![]() |
الحذاء العجيب
لست أدري كيف تحولت هناك.. إلى السوق..لست أدري كيف انزلقت أصابعي إلى جيبي و أستلت كل نقودي و أسلمتها يد البائع..لست أدري كيف أعادها لي و قال : هذا حذاء ليس له ثمن.. إنه بركة من السماء و هدية من الأوابد..ما صنعته يد بشر..جلده الإباء و نعله العزة و عقبه الكبرياء.. ثم أضاف و هو يقدمه لي : إياك أن تنتعله..فقلت له : و لماذا أقتنيه إذا ؟؟ و إذ هممت أن أضيف كلمة أخرى كان قد أختفى.
في الطريق كنت أحمل هذا الحذاء كمن يحمل سرا قد عظم..ثم أصبحت كمن يحمل برميلا من الزئبق..ولما بلغت منزلي كان التعب قد ألزمني عتبة الباب.. و استلقيت على ظهري فيما كان نظري يلازم الحذاء الذي انطرح وسط الغرفة..بدا لي كأن له عينين و كأنه يحملق في ساخرا..و خيل إلي كأنه تكلم..أو ربما أرسل طيفا من ألفاظ التحدي.." أنتعلني إن كنت تعتقد في قوتك و تملكك أيها الآدمي البغيض"..و لم أدر كيف زحفت و أطبقت عليه و أنتعلته و شددت خيوطه.. فسكن.. و أحسست بالدفء يلف قدمي..و قمت، و سرت به في الغرفة.. و درت..و قفزت.. و ركلت الحائط..و دست على كل الأعراف..و قتلت ما يدب تحت قدمي.." هيا.. أرني كبرياءك و عزتك.. تحداني..هيا..هيا..إنك و إن كنت من صنع أيد غيبية و من جلد مسحور لن ترقى إلى مجرد حذاء..حذاء يضاف إلى مجموعة أحذيتي.."و أستقمت في وقفتي..و سرت إلى الكنبة..و شغلت التلفاز..كنت كذلك برهة..قدم فوق الأخرى..أمضغ علكة..و أستمتع بصوت مطربة فاتن آسر شهي خلاب لما تحركت قدمي..قدمي تحركت والله رغما عني..و راح يهتز..و يهتز..تشبثت بأذرع الكنبة..ضغطت بكل بدني..أيها السائق تريث..و ما استكان..و ما هدأ..وأخذ صوت إحتكاكه بالبلاط يشتد..يتعالى..يئز..كأنه الرعد القاصف..قنابل جبارة..زلزال..بركان في غيهب المحيط الهادر..عاصفة صحراء قاهرة..دمدمة اليوم الآخر..الصيحة الكبرى..و عندما هممت بسد أذني كان قد طفق يحلق بي في فضاءات الغرفة..و راح يعبث بي..يرفعني إلى السقف..يسحبني على الحائط سحب العنكبوت للذباب..يجرني فوق البلاط و يمسح بي الغبار..يغوص بي تحت السرير..يلوي قدمي..يلتف و يصفعني..ثم يعود و يجرجرني..يجعلني أرقص..يبكيني..يضحكني..يؤدب الوحش المغرور المتعالي في مكنون غرائزي..و يختطفني الإغماء. لما استفقت و جدت نفسي وحيدا فوق صخرة..عار..الصخرة على رابية..الرابية فوق جزيرة..هناك..لا إنس و لا عزة..وحدي..و قبالتي كانت رزمة من الأحذية الجلدية تنظر في باحتقار كبير و ترسل ضحكاتها الجنونية في فضاء الغرب البعيد البعيد. |
رد: الحذاء العجيب
أتمنى ألا يصير حذاؤك هذا كحذاء أبي القاسم الذي جلب عليه متاعب الدنيا والاخرة...استرعى انتباهي مؤخرا كثرة القصص والأشعار والخواطر التي جعلت من الحذاء عنوانا لها غير أنني ألتمس للجميع الاف الاعذار..أتساءل كيف كانت ستكون العناوين لو رشقه بهاتفه الجوال....أو بكاميرته ...أو بأقلامه...أو بأوراقه..؟ لكن كم جميل أن نقتسم جميعا طعم الإهانة...
أستاذي بن عبد الله عمار قرأت واقعك العربي الراهن... وقرات حذاءك العجيب ...وواضح أنهما نصين طازجين خرجا للتو من فرنة مستجدات الأحداث...فماذا عن ذخيرتك القديمة...اتحفنا إذن لكن دون أن ترشقنا بغزارة... وجدتك هنا متألقا ...متحررا من إكراهات تكثيف الكلمات...ووجدتك ممتعا..بالتوفيق أن شاء الله |
رد: الحذاء العجيب
اقتباس:
|
رد: الحذاء العجيب
بن عبد الله .. الله عليك .. تسلم إيديك !!
قراءتك كانت متعة أخى .. نعم عشت معك .. مع الحذاء الأمثولة .. بكل التفاصيل .. ورقصت معك و معه حد الانزلاق .. حد الدهشة .. من جمال قصك و غناه .. ياله من حذاء .. لم يكن للطنبورى البغدادى .. و لم يكن لخروشوف .. بل كان أكيد لمنتظر الزيدى .. أم أنه التمرد تخلق فى الاحذية العربية نعم .. هو التمرد و الزهو .. و حق لها أن تفعل .. فقد أصبحت عالية الكرامة و الكبرياء .. و رؤوسنا مازالت محنية ماتزال !!!! شكرا لك أخى الحبيب .. و أهلا بك هنا .. فى بلاط سيدة الفنون القصة و الرواية !! محبتى |
رد: الحذاء العجيب
السلام عليكم سيدي الفاضل و أخي الكريم ربيع عبدالرحمن، أيها المبدع الثر و المسرحي القدير و المعلم الأبوي، إن مجرد قراءتك لنصي وحدها تكفي كتشجيع حقيقي نابع من ثغر صادق. كم أصبحت سعيدا بعد كلماتك التي جعلتني لا أفكر إلا في بدء العمل الأدبي من الآن و كم أكون ممتنا لك سيدي المبدع لما تبقى دائما و أبدا رفيق المبدعين. جزاك الله خيرا و زاد من ثراء مخيلتك الخصبة ثراء آخر ودمنا قارئكم و دمتم قارئنا.
|
| الساعة الآن 04:19 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط