الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديـات الثقافيـة > المنتدى الإسلامي

المنتدى الإسلامي هنا نناقش قضايا العصر في منظور الشرع ونحاول تكوين مرجع ديني للمهتمين..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-07-2022, 12:45 PM   رقم المشاركة : 25
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 199)







حول مضمون الآية:

الإفاضة من المكان: الدفع منه، مستعار من إفاضة الماء، وإن نزول الحجيج من عرفات إلى المزدلفة، أو من المزدلفة إلى منى، هو أشبه ما يكون بفيضان الماء، في جريانه وتدفقه واندفاعه. ولعرفات أربعة حدود: حدّ إلى جادّة طريق المشرق، والثاني إلى حافّات الجبل الذي وراء أرضها، والثالث إلى البساتين التي تلي قرنيها على يسار مستقبل الكعبة، والرابع وادي عُرَنة (بضمّ ففتح) وليست عرنة ولا نَمِرة (بفتح فكسر) من عرفات. وقيل: إن المشعر الحرام هو المزدلفة كلّها من مأزمي عرفات إلى وادي محسِّر (بكسر السين المشدّدة)، وهو مسيل ماء قد استوت أرضه الآن، يقع بين المزدلفة ومنى، وليس هو منهما، أو هو من منى.

والمعنى - كما نراه - في قوله: (فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ) أنه يطلب من الحاجّ إذا دفع من عرفات إلى المزدلفة، أن يذكر الله عند المشعر الحرام فيها بالدعاء والتكبير والتهليل والتلبية، (ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ) أمر بالإفاضة الثانية من المزدلفة إلى منى. وما يخالف الوجه الذي قيل بأن الإفاضتين واحدة، هي الدفع من عرفات، أنه ينافي أسلوب السياق؛ وذلك إنّ الخطاب في الآيات كلّها عام. والمخاطب واحد في: (فَإِذَآ أَفَضْتُم) و (ثُمَّ أَفِيضُواْ)، وإن المراد بالإفاضة الثانية هو الدفع من مزدلفة؛ لأنّه ذكر الدفع من عرفات في خطاب المؤمنين كافّة، وهو لا يكون إلاّ بعد الوقوف، فعلم أنّهم سواء في الوقوف بعرفات وفي الإفاضة منها إلى المزدلفة، وبعد أن أمرهم بما يتوقّع أن يغفلوا عنه فيها عند المشعر الحرام منها، ذكر الإفاضة منها. وقوله: (ثُمَّ) إذاً يفيد أنّ الإفاضة من مزدلفة يجب أن تكون مرتّبة على الإفاضة من عرفات، ومتأخّرة عنها. ثم إنه قال: (مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ) للدلالة على ضرورة أن يكون نسك الحجيج كلهم على نمط واحد، لإبطال ما كانت عليه قريش من ترك النفرة من عرفات، والبقاء في المزدلفة حتى يلحق بهم الناس.

وقوله: (وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ) يراد به أمران: الاستغفار ممّا أحدثوا بعد إبراهيم - عليه السلام - من تغيير المناسك وإدخال الشرك وأعماله فيها، فهو استغفار من الضلال الذي ذكرهم به في الآية قبلها: (وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ)، والأمر الثاني عام : ليستغفروه من عامّة الذنوب في الحجّ وغيره. (إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) أي: واسع المغفرة والرحمة لمن استغفره تائباً منيباً.







التوقيع

ومـا يعلـم تأويلـه إلا الله
قراءات في الكتاب: ســـورة الفاتحــة
قراءات في الكتاب: ســـورة البقرة: 1) المدخل

 
رد مع اقتباس
قديم 04-07-2022, 04:21 PM   رقم المشاركة : 26
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ
فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ 200)







(فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ):

تفريع على قوله: (ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ) البقرة 199، لأن تلك الإفاضة هي الدفع من مزدلفة إلى منى أو لأنها تستلزم ذلك، ومنى هي محل رمي الجمار. وأشارت الآية إلى رمي جمرة العقبة يوم النحر، فأمرت بأن يذكروا الله عند الرمي ثم الهدي بعد ذلك، وقد تم الحج عند ذلك، وقضيت مناسكه.
وقوله تعالى: (مَّنَٰسِكَكُمۡ): جمعُ "مَنْسَك" بفتحِ السين وكسرِها، وقد تقدم ذكره في: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا) البقرة 128.
وقوله: (فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ) أعاد الأمر بالذكر بعد أن أمر به وبالاستغفار تحضيضاً عليه وإبطالاً لما كانوا عليه في الجاهلية من الاشتغال بفضول القول والتفاخر، فإنه يجر إلى المراء والجدال، والمقصد أن يكون الحاج منغمساً في العبادة فعلاً وقولاً واعتقاداً.
والكافُ في قوله: (كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ) كالكاف في قوله: (كَمَا هَدَاكُمْ) البقرة 198، إلاَّ في كونِها بمعنى "على" أو بمعنى اللام.
والجمهورُ على نصبِ (ءَابَآءَكُمۡ) مفعولاً به، والمصدرُ مضافٌ لفاعِلِه على الأصل. وقريء: {آباؤكم} رفعاً، على أنَّ المصدرَ مضافٌ للمفعولِ، والمعنى: كما يَلْهَجُ الابنُ بذكر أبيه.
كما رُوِيَ: {أباكم} بالإِفراد على إرادة الجنسِ، وهي توافِقُ قراءةَ الجماعة في كونِ المصدر مضافاً لفاعله.
وقوله: (كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ) بيان لصفة الذكر، فالجار والمجرور نعت لمصدر محذوف أي: ذكراً كذكركم آباءكم، إشارة إلى ما كانوا عليه من الاشتغال في أيام منى بالتفاخر بالأنساب ومفاخر أيامهم، فكانوا يقفون في منى بين موقع مسجد الخيف وبين جبل منى الذي مبدؤه العقبة التي ترمى بها الجمرة فيذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم، ويتناشدون فيها الأشعار، ويتكلمون بالمنثور من الكلام، ويريد كل واحد منهم من ذلك الفعل حصول الشهرة والترفع بمآثر سلفه، فلما أنعم الله عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربهم كذكرهم لآبائهم. والمراد تشبيه ذكر الله بذكر آبائهم في الكثرة والتكرير وتعمير أوقات الفراغ به، وليس فيه ما يؤذن بالجمع بين ذكر الله وذكر الآباء.
ويجوز في "أشد" في قوله: (أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ):
1) أن يكونَ مجروراً عطفاً على "ذكِركم" المجرورِ بكافِ التشبيه، تقديرُه: أو كذكرٍ أشدَّ ذكراً، فتجعلُ للذكرِ ذِكْرَاً مجازاً، أو أنه مجرورٌ عطفاً على المخفوض بإضافة المصـدرِ إليه، وهو ضميرُ المخاطبين، كما تقول: كذكـرِ قريشٍ آباءَهم أو قومٍ أشـدَّ منهم ذِكْراً.
2) وأَنْ يكونَ منصوباً من أوجهٍ، أظهرها: أن يكونَ معطوفاً على (ءَابَآءَكُمۡ) بمعنى: أو أشدَّ ذكراً من آبائِكم، أو قوماً أشدَّ ذكراً من آبائكم.
وقوله: (ذِكۡرٗاۗ) في: (أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ): يظهر أنه تمييز لـ (أَشَدَّ). وقريب منه استعمال تمييز نِعْم توكيداً في قوله جرير:
تَزَوَّدْ مثلَ زاد أبيك فينا ..... فنِعْم الزاد زادُ أبيك زَادا
ويجوز أن يكون نصب (أَشَدَّ) على الحال من (ذِكۡرٗاۗ)، وكان نظم الكلام: أو ذكراً أشد، فقدم النعت فصار حالاً، والداعي إلى تقديم النعت حينئذٍ هو الاهتمام بوصف كونه أشد، ولإشباع حرف الفاصلة عند الوقف عليه، وليباعد ما بين كلمات الذكر المتكررة ثلاث مرات بقدر الإمكان.
ووجه آخر أجاز هنا وفي: (إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ) النساء 77، أن يكون العطف على المجرور بالحرف بدون إعادة الجار، وعليه ففتحة (أَشَدَّ) نائبة عن الكسرة، لأن (أَشَدَّ) ممنوع من الصرف.
وهذه الآية من غرائب الاستعمال العربي، ونظيرتها آية سورة النساء.

ما مدلول: (فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ)؟:

(فَإِذَا قَضَيۡتُم): إنالقضاء إذا علق بفعل النفس، فالمراد به الإتمام والفراغ، ونظيره قوله تعالى: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ) فصلت 12، وقوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ) الجمعة 10، ويقال في الحاكم عند فصل الخصومة قضى بينهما. وإذا علق على فعل الغير فالمراد به الالزام، ونظيره: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ) الإسراء 23. وإذا استعمل في الإعلام، فالمراد أيضاً ذلك كقوله: (وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ) الإسراء 4، يعني أعلمناهم.
إذا ثبت هذا فثمة قولان:
- قال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد: اذكروا الله عند المناسك، ويكون المراد من هذا الذكر ما أمروا به من الدعاء بعرفات والمشعر الحرام والطواف والسعي ويكون قوله: (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ) كقول القائل: إذا حججت فطف وقف بعرفات ولا يعني به الفراغ من الحج بل الدخول فيه.
وهذا القول ضعيف؛ لأن: قوله: (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ) مشعر بالفراغ والاتمام من الكل.
- وعليه، فقوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ) لا يحتمل إلا الفراغ من جميعه خصوصاً، وذِكْرُ كثير منه قد تقدم من قبل.

ما المقصود بالمناسك هنا؟:

قالوا:
- المناسـك: جمع منسـك الذي هو المصدر بمنـزلة "النسـك"، أي: إذا قضيتم عباداتكم التي أمرتم بها في الحج، وإن جعلنها جمع "منسك" الذي هو موضع العبادة، كان التقدير: فإذا قضيتم أعمال مناسككم، فيكون من باب حذف المضاف.
- قال بعض المفسرين: المراد من المناسك ههنا ما أمر الله تعالى به الناس في الحج من العبادات.
- وقيل: إن قضاء المناسك هو إراقة الدماء.يقال: أنسَك الرجل، يَنْسُك نُسْكاً، إذا ذبح نسِيكته بعد رَمْي جمرة العقبة والاستقرار بمِنًى.

ما هو الذكر المقصود بعد قضاء المناسك؟:

الفاء في قوله: (فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ) يدل على أن الفراغ من المناسـك يوجب هذا الذكـر، فلهذا اختلفوا في هذا الذكر:
1) فمنهم من حمله على الذكر على الذبيحة.
2) ومنهم من حمله على الذكر الذي هو التكبيرات بعد الصلاة في يوم النحر وأيام التشريق، على حسب اختلافهم في وقته أولاً وآخراً، لأن بعد الفراغ من الحج لا ذكر مخصوص إلا هذه التكبيرات.
3) ومنهم من قال: بل المراد تحويل القوم عما اعتادوه بعد الحج من ذكر التفاخر بأحوال الآباء لأنه تعالى لو لم ينه عن ذلك بإنزال هذه الآية لم يكونوا ليعدلوا عن هذه الطريقة الذميمة، فكأنه تعالى قال: فإذا قضيتم وفرغتم من واجبات الحج وحللتم فتوفروا على ذكر الله دون ذكر الآباء.
4) ومنهم من قال: بل المراد منه أن الفراغ من الحج يوجب الإقبال على الدعاء والاستغفار، وذلك لأن من تحمل مفارقة الأهل والوطن وإنفاق الأموال، والتزام المشاق في سـفر الحج، فحقيق به بعد الفراغ منه أن يقبل على الدعاء والتضرع وكثرة الاستغفار والانقطاع إلى الله تعالى، وعلى هذا جرت السنة بعد الفراغ من الصلاة بالدعوات الكثيرة.
5) وفيه وجه خامس، وهو أن المقصود من الاشتغال بهذه العبادة: قهر النفس ومحو آثار النفس والطبيعة ثم هذا العزم ليس مقصوداً بالذات بل المقصود منه أن تزول النقوش الباطلة عن لوح الروح حتى يتجلى فيه نور جلال الله، والتقدير: فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية، وأمطتم الأذى عن طريق السلوك فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر الله، فالأول نفي والثاني إثبات، والأول إزالة ما دون الحق من سنن الآثار، والثاني استنارة القلب بذكر الملك الجبار.

لِمَ خص الآباء بالمقابلة مع ذكر الله؟:

- قال جمهور المُفسِّرين: إن القوم كانوا بعد الفراغ من الحَجِّ يبالِغُون في الثَّنَاءِ على آبَائِهِم وفي ذكر مَناقِبهم، فقال تعالى: (فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ)، أي: فاجهَدُوا في الثَّنَاء على الله ، كما بذلتم جَهْدَكم في الثَّناء على آبَائِكم.
- أي: اذكُرُوا الله كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُم وأمَّهَاتكم، واكتفى بذكر الآباءِ، كقوله تعالى: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ) النحل 81، أي: والبرد.
- وقيل: أجرى ذِكر الآباء مثلاً لدوام الذكْرِ، أي: كما أنّ الرَّجُل لا يَنْسَى ذكر أبيه، فكذلك يَجِبُ ألاّ يَغْفَل عن ذِكْر الله - تعالى-.
- وقيل: كانت العرب في الجَاهِليَّة تكثِر من القَسَم بالآباءِ والأَجْدَادِ؛ فقال تعالى: عَظِّمُوا الله كَتَعْظِيم آبَائكُم.
- وقيل: كما أنّ الطِّفْل يرجع إلى أبِيه في طَلَبِ جميع مُهِمَّاتِه، ويكون ذَاكِراً له بالتَّعظِيم فكُونُوا أنتم في ذِكْر الله كذلك.
- وقيل: يُحْتَمل أنّهم كَانُوا يَذْكُرون آباءَهُم؛ ليتَوسَّلُوا بذكرهم إلى إجابة الدُّعَاء، فعرَّفَهُم الله - تعالى - أنّ آباءَهُمْ لَيْسَوا في هذه الدَّرَجَة؛ إذ أَفْعَالُهم الحَسَنة مُحْبَطة بشِرْكِهِم.
- وقيل: المقصود أن تَغْضَب لله إذا عُصِيَ، أَشَدَّ من غَضَبِك لوَالِدَيْك إذا ذُكِرا بِسوءٍ.






 
رد مع اقتباس
قديم 05-07-2022, 01:48 PM   رقم المشاركة : 27
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ
فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ 200)








(فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ):

قوله: (فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ): الفاء للتفصيل لأن ما بعدها تقسيم لفريقين من الناس المخاطبين.
و "مَنْ" مبتدأٌ، وخبرُه في الجارِّ قبله، ويجوز أن تكونَ فاعلةً، وأن تكونَ نكرةً موصوفة. وفي هذا الكلام التفاتٌ، إذ لو جَرَى على النسقِ الأولِ لقيل: "فمنكم"، وحُمِل على معنى "مَنْ" إذ جاء جَمْعاً في قوله: (رَبَّنَآ ءَاتِنَا)، ولو حُمِل على لفظِها لقال "ربِّ آتني".
وفي مفعول "آتِنا" الثاني - لأنه يتعدَّى لاثنين ثانيهما غيرُ الأول - ثلاثةُ أقوالٍ، أظهرُها: أنه محذوفٌ اختصاراً أو اقتصاراً، لأنه من باب "أعطى"، أي: آتِنا عطاءً، أو اعطنا ما نريد أو مطلوبنَا. أو يقدر المفعول بأنه: الإنعام أو الجائزة، أو محذوف لقرينة قوله: (حَسَنَةٗ) فيما بعد، أي: (ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ).
وجملة: (وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ) معطوفة على جملة: (مَن يَقُولُ)، فهي ابتدائية مثلها، والمقصود إخبار الله تعالى عن هذا الفريق من الناس أنه لا حظ له في الآخرة، لأن المراد من هذا الفريق: الكفار، فقد قيل أنهم كانت عادتهم في الجاهلية ألا يدعوا إلاّ بمصالح الدنيا، إذ كانوا لا يعرفون الآخرة.
وقوله: (وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ) أي ليس له نصيب في نعيم الآخرة، فالخلاق (بفتح الخاء): مشتق من الخلاقة وهي الجدارة، يقال خلُق بالشيء (بضم اللام) إذا كان جديراً به، وفلان خَلِيقٌ بكذا أي: جدير به.
ولما كان معنى الجدارة مستلزماً نفاسة ما به الجدارة دل ما اشتق من مرادفها على النفاسة سواء قيد بالمجرور كما هنا، أم أطلق كما في قول البعيث بن حريث:
ولَسْتُ وإن قُرِّبْتُ يَوْماً ببائعٍ ..... خَلاَقي ولا دِيني ابِتغاءَ التَّحَبُّبِ
فالخلاق: النصيب من الخير والنفيس، وما يفرق بينه وبين النصيب، أنه هو الحظ الوافـر من الخيـر، خاصة بالتقديـر لصاحبه أن يكون نصيبـاً له لأن اشــتقاقه من الخَلق،
وهو التقدير. ويجوز أن يكون من الخُلق لأنه مما يوجبه الخلق الحسن.

من هم الذين يقتصرون في الدعاء على طلب الدنيا؟:

اختلفوا فيهم على قَوْلَيْن:

1) فقال قوم: هم الكُفَّار؛ ورُوِي أنّ المُشْركين كانوا إذا وقَفُوا للدُّعاء، سألوا الدنيا، ولم يَطْلُبُوا التَّوْبة والمغفِرة؛ لأنهم كانوا مُنْكِرين البعثَ والمَعَاد، فأخبر الله - تعالى - أنَّ من كان هكذا، فلا خلاق لهُ في الآخِرَة، أي: لا نَصِيبَ لهُ.

2) وقال آخرون: قد يكُونُوا مؤمِنِين، ويسألون الله - تعالى - لِدُنياهُم لا لآخِرَتِهِم، ويكون سُؤَالُهم هذا ذَنباً؛ لأنهم سأَلُوا الله في أعظم المواقف حُطام الدُّنْيَا الفَانِي، وأعْرَضُوا عن سُؤَال نعيم الآخِرة، ويقال لِمَن فَعَل ذَلِك: أنّه لا خَلاَقَ لَهُ في الآخِرةِ، وإن كان مُسْلِماً؛ كما رُوِي في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ) آل عمران 77، أنها نزلت فيمن أخذ مالاً بيمينٍ فاجرةٍ.

ونظير هذه الآيةِ قوله تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ 20) الشورى.






 
رد مع اقتباس
قديم 05-07-2022, 01:53 PM   رقم المشاركة : 28
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ
فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ 200)







حول مضمون الآية:

أول ما يطالعنا في الآية، القول بقضاء المناسك: (فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ)، ويتعين هنا أن نسأل سؤالاً: متى تُقضى المناسك حتى ينصرف الناس إلى ذكر الله؟ إن الذي نراه أن قضاء المناسك يكون بعد إتمام نسك يوم النحر، وهو - كما نعلم - يشمل الواجبات الأربعة: رمي الجمرة الكبرى، والذبح للمتمتع والقارن ولمن عليه دم، وزيارة البيت (طواف الإفاضة)، والحلق. فإذا تم ذلك، أمر الناس بذكر الله هذا الذكر المخصوص. وهو مخصوص لأن فيه نقض لما كان عليه حجاج البيت في الجاهلية. إن الحاج لم يتوقف عن ذكر الله في كل مواطن الحج، وقد أمره الله في سائر المواقف بذكره، فقال: (فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ) عند الإفاضة من عرفات، (وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ) عند الإفاضة من المزدلفة. أما هذا الذكر المخصوص، فشرع بدايةً ليبطل ما كان عليه المشركون من تقليد اتبعوه في كل عام، بالحشد في منى فور الرجوع من المزدلفة، يتفاخرون ويتعاكظون ويتناشدون. وكان هذا تقليداً سنوياً للتباري بذكر سير الآباء ومكارمهم، والتفاخر بأمجاد قبائلهم وأيامها، حتى أنهم جعلوه دِيناً يسعون إليه، ويلتزمون به. ولا يخفى أن في أكثر المفاخر مبالغات لا تخلو من أمرين: فإن كانت كذباً، فذلك يوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في الآخرة، وإن كانت صدقاً، فذلك يوجب العجب والكبر وكثرة الغرور، وكل ذلك من أمهات المهلكات. كما لا يخفى أن هذا الصنيع يسبب الإحن، ويزيد التباعـد والتنافـر بين الناس، فالمفتخر بأمجاد قومه في النزال والحرب،
يذم خصومه، ويحط من شأن غير قبيلته من القبائل المنافسة والعدوة. فينتهي موسم الحج وقد عبئت الصدور بالأحقاد، وشحذت الهمم للرد على ما قيل على المنابر، في ميدان القتال؛ وكأن الناس ما اجتمعوا في موسم العبادة إلا ليتصارعوا بالقريض، ويتنابذوا بالألقاب في الخطابة، وليعلوا شأن الجاهلية والجهال، فوق اسم الله الذي اجتمعوا بدعوى عبادته.
رد الله - تعالى - هذا الظلم، بقوله: (فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ) أي: إن الله يستحق أن تذكروه في مواطن العبادة هذه ذكراً يكافيء ذكركم لآبائكم، وابذلوا جهدكم في الثناء على الله وشرح آلائه ونعمائه كما بذلتم جهدكم في الثناء على آبائكم لأن هذا أولى وأقرب إلى العقل من الثناء على الآباء، خاصة في موقف سعيتم فيه إلى ديار قدسه وفضله. وقد قيلت لطائف في إيراد الآباء في قوله: (كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ)، منها أن اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية فإن الواحد منهم لو نسب إلى والدين لتأذى واستنكف منه ثم كان يثبت لنفسه آلهة فقيل لهم: اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية، بل المبالغة في التوحيد ههنا أولى من هناك. ومنها أن الطفل كما يرجع إلى أبيه في طلب جميع المهمات ويكون ذاكراً له بالتعظيم، فكونوا أنتم في ذكر الله كذلك. ومنها أن تغضب لله إذا عصى أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء. وكل هذه الوجوه حسن، وهي جميعها مشتركة في أنه يجب على العبد أن يكون دائم الذكر لربه، دائم التعظيم له، دائم الرجوع إليه في طلب مهماته، دائم الانقطاع عمن سواه.

وقد قال النحاة في إعراب: (أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ) عدة آراء، زيلوا أقوالهم بالقول بأن "هذه الآية من غرائب الاستعمال العربي، ونظيرتها قوله في آية سورة النساء: (كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ)". وكلامهم هذا هو الغريب، لما فيه من التعسف؛ لأنهم أقاموا النحو على شعر العرب، فإذا ظفر أحدهم ببيت شعر لأحد أجلاف الأعراب يطير فرحاً به ويجعله قاعدة، ثم يشكل عليه إعراب آية من القرآن فلا يتخذها قاعدة، بل يتكلف في إرجاعها إلى كلام أولئك الأجلاف وتصحيحها به كأن كلامهم هو الأصل الثابت، بينما الأصل هو القرآن، وهو الذي يقاس عليه لا الشعر، ولا لسان العربي. وللقرآن إيجاز واختصار وتراكيب، يقاس عليها، لا أن يلوى عنق الآيات استجابة للسان بدوي، حتى أن بعضهم أضاف لقراءات القرآن ما ينسجم مع ألفاظ بيت من الشعر. وعلى الرغم من أن علم النحو، إنما أنشيء خدمة للقرآن، إلا أنه لم يجعل القرآن الحكم في تقويم اللسان العربي، بل جعله تابعاً للسان الشاعر والناثر القديم.

قد بين الله - تعالى - أولاً تفصيل مناسك الحج، ثم أمر بعدها بالذكر، فقال: (فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) ثم بين أن الأولى أن يترك ذكر غيره، وأن يقتصر على ذكره فقال:(فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) ثم بين بعد ذلك الذكر كيفية الدعاء فقال: (فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا) فما أحسن هذا الترتيب. إنه لا بد من تقديم العبادة لكسر النفس وإزالة ظلماتها، ثم بعد العبادة لا بد من الاشتغال بذكر الله تعالى لتنوير القلب وتجلى نور جلاله، ثم بعد ذلك الذكر يشتغل الرجل بالدعاء، فإن الدعاء إنما يكمل إذا كان مسبوقاً بالذكر كما حكي عن إبراهيم - عليه السلام - أنه قدم الذكر، ثم أتبعه بالدعاء فقال: (ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ 78 وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ 79 وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ 80 وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ 81 وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓ‍َٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ 82رَبِّ هَبۡ لِي حُكۡمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ 83) الشعراء.






 
رد مع اقتباس
قديم 05-07-2022, 01:57 PM   رقم المشاركة : 29
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ
فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ 200)







حول مضمون الآية:



على أن الذين يدعون الله فريقان:
1) الفريق الأول من كان دعاؤهم مقصوراً على طلب الدنيا،
2) والفريق الثاني هم الذين يجمعون في الدعاء بين طلب الدنيا وطلب الآخرة.
هذا هو الثابت، لكن ظهر في الإسلام فريق ثالث، يقصر دعاءه على طلب الآخرة، واختلفوا في هذا الفريق: هل هو مشروع أو لا؟ والرأي الأظهر أنه غير مشروع، وذلك أن الإنسان خلق محتاجاً ضعيفاً لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بمشاق الآخرة، فالأولى له أن يستعيذ بربه من كل شرور الدنيا والآخرة. ولا يسلم الإنسان من حاجة له في الدنيا، وإن لم تكن له، فلمن يهتم بأمره من أهل وذوي قربى، وفي التنزيل العزيز آيات كثيرة تحض على اللجوء إلى الله بالدعاء طلباً لبعض شأن الإنسان لدنياه أو آخرته، منها قوله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) النمل 62. والإنسان ليس بمعزل عن مجتمعه، يصيبه ما يصيبه محيطه من خير وسوء. ثم إن الإنسان يتقلب بين صحـة ومرض، فإذا ابتلي بألم في ضرس في فمه، أو صداع في رأسـه، انقض مضجعه، واحتاج لما يرفع عنه ما يعاني، ومن غير الله يلجأ إليه بالدعاء؟! ومن ذا الذي يستغني عن إمداد رحمة الله - تعالى - في كل وقت؟!.

ثم بَيَّنَ - تعالى - أن الذين يذكرونه فيدعونه طلباً للعاجلة، وإغفالاً للعاقبة، ما لهم في الآخرة من نصيب. إن هذا الفريق يطلب حظ الدنيا مطلقاً، فقال: (فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا)، فلم يأتِ بمفعول (ءَاتِنَا) محاكاة لقوله - تعالى - في طالب خيري الدارين: (ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ)، فإنه بدلالته على العموم يشمل كل ما يعنى به أفراد هؤلاء الناس المتفاوتي الهمم المختلفي الأهواء من الحظوظ والشهوات، حسنها وقبيحها، خيرها وشرها، كبيرها وخسيسها، وما لا يليق ذكره منها.

إنه - تعالى - لم يقل إنه يطلب حسنة فيها، لأن من كانت الدنيا كل همه لا يبالي أكانت شهواته وحظوظه حسنة أم سيئة، فهو يطلب الدنيا من كل باب، ويسلك إليها كل طريق، لا يميز بين نافع لغيره ولا ضار، فباستيلاء حب الدنيا عليه لم يكن للآخرة وما أعده الله فيها للمتقين من الرضوان موضع من نفسه يرجوه ويدعو الله فيه، كما أنه لا يخاف ما توعد الله به المجرمين فيها فيلجأ إليه - تعالى - بأن يقيه شره، فحرمان هذا الفريق من خلاق الآخرة هو أثر كسبه وسوء اختياره، وتفضيله حظوظ الدنيا الفانية على سعادة الآخرة الباقية؛ لأنه يعمل للأولى كل ما يستطيع من أسباب الحلال والحرام، حتى إنه لا يسأل ربه إلا المزيد من حظوظها وشهواتها. وقد ينالها كثير من الناس بدون هم كبير في العمل لها، ولا يعمل للآخرة وقد اشترط لسعادتها خير العمل، فقال تعالى: (مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا 18 وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا 19) الإسراء.






 
رد مع اقتباس
قديم 06-07-2022, 01:48 PM   رقم المشاركة : 30
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ 201)







(وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ):

قوله تعالى: (فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً): يجوز في الجار وجهان، أحدهما: أن يتعلَّقَ بـ(ءَاتِنَا) كالذي قبله. والثاني: أن يتعلَّقَ بمحذوف على أنه حالٌ من "حسنةً" لأنه كان في الأصل صفةً لها، فلما قُدِّم عليها انتصَبَ حالاً.
والواو في قوله: (وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً) عاطفةٌ شيئين على شيئين متقدمين؛ فـ "في الآخرة" عطفٌ على (فِي ٱلدُّنۡيَا) بإعادةِ العاملِ.
و (حَسَنَةً) عطفٌ على: (حَسَنَةً)، وأصل "حَسَنَة" صفة لفعلة أو خصلة، فحذف الموصوف ونزل الوصف منزلة الاسم مثل تنزيلهم الخير منزلة الاسم مع أن أصله شيء موصوف بالخيرية، ومثل تنزيل صالحة منزلة الاسم في قول الحطيئة:
كيفَ الهجاءُ وما تنفك صالحة ..... من آل لأْمٍ بظهر الغَيْب تَأتِينِي
ووقعت حسنة في سياق الدعاء فيفيد العموم، لأن الدعاء يقصد به العموم كقول الحريري:
يا أَهْل ذا المَغْنَى وُقِيتُمْ ضُرَّا
وهو عموم عرفي بحسب ما يصلح له كل سائل من الحسنتين.

ما ذكره المفسِّرُون في الحُسْنَيين:

ذكروا وجوهاً:
- قيل: في الدُّنيا: امرأة صالحة، وفي الآخِرَة: الجنَّة؛ رُوِي عن رسُول الله ﷺ أنه قال: "الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ "*.
* الراوي : عبدالله بن عمرو.
صحيح مسلم (1467)، وهذا من أفراد مسلم على البخاري.
- وقيل: الحسنة في الدنيا وفي الآخرة طلب العافية في الدارين.
- وقيل: في الدُّنيا حَسَنَة: العلم والعِبَادةً، وفي الآخِرَة: الجَنَّة والنظر.
- وقيل: الحسنة في الدنيا فهم كتاب الله تعالى، وفي الآخرة الجنة.
- وقيل: في الدُّنْيَا رِزْقاً حَلاَلاً وعَمَلاً صَالِحاً، وفي الآخرة المَغْفِرة والثَّوَاب.
- وقيل: من آتاهُ الله الإِسْلام والقُرْآن وأَهْلاً ومالاً، فقد أُوتِي في الدُّنْيا حَسَنَة وفي الآخِرة حسَنَة.
- وقيل:الحَسَنة في الدُّنْيا الصِّحَة والأَمن، والكفاية، والولد الصَّالِح، والزَّوجَة الصَّالحة، والنُّصْرة على الأَعْداء؛ لأن اللَّهَ تعالى سمَّى الخَصْب والسَّعَة في الرِّزق حسَنة؛ فقال: (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) التوبة 50.
- وقيل في قوله تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ) التوبة 52، أنهما الظَّفَر والنُّصْرة، وأمّا الحَسَنةُ في الآخِرة فهي الفوز بالثَّواب والخلاص من العِقاب.
- وقيل: هو طَلَبُ العافية في الدَّارَيْن.

وبالجُمْلة فهذا الدُّعاء جامِعٌ لجميع مطالب الدُّنْيَا والآخرة؛ روى ثابتٌ؛ أنَّهم قالوا لأَنس: ادع لنا، فقال: "اللَّهُم آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنة وفي الآخِرَة حَسَنَة وقِنا عَذَاب النَّار" قالوا: زدنا، فأعادها، قالوا: زدنا، قال: ما تُرِيدون؛ قد سأَلتُ لك خير الدُّنيا والآخرة.
وعن أنس؛ قال:" كان رسول الله ﷺ يُكْثِر أن يَقُول: رَبَّنا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنة وفي الآخرة حَسَنةً وقِنا عذاب النَّارِ"*.
* أخرجه البخاري (4522)، ومسلم (2690).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِيمَا بَيْنَ رُكْنِ بَنِي جُمَحَ وَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ: (رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ).
أخرجه: أبو داود في سننه (1653)، وأحمد في مسنده (15167 ، 15168)، وابن خزيمة في صحيحه (2515)، وابن حبان في صحيحه (3899)، والحاكم في المستدرك (1626)، والنسائي في الكبرى (2849)، والبيهقي في السنن الصغير (1289)، وغيرهم.

ماذا لو كان قال في الموضعين: "الحسنة" بالتعريف، بدلاً من تنكير الحسنة؟:

- لما قال: (حَسَنة) بالتنكير، حَمَل كل واحد من المفسرين اللَّفظ على ما رآه أَحْسَن أَنْوَاع الحَسَنة، وهذا بناء منه على أنّ الفَرْد المُعَرَّف بالأَلف واللاَّم يَعمُّ. وهذا هو المقصود من التنكير في الآية.
- إنه لو قال: اللهم أَعْطِني الحَسَنَة في الدُّنْيَا، لكان ذلك جَزْماً، وهذا غير جَائِز، فلمّا ذكَرَه على سبيل التَّنْكِير، كان المراد منه حَسَنَة واحدة، وهي التي تُوَافِقُ قَضَاءَه وقدَرَه ورضاه وحكمه وحكمته، وكان ذلك أحسن وأقْرَب إلى رعايته الأَدَب.






 
رد مع اقتباس
قديم 06-07-2022, 01:52 PM   رقم المشاركة : 31
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ 201)







(وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ):

والفعل في قوله: "قنا" فعل أمر (قِ) ممَّا حُذِفَ منه فاؤُه ولامُه من: وقى يقي وقاية.
و (عَذَابَ): مفعولٌ ثانٍ.

لِمَ زاد في الدعاء: (وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ)؟:

إنما زاد في الدعاء: (وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ) لأن حصول الحسنة في الآخرة قد يكون بعد عذاب ما؛ فأريد التصريح في الدعاء بطلب الوقاية من النار.






 
رد مع اقتباس
قديم 06-07-2022, 01:57 PM   رقم المشاركة : 32
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ 201)







حول مضمون الآية:

لما كان الفريق الأول يحصر دعاءه في طلب الدنيا، إما لإنكار البعث، أو تقليلاً لشـأن الآخـرة، واكتفاءً بالحاجـة العاجلة، حتى عمي الواحـد منهم عـن خطـر الحياة الأخرى التي قال فيها رب العزة: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَلَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ) العنكبوت 64، إذ أنها هي الحياة على الحقيقة، بينما الحياة الدنيا كما ذكر في الشطر الأول من الآية: (وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ)، لفت الانتباه إلى الفريق الآخر الذي يطلب خير الدنيا والآخرة جميعاً، لا حظوظ الدنيا وحدها. وقد اختلف المفسرون في تعيين الحسنة هل هي العافية أو الكفاف أو المرأة الصالحة أو الأولاد الأبرار أو المال الصالح أو العلم والمعرفة أو العبادة والطاعة، وروي بعض هذه الأقوال عن بعض السلف، ولعل كل ذي قول يطلقها على المهم عنده، والظاهر أن (حَسَنَةً) وصف لمحذوف أي: حياة حسنة، فمن دعا الله تعالى دعاء جامعاً، فليدعه بسعادة الدنيا والآخرة والحياة الطيبة فيهما يكن مهتدياً بالآية. ومن كانت له حاجة خاصة فدعاه لها من حيث هي حسنة فهو مهتد بها. على أنهم اختلفوا في حسنة الآخرة أيضاً فقيل: الجنة، وقيل: الرؤية، واختلفوا في عذاب النار، على أن من الوقاية من عذاب النار: الحفظ من الشهوات والذنوب المؤدية إليها، فطلب الحياة الحسنة في الدنيا يكون بالأخذ بأسبابها المجربة في الكسب والنظام في المعيشة، وحسن معاشرة الناس بآداب الشريعة والعرف، وقصد الخير في الأعمال كلها، وتوقي الشرور كلها، وطلب الحياة الحسنة في الآخرة يكون بالإيمان الخالص ومكارم الأخلاق والعمل الصالح بقدر الاستطاعة، وطلب الوقاية من النار يكون بترك المعاصي واجتناب الرذائل والشهوات المحرمة، مع القيام بالفرائض المحتمة.
هذا هو الطلب بلسان القلب والعمل، وأما الطلب بلسان المقال فهو يصدق بما يذكر القلب بأن هذه الأسباب من الله، فالسعي لها مع الإيمان هو عين الطلب من فيضه وإحسانه، مضت سنته بأن يعطي بها فضلاً منه ورحمة.

ولم يذكر في التقسيم من لا يطلب إلا حسنة الآخرة؛ لأن التقسيم لبيان ما عليه الناس في الواقع، ونفس الأمر بحسب داعي الجبلة وتأثير التربية وهدي الدين، ولا يكاد يوجد في البشر من لا تتوجه نفسه إلى حسن الحال في الدنيا مهما يكن راغباً في العمل للآخرة؛ لأن الإحساس بالجوع والبرد والتعب والمرض، يحمله كرهاً على التماس تخفيف ألم ذلك الإحساس، والشرع يكلفه ذلك بما يقدر عليه من أسبابه، وقد جعل عليه حقوقاً لبدنه ولأهله وولده ولرحمه ولزائريه وإخوانه وأمته لا تصح عبوديته إلا بدعاء الله تعالى فيها. وفي الآية إشعار بأن هذا الغلو مذموم خارج من سنن الفطرة وصراط الدين معاً، وما نهى الله أهل الكتاب عن الغلو في الدين وذمهم على التشدد فيه إلا عبرة لنا. وقد روي أن أحد المتصوفة سمع قارئاً يتلو قوله تعالى: (مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ) آل عمران 152، فصاح أواه فأين من يريد الله؟ وهو قول حسن الظاهر قبيح الباطن، فالآية خطاب لخيار الصحابة وهو وشيخه من الصوفية لم يبلغوا مد أحدهم ولا نصيفه، فإرادة الدنيا والآخرة بالحق إرادة لمرضاة الله وعمل بسنته وشرعه، والمراد بالدنيا فيها الغنيمة في الحرب، وبالآخرة الموت في سبيل الله، فهل يظن بجهله أن من شـهد الله تعالى لهم بأنهم بذلوا أنفسهم في سبيله ونصر رسوله وآثروا أن يقتلوا في سبيل الله على الغنيمة أنهم لا يريدون الله؟
وإن جهل هذا المتصوف، وظن أن الزهد في الدنيا يعني الانصراف الكامل عنها، فليس هذا نهج صوفية الإسلام الذين فهموا الزهد على حقيقته. إن الشريعة جاءت لتربط القلوب بخالقها، كما جاءت لعمران الدنيا، وجعلت من هذا العمران تكليفاً للإنسان والمجتمع والأمة في هذه الحياة، وفي ذلك قال الله جلّ جلاله: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ) القصص 77، وقال أيضاً: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِۗ) الأعراف 32. فالإسلام يوافق الفطرة الإنسانية السليمة، ويدعو إلى الاعتدال في كل شيء، وهذه السمة تجلي سماحة هذا الدين الحنيف ومحاسنه، ومدى رعايته للمثل الأخلاقية العليا والقيم الإنسانية العليا، وعلى هذا، سار صوفية الإسلام، فجمعوا بين الزهد في الدنيا واتخاذ الأسباب، بل واكبوا التطورات والأحداث التي تطرأ فيه، وهم دائماً في تجديد وتغيير مستمرين، حتى اشتهر عنهم قولهم: "الصوفي ابن وقته"، واشتهر عنهم كذلك قولهم: "الجسد في الحانوت والقلب في الملكوت"،يعني: الجسد في حانوت التجارة ومخالطة الناس قصد طلب الرزق، والقلب يسبح في ملكوت الله بأنوار الذكر، إذ كم من صوفي كُنّيَ بحرفته وصنعته كالخرّاز والدقاق والدباغ والقواريري، وكم من صوفي كان أثرى أهل عصره، ولم تشغل هؤلاء أموالهم وتجارتهم عن الله، ولم تمنعهم أن يكونوا أزهد الناس، بل كانت طريقهم ومحرابهم في السير إلى الله عز وجل.
إن الانقطاع عن الدنيا وما فيها، والنظر إليها بعين المقت والكراهية على الدوام، لا يصح أن يكون منهجاً في تزكية النفس وإصلاح المجتمع، وإنما هو طريق للعزلة والانطوائية والتخلي عن المسؤولية، ولا يخفى ما يمكن أن يصاب به المجتمع المسلم من ضعف وهوان وذلّ وانهيار، عندما تنتشر فيه المظاهر المنحرفة من الزهد. وإذا كان المسلم مستخلفاً في الأرض لعمارتها، فكيف يعمرها، وهو على رأس جبل معتزلاً الناس ولا يتكلم مع أحد باسم الزهد في الدنيا؟. وكيف يقيم الدول ويشيد الطرق والمباني، إن لم يكن لديه من المال ما يكفي، ومن العلم ما يفي بدوره؟. إن الأنبياء كانوا في غاية الزهد، ولم يكن زهدهم ليصرفهم عن مجتمعاتهم، بل كان يمدهم بطاقات روحية لا حصر لها، تعينهم على التفاعل مع هذه المجتمعات، فلم يكونوا عباداً للمال والجاه والشهوات، لذلك حققوا العدالة الاجتماعية في أسمى صورها. إن الزهادة الحقة في الدنيا ألا تكون بما في يديك أوثق منك بما عند الله. ومن أحسن ما قاله الصوفية عن الدنيا قول أبي العباس الحضرمي: "ليس الشأن من يعرف كيفية تفريق الدنيا فيفرّقها، إنما الشأن من يعرف كيفية إمساكها فيمسكها" وذلك لأنها كالحية، ليس الشأن في قتلها، وإنما الشأن في إمساكها وهي حية.
وكان سفيان الثوري يدعو القراء إلى العمل والتكسب من ذات أيديهم، فذهب مرة إلى البصرة، فجلس في مجلس العابد البصري يوسف ابن عبيد، فإذا فتيان كأن على رؤوسهم الطير، فقال: "يا معشر القراء، ارفعوا رؤوسكم، لا تزيدوا التخشع على ما في القلب…، واتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين".
وقد كان إبراهيم بن أدهم يأكل من الطيبات في بعض الأوقات، ويقول: "إذا وجدنا أكلنا أكل الرجال، وإذا فقدنا صبرنا صبر الرجال". قال الإمام ابن الجوزي معلقاً على ذلك: "وينبغي للإنسان أن يعلم أن نفسه مطيته، ولابد من الرفق بها ليصل إلى المقصود، فليأخذ ما يصلحها، وليترك ما يؤذيها من الشبع والإفراط في تناول الشهوات، فإن ذلك يؤذي البدن والدين".
وهكذا فلم يكن الزهد عندهم لِيعني الانصراف عن الدنيا انصرافاً تاماً، وإنما كان يعني الاعتدال والتوسط في الأخذ بأسبابها وملذاتها. وإنما المكروه هو حب الدنيا حباً يشغف بها القلوب، وتكون غاية لا وسيلة، وهدفاً لا ممراً. وإن أرفع درجات الزهد، أن توجد الدنيا بحذافيرها في يد المؤمن دون أن يعلق بها قلبه فتشغله عن ربه. وفي ذلك قال الشيخ عبد القادر الجيلاني: "أخرج الدنيا من قلبك وضعها في يدك أو في جيبك، فإنها لا تضرك". ويليه في مراتبه زهد الرضا لغير واجدي الدنيا، الصابرين الصادقين، الذين لا يغيرهم الفقر، ولا يبطرهم الغنى.
ومن ثمّ، فالتصوف بريء كل البراءة مما يحاول إلصاقه به بعض الذين يدّعون أنه خمول وتواكل وسلبية، وترك للعمل. إن التصوف هو وضع للدنيا في موضعها الصحيح. والإسلام لا يزهّد الناس في الدنيا ليتركوها بالكلية وينقطعوا إلى الآخرة، ولا يرغبهم في الآخرة ليقبلوا عليها بالكلية ويتركوا الدنيا، بل يتخذ بين ذلك سبيلاً، وحضارة الإسلام الشامخة لم تقم على المفهوم الخاطئ للزهد في الدنيا والانقطاع للآخرة، بل مزجت الدنيا بالآخرة فآتت أكلها طيباً.

إن الإسلام لم يعرف هذا الانصراف عن الدنيا بالكلية إلا من وراء من استوردوا تلك الفلسفة الخيالية من خيالات وحدة الوجود البرهمية الهندية، فانشغل بها أفراد ابتعدوا فيها عن فطرة الله، وجعلوها أعلى مراتب العبودية، وتأولوا لها بعض آيات الكتاب العزيز كقوله تعالى: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ) الكهف 28، وما إرادة وجهه - تعالى - إلا الإخلاص له في كل عمل مشروع من مصالح الدين والدنيا وتحري هداية دينه فيه، لا ما تخيلوه من أن إرادة وجهه - تعالى - هو الوصول إلى ذاته بعد التجرد من كل نعمة في الدنيا والأخرة جميعاً، فإن الاتصال بتلك الذات العلية القدسية التي لا تدركها العقول ولا تدنو من كنهها الأفكار ولا الأوهام، مما لم يتعلق به تكليف، ولم يرد به شرع، بل إدراك كنه الذوات المخلوقة له - تعالى - فوق استطاعة خلقه. وإنما أعلى مراتب معرفة الله - تعالى - في الدنيا هي معرفة كل شيء به، ومعرفته في كل شيء وبكل شيء، ودعاؤه بكل اسم من أسمائه بما يناسب تعلقه بشئون عباده. والمؤمن الكامل من يعرف حق ربه على عباده وما شرعه من حقوق بعضهم على بعض، والقيام في كل ذلك بذكره وشكره وحبه والتوكل عليه والإخلاص له.






 
رد مع اقتباس
قديم 07-07-2022, 01:49 PM   رقم المشاركة : 33
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ 202)





(أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ):

الإشارة إلى الفريق الثاني، أو الفريقين، على خلاف، وإن كنا نحتمل أن تكون الإشارة إلى الفريق الأول.
وقوله تعالى: (أُولَـٰئِكَ): مبتدأ و (لَهُمۡ) " خبرٌ مقدم، و (نَصِيبٞ) مبتدأ، وهذه الجملةُ خبرُ الأولِ، ويجوز أن يكونَ (لَهُمۡ) خبرَ (أُولَـٰئِكَ)، و (نَصِيبٞ) فاعلٌ به لِما تضمَّنه من معنى الفعلِ لاعتمادِه، والمشارُ إليه بـ (أُولَـٰئِكَ) فيه قولان، أظهرهُما: أنهما الفريقان:طالبُ الدنيا وحدَها وطالبُ الدنيا والآخرة. وقيل: بل للفريقِ الأخيرِ فقط، أعنى طالبَ الدنيا والآخرة.
والنصيب: الحظ المعطى لأحد في خير أو شر قليلاً كان أو كثيراً. ووزنه على صيغة فَعيل. وقد جاء في "لسان العرب" في مادة "كفل" أنه لا يقال هذا نصيب فلان حتى يكون قد أعِد لغيره، فإذا كان مفرداً، فلا يقال نصيب. وعلى هذا الرأي شواهد من الكتاب، في قوله تعالى: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا) الأنعام 136، وقالوا: تقدير الكلام جعلوا لله نصيباً ولشركائهم نصيباً، وهذا يتضمن بقاء نصيب آخر ليس بداخل في حكم الأول.

قوله: (مِّمَّا كَسَبُواْ): متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لـ (نَصِيبٞ)، فهو في محلِّ رفعٍ. وفي "مِنْ" ثلاثةُ أقوال، أحدُها: أنها للتبعيض، أي: نصيب من جنس ما كسبوا. والثاني: أنها للسببيةِ، أي: من أجلِ ما كَسَبوا. والثالث:أنها للبيان. و "ما" يجوزُ فيها وجهان، أن تكونَ مصدريةً أي: مِنْ كَسْبِهم، فلا تحتاجُ إلى عائدٍ. والثاني: أنها بمعنى الذي، فالعائدُ محذوفٌ لاستكمال الشروط، أي: من الذي كسبوه.
وكسبوا بمعنى طلبوا، لأن كسب بمعنى طلب ما يرغب فيه. ويجوز أن يراد بالكسب هنا العمل وبالنصيبِ نصيبُ الثواب فتكون "مِنْ" ابتدائية.

ما هو "النصيب" في لسان العرب؟:

نَصَبَ له الحربَ نَصْباً: وَضَعَها وناصَبَه الشَّرَّ والحربَ والعَداوةَ مُناصبةً: أَظهَرَهُ له ونَصَبه، وكلُّه من الانتصابِ. والنَّصِيبُ: الشَّرَكُ المَنْصوب، نحو: نَصَبْتُ للقَطا شَرَكاً. ويقال نَصَبَ فلانٌ لفلان نَصْباً، إِذا قَصَدَ له وعاداه وتَجَرَّدَ له. ونَصَبْتُ القِدْرَ نَصْباً والمِنْصَبُ شيءٌ من حديد يُنْصَبُ عليه القِدْرُ.
والنَّصِيبُ: الحَوْضُ. والنَّصِيبُ: الحَظُّ من كلِّ شيءٍ، نحو قول ابن حيوس:
مَا كُنْتُ قِدْماً ذَا نَصِيبٍ في الْهَوى ..... فَجَعَلْتَ لِي مِنْهُ النَّصِيبَ الْمُنْصِبا
والجمع أَنْصِباءُ وأَنْصِبةٌ.
والنِّصْبُ: لغة في النَّصِيبِ. وأَنْصَبَه: جَعَلَ له نَصِيباً، وهم يَتَناصَبُونَه أَي: يَقْتَسمونه. والمَنْصِبُ والنِّصابُ الأَصل والمَرْجِع، ونِصابُ السكين مَقْبِضُه وأَنْصَبْتُ السكين جَعَلْتُ له مَقْبِضاً ونِصابُ كلِّ شيءٍ أَصْلُه والمَنْصِبُ الأَصلُ وكذلك النِّصابُ يقال: فلانٌ يَرْجِعُ إِلى نِصاب صِدْقٍ، ومَنْصِبِ صِدْقٍ، وأَصْلُه مَنْبِتُه ومَحْتِدُه. وهَلَكَ نِصابُ مالِ فلانٍ أَي ما اسْتَطْرفه. والنِّصابُ من المال: القَدْرُ الذي تجب فيه الزكاة إِذا بَلَغَه.
وقوله عز وجل: (فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِ‍َٔايَٰتِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ يَنَالُهُمۡ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِۖ) الأعراف 37، وقوله: (وَإِذۡ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا نَصِيبٗا مِّنَ ٱلنَّارِ 47) غافر، النَّصِيب هنا ما أَخْبَرَ اللّهُ من جَزائهم على قَدْرِ ذُنُوبِهم في كفرهم، مما يدل على أن النصيب يكون في العقاب، مثلما هو في الثواب في نحو قوله تعالى: (وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ 20) الشورى.

ماذا يعني الكسب في العربية؟:

الكَسْبُ طَلَبُ الرِّزْقِ وأَصلُه الجمع، كَسَبَ يَكْسِبُ كَسْباً وتَكَسَّبَ واكْتَسَب. وقيل: كَسَبَ: أَصابَ، واكْتَسَب: تَصَرَّف واجْتَهَد. وفي قوله تعالى: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) البقرة 286، عَبَّر عن الحسنة بِـ كَسَبَتْ وعن السيئة بـ اكْتَسَبَتْ لأَن معنى كَسَبَ دون معنى اكْتَسَبَ لِما فيه من الزيادة وذلك أَن كَسْبَ الحسنة بالإِضافة إِلى اكْتِسابِ السيئة أَمْرٌ يسير ومُسْتَصْغَرٌ، فزيدَ في لفظ فِعْل السيئة وانْتُقِصَ من لفظ فِعْل الحسنة. فالفرق - إذاً - بين الكسب والاكتساب: أنّ الكسب مطلق تحصيل شي‌ء لنفسه، والاكتساب افتعال ويدلّ على الاختيار وقصد مخصوص. وعلى هذا يستعمل في موارد يحتاج الى قصد واختيار مخصوص زائد، كما في موارد العصيان والخلاف وتعمّل مخصوص.
وقولهُ تعالى: (مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ 2) قيل: ما كَسَبَ هنا ولَدُه.
وكَسَبْت الرجلَ خيراً فكَسَبَه وأَكْسَبَه إِياه، قال:
يُعاتِبُني في الدَّيْنِ قَوْمي وإِنما ..... دُيونيَ في أَشياءَ تَكْسِبُهم حَمْدا
ويُروى تُكْسِبُهم. ويقال: كَسَبْتُ زيداً مالاً وأَكْسَبْتُ زيداً مالاً، أَي: أَعَنْتُه على كَسْبه أَو جَعَلْتُه يَكْسِبُه. ورجل كَسُوبٌ وكَسَّابٌ وتَكَسَّبَ أَي تَكَلَّف الكَسْبَ.
ونوع الكسب في المعنويّات يحدده السياق، فقوله تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) البقرة 225، أي بما تحصّل في القلوب من النيّات والأفكار الفاسدة، وجاء فعل: (يُؤَاخِذُكُمْ) قرينة على أن الكسب هنا سلبي. وقوله: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ) النساء 111، أوضحت لفظة: (إِثْمًا) أن الكسب هنا من الذنوب والخطايا.
كذلك في الكسب الإيجابي، يبين السياق نوع الكسب في نحو قوله تعالى: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ) البقرة 134، فاستخدام (لَهَا) و (لَكُمْ) بيّن أنه تحصيل خير.
ودل الكسب في مواضع الإطلاق على تحصيل أيّ أمر خيراً كان أم شرّاً، كما في: (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) آل عمران 25.

مسألة الكسب في العقيدة:

تنقسم الأفعال إلى قسمين: قسم اضطراري لا شأن للإنسان به، تخليقاً أو توصيفاً مثل حركةالارتعاش، ودقات القلب، وحركة المعدة، وكونه ذكراً أو أنثى، وهذا القسم لا يسئل عنه العبد، ولا يثاب ولا يعاقب عليه، وهو مخلوق ﷲ تعالى بإجماع أهل الملة.

وقسم اختياري يرى فيه العبد أنه بين أمرين: الشكر والكفر، والهدى والضلال، والحق والباطل، والفجور والتقوى. وهنا انقسم الناس في نسبة الفعل وتوجه الإنسان وتخصيصه طريقاً دون أخر:
- فذهبت الجبرية إلى أن هذا القسم هو خلق الله تعالى ولا مدخل للعبد من ذلك من قريب أو بعيد، فالإنسان ريشة في مهب الريح، تقلبها يد الأقدار كيفما تشاء،
- في حين ذهبت المعتزلة إلى أن الإنسان خالق ومختار، واختياره محض دون أن يكون لله في ذلك شيء لا من قريب ولا من بعيد؛ فيصبح الإنسان وفق نظرتهم هذه خالقاً لأفعاله، وموجداً لأعماله،
- وذهب الاشاعرة، إلى إثبات حلقة مفقودة بين جبر الإنسان واختياره المطلق وهي الكسب؛ فأفعال العباد خلق لله، وكسب لهم؛ ومعنى ذلك أنها لا تضاف إليهم حقيقة، بل مجازًا، وعادةً؛ لأنهم لا تأثير لقدرتهم فيها، وإنما توجد أفعالهم عند قدرتهم لا بقدرتهم، فنفعها لهم، وضررها عليهم، وهي في مآلها جبرية خالصة؛ لأنها تنفي أي قدرة للعبد، أو تأثير.
وقيل في الرد على نظرية الكسب، وبيان بطلانها:أن النصوص الشرعية قد دلت على خلق الله لأفعال العباد، وإثبات القدرة لهم عليها، ونسبتها لهم حقيقة، واستحقاقهم المدح، والذم، والثواب، والعقاب وفقاً لها. وأن القول بالكسب بهذا المعنى قول متناقض؛ إذ القائل به لا يستطيع أن يوجد فرقاً بين الفعل الذي نفاه عن العبد، والكسب الذي أثبته له، ولهذا فإن حقيقته القول بالجبر.وأن القول بالكسب بهذا المعنى مبني على أصلين باطلين، هما القول بأنّ الفعل هو المفعول، والخلق هو المخلوق، وأن قدرة العبد لا يكون مقدورها إلا مقارناً للفعل لا خارجاً عنه، في حين أن الكسب - بمدلوله الحقيقي - هو قطب الرحى، والدرة اليتيمة في عقد القضاء والقدر، والمحور الذي تدور حوله قضايا إيمانية كبرى، مثل التوفيق والخذلان، وإثابة المطيع وعقوبة العاصي، ومعنى استطاعة العبد، والتكليف المناط به، والتوازن وعدم التعارض في نصوص القرآن الكريم لأعظم ما يتعلق بالإنسان من حيث الوظيفة في الدنيا والمصير في الأخرى.

والحق أن أفعال العباد هي وسط بين الجبرية والقدرية، وأفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة، وهي مخلوقة لله تعالى، والحق سبحانه منفرد بخلق المخلوقات لا خالق لها سواه، ومن ذلك أفعالهم كما قال سبحانه: (وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ 96) الصافات، وقال: (وَأَسِرُّواْ قَوۡلَكُمۡ أَوِ ٱجۡهَرُواْ بِهِۦٓۖ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ 13 أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ 14) تبارك، فالجبرية غلوا في إثبات القدر، فنفوا فعل العبد أصلاً،والمعتزلة نفوا القدر، جعلوا العباد خالقين مع الله، بينما العباد فاعلون، والله خلقهم وخلق أفعالهم، وكل شيء بقضاء الله وقدره. وهنا فارق بين مشيئة الله للفعل ورضائه عنه؛ فإن الله - تعالى - شاء إن يقع الكفر من الكافر، لكنه لا يرضاه ولا يحبه، فيشاؤه كوناً وخلقاً، ولا يرضاه ديناً، يقول تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَاكُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) السجدة 13، وقال: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَلَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) يونس 99. وقال في نفي حب الفعل: (وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) الزمر 7، وقال: (وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ 205) البقرة.
ومنشأ الضلال عند الفريقين أنهم ظنوا أن كل ما شاءه الله فقد أحبه ورضيه، ثم اختلفوا، فقالت الجبرية: الكون كله بقضاء الله تعالى وقدره، وكله محبوب له. وقالت القدرية: ليست المعاصي محبوبة لله ولا مرضية له، فليست مقدرة ولا مقضية، فهي خارجة عن المشيئة والخلق.
فإن قيل: كيف يريد الله أمراً ولا يرضاه ولا يحبه ؟! وكيف تجتمع إرادته له وبغضه وكراهته؟! فالجواب: إن المراد نوعان: مراد لنفسه، ومراد لغيره، فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته وما فيه من الخير، ومراد لغيره، لا يكون مقصوداً للمريد لذاته، وإنما هو وسيلة إلى مقصوده ومراده، فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث إفضاؤه وإيصـاله إلى مـراده، فيجتمع فيه الأمـران: بغضـه وإرادته. مثاله: الـدواء الكريه إذا علم المتناول له أن فيه شفاءه، وقطع العضو المتآكل إذا علم أن في قطعه بقاء جسده، وقطع المسافة الشاقة إذا علم أنها توصل إلى مراده ومحبوبه.






 
رد مع اقتباس
قديم 07-07-2022, 02:08 PM   رقم المشاركة : 34
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ 202)





(وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ):

قوله: (وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ): السَّرِيع: فاعل من السُّرْعة. سَرُعَ يَسْرُع سَرْعاً وسُرْعَة، فهو سَرِيعٌ؛ مثل عَظُم يَعْظُم.
و (ٱلۡحِسَابِ): مصدر كالمُحَاسَبَة، ومَعْنى الحساب في اللُّغةِ: العدُّ، قال حَسَبَ يَحْسُبُ حِساباً وحسبَة وحَسْباً إذا عَدّ. والحَسْب ما عُدَّ؛ ومنه: حَسَبُ الرَّجُل: وهو ما يُعَدُّ من مآثِرِه ومَفَاخِرِه.
والمعنى: إنّ الله سريع الحساب، لا يَحْتَاج إلى عَدٍّ ولا إلى عَقدٍ كما يَفْعَلُه الحسَّابُ. والاحْتِسَاب: الاعتِدَاد بالشَّيْء.
وقيل: الحِسَاب في اللُّغة مأخوذٌ من قَوْلهم: "حَسْبُك كذا"، أي:كَفَاك، فسُمِّي الحِسَابُ في المُعَامَلات حِسَاباً؛ لأنّه يُعلم به ما فيه كِفَايَة، وليس فيه زِيَادة على المِقْدَار ولا نُقْصَان.

ما قيل في مدلول: (وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ):

الحساب في الأصل: العد، ثم أطلق على عد الأشياء التي يراد الجزاء عليها أو قضاؤها، فصار الحساب يطلق على الوفاء بالحق، يقال: حاسبه، أي: كافأه أو دفع إليه حقه، ومنه سمي يوم القيامة يوم الحساب. قال تعالى: (إِنۡ حِسَابُهُمۡ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّيۖ) الشعراء 113، وقال: (جَزَآءٗ مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَابٗا 36) النبأ، أي: وفاقاً لأعمالهم.
وفي مدلوله في الآية:
- قيل: أسْرَع مِنْ لَمْحِ البَصَر.
- وقيل: إتْيَان القِيَامة قريبٌ؛ لأن ما هو أتٍ لا مَحَالَة قَرِيب؛ قال تعالى: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ) الشورى 17.
- وقيل: (سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ)، أي: سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم؛ لأنّه - تعالى - في الوقت الواحد يسأله السَّائلون، كلُّ واحدٍ منهم أشياء مختلفة من أمور الدُّنيا والآخرة، فيعطي كلَّ واحد مطلوبه من غير أن يشتبه عليه شيء من ذلك.

كيف يحاسب الله الخلق؟:

اختلف الناس في معنى كونه - تعالى - محاسباً للخلق على وجوه:
1) أنّ معنى الحساب: أنّه - تعالى - يعلِّمهم ما لهم وما عليهم، بمعنى أنّه يخلق علوماً ضروريّة في قلوبهم، بمقادير أعمالهم وكمِّيَّتها وكيفيَّاتها، ومقادير ما لهم من الثَّواب والعقاب.
قالوا: ووجه المجاز فيه أنّ الحساب سبب لحصول علم الإنسان بما له وما عليه، فإطلاق اسم الحساب على هذا الإعلام يكون من باب إطلاق اسم السَّبب على المسبِّب، وهو مجاز مشهورٌ.
وقيل: لا حساب على الخلق، بل يقفون بين يدي الله - تعالى -، يعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم، فيقال لهم: هذه سيِّئاتكم قد تجاوزت عنها، ثم يعطون حسناتهم، ويقال لهم: هذه حسناتكم قد ضاعفتها لكم.

2) أنّ المحاسبة عبارة عن المجازاة؛ قال - تبارك وتعالى -: (وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً) الطلاق 8، ووجه المجاز: أنَّ الحساب سبب للأخذ والعطاء، وإطلاق اسم السَّبب على المسبّب جائزٌ؛ فحسن إطلاق لفظ الحساب على المجازاة.

3) أنّه تعالى يكلِّم العباد في أحوال أعمالهم، وكيفيَّة ما لها من الثَّواب والعقاب، فمن قال: إن كلامه ليس بحرف ولا صوتٍ، قال: إنّه تعالى يخلق في أذن المكلَّف سمعاً يسمع به كلامه القديم؛ كما أنّه يخلق في عينيه رؤية يرى بها ذاته القديمة، ومن قال: إنه صـوت، قال: إنّه - تعالى - يخلق كلامـاً يسـمعه كلُّ مكلَّف، إمّـا بأن يخلـق ذلك الكلام في أذن كلِّ واحدٍ منهم، أو في جسم يقرب من أذنه، بحيث لا تبلغ قوَّة ذلك الصوت أن تمنع الغير من فهم ما كلِّف به.

وظاهر سياق هذا الكلام عموم الحساب للكافر والمؤمن؛ إذ جاء بعد ما فهموا منه أنه للطائعين.اختلف العلماء في الكفار: هل يحاسبون ويسئلون، أم يأمر بهم إلى النار من غير سؤال، لأن أعمالهم باطلة حابطة فلا فائدة من السؤال والحساب؟ وإذا كانوا يحاسبون ويسئلون فما فائدة حسابهم وسؤالهم؟ قال الجمهور: الكفار لا يحاسبون، لكن الصحيح أن الكفار محاسبون مسؤولون كما أن أعمالهم توزن. وقد دلت على ذلك نصوص كثيرة، كقوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) القصص 62، وقوله: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) القصص 65، وقوله: (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ 6فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ 7 وَأَمَّا مَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ8فَأُمُّهُۥ هَاوِيَةٞ 9 وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا هِيَهۡ 10 نَارٌ حَامِيَةُۢ 11) القارعة، وقوله : (وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ 103 تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ 104 أَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ 105) المؤمنون، ولا شك أن هذه النصوص في الكفار المشركين.
أما لماذا يحاسبون وتوزن أعمالهم مع أن أعمالهم حابطة مردودة فلأمور:
1) إقامة الحجة عليهم، وإظهار عدل الله فيهم، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، وهو صاحب العدل المطلق، ولذلك يسألهم ويحاسبهم، ويطلعهم على سجلاتهم التي حوت أعمالهم، ويظهر الميزان عظم سيئاتهم وشناعة أفعالهم:
- (وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡ‍ٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ 47) الأنبياء،
- (وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا 49) الكهف.
والباري - سبحانه وتعالى - يسأل الخلق في الدنيا والآخرة تقريراً لإقامة الحجة وإظهاراً للحكمة.

2) أن الله يحاسبهم لتوبيخهم وتقريعهم، يقول ابن تيمية : "يراد بالحساب: عرض أعمال الكفار عليهم وتوبيخهم عليها. ويراد بالحساب: موازنة الحسنات بالسيئات، فإن أريد بالحساب المعنى الأول، فلا ريب أنهم محاسبون بهذا الاعتبار. وإن أريد به المعنى الثاني فإن قصد ذلك أن الكفار تبقى لهم حسنات يستحقون بها الجنة فهذا خطأ ظاهر". وهذا التأنيب والتقريع والتوبيخ ظاهر من نصوص كثيرة كقوله تعالى في سورة الأنعام: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا) 30. وقيل في حساب الكفار: توزن أعمالهم، وإن لم تكن لهم حسنات تنفعهم يقابل بهذا كفرهم، لإظهار شقائهم وفضيحتهم على رؤوس الخلائق.

3) أن الكفار مكلفون بأصول الشريعة كما هم مكلفون بفروعها، فيسئلون عما قصروا فيه وخالفوا فيه الحق. وفي القرآن ما يدل على أنه مخاطبون بفروع الشريعة، مسؤولون عنها، محاسبون بها، مجزيون على الإخلال بها، لأن الله تعالى يقول: (قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ 6 ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ 7) فصلت، فتوعدهم على منعهم الزكاة ، وأخبر عن المجرمين أنهم يقال لهم : (مَا سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ 42 قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ 43 وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِينَ 44 وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخَآئِضِينَ 45 وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ 46) المدثر، فبان بهذا أن المشركين مخاطبون بالإيمان والبعث وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأنهم مسؤولون عنها، مجزيون.

4) أن الكفار يتفاوتون في كفرهم وذنوبهم ومعاصيهم، ويحلون في النار بمقدار هذه الذنوب؛ فالنار دركات بعضها تحت بعض، كما أن الجنة درجات بعضها فوق بعض، وكلما كان المرء أشد كفراً وضلالاً، كان أشد عذاباً.
ومن البديهي أن عقاب من كثرت سيئاته أعظم من عقاب من قلَّت سيئاته، ومن كان له حسنات خففت عنه العذاب، ولا يعدم الإنسان حسنات عملها مهما كان كفره وإعراضه، والله لا يضيع عنده شيء، ولا يظلم أحداً.

وقيل في وزن أعمال الكفار وجهان:
الأول: أنه يوضع في إحدى الكفتين كفره وسيئاته. ولا يجد الكافر حسنة توضع في الكفة الأخرى، فترجح كفة السيئات لكون كفة الحسنات فارغة .
والثاني: أن حسنات الكافر من صلة رحم، وصدقة، ومواساة للناس توضع في كفة الحسنات، ولكن كفة السيئات ترجح بسبب كفره وشركه.
ورُجح الوجه الأول لأن الشرك يحبط العمل، لقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) الزمر 65، وقوله: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) البقرة 217.
أما النصوص التي فهموا منها أن توجيه النصوص الدالة على أن الكفار لا يُسئلون، مثل قوله تعالى:
- (وَلَا يُسۡ‍َٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ 78) القصص،
- (فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُسۡ‍َٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٞ وَلَا جَآنّٞ 39) الرحمن،
- (هَٰذَا يَوۡمُ لَا يَنطِقُونَ 35 وَلَا يُؤۡذَنُ لَهُمۡ فَيَعۡتَذِرُونَ 36) المرسلات.
ونحو ذلك من النصوص، فلا تعارض بينها وبين القول بأنهم يسئلون، وقد وفق أهل العلم بينهما بوجوه عدة:

- أن الكفار لا يسئلون سؤال شفاء وراحة، وإنما يسئلون سؤال تقريع وتوبيخ، لم عملتم كذا وكذا؟ وكذا يقال في تكليمهم واعتذارهم، أي لا يكلمهم الله بما يحبونه، بل يكلمهم كلام تقريع وتوبيخ.
- أنهم لا يسئلون سؤال استفهام عن ذنوبهم، لأنه تعالى عالم بكل أعمالهم، وقد حفظها عليهم وكتبتها عليهم الملائكة، وإنما يسئلون سؤال تقرير، فيقال لهم: لم فعلتم كذا؟.
- أنهم يسئلون يوم القيامة في موطن دون موطن، والقيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن لا يكون ذلك. وللناس يوم القيامة حالات، والآيات مخرجة باعتبار تلك الحالات. وقيل: أول ما تبعث الخلائق لا ينطقون، ولا يؤذن لهم في الاعتذار فيعتذرون، ثم يؤذن لهم في الكلام فيتكلمون، ويختصمون عند الحساب وإعطاء المظالم، ثم يقال لهم بعد ذلك: (لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ 28) ق، يعني في الدنيا، فإن العذاب مع هذا القول كائن.
- قيل: إن معنى قوله تعالى: (وَلَا يُسۡ‍َٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ)، سؤال التعرف لتمييز المؤمنين من الكافرين، أي إن الملائكة لا تحتاج إلى أن تسأل أحداً يوم القيامة أن يقال: ما دينك؟ وما كنت تصنع في الدنيا؟ حتى يتبين لهم بإخباره عن نفسه أنه كان مؤمناً أو كان كافراً، لكن المؤمنين يكونون ناضري الوجوه منشرحي الصدور، ويكون المشركون سود الوجوه زرقاً مكروبين، فهم إذا كلفوا سوق المجرمين إلى النار، وتميزهم في الموقف كفتهم مناظرهم عن تعرف أديانهم.






 
رد مع اقتباس
قديم 07-07-2022, 02:20 PM   رقم المشاركة : 35
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ 202)





حول مضمون الآية:

ثم قال تعالى: (أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ) فقالت طائفة من المفسرين: هذا بيان لمن يسأل عن حظ الفريق الثاني: (مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ)، لأن حكم الفريق الذي يطلب الدنيا وحدها قد علم من قوله تعالى: (وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ)، فإن العطف يشعر بمحذوف كأنه قال: هذا الفريق له حظه من الدنيا وما له في الآخرة من حظ سواه. وقد بينت الآية صريحاً أنهم يعطون ما دعوا الله تعالى فيه بكسبهم، وهذا نص فيما تقدم من معنى الدعاء وأنه لا بد أن يكون طلب اللسان مطابقا لما في النفس من الشعور بالحاجة إلى الله تعالى بعد الأخذ بالأسباب والسعي في الطرق التي مضت سنة الله تعالى ولهذا قال: (مِّمَّا كَسَبُواْۚ) ولم يقل: لهم ما طلبوا. والمعنى أنهم لما كانوا يطلبون الدنيا بأسبابها ويسعون للآخرة سعيها، كان لهم حظ من كسبهم هذا في الدارين على قدره (وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ) يوفي كل كاسب أجره عقب عمله بحسبه؛ لأن سنته مضت بأن تكون الرغائب آثار الأعمال، فهو يوفي كل عامل عمله بلا إبطاء، وكما يكون الجزاء سريعاً في الدنيا كذلك يكون في الآخرة، فإن أثر الأعمال الصالحة يظهر للمرء عقب الموت وهو أول قدم يضعها في باب عالم الآخرة.

وقالت طائفة أخرى من المفسرين: الظاهر أن (أُوْلَٰٓئِكَ) إشارة إلى الفريقين، إذ المحكوم به، وهو كون: (لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ) مشترك بينهما، والمعنى: أن كل فريق له نصيب مما كسب، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. ولا يكون الكسب هنا الدعاء، بل هذا مجرد إخبار من الله بما يؤول إليه أمر كل واحد من الفريقين، وأن انصباءهم من الخير والشر تابعة لكسبهم. وقيل: المراد بالكسب هنا الدعاء، أي: لكل واحد منهم نصيب مما دعا به. وسمي الدعاء كسباً لأنه عمل، فيكون ذلك ضماناً للإجابة ووعداً منه - تعالى - أنه يعطي كّلاً منه نصيباً مما اقتضاه دعاؤه، إما الدنيا فقط، وإما الدنيا والآخرة، فيكون كقوله: (مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ) الشورى 20، وقوله: (مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ) الإسراء 18، وقوله: (مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا)هود 15.

والآية تحتمل الوجهين، ولنا وجه ثالث، هو أن تشير (أُوْلَٰٓئِكَ) إلى الفريق الأول وحده، على اعتبار أن (أُوْلَٰٓئِكَ) للإشارة إلى البعيد، والبعيد في سياق الآيات هو طالب الدنيا دون الآخرة. وهم (لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ) يصلهم في الدنيا التي طلبوا أن يؤتوها، ويحق فيهم قوله تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا) هود 15، ولأنهم لا حظ لهم في الآخرة، لقوله عز من قائل: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) المائدة 5، وقوله: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) الزمر 65، وحبط، أي: فَسَدَ وأُهْدِرَ (وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ) إذ عجل له حقه منها. وفي التبعيض بـ "من" في قوله: (مِّمَّا كَسَبُواْۚ) دليل على أنهم ينالون في الدنيا بعض ما طلبوه، وفق ما جرت عليه سنن الله - تعالى - في الرزق، لقوله: (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ) الإسراء 18.

وسرعة الحساب على الوجه الأخير: رزقهم في الدنيا، يعجله الله فيها، ليوفيهم أعمالهم فيها. أما رأي الكثيرين من المفسرين، فالمراد حساب الآخرة، (وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ) في الدنيا والآخرة. ولن نقف كثيراً عند مدى سرعته - جل وعلا - في حساب الخلائق، لاختلاف الأقوال حوله، فقائل: هو نصف نهار في حق المؤمنين، لقوله تعالى: (أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا 24)الفرقان، والمقيل من القيلولة، وقائل: في قدر فواق الناقة، وقائل: في لحظة بمقدار لمحة البصر. غير أن ما يخرجنا من هذه الافتراضات هو قوله - تعالى - في وصف يوم القيامة: (وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا 26) الفرقان، وقوله: (مُّهۡطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِۖ يَقُولُ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَسِرٞ 8)القمر، وقوله: (فَذَٰلِكَ يَوۡمَئِذٖ يَوۡمٌ عَسِيرٌ 9عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ غَيۡرُ يَسِيرٖ 10) المدثر، مما يدل على أن يوم الحساب العسير على الكافرين، يسير على المؤمنين. إن سرعة الحساب عبارة عن إطلاع كل عامل على عمله أو إعلامه بما له مما كسب، وما عليه مما اكتسب وذلك يتم في لحظة زمنية قصيرة، والله - جل وعلا - قادر على أن يحاسب كل الخلائق في وقت معاً، كما يرزقهم هم والدواب في وقت معاً. كما أن ما نراه أكثر من ذلك، هو أن المرء يعرف مصيره لحظة موته، فيعرض عليه شريط حياته بكل تفاصيلها ودقائقها، ثم بعد النشور يؤتى كل إنسان كتابه: (وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا 13 ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ)الإسراء 14، وهذا قبل أن يعرض على الحساب، وكأن وقت الموت يعرف جزاءه، ثم باستلام كتابه يراجع تفاصيل حياته الدقيقة والمفصلة. أما المقربون وأهل اليمين فحسابهم هو العرض على الرحمن، وأما أصحاب الشمال، فيومهم جد عسير، رُوِيَ عن عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - أنها نقلت عن الرسول أنه قال: "ليسَ أحَدٌ يُحاسَبُ إلَّا هَلَكَ"، قالَتْ: قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِداءَكَ، أليسَ يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: )فَأَمَّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا)، قالَ: "ذاكَ العَرْضُ يُعْرَضُونَ ومَن نُوقِشَ الحِسابَ هَلَكَ"*.
* أخرجه البخاري (4939)، ومسلم (2876).






 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 

اشترك في مجموعة أقلام البريدية
البريد الإلكتروني:
الساعة الآن 12:32 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط