منتديات مجلة أقلام

منتديات مجلة أقلام (http://montada.aklaam.net/index.php)
-   منتدى القصة القصيرة (http://montada.aklaam.net/forumdisplay.php?f=5)
-   -   (رأس في زجاجة (http://montada.aklaam.net/showthread.php?t=11960)

د.عبدالرحمن أقرع 11-04-2007 06:47 PM

(رأس في زجاجة
 
(
رأس في زجاجة
)

كنت أقود سيارتي في ذلك الصباح الجميل من أيام آب الدافئة ، ممتعا النفس التي أرهقها روتين العمل بتنسم رائحة البحر التي تسللت عبر نافذة السيارة ،فيما انبعثت من آلة التسجيل ألحان عذبة بثت قدرا من النشوة في كياني كله ..كنت قد عقدت العزم على البحث عن مكان أقضي فيه أياما في ذلك المنتجع الصيفي الخلاب عل ذلك يجدد نشاطي الذي تآكل بفعل العمل المضني .
كانت الطرقات تغص بالبشر المتجهين صوب الشاطيء ..أرتال من الناس تضم كافة الأعمار والألوان والأجناس ، يرطنون بلغات شتى ويغدون الخطى نحو هدف واحد : البحر الأزرق الجميل، برماله الذهبية الملتهبة.
أدرت المقود عند أحد المنعطفات عندما تراءى لي شبح إنسان يترنح في محاولة يائسة للحفاظ على توازنه على إحدى السلالم الحجرية قبل أن يسقط ويتدحرج على عدة درجات ، حاولت تجاهل الموقف بيد أن حس الطبيب في داخلي أجبرني على التوقف والنزول من السيارة لاستطلاع حقيقة الأمر وتقديم المساعدة إن استطعت إلى ذلك سبيلا.
كان كهلا على عتبة الأربعينات أشعث الشعر نغبر الهندام يتأوه من شدة الألم اثر السقطة ، وجف قلبي بغتة عندما رفع رأسه بتثاقل مستطلعا القادم صوبه ، وما أن راني حتى ارتسمت ابتسامة على وجهه الفياض بالألم مما أضفى قليلا من الحيوية على ملامحه البائسة-( آه..أهذا أنت يا دكتور؟)
-( أجل أنا..ما بك يا صاح؟) سألته وقد جثوت على ركبتي إلى جانبه متمعنا في وجهه الذي رأيت فيه وجها مألوفا لأحد مرضاي البائسين.
-( يا لله..) هتف بحرقة ثم تابع :-( انك آخر شخص تمنيت أن يراني على هذا الحال ) هتف بحسرة وقد ارتسمت هالة من الخجل على قسمات وجهه المنهك.
كانت أنفاسه المتلاحقة تفوح برائحة الكحول النفاذة.أمسكت بذراعه وساعدته على الوقوف ثم سرت معه صوب السيارة وكانت خطاه المترنحة تجبرني على التوقف لمساعدته في الحفاظ على توازنه بين الحين والحين حتى وصلنا السارة حيث فتحت الباب وساعدته على الولوج فيها للجلوس على المقعد الأمامي إلى جواري .
-( كم توسلت إلي أمي من قبل أن اقلع عن شرب الكحول) قال ذلك ثم انفجر باكيا كطفل يساوره الندم على عثرة من عثرات الصبا .
-( لا عليك يا صاح ) ربت على كتفه مشجعا ثم قلت ك-( فلنذهب إلى الوحدة الصحية التابعة للمنتجع ونطمئن على ساقك أولا ، وبعد ذلك سنذهب إلى حيث تنال قسطا من الراحة).
كان وجهه لوحة تداخلت فيها خطوط المشاعر ، وتمازجت ألوان التعابير ما بين حمرة الخجل و صفرة الإعياء ، واسوداد الكآبة عندما دخل متكأ على ذراعي إلى ردهة الوحدة الصحية ، حيث عاينه زملائي هناك ، ولفوا ساقه بضمادة بعد أن تأكدوا من خلوها من الكسور ، ثم اصطحبته إلى الفندق الذي يقيم فيه وتركته ليرتاح واعدا إياه بالمرور لرؤيته في المساء .
كان ذلك المساء جميلا هادئا لا يعكر صفوه إلا الألحان الصاخبة المنبعثة من بعض المراقص والملاهي معلنة حلول ليل المنتجعات ،..وكان واقفا بانتظاري في بهو الفندق ، وما أن راني حتى هب لملاقاتي ببشاشة وود ظاهرين ليقتادني بعدذاك إلى غرفته حيث دعاني للجلوس .
-( أرجو أن لا تقسو علي سيدي الطبيب) قالها بذهن شارد ونظرة سارحة في البعيد الذي لا يدركه غيره.
-( ما جئت لهذا ) أجبت مبتسما.
-( أعلم ذلك) طأطأ رأسه لتغزو هالة الحزن وجهه من جديد ثم تابع قائلا :
-( لم تمنعني غيابة السكر هذا الصباح من سماع كلماتك وتذكرها عندما قلت لي : أن دورك ينحصر في علاجي ومساعدتي لا في إقامة الحد علي)
أشاح بوجهه هنيهة لإخفاء دمعة ترقرقت حرى على وجهه ثم توجه إلي ثانية وقال:
-(لقد عكفت على رسم لوحة خلال الأيام التي قضيتها في هذا الفندق ..أتود رؤيتها ؟)
-( بكل سرور ..ولكنك لم تخبرني من قبل أنك تجيد الرسم )
-(أنها مجرد ر توش ) قال ذلك ثم مد إلي قطعة من الورق المقوى تناولتها ممعنا فيها النظر .
-(ياه) لم أتمكن من إخفاء دهشتي لروعة التصوير وجماليته في تلك اللوحة التي صورت رجلا أدخل رأسه في زجاجة ، يحاول جاهدا إخراجه دون جدوى إذ أطبق عنق الزجاجة على عنقه.
-( هذا أنا يا سيدي الطبيب ..غدوت حبيس الزجاجة التي أمتص رحيقها لمتص أيا مي ، أطالع وجهي في مرايا جدرانها لتظهر لي وجها يسر الناظرين رغم علمي وعلم من حولي أنه أشعث أغبر..أجاهد للفكاك من سحرها ولا فكاك وقد استأثرت بدمي الذي يجري في عروقي).
-( إنها لوحة رائعة حقا، لو كنت مكانك لاحترفت الرسم ، ولتركت ريشتي تجسد الألم المخزون في ذاتي بدلا من الارتماء في أحضان زجاجة مخادعة تلقي بي فيما بعد تحت أقدام العابثين..ومن يدري ، فلربما تهديني ذات يوم رسما جديدا لنفس الرجل يقف مبتسما ظافرا إلى جانب شظايا الزجاجة بعد أن افلح في إخراج رأسه منها وتهشيمها بعدذاك.)
-( من يدري) هز رأسه بأسى ثم مد إلي كأس العصير قائلا :
-(تفضل..هاك كوبا من العصير)
-( لقد سعدت بزيارتك أيها الصديق، سيكون من دواعي سروري أن تشرفني في عيادتي في بحر الأسبوع القادم)
شددت على يده مودعا بعدما استللت منه وعدا بالمجيء إلى عيادتي بعد أسبوع.
مر أسبوع تلاه آخر دون أن يأتي أو يهاتفني ، كنت كمن افتقد صديقا مقربا من نفسه رغم أن علاقتنا لم تتعد علاقة طبيب بأحد مرضاه ، ثم حاولت جاهدا البحث عنه في الأماكن التي اعتقدت انه يرتادها دون جدوى ..ثم جرفني تيار العمل فنسيت أمره إلى أن هزني مرأى صورته ذات صباح أثناء تصفح الجريدة اليومية كعادتي قبل الانطلاق إلى العمل ، كانت ملامح وجهه البائس الحزين تطل من ثنايا صفحة الحوادث الى جانب عنوان باهت نصه : (انتحار مدمن كحول).

أحمد فؤاد صوفي 15-09-2025 09:20 PM

رد: (رأس في زجاجة
 
الأديب الكريم/ د.عبدالرحمن أقرع المحترم ،،
مشهد صعب اقتنصته ببراعة، يظهر جانباً من تداعيات النفس البشرية حين الأزمات.
ولو أن القصة حوت على بعض التطويل وبعض أخطاء الطباعة، ولكنني استمتعت بقراءتها وبتفاصيلها ،،
تقبل ودي وتحيتي ،،


الساعة الآن 07:07 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط