً من شمال فلسطين إلى جنوبها الصامد.
إذن هو العدوان على غزة الذي توقعت حدوثه في مقالي السابق عن القدس عاصمة للثقافة العربية وأنا استعرض استعدادات القطاع لهذه المناسبة «كذلك فإنّ عدداً من المتابعين يتساءلون عن مدى إمكانية تطبيق الحكومة في غزة لهذه الفعاليات في ظل حصار قاسٍ قد يتبعه عدوان صهيوني كبير عليها خلال الأشهر القادمة».
لقد كانت المؤشرات والمعطيات على الساحة كانت تشير إلى أنَّ الصهاينة ماضون في تنفيذ قناعتهم بأن يزيحوا عن خارطة غزة كل قيم من شأنها التشبث بالحقوق والتمسك بالهوية وتعزيز الانتماء إلى الأرض.
هذه القيم التي وضعتها الأطراف الفلسطينية «المفاوِضة» في خبر كان ثم سعت بكل جهد مذموم لجعل هذه القيم ممنوعة من الصرف في أي مكان وزمان!!
من المفارقات أيضاً أن يكون مقالي في هذه الصفحة أيضاً في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي بعنوان «الثقافة الفلسطينية.. نكبة وحصار وآلام أخرى». ليكون مقال اليوم فصلاً جديداً في هذه النكبات الثقافية، مع فارق جوهري يجب أن لا يختفي بين سطور هذه الكلمات مهما كان الألم كبيراً أو مساحة النزف أكبر.
هذا الفارق مهم جداً في ترسيخه على الأرض وتثبيته في الوعي الإنساني، ومن المهم كذلك تثبيته في الوعي الفلسطيني والعربي بكل حال، وهو أن المقاومة في قطاع غزة صمدت أمام أكبر حملة عسكرية صهيونية في تاريخ القطاع، كما أثبت ذلك العديد من قادة العدو تمثل في أكثر من 2300 غارة جوية وإلقاء مئات الأطنان على أرضه، فضلاً عن أكثر من 6000 آلاف بين شهيد وجريح.
وكعادتهم «القبيحة» في هدم صروح الحضارة والثقافة، استهدف الصهاينة مع الإنسان محاضنه الروحية والفكرية والمعرفية، وخلطوا الدماء بالمحابر، ونداء الأذان بأوجاع الجرحى.
فقُصفت الجامعة الإسلامية كبرى الجامعات في غزة، وأحد أهم المعالم الأكاديمية في فلسطين، وهي من المحاضن الثقافية والتعليمية والتربوية المهمة جداً، وتشكل رافعة عالية للثقافة، وسداً منيعاً أمام خطط الصهاينة في نشر التجهيل والتأخر في صفوف شعبنا الفلسطيني.
كذلك قصفت آلة الحرب الصهيونية العديد من المدارس التي لجأت إليها عشرات الأسر الفلسطينية، وتعدَّى الأمر أكثر من ذلك حين استهدفت مدرسة الفاخورة وارتقى فيها أكثر من 40 شهيداً، في مجزرة جديدة تكررت أكثر من مرة في هذه الحرب.
أما دور العبادة فقد تم قصف أكثر من 27 مسجداً وتدميرها في خلال الأسابيع الثلاثة بمعدل استهداف مسجد كل 20 ساعة!! كان في هذه المساجد عشرات الأطفال والشيوخ وبعض من سكنوا في جوار الرحمن فلم ترحمهم جرائم العدوان!!
والمسجد في فلسطين مؤسسة تربوية ودينية وثقافية ومحطة إشعاع حقيقي في المجتمع، وركيزة أولى من ركائز البناء الروحي والأخلاقي والمعرفي والإنساني، ولذا فله قيمة كبيرة في نفوس أبناء فلسطين يعرفها الصهاينة، وكان هذا التدمير محاولة لتدمير كل هذه القيم والركائز، فأضافوا إلى جرائمهم التاريخية والمعاصرة هدم دور العبادة على من فيها!!
ولا عجب قبل ذلك وبعده أن تُسوّى وزارة الثقافة بالأرض، فإذا كانت المدارس بالأطفال الأبرياء لا تسلم من نيرانهم، والمساجد بشيوخها المصلين غير بعيد عن قصفهم، فسيَّان أن تستهدف الوزارة، وما علموا أن مكتباتنا بين صدورنا، ومراكزنا الثقافية في بيوتنا، تعلم الشعب الثبات والصمود والصبر والمصابرة.
إننا حين نتحدث عن استهداف المدارس بأطفالها، أو الأطفال في بيوتهم، فإننا نذكّر العالم المتنور بأن هؤلاء هم الشريحة الأوسع من طلاب المدارس، الذين لهم الحق في الحياة والحرية والمعرفة واختيار الاسم والمعيشة الكريمة كما يحلو لهم أن يقولوه في أدبياتهم ويفاخرون به في نشراتهم وكتبهم وإعلامهم!!
فأين حقنا الثقافي والتعليمي ونحن نرى أبناء المدارس يقهرون ويجرحون ويقتلون ويشردون، فتقصف مدارسهم وتهدم دور عبادتهم، وتستهدف جامعاتهم ومؤسساتهم الثقافية الحكومية؟ أم أن تماثيل بوذا هي أثقل في الميزان من حجارة مدارسنا ومساجدنا؟ وحسرات سائح على بقايا حجارة أهمّ من أنات بناتنا وهنّ على مشارف الموت على أرض المستشفيات لا يجدن سريراً يحتضرن عليه؟!!
الحديث عن استهداف المقارّ الثقافية والتعليمية والدينية أمر مهم جداً، وأرى أن قراءة موقف الدول الأوروبية لا يقل أهمية، هذه الدول التي أسست خطابها السياسي والإعلامي على تركيبة سمّتها «المنظومة الأخلاقية» التي تدعي الديموقراطية وحماية الرصيد المعرفي والثقافي للشعوب، ففي مواقف أقل من ذلك بكثير، كانت أعناقهم تتطاول وبياناتهم تترى ومواقفهم لا تتوقف في قضية هنا أو هناك، فما بالهم لا ينطقون وهم يرون المدارس والمساجد والجامعات ومؤسسات الثقافة الحكومية تُقصف وتُدمّر، إن ادعاءاتهم وضح بطلانها وزيفها، ويجب فضح هذه الجهات الموسومة بالثقافة الخالية من العدل والأخلاق والمبادئ، التي لا تنتصر للثقافة إلا حين تكون في مصالحها ووفق ما يخدمها، متناقضة مع ما تدعو إليه من قيم وثوابت.
* *
رغم فصول الاستهداف الصهيوني للإنسان الفلسطيني وتدمير محاضنه الثقافية والتعليمية وما يلحق بمثل هذه الوقفات من ألم، إلا أنَّ تثبيت قيمة الصُّمود والثَّبات وانكسار المحتل أمام إرادة الإيمان من أهم المرتكزات في بناء ثقافة الانتصار التي شهدنا فصولاً منها في أثناء العدوان سواء من أبناء شعبنا في القطاع أو في باقي الجغرافيا في فلسطين أو على مستوى العالم.
لم تقتصر هذه الفصول خارج القطاع على شكل واحد من أشكال الانتصار للصمود والثبات، بل تعددت هذه الأشكال وأبدعت الشعوب في ابتكار وسائل هذا التضامن. حتى الأشكال التقليدية في الثقافة والإعلام تجددت إلى حد كبير وصار هناك تفاعل واسع مع هذه الأحداث في الفن والأدب وغير ذلك من تنوعات الثقافة.
لقد أقيمت عشرات الأمسيات الشعرية التضامنية مع غزة، وافتتحت العديد من معارض الفن التشكيلي في أنحاء مختلفة من العالم، وأحيت الفرق الفنية مئات الفعاليات والمهرجانات، وشارك المثقفون في برامج الإذاعة والتلفاز وعلى صفحات الجرائد، أما شبكة الإنترنت فحدث عن جهود المبدعين فيها وتعاطفهم ولن تتسع السطور لتجد المساحة المطلوبة لذلك!!
اتحادات الكتاب والروابط الأدبية أصدرت البيانات التضامنية مع غزة، والاعتصامات كانت من وسائل ذلك التضامن، أما الحديث عن هولوكوست صهيوني فلقد بدأ يطلق نذيره على المؤسسات والدول المحتضنة للمشروع الصهيوني. فبدأ كبار الكتاب والأدباء يكتبون عن الهولوكست الحقيقي في غزة، وتحول كثير من دول العالم إلى مراسم متنقلة للأطفال للتعبير عن تضامنهم مع غزة وفلسطين، وتسليط الضوء أكثر على المجازر بحق الأطفال والنساء.
لقد دعا العديد من قادة الفصائل الفلسطينية أهل الضفة الغربية إلى إطلاق انتفاضة جديدة على أرض الجغرافيا، وأنا أقول إن انتفاضة فكرية وثقافية ومعرفية بدأت في معظم أنحاء العالم ويجب على قادة الفكر والسياسة والثقافة من أبناء مشروع المقاومة أن يلتقطوا هذا التعاطف ويبنوا عليه للمرحلة القادمة.
ربما تكون التصريحات التي أطلقها عدد من قادة المقاومة في نهاية الأسبوع الثالث للعدوان إشارات تنمّ عن هذه الرؤية التي كتبنا عنها، في أن المقاومة قبل العدوان تختلف عن المرحلة السابقة، سواء في شعبيتها والتفاف الجماهير حول خيارها، أو بإمكانات المقاومة التي تتصاعد. من المهم بمكان ونحن نتحدث عن البناء الحقيقي لثقافة المقاومة في مرحلة ما بعد العدوان، أن يكون هناك جهد ثقافي مقاوم يعمل على تنسيق الجهود في الحد الأدنى، ولا أريد هنا أن أتعجّل في وضع التصورات المقترحة من برامج وأفكار قبل أن يكون هناك نقاش حقيقي على الأرض بين المفكرين والمثقفين والأدباء حول كيفية الاستفادة من التجربة ثقافياً، لا ينفصل عن الرؤية العامة للمسار السياسي المقاوم، والسؤال أيضاً عن التميز والقصور التي مرّ بها العطاء الثقافي في تلك المرحلة، وما هو المطلوب لتجاوز السلبيات وتعزيز الإيجابيات.
من الضروري أن تتم قراءة جيدة وموضوعية للتأثير والتأثر بتجارب الساحات المختلفة في الجغرافيا الواسعة، كذلك فإنّ من المهم بمكان أن تكون هناك مبادرة لإحداث وقاية لهذه الحالة من أي مخططات فكرية قادمة، وخاصة أن العدوان على غزة أفقد المشروع الصهيوني الكثير من الهيبة العسكرية والقيم الأخلاقية التي يدعيها، ما يجعلني على يقين بأنه بحاجة إلى ترميم الصورة والحد من تآكل أطرافها الأخرى. الأمر الذي يجعلنا في تحدٍّ جديد لمواصلة العمل بوتيرة عالية جداً، فالساحات اتسعت أكثر، والمجالات تعددت بشكل أكبر، وهذا يضع مشروع المقاومة أمام تحديات جديدة لا تقتصر على ساحة الفعل العسكري المقاوم على الأرض، بل تتعداه إلى فضاء مفتوح من التفاعل والتقدم بهذا المشروع في مسارات تصب في خدمة المشروع المقاوم برؤيته الاستراتيجية.
رغم محدودية المكان الجغرافي للعدوان الصهيوني على قطاع غزة إلا أن الجغرافيا اتسعت بشكل لافت، وبرزت أمام قوى المقاومة والمؤسسات المتمسكة بحق الشعب الفلسطيني تحديات كبيرة جداً، لذا بات من الضروري بمكان أن يكون للمثقفين صوتهم وفعلهم المتواصل على الأرض، فالوقت لا ينتظر ومعركة الحق والعدالة بحاجة من أنصارها إلى تكثيف الجهود وتنويعها والعمل على رفع مستوى تأثيرها.
السنوات القادمة قد تجيب عن مثل هذه المسؤوليات، لكن قد لا ننتظر لنعرف بعض مسارات هذا العمل الثقافي الآخذ بالتصاعد.
----------------

(منقول)


الساعة الآن 11:10 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط