الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديات الحوارية العامة > منتدى الحوار الفكري العام

منتدى الحوار الفكري العام الثقافة ديوان الأقلاميين..فلنتحاور هنا حول المعرفة..ولنفد المنتدى بكل ما هو جديد ومنوع.

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع التقييم: تقييم الموضوع: 1 تصويتات, المعدل 5.00. انواع عرض الموضوع
قديم 22-09-2006, 04:05 PM   رقم المشاركة : 49
معلومات العضو
فاطمة الجزائرية
أقلامي
 
الصورة الرمزية فاطمة الجزائرية
 

 

 
إحصائية العضو







فاطمة الجزائرية غير متصل


افتراضي مشاركة: شخصيات مصرية .. أسرت النبوغ

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :

أخي محمد , شخصياتك رائعة , وطريقة عرضها أروع , كم احببت ان اتعرف على شخصية مصطفى صادق الرافعي ................فهل تسمح لنا بزيارته ..............وشكرا.







التوقيع

ملأى السنابل تنحني بتواضع*****و الفارغات رؤوسهن شوامخ

 
رد مع اقتباس
قديم 22-09-2006, 07:23 PM   رقم المشاركة : 50
معلومات العضو
محمد جاد الزغبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية محمد جاد الزغبي
 

 

 
إحصائية العضو






محمد جاد الزغبي غير متصل


افتراضي مشاركة: شخصيات مصرية .. أسرت النبوغ

أهلا بك مجددا يا أختاه

اقتباس:
كم احببت ان اتعرف على شخصية مصطفى صادق الرافعي ................فهل تسمح لنا بزيارته
بالطبع .. قريبا ان شاء الله
نلتقي حول مائدة الفكر الخاصة بمبدعنا مصطفي صادق الرافعى صاحب " وحى القلم "
بارك الله فيك






التوقيع

الإيميل الجديد
 
رد مع اقتباس
قديم 19-03-2007, 04:42 AM   رقم المشاركة : 51
معلومات العضو
محمد جاد الزغبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية محمد جاد الزغبي
 

 

 
إحصائية العضو






محمد جاد الزغبي غير متصل


افتراضي مشاركة: شخصيات مصرية .. أسرت النبوغ

" اللواء أحمد رشدى "
عندما يصبح وزير الداخلية ضد القانون

انه الشخصية الأكثر انفرادا فى تاريخ وزارة الداخلية بمصر قى عهد ما بعد ثورة يوليو 1952 م ..
اللواء أحمد رشدى وزير الداخلية فى فترة منتصف الثمانينيات ..
وزير الداخلية الوحيد منذ جمال عبد الناصر وحتى حبيب العادلى فى عهدنا الحالى ..
كان هو الوزير الوحيد الذى وقف ضد القانون لأجل القانون ... !!
وقف فى وجه قانون العصر .. " التخلى والاباده " لأجل قانون الحق .. " العمل والعباده "

وزير الداخلية الوحيد الذى أصبحت شعبيته الساحقه بين رجال وزارته وبين المواطنين مثار دهشة المتابعين على اختلاف مشاربهم ..
فوزير الداخلية .. هو حائط الصد المخيف للنظم السياسية فى عالمنا المتفرد فى طبيعته وغرابته
ولذا ..
فمن المستحيل تقريبا أن يستولى من يشغل هذا المنصب على قلوب الشعب .. لأن مقعده مقام أصلا لحماية الحاكم من الشعب لا العكس
وتفرد أيضا اللواء أحمد رشدى فى أنه وزير الداخلية الوحيد الذى عاش مشاركا فى حياته العملية معظم الأحداث الجسام فى تلك الفترة البالغه الخطورة من تاريخ مصر
بل وكانت له عند كل حادثة حادث .. وفى كل حدث مكان
انه الوزير الوحيد الذى بكاه العقلاء .. واستبشر برحيله عن مقعده عامة الجهلاء ..
انه الرجل الذى وقع ضحية جهلاء عهده من أبناء وزارته .. كما تقول الشواهد ..
وغاب عن ذهن القيادة السياسية وقتها .. أن الهدف الحقيقي للفتنة وسببها هو مكوث أحمد رشدى على مقعد وزير الداخلية وليس رحيله ..

وللأسف ..
تمت الخطة .. وذهب أحمد رشدى .. وجاء بديلا عنه اللواء زكى بدر
لتتحقق مقولة التراث القديمة .. " غدا يرون الأمراء من بعدى "
وفعلا .. شاهدوا زكى بدر .. فبكوا دما على أيام أحمد رشدى ..

فمن هو هذا الرجل يا ترى ..؟!!
تعالوا نتأمل وندرس ..


البداية ..

مصر فى منتصف الخمسينيات .. الساعه قاربت على منتصف الليل تقريبا ..

يستيقظ البكباشي " المقدم " عبد المحسن فائق ضابط المخابرات المصري الذى اشتهر فيما بعد باسم " محسن ممتاز " الأب الروحى للعميل المصري الأسطورة " رفعت الجمال " الشهير باسم رأفت الهجان
ويرفع رجل المخابرات الفذ سماعه الهاتف مجيبا الرنين الذى أيقظه .. فيفاجئ بأنه صديقه ضابط المباحث اليوزباشي " رائد " فى ذلك الوقت أحمد رشدى ..

ويهتف عبد المحسن بصديقه .. " خيرا يا رشدى ؟! "
فيجيبه رشدى بصوت ضاحك .. " أبشر يا عبد المحسن قد وجدت لك ما تبحث عنه "
فقال له عبد الحسن فى فتور " لقد سمعتها منك عشرات المرات ولم يتحقق وعدك "
فضحك رشدى وقال واثقا .. " تعال الى على الفور .. أنا واثق أن هذا الفتى هو نفس ما تبحث وتتمناه

فسأله عبد الحسن عن بعض بيانات هذا الفتى ..
وكانت الاجابة من أحمد رشدى بلا القاطعه حول أى معلومة مؤكده عن هذا الفتى الغامض والذى فشل جهاز مباحث الاسكندرية بأكمله فى الحصول على أى معلومة قاطعه تخصه حتى عن اسمه الحقيقي أو جنسيته أو حتى ديانته
مما جعل أحمد رشدى يرشحه فورا وباعتماده على غريزته فقط بأن هذا الفتى مصري لكى يهديه لعبد المحسن فائق الذى لف البلاد شرقا وغربا بحثا عن من يصلح للعمل معه فى جهاز المخابرات المصري الوليد .. كعميل مقيم باسرائيل
وتشاء الأقدار أن يصدق حدس اليوزباشي أحمد رشدى فى الفتى بالفعل ..
ليصبح الفتى المجهول هو نفسه البطل المصري العتيد " رفعت الجمال " مندوب المخابرات المصرية الذى قضي أغلب عمره فى اسرائيل نجما من نجومها ولم يكشف أمره أو أمر شبكته مطلقا
وكانت تلك النظرة الموهوبة هى داعى لفت النظر الأول الى هذا الضابط البارع ..
ويستمر بعدها فى جهاز مباحث أمن الدولة " المعروف سابقا باسم المباحث العامة " ويترقي فيه ويصل الى أعلى مناصبه فيما بعد .


جهاز مباحث أمن الدولة


فى أى دولة معتدلة فى العالم أجمع ..
وفى ظل متغيرات ما بعد الحرب العالمية الثانية نبتت فكرة تعدد الأجهزة الأمنية طبقا للتقدم الكاسح بعد الحرب فى نظم المعلومات وأساليب الصراع
فلزم الأمر أن تتوافر أجهزة أمنيه عالية المستوى والتدريب الى جوار الأجهزة الأمنية التقليدية المتخصصة فى مكافحه الجرائم العادية داخل نطاق كل دولة ..
فتم التعارف على انشاء نوعين من الأجهزة الأمنية تختص فقط بأمن الدولة ككيان كامل فى مواجهة الصراعات الاقليمية والدولية المحتدمة ..
نوع داخلى
يختص بمتابعه نشاط الدول المعادية والمنظمات الدولية داخل نطاق الدولة وحدودها
كمباحث أمن الدولة فى مصر . وجهاز الشين بيت باسرائيل ومكتب الجاسوسية بفرنسا والمباحث الفيدرالية بالولايات المتحدة
وتكون لتلك الأجهزة ولاية مطلقة على كامل أرض الدولة غير محددة بنطاق اقليمى كما هو الحال مع الشرطة العادية تختص بمقاطعه أو محافظة معينة .. لا تتعداها
لكن يحظر تماما على أجهزة الأمن الداخلى العمل خارج البلاد ولو حدث ودعت الحاجة الى ضرورة التواصل خارج نطاق الدولة يكون على تلك الأجهزة ترك العملية لجهات الأمن المختصة بالشأن الخارجى وهى أجهزة المخابرات

والنوع الثانى خارجى
وهى التى تختص بنوعين .. نوع يختص بمحاولة متابعه نشاط الدول الخارجية عبر عمليات التجسس ونوع آخر يختص بالعمل على منع تلك الأنشطة من النجاح فى مخططاتها ولكن يقتصر عملها هنا خارج البلاد الا اذا امتدت احدى العمليات الى داخل البلاد هنا يكون تدخل أجهزة المخابرات محدودا بنطاق العملية ذاتها وفقط .. فاذا اتسع نطاق العملية عليها طلب تعاون أجهزة أمن الدولة ..
وبنظرة بسيطة يمكننا ادراك أن رجال أمن الدولة هم رجال مخابرات داخل نطاق البلاد يتركز نشاطهم فى الجرائم غير التقليدية أو الجرائم التقليدية التى تحول الى غير تقليدية
فمثلا ..
من الجرائم الغير تقليدية التى تختص بها أجهزة أمن الدولة اختصاصا كاملا ..
كل أنشطة التجسس والارهاب والتآمر وعمليات زعزعة الاستقرار عبر النظم المخابراتية المختلفة
ومن الجرائم التقليدية

التى تتحول الى غير تقليدية ومن ثم يختص بها رجال أمن الدولة .. تلك الجرائم التى تبدو عادية فى طبيعتها مثل القتل وتجارة المخدرات لكن حدوثها أتى متعلقا بعنصر آخر غير تلك العناصر المعروفة لجرائم الدولية ... كأن يكون القتيل ممثلا دبلوماسيا لإحدى الدول الأجنبية مثلا أو تكون عملية التجارة فى المخدرات عبارة عن مخطط دولى معادى تشرف عليه أجهزة مخابرات أجنبية وليس مجرد مهربين كبار كما هى العادة
أى أنها تعد نوعا خاصا من الأمن هو الأمن السياسي
وبالنسبة لمصر ..
فقد عرفت هذه النظم قبل الثورة وان كنت أسقطتها من التحليل لكونها لم تتخصص باعتبارها جهازا وطنيا بل كانت معروفة باسم " البوليس السياسي " وكل مهمتها تنحصر فى حماية الأجانب وتطبيق نظم الحماية لسياسة الاحتلال البريطانى ..ولم تكن أهدافها بأى حال حماية أمن البلاد بما يطابق مفهوم الأمن السياسي الوطنى ..
وفيما بعد برزت المباحث العامة المختصة بالشأن السياسي والتى تغير اسمها فيما بعد الى مباحث أمن الدولة ..
وفى فترة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ..
لم يكن للجهاز ذلك الاختصاص الفريد والنشاط المكثف فى حماية أمن البلاد بقدر ما كان لحماية أمن النظام من التنظيمات المختلفة .. الشيوعية بصفة خاصة اضافة الى تدخل جهات أخرى فى خلط كبير للعمل داخل البلاد مثل الأمن الحربي التابع للقوات المسلحة والمخابرات بنوعيها الحربية والعامة
ولا شك أن فترة الخمسينيات والستينيات كانت حاملة لصورة مخيفة لمختلف أجهزة الأمن لا سيما المخابرات العامة نتيجة للممارسات القمعية التى استخدمها النظام المصري على مستوى قياداته الصغري والكبري مما أساء الى تلك الأجهزة اساءة بالغه تعدت التجاوزات كثيرا فى الواقع .
وأغفل الجانب المشرق منها بعد أن طغى الجانب الأسود على الأنشطة الايجابية
وكان النصيب الأوفر من تلك السمعه السيئة من حظ جهاز المخابرات العامة لدرجة أن الاصطلاح المعهود به وصف تلك الفترة هو مصطلح " دولة المخابرات "
ولم ينل جهاز المباحث شيئا بعيدا من تلك السمعه نتيجة لطبيعه العصر ذاته والذى يمكن وصفه بعصر القوات المسلحة حيث كان الجيش مسيطرا على شتى مناحى الحياة وبرز بعض رجاله بروزا مذهلا فى الناحية السلبية بكل أسف وهم المجموعه المحيطة بالمشير عبد الحكيم عامر فى ذلك الوقت
وفى نهاية الستينيات
تمت محاكمة اللواء صلاح محمد نصر النجومى الشهير باسم صلاح نصر وعدد من كبار قادة الجهاز اضافة لعدد كبير من كبار وصغار ضباط القوات المسلحه بعد أحداث النكسة التى كانت إيذانا بانتهاء البطش العسكري الواضح والتفتت القوات المسلحة لمهمتها الكبري بعد أن تولى الفريق محمد فوزي وزارة الدفاع وفتح المجال أمام رجال الجيش المخلصين لبدء الإعداد لمعركة التحرير
وابتداء من تلك الفترة .. وخاصة بداية السبعينيات تزايد اختصاص الشرطة عبر جهاز أمن الدولة بالأمن السياسي الداخلي ولم تعد تتبع القوات المسلحة وقيادتها فى الشأن السياسي كما كان الحال مع فترة المشير عامر
ومع بداية فترة السادات .. تفجرت صراعات مراكز القوى وكان من بين أعضاء تلك الجبهة من رجال عبد الناصر السابقين اللواء شعراوي جمعه وزير الداخلية ..
وكان تحت يده فى الفترة من 67 الى 1971م .. ملفات الأمن السياسي كلها عبر جهاز المباحث العامة التابع له والذي اختص بتلك الملفات بعد إبعاد الجيش عنها


وشعراوى جمعه جدير بالذكر أنه لم يكن من رجال الشرطة فى الأصل .. بل كان رئيسا لفرع الخدمة السرية فى المخابرات العامة ( منصب قيادى وهام فى الجهاز )
وهو الشخص الذى قدمه المسلسل المصري رأفت الهجان على أنه شريف والى رجل المخابرات القيادى بالجهاز وقام بدوره الممثل المصري الراحل صلاح ذو الفقار ..
وبانتصار السادات فى معركة مراكز القوى ..
تغيرت خريطة جهاز الشرطة المصرية كله فى ذلك الوقت وازداد النفوذ شيئا فشيئا وان لم يبد واضحا الا بعد معركة أكتوبر 1973 م ..
فقد أتى السادات باللواء ممدوح سالم محافظ الاسكندرية ليتولى وزارة الداخلية وكان أول رجل شرطة تولى المنصب فى التاريخ الحديث وكان للحق اختيارا موفقا للغاية فممدوح سالم كان من أقوى رجال الشرطة كفاءة وتنظيما وسمعه على مستوى تاريخ الشرطة
فقبل الثورة كانت الوزارات سياسية غير متخصصة وجرت العادة على أن يتولى وزارة الداخلية أحد رجال القانون .. وبعد الثورة استولى رجال الجيش على زمام المناصب بما فيها الوزارات
ليأتى السادات بأول وزير من رجال الشرطة .. يتولى وزارتهم
وابتعد الجيش تماما عن الأمن السياسي كما ابتعدت المخابرات العامة أيضا عن العمل داخل البلاد الا فى نطاق ضيق ..
وانفردت مباحث أمن الدولة بالأمن السياسي الداخلى وتألق فى نجومها بتلك الفترة أحمد رشدى وكان برتبة العقيد وظل بالجهاز فى فترة ممدوح سالم وبعده فى فترة اللواء النبوى اسماعيل والذى كان عهده عهد الانهيار الأمنى الفادح لأمور لم يكن لرجال الشرطة شأن فيها ..
فقد سمح السادات للتيار الاسلامى بالظهور لضرب قواعد الناصرية والشيوعية فى مختلف فئات الشعب فى الجامعات والنقابات العمالية وغيرها ..
وكانت الأوامر الصادرة لرجال مباحث أمن الدولة فى تلك الفترة من منتصف السبعينيات صريحه
وهى منع التعرض نهائيا لنشاط الاخوان المسلمين والجماعات الاسلامية مهما كانت درجة التجاوز وبالذات فى الجامعات ..
مما سبب استفزازا عنيفا لرجال أمن الدولة وتذمر عدد من قادة الجهاز من أمثال اللواء حسن أبو باشا والعميد أحمد رشدى والعميد حسن علام الذين تابعوا التداعيات الخطيرة لسياسة إطلاق الحبل على الغارب للجماعات بالذات بعد أن أكدت تحرياتهم خطورة الوضع على الأمن العام بعد أن خرجت الجماعات الإسلامية عن طوع الإخوان ولم تعد تتبعهم بل تعدى الأمر حدوده أن التنظيمات السرية للجماعات الإسلامية ( التكفير والهجرة " شكرى مصطفي " ـ الجهاد الأول " محمد سالم الرحال " ـ الجهاد الثانى " محمد عبد السلام فرج )


والتى جهلها الأمن نهائيا أعلنت تكفير الإخوان وخيانتهم للدعوة السلامية الى الحد أنهم حاولوا الاعتداء على المرشد العام للاخوان فى تلك الفترة عمر التلمسانى فى احدى الندوات العاصفة بجامعه أسيوط كبري معاقل الجامعات فى نهاية السبعينيات ومن ثم فقد حملوا هم تلك الدعوة بمنطق الجهاد كما يرونه وهو تطبيق لكتابات أبو الأعلى المودودى وتحريفات أخرى مشوهة من كتب السلف أخضعها هؤلاء الشباب الضائع لعقلياتهم المريضة
وحملوا السلاح ووجهوه الى المجتمع من حولهم بزعم تكفيره
وشيئا فشيئا .. حملوه ضد من أعطاهم الفرصة للظهور .. ضد النظام القائم ..
ووقعت الواقعه ..
مع جهل أجهزة الأمن فى تلك الفترة بحقيقة التنظيمات التى تحكم التيار الدينى وتنظيماته لأنهم كانوا موجهين الى غيرهم كالتنظيمات الشيوعية وما الى ذلك وممنوعين من متابعه نشاط الجماعات
ومع الكبت الناجم عن اضطرار الشرطة للافراج فورا عن المتجاوزين من أعضاء الجماعات .. جالءتهم الفرصة أخيرا لتفريغ هذا الكبت عندما صدرت الأوامر بضرورة انهاء نشاط هؤلاء الفئة .. ولكن بعد فوات الأوان
وتفجرت المواجهات الدموية بين تلك التنظيمات التى بلغت من القوة أنها ردت النيران بالمثل ليفاجئ جهاز أمن الدولة بالأسلحه الأتوماتيكية فى أيدى هؤلاء الشباب والكارثة الحقيقية هى درجة البراعه التى تميز بها شباب الجماعات ومقاتليها لتتوالى الاكتشافات أن بعض خلايا تلك التنظيمات تسربت الى داخل الجيش مستغلة السخط العام على نظام السادات بسبب سياساته الداخلية والخارجية

وكان من دواعى الأسف الشديد أن بعض أعمدة تلك التنظيمات كانوا من ضباط الجيش الذى حارب معركة التحرير وفوجئ بعدها بالصلح المنفرد غير المبرر من السادات وانحيازه الى السياسة الأمريكية اضافة الى أن هؤلاء الأبطال تم نسيانهم فى دوامة الانفتاح الاقتصادى التى فرمت الطبقات الوسطى فرما
وكانت النتيجة أن أحد زعماء تلك التنظيمات كان العقيد عصام القمرى ضابط المدفعية فى أكتوبر والعقيد عبود الزمر ضابط المخابرات الحربية وغيرهم
وانطلقت العواصف الدامية أكثر وأكثر .. حتى كان عام 1981 م وفى ساحه العرض العسكرى تم اغتيال الرئيس محمد أنور السادات على أيدى بعض رجال القوات المسلحة من تنظيم الجهاد الثانى

وبعدها مباشرة تفجرت حوادث أسيوط الشهيرة والتى نجحت خلالها الجماعات الاسلامية فى احتلال مديرية أمن أسيوط ذاتها وكافة أقسام ومراكز الشرطة بالمحافظة وقتلوا فوق مائتى رجل شرطة من مختلف الرتب

فأين كان أحمد رشدي فى تلك الفترة يا ترى ..؟!!
كان اللواء أحمد رشدي فى ذلك الوقت مديرا لأمن القاهرة .. وفور اغتيال السادات قام بقيادة قوة مدرعه وتوجه الى مبنى الاذاعه والتليفزيون لحمايته لما فى الجهاز من خطورة فى تلك الظروف خاصة وأن الأمن على مختلف فئاته كان يجهل حدود عملية الاغتيال ونجح أحمد رشدى فى تأمين المنطقة .. وأفاق الأمن قليلا من الصدمة واتخذ اللواء حسن أبو باشا رئيس جهاز أمن الدولة التدابير اللازمة وانطلق بعدها الى أسيوط ليقود عملية تطهير المدينة من احتلال الجماعات .. وتمركزت قوة ضخمة من الأمن المركزي بقيادة أبو باشا وقامت باستخدام مدافع الأر بي جى لدك المنازل التي تحصن بها الجماعات ونجحوا فى إعادة السيطرة على المدينة ...
وخلال تلك الفترة عرف جهاز أمن الدولة حقيقة عدوهم واستمرت المعركة خلال الفترة الباقية من وزارة النبوى اسماعيل وأثناء تولى اللواء حسن أبو باشا وزارة الداخلية خلفا للنبوى اسماعيل .. واختار أبو باشا اللواء أحمد رشدى مساعدا له للأمن الاقتصادي حتى نهاية عام 1984 م ..


الوزارة ..


من الصعوبة بمكان أن نتخيل مدى قوة الصفعه التى تلقتها جميع أجهزة الأمن بلا استثناء بنجاح تنظيم الجهاد فى عملية اغتيال السادات ..
بداية من القوات المسلحه التى اغتيل قائدها الأعلى فى قلب عرينها .. ومرورا بالمخابرات العامة والحربية والحرس الجمهورى ووزارة الداخلية ممثلة فى جهاز أمن الدولة
وبسبب الأثر الرهيب لتلك الصفعه تحرك جهاز أمن الدولة فى عصبية وعنف لادراك مدى قوة خصمه خاصة مع تتابع العمليات الارهابية ضد أهداف حساسة وسقوط العشرات من رجال الشرطة وكبار ضباطها شهداء فى تلك المعارك لا سيما بالصعيد المصري ..
وبحكم الاختصاص
انفردت أمن الدولة بملف الجماعات كملف أمنى بالدرجة الأولى وكلفتها العصبية خسارة العديد من القضايا تحت تأثير استخدام التعذيب فى استنطاق أفراد الجماعات أو الانتقام وتفريغ الكبت ..
على النحو الذى تمثل فى قضية تنظيم الجهاد الثانية التى قدمت فيها أمن الدولة فوق المائتى متهم وكانت النتيجة أن أصدر رئيس محكمة الجنايات وأمن الدولة العليا فى ذلك الوقت المستشار عبد الغفار محمد حكمه المدوى ببراءة أكثر من مائة متهم ولم يتضمن حكمه أى حكم بالاعدام على أى من المقدمين بالرغم من أنهم من قيادات التنظيم كعمر عبد الرحمن ..

وانتقد المستشار عبد الغفار محمد فى مسودة حكمه العادل أسلوب أمن الدولة الأحمق فى التعامل مع المتهمين وغياب المعلومات الرهيب عن جهاز كان من المفترض أنه جهاز معلومات بالدرجة الأولى وطالبت المحكمة جهاز أمن الدولة بالتروى وحسن معاملة القضية حتى لا يتم تقديم أبرياء وترك الجناة الحقيقيين خارج أسوار المحاكمة اضافة الى غياب الجانب القانونى تماما ببطلان اعترافات المتهمين نتيجة التعذيب وتجاوزات التحقيق

وللحق ..
فان الخطأ لا يتحمله جهاز أمن الدولة بمفرده .. بل تتحمله سياسة الرئيس الراحل أنور السادات فى منع متابعه الجماعات أمنيا ورعايتهم تحت سلطته الشخصية ..
وجاء أبو باشا بأسلوب جديد هو أسلوب المراجعات الفقهية ..
فأتى بالمتهمين والجناة من السجون والمعتقلات وأجلسهم علنا مع كبار الفقهاء بمصر يجادلونهم فكريا أمام شاشات التلفاز المصري ونجح هذا الأسلوب الى حد بعيد فى رجوع الكثير من أبناء التنظيمات عن معتقداتهم الشاذة ..
وان تحجمت قوتهم مع وزارة أبو باشا وتمكن الأمن بعد السنوات الأولى العاصفة فى بداية الثمانينات من اختراق تلك الجامعات وأصبح الصراع متكافئا من حيث معلومات كل طرف
الا أن البقية القابعه خارج الأسوار لم تكن لتحتمل هذا الأسلوب ..
فحاولوا اغتيال أبو باشا وكادوا أن ينجحوا بالفعل عندما تربصوا بسيارته وأطلقوا عليه أكثر من خمسة وستين رصاصة تركته مضرجا فى دمائه .. وتم انقاذه بعناية الله وحده ومعجزة طبيه بكل المقاييس

وفى قلب تلك الأحداث ..
صدر القرار بتعيين اللواء أحمد رشدى وزيرا للداخلية خلفا لأبو باشا


المهمة المستحيلة ..


جاء اللواء أحمد رشدى وزيرا للداخلية فى فترة رهيبة من تاريخ مصر .. فترة منتصف الثمانينات .. ووجد فى انتظاره عدة ملفات يمثل كل واحد منها مهمة مستحيلة بحد ذاته ..

*ملف الجماعات
الذى ما زال مفتوحا بعد أن تعددت تنظيماته ولم تعد قاصرة على التنظيمات القديمة فخرج من القمم تنظيم العائدون من أفغانستان وتنظيم الناجون من النار
* ملف الفساد الرسمى
والذى أصبح عملاقا ومنظما يستنزف موارد البلاد المنهكة القوى ويختبئ تحت رعاية كبار مسئولى الدولة
*ملف تجارة المخدرات ..
وكان فى تلك الفترة .. عبارة عن ملف غير قابل للاختراق والعلاج بعد أن تطورت تنظيماته فى ظل الانشغال الأمنى بأحداث الارهاب ليتخذ ملف المخدرات طابعا تنظيميا جبارا
* ملف الأمن السياسي
الخاص بعمليات المخابرات الأجنبية داخل البلاد بعد أن ظهرت أيادى التمويل الخارجى لمختلف أنشطة التجسس والافساد ضد مصر

ولم يضع الرجل وقتا فى الواقع ..
وبكل حنكة وخبرة السنين الخوالى ..
وبحماسة ضابط فى العشرين من عمره .. لا ضابط قديم كان يستعد لسنوات التقاعد قبل تكليف الوزارة
فتح جميع الملفات دون انتظار ..


وانفجرت حرب أحمد رشدى الخاصة ..






التوقيع

الإيميل الجديد
 
رد مع اقتباس
قديم 19-03-2007, 05:03 AM   رقم المشاركة : 52
معلومات العضو
محمد جاد الزغبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية محمد جاد الزغبي
 

 

 
إحصائية العضو






محمد جاد الزغبي غير متصل


افتراضي مشاركة: شخصيات مصرية .. أسرت النبوغ

معركة الانضباط

فى دول العالم المسمى بالثالث .. وهو للحق يستحق وصف العاشر لا الثالث ..
من المستحيل ألا تجد للنفوذ أبهته الغاشمة بين أصحاب المناصب .. فهذه طبيعة خاصة تحكم تلك الدول بتشجيع الصمت المطبق من الشعوب وميلهم الغريب لقيود الاستعباد ..
ولذا كان من الطبيعى أن يجد أسلوب أحمد رشدى الجديد فى وزارته كل الاعتراض والتذمر من غالبية كبار رجال الشرطة .. بل وبعض المسئولين أيضا ..

ففي الشرطة كان تعليمات أحمد رشدى صارمة وقاطعه فى ضرورة متابعه القيادات الشرطية لأعمالهم من مواقعها .. والخروج من مكاتبهم المكيفة الهواء إلى حيث العناء الذى يعانى منه المواطنين بالشوارع
وتكاثرت حملات التفتيش والمتابعة التى جعلت مديري الأمن كل منهم بغادر مكتبه جريا وراء متابعه العمل الأمنى فى حدود محافظته
وعلى مستوى الخدمات المرورية لم يدع أحمد رشدى لأحد فرصة الاعتراض على محاولاته للإصلاح وضرب عرض الحائط بأية محاذير قد يواجهها من أصحاب النفوذ الذين ساءهم ضرب مصالحهم بأوامر المصادرة والمتابعة لحالات المرور والإصرار على تطبيق القانون ..
فكانت أولى الانجازات التى حققها أحمد رشدى انتظام الشارع المرورى إلى حد بعيد ..
وتغير أسلوب المعاملة بين رجال الشرطة والمواطنين وأصبح كل رجل شرطة مضطرا لبذل قصاري جهده سواء شاء أم أبي لإتمام عمله وواجبه وإلا كان الجزاء الرادع فى انتظاره ..
وبدا للجميع أن الصورة فى طريقها للتغيير بالفعل بين الشرطة والمواطنين مع الحزم الواضح لسياسة الانضباط الجديدة فى وزارة الداخلية .. على الرغم من أن تلك السياسات الجديدة جلبت على الوزير غضبا مكتوما فى قلوب وصدور الفئة المتسلطة من قيادات الشرطة والتى رأت الوزير يسلبهم بغيا حسبوه حقا لهم .. كما سببت نفس الشعور لدى بعض أولى السطوة وارتكن كل هؤلاء فى انتظار ما يسفر عنه الغد ..

وكان هؤلاء وأولئك أول المنتظرين !!


المعارك الساخنة ..


كانت حرب الباطنية ضد تجار المخدرات واحدة من أعنف مواقع اللواء أحمد رشدى ..
فملف تجارة المخدرات بمصر بدأ فى نهايات عصر السادات بانتشار مخدر الحشيش بطريقة غير مسبوقة مع تخفيف القبضة الأمنية عليه !!
وكان التخفيف ملحوظا لدرجة جعلت منه سلعه شبه مشروعه ومن هنا جاءت شعبية السادات فى الواقع لدى أوساط مدخني تلك السموم حتى أنها انتشرت كطرفة فيما بعد ..
لكن الأمر فى بدايته كان رهن السيطرة إلى حد كبير لأن السموم الفائقة التدمير لم تكن مصر قد عرفت تجارتها بعد كالأفيون والكوكايين والهيروين والتى كانت تستلزم قيام نظام تهريب كامل يستند إلى منظمات دولية معروفة تقوم بتهريب تلك السموم وتصديرها إلى من يقع اختيارها عليه من الزعماء الإقليميين الكبار ..

ولإيضاح الأمر أكثر .. فان مخدر الحشيش لا يعتمد على الاستيراد فقط لإمكانية زراعته وتوزيعه محليا ويقوم عليه وعلى تجارته تجار وزعماء جريمة داخليون وهم مهما بلغت خطورتهم فهم أهون أثرا من الجريمة المنظمة التى كانت ولا زالت قادرة على دك نظام أى دولة ..
لأن الجريمة المنظمة تعنى قيام الأنشطة الإجرامية على أسس تنظيمية عالية القدرة عبر اتخاذها ستارا فولاذيا من السرية والقوة من خلال مؤسسات اقتصادية ومالية ضخمة لها فى الواجهة نشاطها المشروع ومن الداخل تختبئ الأنشطة غير المشروعة في حماية تلك الأموال بالإضافة إلى جيش من خبراء القانون مهمتهم تطويع العقبات حال وقوعها ..
وتكتمل دائرة القوة بحرص تلك المنظمات على الوصول إلى المؤسسات التشريعية والتنفيذية لعدد من أفرادها بحيث يصبح نشاطها عبارة عن شبكة عنكبوتيه مستحيلة الاختراق ..
وتتبدى أكبر الأمثلة لتلك المنظمات فى المافيا الايطالية والأمريكية .. والياكوزا " المافيا اليابانية " والمافيا الروسية التى ظهرت عقب انهيار الاتحاد السوفياتى
والبلاد النامية عادة لا تعرف الجريمة المنظمة لأنها تحتاج اقتصادا قويا لتنمو فيه .. كما تحتاج إلى نظم غير قمعية لأن تلك النظم لا تحتاج مبررا من قانون لتفعل ما تشاء بمن تشاء


ولذا فالاتحاد السوفياتى لم يعرف الجريمة المنظمة إلا بعد انهياره وتحويل دفته الأيديولوجية من الشيوعية المنغلقة إلى الرأسمالية المفتوحة .. والوحيد الذي تمكن من تحجيم وتدمير قوة المافيا الايطالية التي كانت فى الثلاثينيات دولة داخل دولة غير " بينيتو موسولينى " مؤسس الفاشية وشريك أدولف هتلر فى الحرب العالمية الثانية حيث قاد ضدها حرب أنظمة بلا أى ارتكان أو بحث عن أدلة إدانة وينجح فى القضاء عليها لتنتقل المافيا الايطالية إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتتشعب هناك

إلا أن لكل قاعدة استثناء .. والاستثناء هنا فى طبيعة مصر إقليميا ودوليا ..
فعلى الرغم من انتماء مصر إلى حلقة الدول النامية وصعوبة نشأة الجريمة المنظمة بها إلا أنها مع بداية عصر الانفتاح وتخفيف القبضة العسكرية للحكم وتحوله إلى نظام بوليسي ضاغط لكنه لا يمثل بالطبع درجة القهر التى عرفتها مصر فى الحقبة الناصرية
وجاء الانفتاح الاقتصادي ليمثل كارثة الكوارث لأنه وببساطة فتح سدا كان مغلقا بتمامه أمام رغبات استهلاكية بلا حدود .. مع النظام الاشتراكي التي كانت مصر تطبقه ويمنع الاستيراد منعا تاما إلا عن طريق الدولة ومن خلالها ..
فتفتحت شهية المواطنين على استيراد بلا حدود لشتى السلع وظهرت الثروات الفلكية فجأة مع مناخ الفساد المحمى من النظام القائم والذي عبر عنه أنور السادات فى كلمات موحية نسبها البعض إليه وهى " من لم يكون ثروة في عهدي فلن يكون ثروة "
فقد كان النظام السياسي غاضا للبصر على النهج الجديد الذي ارتفع بثروات ما لا يزيد عن خمسة بالمائة من الشعب هم المقربون والمتحالفون مع النظام عبر رؤى مختلفة ..
وفى خلال سنوات قليلة ظهر نموذج مثل رشاد عثمان الملياردير السكندري الذي بدأ حياته عاملا للشحن والتفريغ وخلال أربعه سنوات فقط قدرت ثروته بما يوازى 300 مليون جنيه تقريبا عند حصر أمواله وتقديمه للمدعى العام الاشتراكي .. ولسنا في حاجة بالطبع إلى عميق تخمين لندرك الأسلوب الذي يمكن من خلاله تكوين ثروة بهذا الحجم خلال تلك الفترة .. !!

" على حد قول الطرفة المصرية الشهيرة أنه لو امتلك آله لطبع النقود لاحتاج فترة أكبر من السنوات الأربعة لطبع كل تلك الملايين "

وهكذا تحقق الشرط الأول بوجود مناخ اقتصادي متعاون للجريمة المنظمة تمثل فى رعاية النظام نفسه أو على الأقل غض البصر عن آليات ورقابة السوق .. خاصة بعد أن استجاب الرئيس السادات لمطالب بعض المقربين من رجال الأعمال بإيقاف نشاط جهاز الرقابة الإدارية بمصر وهو الجهاز المختص بتتبع رشاوى المسئولين وقضايا الفساد !!
وبالنسبة لوضع مصر الدولى كدولة من أكثر دول العالم استهدافا من القوى الدولية المختلفة
فقد كان هذا هو العامل الاستثنائي لبدء عهد الجريمة المنظمة من جهات دولية معروفة بالطبع
ومع بداية الثمانينات توافدت على مصر تجارة السموم الأكثر خطورة .. والغريب أن التجار المحليين لم يكونوا ذوو ميل إلى تغيير النشاط من الحشيش إلى مشتقات الأفيون نظرا لخطورة عقوبتها التى تصل للاعدام وقلة شعبيتها باعتبارها قاصرة على فئات الغنى الفاحش ممن يمتلكون ثمن تكلفة هذا المخدر الرهيب ..
إلا أن رؤساء منظمات التهريب الكبرى فى تركيا واليونان بالذات سهلوا لهم التعامل وكثفوا الجهود وكان هدفهم بدفع تلك النوعية من السموم إلى مصر ضاغطا .. واتضح السبب فيما بعد عندما كشفت القضايا اللاحقة أن الممولين الأساسيين لتلك التجارة بمصر هم بعض رجال المؤسسات العسكرية والاستخبارات الإسرائيلية وهو ما تم كشفه عندما وصل الأمن القومي إلى أن أحد الملحقين الدبلوماسيين بالسفارة الإسرائيلية هو الزعيم الخفي كما يسمونه لتجار المخدرات الكبار بمصر
وازدهرت تلك التجارة بمصر فى منتصف الثمانينيات عبر كيانات عملاقة يساندها بعض كبار المسئولين
الملف برمته كان ملفا شائكا لم يقترب منه لا النبوي إسماعيل ولا حسن أبو باشا .. حتى جاء أحمد رشدي وجعلها معركته الأولى ..

الضوء الأخضر
لو تحدثنا عن الفترة الأولى من حكم الرئيس المصري الحالى محمد حسنى مبارك .. فإننا عندما نصفها بأغلى وأفضل فترة فى سنوات رياسته الخمسة والعشرين حتى اليوم فلا نكون بصدد أى مبالغه إطلاقا
بالرغم من أن البلاد فى تلك الفترة كانت فى وضع بالغ الحرج أمنيا بعد اغتيال رئيس الجمهورية فى مشهد درامي غير مسبوق
إضافة إلى أحداث جسام أثقلت الاقتصاد الوطنى وتركته ركاما حقيقيا بديون عملاقة لمختلف الجهات الدولية تتزايد فوائدها البنكية كل عام
وفى ظل أزمات سياسية للنظام مع سائر القوى الوطنية من أقصي اليمين لأقصي اليسار
ويضاف فوق هذا كله الخصومة العربية التي تم إعلانها ضد عقب إعلانها الصلح المنفرد بإسرائيل عقب المبادرة الشهيرة للرئيس السادات عام 1977 م ..
أي أن الرئيس مبارك استلم المسئولية في بلد يحتاج إلى إعادة تفكيك وبناء ليواصل دوره فى المجتمع الدولي .. وكانت الطبيعة الملتزمة للرئيس مبارك هي داعيه الأول لبدء التحرك الجاد دون زهو أو غرور بالمنصب فلم يجتمع إليه كهنة السلطان إلا بعد انفراده بالحكم عقب إستقالة المشير عبد الحليم أبو غزالة وزير الدفاع ورجل النظام القوى الذي كان بمثابة شريك كامل فى الحكم
وبالتالي فقد أصبحت الفترة الأولى برغم كل جسامة تأثيرها إلا أن المسئول هنا كان يعمل بنية مخلصة لم تتسرب إليها أبهة الحكم ودونما التفات لغرض إلا النجاح بالنهوض مرة أخرى بعد الموات الذي ضرب البلاد
وانعكست تلك الطبيعة تلقائيا على طريقة الرئيس في اختيار رجاله ..
وإذا حصرنا الحديث في نطاق وزارة الداخلية سنجد أنه لم يركن إلى استبقاء اللواء نبوي إسماعيل وزيرا للداخلية بالرغم من أن هذا الأخير كان أحد العوامل المساعدة في استقرار مقعد الرياسة له .. بعد أن بادر إلى تحذيره من الاتصالات التي يجريها الفريق كمال حسن على مع بعض المسئولين يشتم منها نيته في السعي للمنافسة على المنصب .. فتم إجراء الاستفتاء في موعده ولم يسمع أحد لاقتراح كمال حسن على بتأجيل الاستفتاء
أراد النبوي من مهمته تلك أن يضمن وجوده فى السلطة بقية عمره جريا على طريقة المغيرة بن شعبه عندما أحس بنية معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه لعزله عن العراق فقام إليه ذات يوم وأشار عليه بأن يعطى ولاية العهد لولده يزيد وكانت الفكرة لم تخطر لمعاوية قبل المغيرة لصعوبتها .. فأشار عليه المغيرة بالطريقة التي يستخلف بها ولده ويجمع البيعة له من مختلف الأمصار بأن يدعه يأتى له ببيعه العراق وعندما يري الناس البيعة قد توافدت لن يمتنعوا مع الترغيب والترهيب
فثبته معاوية على ولاية العراق وكلفه تنفيذ خطته لإتمام الأمر ليزيد من بعده .. وذهبت نية معاوية بالطبع فى عزل الغيرة أحد دواهي العرب الأربعة بسبب فكرته

لكن التاريخ لم يعد نفسه مع النبوي فلم يكن الرئيس مبارك وقتها ليقبل بوجود شوكتين فى الظهر كل منهما على وزارة من أخطر وزارات السيادة ويتعاملون معه باعتبارهم شركاء حكم لا وزراء تابعون
واكتفي الرئيس مبارك بالمشير القدير محمد عبد الحليم أبو غزالة
وعندما آن الوقت لاختيار وزير جديد للداخلية .. اختار اللواء حسن أبو باشا رجل مباحث أمن الدولة الذي تم هضم حقه أيام السادات وعادت إليه مناصبه مع وزارة النبوي كمدير للأمن العام وكانت نزاهته معروفة وأدى دورا من أخطر الأخطار في مقابلة الجماعات الإسلامية
وتبدت الفطرة النقية لمبارك فى تلك الفترة أيضا عندما اختار أحمد رشدي بالذات للداخلية بعد أبو باشا .. بكل ما عـُرف عن هذا الرجل من استقامة وصرامة
وتأكدت تلك الفطرة مع التصريح الذي طلبه اللواء أحمد رشدي صراحة من الرئيس مبارك بالسماح له بالعمل دون محاذير تخص أي شخص أو فئة ..
وكان التكليف مشجعا ..
فأشرف اللواء أحمد رشدي بنفسه على عملية الحرب التي أعلنها فى مؤتمر صحفي .. وبدأت بدراسة ملفات تجارة المخدرات والعقبات التي تعيق النفاذ إلى مصادر تمويلها الكبري ..
واكتشف اللواء أحمد رشدي لدهشته أن حيا من أفقر أحياء العاصمة المصرية القاهرة هو حي
" الباطنية " هو المركز والعصب الرئيسي لتجارة المخدرات بمصر كلها !!
فبهذا الحي الضيق المتميز بكثرة تفرعاته تنصب المخدرات الآتية من شتى أنحاء العالم ومن بؤر التصنيع المحلية على يد كبار المهربين لتبدأ رحلتها مجددا من الحي إلى حيث تجار التجزئة
وبالرغم من عشرات بل مئات الحملات التفتيشية التي قامت بها مباحث مكافحة المخدرات على الحي إلا أن هذه القوات الضخمة لم تفلح ولو لمرة واحدة في ضبط واحد من بؤر التجارة الجهنمية أو الإيقاع بواحد من حيتان السوق فيها ..
فلما درس أحمد رشدي الملفات بحثا عن مبرر منطقي لكيفية فشل رجال الشرطة فى العثور على المخدرات .. خلص بعقلية رجل أمن الدولة القديم إلى أن هناك تواطؤ مكثف من بعض رجال الشرطة حتما وإلا كيف تصل معلومات قيام الحملات قبلها بفترة لتختفي المخدرات في دقائق وهى التي كانت تباع علنا في شوارع الباطنية وأزقتها ويقف المدمنون في صفوف ينتظرون جرعتهم
وشكل الوزير فريق العمل الذي اختار على أعلى مستوى واكتشفوا ببساطة مرعبة أن جميع رجال الشرطة السريين المبثوثين كمرشدين للمباحث في قلب الحي هم الذين يتولون عملية تحذير مافيا المخدرات لتتخذ أهبتها وتختفي في سراديب غير معلومة
وتم إعداد خطة متقنه على طريقة عمليات المخابرات لا عمليات الشرطة وتم توجيه الأوامر لجميع رجال الشرطة المتواجدين بالحي بحجة عقد اجتماع مع الوزير الجديد .. وبمجرد أن تم التأكد من خلو الحي من المرشدين القدامى .. انطلقت قوات الشرطة فى عرباتها المصفحة ولم تعلم بطبيعة اتجاهها ومهمتها إلى في الطريق إلى حي الباطنية بالفعل ضمانا للسرية الكاملة
وتساقط رجال مافيا المخدرات كالذباب في واحدة من كبري عمليات المباحث ضد تجار السموم
وكان للعملية وقعها المؤثر دون شك ..
إلا أنها وعلى الرغم من تأثيرها لم تكن إلا مجرد البداية لما أراد أحمد رشدي الوصول إليه
فإنهاء تلك التجارة لم يكن يقتصر فقط على إنهاء أسطورة الباطنية بدك معاقل تجار المخدرات بها وإقامة الشرطة على نحو دائم بالحي الشهير
بل إنها كانت ضربة البداية اللازمة لإرجاع هيبة الدولة إلى تلك البؤرة بمنع ظواهر الانفلات الأمني الرهيب الذي تبدى في تجارة المخدرات وبيعها علنا
وكانت التثنية في تطهير إدارة مكافحة المخدرات بالوزارة وضم عناصر نشطة جديدة إليها يجهلها المهربون الذين بلغت قوتهم أنهم جمعوا ملفات لكبار ضباطها وصغارهم !!

وكانت الضربة الثالثة إعادة تشكيل وتخطيط أسلوب رقابة المنافذ التى تأتى المخدرات عبرها .. وانطلقت قوات الشرطة والمكافحة تغلق الطريق أولا فى وجه الزراعة الداخلية لنبات الخشخاش والتى تركزت فى سيناء بشكل أساسي ..
ومن ناحية المطارات والمنافذ البرية والبحرية .. أدخل أحمد رشدى لأول مرة أسلوب استخدام الكلاب البوليسية المدربة فى التفتيش والفحص
إضافة إلى استمراره فى معالجته قضية المخدرات باعتبارها قضية أمن دولة لا قضية جرائم جنائية .. وبالتالي شهدت المعركة أساليب أقرب لأساليب لعمليات المخابرات ورد الصاع لشبكات تجارة المخدرات عن طريق اختراقهم من داخلهم بعملاء ومرشدين مدربين وعلى مستوى الضباط لا المرشدين التقليديين من صف الضباط وغيرهم .. فأصبحت الآية معكوسة ..
الشبكات تم اختراقها وعجزت فى نفس الوقت عن مجاراة أحمد رشدي فى أسلوب حصوله على المعلومات ..
وكانت النتيجة أن أعلنتها شبكات تجارة المخدرات حربا ضروسا ضد هذا الوزير الذى قطع عليهم كل سبيل وعلى نحو لم يستطع وزير من قبله أن يتبعه ..
ولا يمكننا هنا بالطبع أن ننسي أن الزعماء الكبار والممولين كان منهم بعض كبار المسئولين فى الدولة وفى مواقع مختلفة أيضا ..
وكان أن وجدت شبكات التهريب نفسها وقد تقلص نشاطها إلى أدنى مستوياته مما سبب لهم خسائر بالملايين ..
فاتخذت الشبكات قرارا مصيريا يعوضها عن تلك الخسائر باتباعها لطريقين رهيبين

الأول
تغيير النشاط من المخدرات البسيطة إلى الأنواع الثقيلة .. البودرة بأنواعها من مشتقات الأفيون
وذلك لصعوبة كشفه من جهة .. ولارتفاع منسوب أرباحه إلى عدة أضعاف ..
الثاني
تكثيف التعاون مع الجهات الخارجية وهو الأمر الذى كان نوعا ما مقصورا على العملاء الرسميين للدول الأجنبية .. فلما وجدت أجهزة المخابرات المعادية إمكانية وسهولة الاتصال بشبكات التهريب مواتية نتيجة لحاجتهم الماسة إلى الدعم ..
وفوجئ أحمد رشدي بهذا التطور الفادح ..
وغرقت البلاد فى الأنواع المدمرة من السموم المخدرة الغير تقليدية وشهدت البلاد منها أنواع البودرة المختلفة بكثافة أكبر من ذى قبل إضافة إلى أنواع جديدة منها لم تعرفها البلاد من قبل ليظهر بمصر لأول مرة مافيا الأدوية المخدرة .. من الأنواع البسيطة كحبوب ومسكنات جدول المخدرات إلى الماكستون فورت
ولم يتمهل أحمد رشدى بعد أن بلغه التطور الجديد .. فقام بتكثيف المراقبة على نحو أشد على جميع المنافذ .. وأدت الكلاب المدربة دورها بعد إعادة تدريبها على الأنواع الجديدة .. وشدد الرقابة على شركات الأدوية وعلى الصيدليات ..
كما زاد من تكثيف المراقبة على التجار والممولين باستخدام عناصر كانت من داخلهم وتم إعادة تأهيلهم ومكافأتهم نظير التعاون ..
واستمرت الحرب على حافة الاشتعال طيلة فترة ولاية أحمد رشدى ..
وبدا للمراقبين أن هذا الوزير الفذ على وشك تحقيق انتصار ساحق على تجارة المخدرات ..
واضطربت أعصاب مافيا المخدرات والمتعاونين معها ..
وألقوا ببصرهم على امتداد الرؤية طمعا فى حادثة تقلب مجرى الأمور والحوادث

وكان هؤلاء ثانى المترقبين ..

معركة الأمن القومى
على الرغم من أن معركة المخدرات كانت عبارة عن معترك حقيقي للانشغال إلا أن هذا لم يمنع أحمد رشدى من تفعيل دور مباحث أمن الدولة وأجهزة الوزارة المختلفة لتحجيم ومنع نشاط المخابرات الأجنبية والمنظمات المختلفة داخل البلاد ...
وكانت تلك الفترة الساخنة فى منتصف الثمانينات مثار اهتمام عاصف من مختلف الأنظمة .. وتحت سعى النظام المصري لتأمين البلاد فى ظروف بالغه الحساسية .. أفرزت الجهود عن شبكات تجسس ومخططات خارجية لضرب الأمن واستقرار البلاد بمختلف وسائل الإرهاب
ومن المؤسف أن العديد من عمليات النجاح التى صادفها الأمن المصري ما زالت طى الكمان إلا فيما ندر
لكن من حسن الحظ أن إحدى أقوى عمليات الأمن المصري فى ذلك الوقت تم الكشف عنها بحينها ..
ليس هذا فقط ...
بل تم إخراجها تليفزيونيا بحيث صارت العدسات عاملا رئيسيا فى تتابع القصة
حتى أنها داعبت خيال أهل السينما فتم تناول القصة بفيلم سينمائي شهير من بطولة إسعاد يونس وسهير البابلي وقام بدور الوزير أحمد رشدى فيها الممثل المصري نظيم شعراوي وقام بدور ضابط أمن الدولة المختص بالقضية الممثل المصري الراحل صلاح قابيل
وأعنى بها عملية البكوش

عملية عبد الحميد البكوش


من المعروف .. أن الصراعات العربية ـ العربية .. لا تتخذ طابعا إعلاميا فى العادة .. كما لا تتخذ طابع التخابر بطبيعة الحال .. على اعتبار أن الأمور مهما زادت بين أطراف عربية فلا توجد مبررات منطقية لتصعيد الصراع لعمليات الإرهاب والتخابر ..
إلا أن لكل قاعدة استثناء .. والاستثناء هنا مؤسف قطعا ..
ومن قبيل المصادفات والمفارقات الغريبة .. أن عمليتين متشابهتين شكلا ومضمونا جرت وقائعهما بين بلدين شقيقين كانت مصر عاملا مشتركا فيهما والفاصل الزمنى بينهما أكثر من خمسة وعشرين عاما
العملية الأولى عملية عبد الحميد السراج والثانية عبد الحميد البكوش وكلتا العمليتين كانتا مختصتين باغتيال الشخصية المرصودة .. وكلتا العمليتين .. وقفت فيهما مصر موقف المدافع عن الضحية .. وكلتا العمليتين انتهتا بفشل المخطط ونجاح الجهود الأمنية المصرية فى إنقاذهما .. وكلتا العمليتين كانت الضحية فيهما شخصية مسئولة وحكومية كبيرة فى بلدها فى نظام سابق على النظام الذي رصدها للاغتيال
وكلتا العمليتين نفذهما بنجاح مبهر أحد رجال الأمن المصريين المشاهير العملية الأولى نفذها رجل المخابرات الأسطوري محمد نسيم والثانية نفذها الوزير أحمد رشدى
الفارق هنا أن وقائع العملية الأولى جرت في سوريا والأردن ولبنان .. وعاد فيها عبد الحميد السراج إلى مصر كما سبق رواية أحداثها في معرض الحديث هنا عن رجل المخابرات المصري محمد نسيم
بينما العملية الثانية جرت وقائعها في مصر ..


عبد الحميد البكوش .. رئيس الوزراء الليبي الأسبق .. اللاجئ السياسي لمصر فى تلك الفترة ..
وصلت إلى جهاز مباحث أمن الدولة المصري معلومات مؤكده وبالتفاصيل عن مخطط محكم لاغتياله بالقاهرة وتم تكليف منظمة إرهابية أوربية شهيرة للقيام بالعملية نظير مبلغ ضخم تم سداد نصفه نقدا للمنظمة باليونان وتبقي النصف الآخر لما بعد التنفيذ
ولخطورة الأمر .. تم إبلاغ الوزير أحمد رشدى انتظارا لرؤية القيادة السياسية في العملية وان كانت الرغبة مع إلقاء القبض على فريق الاغتيال فور وصوله أم تتبع العملية والخروج بقضية كبري وجاءت الأوامر متفقة مع وجهة نظر الوزير ...
وتم التخطيط للخروج بعملية ناجحة ومتكاملة ..
وبناء على خطة الخداع المبهرة التى تمت .. تم السماح لعنصري المنظمة الذين وصلا للتنفيذ بالدخول وتم وضعهما تحت الرقابة المحكمة .. وتُركا يمارسان خطتهما بكل حرية .. وتم الدفع بضابطين من ضباط أمن الدولة للاتصال بهما وإيهامهما أنهما ضابطان منشقان عرفا من جهازهما بالعملية التى قدما لانجازها .. وصرح الضابطان لهما أنهما على استعداد للقيام بتلك المهمة نظير المبلغ المحدد للعملية
ولا يمكن بالطبع أن يلام عضوى المنظمة على تصديق ادعاء الضابطين ..
فالمنظمة المحترفة كانت تلم بمعلومات كاملة عن جهاز الشرطة المصري وتعرف مدى الترهل الذى أصيب به قبل وأثناء حادث المنصة إضافة إلى أن جهاز المباحث تحديدا لم يكن يركز على العمليات الخارجية مع انشغال الوزارة وأجهزة الأمن بملف عمليات الإرهاب الأصولي وعمليات تجارة المخدرات مع مقدم الوزير الجديد أحمد رشدى
وثمة سبب آخر كان داعيا للأمن والتصديق من المنظمة الشهيرة .. وهى أن أسلوب الشرطة المصرية والذى لا يختلف عن أساليب الشرطة التقليدية لم يكن يركن أبدا لأساليب التخابر والسعى لقضية متكاملة وعملية مبهرة على المستوى الخارجى
ومد حبال الصبر مع عملية مكشوفة كعملية البكوش فالمفروض بالمنطق أن أجهزة الأمن لو عرفت لما أرسلت الضابطين للخداع .. بل حتما كانت ستتخذ التدابير اللازمة لإفشال العملية والقبض على المنفذين .. فهذا الأسلوب قاصر على عمليات المخابرات فقط .. فأجهزة المخابرات فى المقام الأول يهمها توجيه ضربة قاصمة للخصم عن طريق الصبر والمتابعه وعدم إظهار ما تملكه من معلومات حتى تستوفي العملية ثمارها من المنفذين والمخططين .. ولهذا فأجهزة المخابرات عندما تكتشف جاسوسا أو رجل مخابرات معاد .. من الممكن أن تتركه يواصل عمله وتضعه تحت المراقبة لمدد طويلة ومتفاوتة وتستغل تصورات الأمن لديه للاستفادة منه ولا تنهى العملية بإلقاء القبض عليه إلا بعد استنفاد الغرض منه
لهذه الأسباب اقتنعت المنظمة بصدق نية الضابطين وتم مد جسور التعاون بينهما بالفعل ..
وحاز الضابطان نصف المبلغ مقدما عن العملية ونفذاها بالفعل وتم اغتيال البكوش أمام عينى عميلي المنظمة الذين تابعا جسد البكوش الغارق فى دمه قبل أن يودعه الضابطان أحدى المقابر المهجورة ويسرعا مع العميلين بالهرب .. بعد أن سمح الضابطان لعميلي المنظمة بالتقاط الصور الفوتوغرافية لجثمان البكوش ..
وبعد التنفيذ رفض الضابطان السماح للعملين بالرحيل قبل أن يتقاضيا بقية المبلغ المتفق عليه .. وأتى المبلغ مع عميل المنظمة الثالث الموجود فى اليونان ..
وعندما أتى العميل الثالث بالمبلغ وجد الشرطة فى انتظاره وتم إلقاء القبض عليه ومصادرة المبلغ ليلحق بزميليه رهن الاعتقال وهو بادى الذهول عندما اكتشف الخدعه التى وقعت فيها منظمته

وفى مؤتمر صحفي وتليفزيوني عالمى لوزير الداخلية اللواء أحمد رشدى يشرح تداعيات العملية ..
إلا أن الجمع المتكاتف من عدسات التصوير ومندوبي الصحف القادمين فى الأساس لسماع خبر وأسباب اغتيال اللاجئ السياسي عبد الحميد البكوش خاصة مع إعلان الصحف فى الأيام السابقة عن نجاح عملية الاغتيال وتم نشر صور الضحية بالفعل
فوجئ العالم كله بوزير الداخلية مبتسما وهو يلقي التحية على جمع المندوبين وأمام كاميرات التصوير مد الوزير يده إلى باب مجاور وسحب شخصا ما .. فإذا به اللاجئ السياسي المغتال ووقف البكوش أمام عدسات التليفزيون سليما معافي يستقبل نظرات الذهول .. وتضاعفت شعبية الوزير الأسطورى الذى كان عصره عصر تألق أمنى وتكاتف شعبي ـ شرطى غير مسبوق .. وبطبيعة الحال ترصدت القوى الدولية التى فشلت عملياتها بسبب أحمد رشدى وكان داعى همها وجود هذا الرجل فى منصبه

وكانت تلك الفئة هى الفئة الثالثة المنتظرة والمترقبة

قصة السقوط

لم تكن تلك الفئات التى أصاب رشدى مصالحها فى مقتل تركن وتنتظر وهى مكتوفة الأيدى بالطبع ..
وما كان وقوف أحمد رشدى منفردا فى ساحة من الذئاب ليجدى إلا لو تكاتفت حوله قوى تعاونه من مختلف القيادات .. وهو ما لم يحدث للأسف لطبيعة الفساد الذى أصبح هو الأصل وتراجع الحق لتخذ مرتبة الاستثناء
وتعددت العداوات بين البسيط والفادح لهذا الوزير وكلها أخذت تتحرك منفردة أو متعاونة لضرب هذا الوزير العقبة بأى شكل .. والملاحظ قطعا أن كل فئة من تلك الفئات الكبري كان لها الأعوان والقوى ما يجعل الواحدة منها كفيلة بالاطاحه بنظام كامل إن أرادت
فبداية كان ضباط الوزارة الكبار من العينة التى كانت تؤيد التسلط والنفوذ .. ممن لم يرضيهم قطعا إيقاف الوزير لهم عند حدود عملهم فقط
ورجال المال والأعمال أصحاب التحالف بين رأس المال والسلطة لتكوين قوى الفساد الاقتصادي الكبري وهم فئة من أكبر فئات المجتمع قوة وقدرة لسيطرتهم المتشعبة على مختلف مصادر الاقتصاد والنفوذ
وكان هناك الممولون الكبار لتجارة المخدرات والمهربين المتسترين خلف تغطيات مختلفة ونفوذ دولى واقليمى واسع
وليست هناك حتى الآن وعلى الرغم من مرور ما يزيد عن عشرين عاما معلومات واضحة أو حقائق مؤكده عن مسئولية فئة منهم منفردة أو مسئوليتهم مجتمعين عن تلك المؤامرة التى أطاحت برشدى من منصبه فى صدمة قاتلة للجميع

غير أن المؤكد والشاهد هو أن تلك الأحداث المعروفة باسم أحداث الأمن المركزى والتى كانت السبب الرئيسي فى إقالته لم تكن أبدا كما حاول أن يصورها البعض عبارة عن أحداث واقعية ومنطقية
لا سيما وأن الفئات التى أضرها رشدى جعلت همها الحقيقي بعد الأزمة تشويه أحمد رشدى وانجازاته وعصره الذى شهد به الكبير والصغير وتعاونت تلك القوى على تغييب اسم الرجل تماما بعد رحيله حتى أنهم نجحوا بالفعل فى جعل اسمه منسيا ومهملا بالرغم من أن فترته كانت ولا زالت محفورة بقلوب من حضرها على جميع المستويات
فتعالوا نتعرف كيف كانت المؤامرة

أحداث الأمن المركزى
بدا أمر تلك الأحداث وكأنه عود من الثقاب اشتعل فجأة فى محيط من الوقود وانتشر بسرعه مذهلة وغامضة تفوق قدرة المتابعين على استيعابه وتفوق أيضا التتابع المنطقي لحدث فى حجمه
ففجأة .. وبدون أي سابقة تمهيد بلغ الوزير أحمد رشدى أن معسكر الأمن المركزى بالهرم سرى فيه نوع من التمرد ؟!!
ولما كان الحدث غير مسبوق وغير مبرر والأخطر أنه كان منذرا بعاصفة من الفوضي مع خطورة هذا القطاع الذى تم تشكيله أيام السادات كقوة عسكرية تنتمى للشرطة لمعاونتها فى مجابهة أحداث الإرهاب التى احتاجت إلى إمكانيات قتالية لم تكن الشرطة التقليدية بقواتها العادية بقادرة على مجابهتها .. فلزم الأمر إنشاء قطاع متخصص يحتوى على القوة اللازمة كما وكيفا وتدريبا يتبع الشرطة باعتبارها المختص بأعمال الأمن الداخلى وكذلك لمنع اللجوء للقوات المسلحة للعمل داخل البلاد باعتبار أن الأمن القومى يقتضي بقصر نزول الجيش للشارع إلا فى حالات بالغه الندرة لكون المؤسسة العسكرية تختص بالأمن الخارجى ولا يحبذ إقحامها داخليا وإلا كانت صورة النظام الحاكم غير مرغوبة أمام الجماهير باعتباره نظاما عسكريا أو غير قادر على حماية شرعيته

ويمكننا بالطبع مدى فداحة القلق الذى استبد بالوزير عندما علم ببداية التمرد إذا عرفنا ما هي هوية الأمن المركزى وكيفية اختياره
فقطاع الأمن المركزى يتم تغذيته من دفعات المجندين المتقدمين للخدمة العسكرية ويتم إلحاقهم بالشرطة لتأدية خدمتهم العسكرية كجنود شرطة لا جنود جيش
واختيارهم ـ وهذا هو الفادح فى الأمر ـ يكون له شروط تتمثل فى انعدام المستوى التعليمى والثقافي أى من الفئة الشديدة الأمية البسيطة من المتكاملين جسدا ولياقة والتى تكون ذات مستوى ذكاء محدود للغاية
وذلك حتى يمكن السيطرة عليهم باعتبارهم آلات بشرية تتحرك بأوامر قادتها دون أدنى تفكير أو مناقشة
ويتم إعدادهم وتدريبهم على أعلى مستوى قتالى وتسليحهم بالأسلحة الأتوماتيكة والعسكرية البسيطة فى بعض الأحيان .. وتكون لهذا القطاع معسكراته الخاصة وهى أربعه معسكرات فى القاهرة الكبري ومعسكر فى كل منطقة أو قطاع من الدولة

ولا يتحرك الأمن المركزى من معسكراته إلا بأوامر من القيادات العليا للشرطة بخلاف تلك القوى المركزية التى تعمل على حراسة المبانى والمنشآت والهيئات الحساسة والتى تتواجد بها قوة من الأمن المركزى بصفة دائمة
وجنود بتلك القوة الغاشمة وهذا الانعدام فى الإدراك والتفكير لا يمكن تصور فداحة تمردهم لأنه سيكون فى تلك الحالة عبارة عن تمرد ثيران هائجة من المستحيل السيطرة عليها

وعندما هتف الوزير فى مساعديه متسائلا عن سبب التمرد وحدوده .. جاءته الإجابات متخبطة فى معظمها أثارت غضبه أكثر فأرسل لقائد الأمن المركزى والذى أتى من فوره مطمئنا الوزير أنه تمرد بسيط جارى السيطرة عليه وأن سببه اشاعه قوية انتشرت بين صفوف الجنود عن نية الوزير فى مد خدمتهم إلى سنة رابعة عقب انتهاء فترة الثلاث سنوات التى من المفترض أن تنتهى بها مدة خدمة الجندى
ولم يكن هناك وقت للدهشة أمام الوزير .. وهو يتساءل عن كيفية تفجر تلك الاشاعه غير الصحيحة جملة وتفصيلا
وعلى الرغم من طمأنة قائد الأمن المركزى لوزيره إلا أن عقله لم يهدأ وفضل أن يتابع الأحداث من موقعها مهما كانت المخاطر
وفى الوقت نفسه كانت الأحداث تتصاعد إلى نذر عاصفة عندما انفع جنود معسكر الهرم إلى الشوراع المحيطة بتلك المنطقة السياحية الهامة ليدمروا ما يعترض طريقهم فى عنف ووحشية وثورة .. وتحولت المنطقة إلى فوضي عارمة .. وتحطمت عشرات السيارات والحافلات والمحال وواجهات الفنادق الكبري وانتشر الذعر بشكل مكثف وسقط العديد من الضحايا .. كان من الممكن أن يتضاعف عددهم لولا أن تمكن قائد إحدى الحافلات السياحية الضخمة من الفرار سليما بركاب الحافلة
وانتقل التمرد فى وقت قياسي إلى المعسكر المجاور بالجيزة ومنه إلى مختلف معسكرات القاهرة ثم بعض معسكرات المحافظات الكبري كأسيوط

وانتقلت الأزمة إلى العلام الذى نقل الوقائع إلى مختلف الشاشات اقيليمة وعالمية والى مختلف الصحف مما أنذر بتزايد أثر الانفلات الأمنى
وكانت كلمات قائد الأمن المركزى الخادعة للوزير سببا فى التحرك بما يوازى سرعه الأحداث
وهنا تحركت الجهات السيادية وعلى رأسها مؤسسة الرياسة لضبط الأمر
وانطلقت مروحيات الهليوكوبتر حاملة معها منشورات تؤكد كذب الشائعة وتم إلقائها على جموع الجنود الثائرين دون فائدة ؟!!
وهنا لم يعد هناك بد من اللجوء لحل جذرى قبل أن يفلت الزمام أكثر وأكثر
وصدرت الأوامر للمشير أبو غزالة وزير الدفاع بالتدخل .. فأصدر الوزير أوامره بنزول عدد من وحدات الصاعقة القتالية وبعض وحدات المدرعات لإقرار الأمن والسيطرة على الموقف
وكانت الأوامر صادرة باستخدام السلاح حال مجابهة نيران من المتمردين وعدم استخدام السلاح مع غير المسلحين
وانطلقت وحدة مدرعة إلى معسكر الأمن المركزى بالهرم الذى شهد بداية الكارثة واعتصم به العديد من الجنود المسلحين وتعاملت قوة الجيش بسرعه وقوة وسيطرت على الموقف لفارق الإمكانات التدريبية والتسليح
كما انطلقت كتيبة من الصاعقة إلى مختلف الشوراع التى شهدت فوضي الجنود وفى خلال ساعات محدودة تمكن أفراد القوة من التعامل مع أفراد الأمن المركزى بالقتال اليدوى طبقا للأوامر الصادرة لمواجهة المتمردين العزل من السلاح
وكانت المعارك القتالية فى قلب شوراع العاصمة لافتة لنظر من شهدها خاصة مع تميز أفراد الصاعقة فى التدريب القتالى الذى حسم الأمر بالقطع رغم ضخامة أجساد جنود الأمن المركزى والذين تطايروا أمام ضربات رجال الصاعقة على حد قول شهود العيان
وبعد السيطرة على الأمر أمنيا من جهات عليا تم إنقاذ الوزير أحمد رشدى الذى غامر بالذهاب منفردا بمقر معسكر الهرم فتلقفه بعض الجنود الثائرين بالحجارة وما تدركه أيديهم وكان الوزير الخالى من الحراسة معرضا للقتل بمنتهى البساطة لولا أن أدركته القوات الخاصة فى الوقت المناسب والدماء تفجر من وجهه ..
إلا أن الدهشة وشعور الصدمة لدى الوزير كان يفوق بمراحل الدماء المتفجرة .. لأكثر من سبب
كان يتساءل عن مصدر الشائعة وقوتها فى تحريك غضبة الجنود وكان مذهولا من استقبال الجنود له وهو الوزير الشعبي بهذا الشكل وأيقن تماما بغموض محرك الأحداث
ثم عض شفتيه قهرا وألما وهو يتذكر كلمات قائد الأمن المركزى وكانت كلماته لهذا الأخير عندما رآه معبرة تماما عن صدمته
" إن ما حدث كان مؤلما .. إلا أن ما آلمنى أكثر خديعتك لي وأنت تقول بسيطرتك على الأحداث "

وفور هدوء الأحداث اجتمع الرئيس مبارك مع جنود الأمن المركزى فى معسكراتهم لتلطيف الأجواء .. وأصدر أوامره بسرعة التحقيق فى الأحداث .. وتفجرت حقائق لافته فى التحقيقات كان منها شهادة بعض الجنود الذين رفضوا التورط فى التمرد فى معسكر الهرم بتعرضهم لضغوط وتهديدات بعض زملائهم لإجبارهم على المشاركة .. كما ظهرت بعض المنشورات التى تم توزيعها من مصادر مجهولة على الجنود وكانت تحتوى على تأكيدات بخبر مد الخدمة لعام إضافي
وصدر القرار بإقالة الوزير .. وتحميله مسئولية الأحداث !!!
وتحقق الهدف الذى سعت إليه معظم الجهات المتضررة من رشدى .. والتزم اللواء أحمد رشدى الصمت التام ورفض الحديث عن الوقائع وعن الإقالة مكتفيا بشعور الصدمة واعتكف فى بيته تقريبا بالرغم من وجود تعاطف شعبي ورسمى معه لكنه كان تعاطفا بلا فائدة
وما زالت تلك الأحداث والوقائع غامضة فى أكثر حقائقها وكيفية تحريكها وتناثرت الشائعات قوية عن التواطؤ الكبير ضد الوزير وعمد تحميله الأحداث .. وهو قطعا يتحمل المسئولية لكن إن كانت تلك الثورة قائمة على أسباب ووقائع منطقية وهو ما تنفيه الأحداث
كان من دلائل الابتهاج لخروج الوزير ..
فرحة تجار المخدرات الذين احتفلوا بخروج رشدى بأسلوب مميز عندما نزل الأسواق صنف جديد من مخدر الحشيش أطلق عليه صغار الموزعين اسما لافتا وهو " باي باي رشدى " !!

وأسدلت الستائر على قصة هذا النابغ المتفرد .. والصقر الذى حلق خارج السرب فكان لزاما إيقافه
وانتهى عصر الوزير الذى خالف القانون .. لأجل القانون
خالف قانون العصر .. لأجل قانون الشرعية






التوقيع

الإيميل الجديد
 
رد مع اقتباس
قديم 29-03-2007, 05:08 AM   رقم المشاركة : 53
معلومات العضو
محمد جاد الزغبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية محمد جاد الزغبي
 

 

 
إحصائية العضو






محمد جاد الزغبي غير متصل


افتراضي مشاركة: شخصيات مصرية .. أسرت النبوغ

الإمام الشعراوى
" النور الذى شق السماء وعاد من الهداية بالمزيد "

بسم الله الرحمن الرحيم
" من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه .. "
صدق الله العظيم ..


وإنا نحسبه والله عند الله على خير .. ولا نزكى على الله أحدا ..
انه الإمام محمد متولى الشعراوى الداعية الاسلامى الأشهر فى القرن العشرين .. والذى طبقت شهرته الآفاق بشعبية غير مسبوقة فى العصر الحديث باعتباره أحد أعلام الدعوة الأفذاذ على مر العصور ..
وبالرغم من ذلك .. فقد خفيت جوانب كثيرة من صفاته الإبداعية ومواهبه وكنوز شخصيته الفريدة إلا عن الخاصة دون العامة ..
فلم يكن العملاق الراحل رجل دعوة وتفسير فقط .. بل كانت شخصيته واحدة من الشخصيات المتعددة الأبعاد بحيث عجز وصف الداعية على استيعاب سائر صفاته .. فقط وحده لقب المفكر الاسلامى قد يحتويه ..
فالرجل فى فكره ومواقفه لم يكن قاصرا على مجال العقيدة ومعالجتها فقط بل امتد ببصيرته قبل بصره إلى شتى المجالات الفكرية والاجتماعية واضعا نفسه فى قلب كل حدث .. مـُطلقا فى كل حادثة حديث ..
لم تهن عزيمته لحظة .. ولم يركن لخوف أو إغراء .. وحاول خصومه جهدهم معه .. لكنه بقي عـَـلـَما فى كل قلوب محبيه
كان رحمه الله عظيما .. كما عرَف بنفسه مقياس العظمة حين قال ..
" إن مقدار عظمة المرء تكون بمقدار المسافة بين حب محبيه وبغض مبغضيه "
فرحمه الله من شخصية أعادت عهدا .. لا زلنا نتنسم شذاه عبر أفق التاريخ

بادئة النبوغ ..

إن العبقريات تتسم بعدة شواهد وصفات يجب أن تتوافر لها لكى تكتمل صورتها فتنطلق معبرة عن نفسها ..
فبدايةً .. يكون التمرد والانطلاق من أهم سمات العبقري فى بداية حياته فالعبقرية بطبيعتها كما يقول الإمام الشعراوى تموت بقص أجنحتها وحريتها فان كـُبحت فى مجال ماتت فى بقية المجالات ..
ومع الحرية يجب أن يتوافر لها ولى الأمر القوى القادر ذو النظرة على إدراك النبوغ .. ولذلك نرى أغلب العبقريات التى أفصحت عن نفسها فى شتى المجالات .. كانت تحت تأثير أب واع أدرك بحسه النابغ ما لابنه من نبوغ فأعطاه حق تلك الموهبة ..
مثال ذلك والد الإمام الشعراوى .. ووالد الأديب الكبير يوسف السباعى .. ووالد المفكر العملاق محمد حسنين هيكل وغيرهم
ووالد الإمام الشعراوى هو الجندى المجهول أو المعلوم فيما بعد وراء تأسيس ولده النابغة حيث تمكن هذا الرجل البسيط بما أتاه الله من قدرة على تنسم أفق المستقبل فى ولده فصمت وصبر على عناد الطفل المتمرد وأصر بالرغم من المعاناة على بذل الغالي والرخيص لتبصير ولده بنفسه أولا ثم تبصير العالم به فيما بعد ..
والد الإمام الشعراوى هو المعلم وصاحب الفضل بعد الله سبحانه وتعالى فى تمهيد الطريق للإمام محمد الشعرواى ليتبوأ مكانه إمام القرن الذى هدى به الله ودفع عن العقيدة والفكر الإسلاميين شوائب الانحراف فى عالم متغير
وما أكثرها الأيام والمواقف التى خاضها الشيخ متولى الشعراوى الفلاح البسيط وتحملها دون مللٍ أو كدر مقتنعا بحق .. أنها ضريبة العبقرية التى قرأها فى ولده .. وتلك المواقف هى التى شكلت شخصية الفتى محمد الشعراوى ودفعته تحت رعاية والده لآفاق لم يكن يراها بعين الأمل غير هذا الأخير ..


مواقف صنعت النبوغ


عندما اصطحب الشيخ متولى ولده الطفل الذى أتم حفظ القرءان لاختبار القبول بالمعهد الدينى ..
وكان الطفل متمردا ورافضا لدخوله المعهد لم يجد حيلة لإثناء والده عن هذا الأمر غير اعتزامه الفشل عمدا فى اختبار القبول ودخل الطفل العنيد إلى لجنة الاختبار وكان عليها أحد الشيوخ الأجلاء ممن كان لهم أبلغ الأثر فى حياة الإمام فيما بعد
وعندما سؤال الطفل الحافظ للقرءان عما يحفظه كان يتعمد فى الإجابة أن يتلو الآيات بطريقة الإسقاط بمعنى أنه كان يقرأ الآية ويتجاوز التى تتلوها ثم يقرأ ما بعدها وهكذا .. فتنبه الشيخ المختبر لتلك الأخطاء وبدت له أنها أخطاء متعمدة من طالب يحفظ جيدا آيات القرءان الكريم لكنه يتعمد التفويت .. فصرخ فى الطفل لينتهى وبعث لوالده الشيخ متولى وقال له ..
" ولدك يقرأ آية ثم يترك ما بعدها ويقرأ التالية .. وتلك دلالة على حفظه الجيد أولا .. وثانيا تدل على عدم رغبته فى خوض الاختبار ..
ثم ألقي نظرة صارمة على الطفل والتفت لوالده مكملا " احمل ولدك يا شعراوى .. فهو ناجح .. "
وذاق الشيخ متولى الأمرين وهو يقنع ولده بضرورة الانتظام وحب الدراسة .. مع المحاولات المتكررة من الطفل للهرب من الدراسة وتقيدها

عندما أتم الفتى اليافع محمد الشعراوى دراسته الأولية وحان الوقت لدخوله السنة الثالثة بالأزهر
وهو اليوم الذى تمناه والده .. كان للفتى رغبة بعدم الدخول أيضا وخطر له خاطر أن يثنى والده بطريقة غير مباشرة عن إصراره العنيف بضرورة الاستمرار بالأزهر بشكل لا يغضب والده ..
فطلب منه أن يأتى معه للقاهرة ليشترى له بنفسه الكتب المطلوبة لدراسته فى عامه الثالث بالدراسة .. وهناك بالقاهرة وفى مكتبة الاتحاد الكبري وقف الفتى اليافع ينتقي أمهات الكتب والمراجع الكبري فى الفقه والتاريخ تحت زعم أنها مقررات دراسته بعد أن اتفق مع صاحب المكتبة الشيخ محمد زكى على السكوت عند اختياره لتلك المراجع وهو الأمر الذى صـُعـق له الرجل لعلمه بتلك المراجع التى لا يقتنيها إلا شيوخ الأئمة ومنها " شرح نهج البلاغة لبن أبي الحديد " و " مجمع الأمثال " ..
وكان ظنه أن والده الفلاح البسيط لن يدرك حيلته لعدم علمه بالمناهج الأزهرية فعندما يتبين له أن تكلفة عام واحد من أعوام الدراسة بلغت هذا الحد فسيتراجع بلا شك .. وتتحقق أمنيته بالعودة لقريته دقادوس التابعة لميت غمر فى الريف المصري
غير أنه فوجئ بوالده يشترى له كل ما أشار إليه من قمم الكتب والمراجع ويدفع الثمن المبالغ فيه دون كلمة اعتراض واحدة بالرغم من الأزمة الاقتصادية الطاحنة المعروفة باسم " أزمة الثلاثينيات " التى ألقت بظلالها على العالم كله فى تلك الفترة .. وخابت آمال الفتى فى رفض والده .. واضطر لحمل المراجع التى اشتراها والتى قلما توجد عند شيوخ الفقهاء إلى الحجرة التى استأجرها له والده ليقيم بها
وهناك بالحجرة المستأجرة .. تطلع الوالد الحكيم إلى رتل المراجع وقال لولده فى هدوء ..
" إنها تحتاج تجليدا يقيها شر الضرر من الاستعمال المتكرر يا ولدى .. "
وبالفعل قام من فوره وأتى بأوراق التجليد وانشغل بتجليد المراجع طوال الليل وفى الفجر قام محمد مصطحبا والده إلى محطة القطار ليعود الوالد إلى قريته .. وبينما القطار يستعد للمغادرة .. ابتسم الوالد متولى الشعراوى لولده وقال له فى لهجة معبرة ..
" أريد أن أقول لك شيئا بسيطا لكن لا تتضايق .. فقد عز على أن تظن أن والدك مغفلا .. أنا أعرف جيدا أن ثمن مقررات دراستك لا يتجاوز ثمانية وثلاثين قرشا وأن ما اشتريته لك من كتب اخترتها لا علاقة له بمستوى دراستك الحالى .. لكنى اشتريتها لك .. وما كنت أقول لك هذا إلا لشيئ واحد وهو ألا تحسب أنك نجحت فى خداع والدك البسيط .. وفقك الله ونفعك بها "
نزلت الكلمات على رأس الفتى كوقع الصاعقة وهو لا يدرى بأى كلمات يرد .. فلم يكن يتخيل مدى حصافة والده الذى لم يمنعه إدراكه من تنفيذ رغبات ولده الجامحة .. ومطاوعته لما طلب كى يعطيه درسا بعد أن صار مدركا ..
ويمكننا القول بما لا يدع مجالا لشك .. أن هذا الموقف كان له أبلغ الأثر فى تفجر مـَـلَـكات الإمام محمد الشعرواى الذى لم يجد مفرا من الخجل الذى اعتراه أمام والده إلا أن يعكف على دراسة وقراءة كل ما اشتراه من أمهات الكتب وأقسم ألا يعود لقريته فى إجازة قبل أن يحوى كل ما فيها وهو ما وضح أثره هو بعد لا يزال طالبا بالأزهر ويحضر مجالس والده بالقرية مع عليه القوم ويبرز فيها متحدثا ومعلما .. لا سيما وأنه تأكد من أن والده سيروى لرفاقه من كبار الموظفين والأئمة بقريته ما كان من ولده ولا شك أن الإمام محمد أعد نفسه لجلسة سخرية عنيفة منهم إن هو ذهب إليهم لا يعرف شيئا عن تلك المراجع .. ولذلك عندما عاد لقريته كان مستعدا فتلقفه رفاق والده بالأسئلة وهو يجيب بهدوء وثقة أثار انبهارهم بها وبالطبع كانت دافع تقدير كاسح من والده
فى واحد من تلك المجالس .. وكان أحد معارف الوالد من أهل القرية رجلا بغيض الطبع لم يرقه ما يتمتع به طالب الأزهر الصغير من مكانه فقام بالترصد للفتى وكان قد علم بأن الشعرواى من المدخنين .. وبطبيعة الحال لم يكن والده يعرف بهذا العيب الخطير الذى كان ولا زال يعد كارثة فى الريف والصعيد المصريين بالنسبة لصغار الشباب
وبينما الإمام الشعراوى جالسا إلى جوار والده ومستويا فى جلسته كعادته إذا بهذا الرجل يخرج علبه سجائره ويمد يده إلى الحضور داعيا إياهم للتدخين ومنهم الإمام الشاب قائلا له فى لهجة ذات مغزى
" لا تتحرج يا مولانا من وجود والدك .. قم بالتدخين لا عليك "
فتغير وجه الشيخ متولى وان لم يشأ أن يبين هذا حفاظا على مكانه ابنه بين المجتمع .. فطوى على الأمر كشحا وكأنه مر مرورا عاديا وترك ولده يدخن سيجارته بشكل عادى جدا .. حتى أن الإمام محمد ظن وقع الأمر على والده وقعا عاديا .. وعندما جَـنَ المساء عاد الإمام إلى منزله وفى فمه سيجارة وما إن شاهده والده على تلك الهيئة حتى قام من فوره والتقط العصا التى كانت إلى جواره وأفرغ غضبه عبر ضرباتها التى وجهها إلى ولده النابغ وهو يصرخ مـُفهما إياه أن سكوته على هذا التصرف فى المجلس كان لأجل الحفاظ على صورة الشاب المتألق أمام الرجال فلم يكن لائقا أن يؤدبه وهو يستوى فى صدر المجالس واعظا ومعلما .. لكن هذا يعنى أن الأمر يمر عاديا حتى يتجرأ بالتدخين بالمنزل أمام والده ..
موقف آخر تبدى من الوالد المتمكن المدرك لمعنى الأبوة .. فقد كان عادة الريف المصري أن يلتحق كل أبناء فلاح بالفلاحة مهما كانت مجالاتهم وذلك فى خلال الإجازات الدراسية .. وهكذا كان من المفترض أن يعود محمد الشعراوى خلال الإجازة الصيفية ليشارك بقية إخوته فى أعمال الحقل .. لكن والده لم يكن ليرضي بهذا فقد كان يصر أن يسلك ولده أبواب المعرفة فى كل حين .. وتوصل إلى حل ماكر لكى يدفع عن قلوب أبنائه أى تطلع من جانبهم لأخيهم الشيخ الذى يقضي وقته فى أريحية بين كتبه بينما هم فى مكابدة الرزق مشتغلون .. فقام الوالد بنشر اشاعه مفادها أن وجه ابنه محمد وجه شؤم على الأرض فإذا جاء إلى الحقل حدثت كارثة واختلق لهذه الاشاعه ما يؤيدها فقام بكسر عدة أدوات حقلية وأفسد بعض أعمال الزراعة ليجد المبرر أمام بقية أبنائه لمنع محمد من نزول الأرض ..
وبالفعل نجح نجاحا مبهرا عندما اقتنع بقية أخوة محمد بهذا فتركوه لشأنه ..

تلك المواقف اللافتة تنم عن مدى الحكمة المتبدية فى هذا الرجل البسيط الذى كابد فلقي الجزاء فى ولده .. وكان أول الأعمدة التى أسست نبوغ الإمام محمد الشعراوى وصنعت منه أسطورة حقيقية خرجت من أفق الخيال حقيقة واقعه
والآن إلى المواقف التى أسست النبوغ عند الإمام الراحل


مواقف أسست النبوغ ..


عندما طرق الإمام الشعراوى باب الفتوة والشباب كان مثار انبهار من يحتك به فى هذا العصر وتلك الفترة من أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات .. هذا العصر الذى كان العامة فيه أشبه بمعمل صانع الجواهر .. كانت الجماهير خير مقوم ومقدر .. فما بالنا بالأعلام إذا ..؟
كان الطريق إلى الشهرة والريادة معروف فقط بمدى نبوغ صاحبه لا بمدى معرفته بأهل النفوذ ..!
هو العصر الذى فتح أبواب التألق أمام العمالقة من شتى المجالات فبرزوا رغم المنافسة القوية وهم بعد شبابا يتريض فى شوارع الإبداع
فتألق الشعرواى والعقاد وحافظ وأبي القاسم الشابي وناجى ومطران ومصطفي كامل ومحمد فريد وغيرهم وهو بعد فى شرخ الشباب ..
فالمجال كان مفتوحا أمام كل صاحب موهبة وفكر للانطلاق بأقصي طاقته فى مضمار سباق محكموه من أهل الفكر لا أهل الحكم ..
وفى تلك الفترة .. كان للإمام الشعراوى رحمه الله نشاطا سياسيا بارزا وكان هذا طبيعيا فى ظل ظروف هذا العصر الذى كان الفلاح فى أرضه سياسيا لطبيعة إدراكه أن السياسة ليست مجالا محكوما على متخصصيه .. بل هى المجال الأعم الذى يحكم حياة الجماهير ومن ثم فهى مضمار كل ذى صوت وإرادة وكانت تلك المواقف هى التى أسست لتفرد الشعراوى فى شتى مجالات فكره
كان الوفد فى ذلك الوقت هو حزب الأغلبية الساحقة بكل ما للكلمة من معان .. وكان انتماء الشعراوى لحزب الوفد وقياداته التاريخية طبيعيا لأن قريته بأكملها كانت محكومة بانتمائها الوفدى الصارم بالشكل الذى لا يسمح لغير الوفديين بمجرد الإقامة بها مع الانتماء الشديد من أهل القرية للحزب الأول فى مصر ..
كان انتماء من الأعماق .. لا بالأوامر .. كان انتماء فعليا .. لا كما تقول الأوراق .. !!
وفى كل عام كانت القرية تقيم حفل تأبين كبير لذكرى الزعيم الراحل سعد زغلول مؤسس حزب الوفد الذى اقتبس اسمه من مهمته التاريخية بقيادة نداء مصر عبر زعمائها الوطنيين فى مؤتمر الدول الكبري وسعيا لتطبيق مبدأ حرية تحديد أو حق تحديد المصير الذى نادى به الرئيس الأمريكى ويلسون فى أعقاب الحرب العالمية الأولى
فلما طلب سعد زغلول ورفاقه من أمثال على علوبة بيك وعبد العال باشا حلمى وحمد باشا الباسل وغيرهم الإذن من السلطات البريطانية للسفر لعرض قضية مصر واستقلالها تم رفض طلبهم وفيما بعد كان الاعتقال والنفي مصيرهم لتتحرك جموع الشعب المصري رجالا ونساء وأطفالا فى ثورة شعبية رهيبة وجامحة عام 1919 م هاتفة باسم الوفد وزعيمه سعد باشا زغلول ..
وتأسس حزب الوفد بزعامة سعد زغلول ليتربع فى قلوب الجماهير حتى سرت فى ذلك الوقت مقولة شهيرة فى الأوساط السياسية أن الوفد لو رشح حجرا لانتخبناه .. وهى دلالة عبقرية على شعبية هذا الحزب
وفى موعد الحفل السنوى بقرية دقادوس أو بعاصمة الإقليم كان الشعرواى حاضرا بقوة فى كل عام .. فعرفه الناس متحدثا وشاعرا مفوها كما عرفوه من قبل فقيها يسبق عمره .. فكان الشعراوى الشاعر القدير ذو ملكة غير عادية فى الإبداع اللغوى لفتت نظر الجماهير والقادة وصارت أبياته الشعرية من دلائل الانبهار بهذا الشاب الذى تنوع فى نبوغه فتألق فى كل ما طرقه من مجالات
وكان من علامات وعيون شعره تلك القصيدة التى يقول فيها ..
يهون القلب فى تحرير مصرٍ ×× وعذبٌ .. فى قضيتها العذابُ وهى القصيدة التى قدم فيها قصيدته بمقدمة نثرية شديدة البلاغة نالت استحسان الحضور حتى صفق الجميع له وكانت أول مرة يصفق فيها بحفل تأبين .. وكان التصفيق بادئا من عند الأديب الكبير محجوب ثابت التى بهرته بلاغه الشعراوى .. كما بهرت الحضور لدرجة تنازل كل صاحب خطبة عن دوره للشعراوى لكى يزيدهم من مفاتن كلماته
وأترك القارئ الكريم حرية التمتع بتلك البلاغة المنسكبة عبر هذا البيت الفاتن الذى يـُعد واحدا من أنبغ ما قالته العرب فى تاريخها والتى نقلها مندوب الوفد فى ذلك الوقت مصطفي بيك نصرت إلى زعيم الوفد مصطفي باشا النحاس فصمم النحاس على استقبال الشعرواى بل ولقاء والدته فى قريتها بعد الموقف الطريف الذى تصورت فيه الأم التلقائية التعبير أن كلمة " أعد " التى أخذت جماهير الحفل ترددها للشعراوى استحسانا .. حسبتها من قبيل الاستياء لعدم إجادة والدها حفظ ما يـُلقي

وعندما تخرج الشعراوى وحان موعد استلامه لعمله .. فضل أن يؤجل استلامه العمل الحكومى لتكون له حرية حضور الاحتفال المهيب المنعقد بمناسبة اليوبيل الفضي لتأسيس حزب الوفد بمرور ربع قرن .. وكان الوفد فى ذلك الوقت خارج الحكومة فى صفوف المعارضة فخشي الشعراوى مغبة الالتحاق بالوظيفة الحكومية لأن الحكومة معادية للوفد وكان طبيعيا أنها ستلجأ للضغط على موظفيها لعدم حضور الحفل الجارف الشعبية
وكان للشعراوى فى الحفل الضخم حضور متوقع .. فألقي إحدى قصائده التى عُدت من أساطين البيان فيما بعد .. خاصة مع معالجته لمسألة الحساسية لدى الأقباط والتى نجمت اثر فصل الوفد لمكرم باشا عبيد أحد أقطابه المعروفين وواحد من أعلام المحامين والمفكرين الأقباط فى مصر .. وكان الفصل نتيجة للخلاف العنيف بين مكرم عبيد والنحاس .. وبطبيعة الحال كان خروج شخص بوزن مكرم عبيد عامل مؤثر زادت فاعليته عندما لجأ الأقباط الوفديون لإثارتها كمسألة طائفية لا كخلاف سياسي
فكانت وصية النحاس باشا إلى من سيصعد خطيبا بضرورة التركيز على تلك المسألة ونزع الحساسية من الصدور بمشرط البلاغة

وكان الشعراوى بقصيدته أحد أهم العوامل فى إثارة هذا الأمر ونزع فتيله بما أتاه الله حيث قال
إخوانـنا الأقباط فـيما بـيـننـا ×× ودٌ قـديم .. ثابتٌ لم يـُفصمِ
عطف الهلال على الصليب فحاذروا ×× أن تجعلوا روح المسيح بمكرمِ
لا تجعلوها غـضـبةً ديـنــيـةً ×× فلكم فصلنا قبلـه من مسلمِ

والأبيات ليست بحاجة إلى لفت نظر إليها .. قمة التعبير والأداء الشعري بأى مقياس منطقي ولم يقتصر نبوغ الشعراوى اللغوى على الشعر .. بل كان النبوغ النثري وسرعه البديهة علامة حاضرة بكل قوة فى شتى المواقف منها ما عبر به دفاعا عن موقف الوفد عندما تمسك بالأحكام العرفية عندا أتى للحكم .. بينما كان الوفد لا يكف عن مطالبه الحكومة التى سبقته بضرورة ترك الأحكام العرفية ..
واستغلها خصوم الوفد للدعاية ضد شباب الحزب باعتبار الوفد فقد منطقيته التى ينادى بها دائما ..
فاجتمع الشعراوى مع شباب الحزب لإيجاد مخرج من هذا المأزق .. وتمكن الشعراوى من الخروج من المأزق ببراعة لافته .. عندما خطب قائلا
" نعم كان الوفد حريصا وهو فى صفوف المعارضة على نبذ الأحكام العرفية .. فلما جاء للحكم .. تمسك بها .. وليس هذا بغريب أو داعى تناقض .. فالمشرط فى يد الجراح .. غيره فى يد السفاح "
وكانت تلك الخطبة من علامات المجتمع السياسي وحديث الصالونات فى ذلك الوقت بعد أن بلغ الإعجاب بسرعة البديهة عند الشعراوى أن قام نجيب باشا الهلالي بإلقاء غطاء رأسه " الطربوش " على الأرض لمدى انفعاله بما سمع
وفيما بعد عندما شد الإمام الشعراوى الرحال إلى الحجاز فى رحلة عمل بإعارة لتدريس الفقه هناك .. أثناء ولاية الملك سعود بن عبد العزيز .. وكان أن عرف الشعراوى بقرار الملك نقل مقام إبراهيم من مكانه بالحرم إلى مكان قصي بغرض توسعه المكان
وكان النقل فى مرحة التنفيذ الفعلى .. فلم يصمت الشعراوى مع إدراكه بعدم شرعية النقل وبعث للملك ببرقية هاتفية طويلة يشرح فيها بأمانه العلماء خطأ الإجراء .. وابتلعت البرقية الطويلة راتبه بالكامل إلا أنه لم يأبه ..
وفور وصول البرقية أمر الملك بتشكيل لجنة من أئمة السعودية وفقهائها لمناقشة الإمام الشعراوى والوصول لفتوى واضحة حول الأمر .. وبالفعل أتى الشعراوى فحاور العلماء الذين بهرتم قوة حجته وأدلته فأجمعوا معه على خطأ الإجراء ليصدر الملك أمره بوقف التنفيذ وإعادة المقام إلى مكانه بقلب الحرم

بهذه المواقف التى روينا منها بعض الأمثلة .. عرفنا الجو الذى خرج فيه الشعراوى عملاقا صنع النبوغ عبر مرحلتين من حياته ...
مرحلة عاش فيها مواقفا صنعت نبوغه وصقلته بوعاء الحزم والخبرة .. ومرحلة تالية عاش فيها مواقفا صنعها هو .. وأسست لتألقه ولفتت إليه أنظار عيون المجتمع المصري فى ذلك الوقت ..
ليعبر الإمام الشعراوى إلى سنوات الخمسينيات بوجه آخر .. وجه جديد .. هو وجه المفكر الذى حوى فوعى .. فجاء بوقته وأوانه لأداء رسالة عجز عنها ـ رغم التألق ـ أساطين الدعوة فى ذلك الوقت ..
لأن الهجمات على الإسلام من المستشرقين ودعاتهم والعلمانية وسائر المذاهب الإنسانية التى ثبت فشلها بالتجربة فيما بعد

لم تكن تلك الهجمات تتطلب داعية وفقط .. مهما كان عملاقا فى دعوته .. رائدا فى الذود عن عقيدته
فالداعية مهما بلغت براعته سيكتفي بموقف الدفاع ومحاولة تفنيد ما يأتى به المهاجمون من سقطات يتصورونها فى العقيدة الإسلامية فيتخذون منها سبيلا للتشكيك فى العقيدة والتاريخ الإسلاميين
ولذلك كانت الجماهير بحاجة إلى مفكر .. مفكر حقيقي تشرب الثقافة والفكر بخلفية إسلامية صلبة
مفكر عرف العلم بالمطالعة المثمرة .. وهى تلك القراءة الواعية التى تكتسب من خبرات الأجيال ثقافة رفيعة المستوى وتدمجها لتخرج بنتائج جديدة وفكر معبر لم يطرقه من قبله أحد
مطالعه منتجة فكريا .. تسمح بالخروج بكل ما يناسب العصر عن طريق التبصر بما فات من التاريخ وأحواله وتمكن صاحبها ليس فقط من الدفاع والذود عن العقيدة .. بل تتيح له فرصة مهاجمه العقائد الفكرية المضادة واثبات تفوق الإسلام عليها عقيدة وتاريخا
وكل هذا توافر جوهريا فى شخص وقلب وعقل الإمام محمد متولى الشعراوى كما سنرى الآن

عصر القوة

لو أننا بصدد تأريخ للإمام محمد الشعراوى لما كفتنا الصفحات .. ليس لإلقاء الضوء على تاريخه .. بل لمجرد إلقاء الضوء على فكره الشاسع .. وعدد المسائل التى احتواها منهجا وفكرا وأرسي بها معارفا لم تتح من قبله لأحد
بل نحن نلقي الضوء على أمثلة معبرة عن منهج الإمام الشعراوى وفضله وتقواه وزكاة علمه رحمه الله
وفى تلك الحقبة التى ظهر بها نجم الشعراوى .. حقبة الخمسينيات .. كان العصر عصر قوة فى المجال السياسي والوطنى والفكرى .. مع ظهور المذاهب المتضادة وانقلاب الصراع بين القوى العظمى إلى صراع عقائد لا صراع مناجزة بالسلاح
فتقلب الشباب بين الشيوعية والعلمانية والرأسمالية وما إلى ذلك من مذاهب أغرت العديدين حتى نحوها جانبا بعد إدراكهم .. ومنهم من استمر بها ومن أمثلة الذين مروا بتلك التجارب وانقلبوا عليها فيما بعد ووصلوا إلى قمة الفكر الاسلامى ودعوته الكاتب الاسلامى الكبير خالد محمد خالد والمفكر الاسلامى البارز د. محمد عماره العالم الجليل د. مصطفي محمود وغيرهم ممن عبروا طرق الفكر الشائكة حتى وصلوا بالاقتناع إلى قمم الفكر السالك
وظهرت دعوة الإخوان المسلمين كمتحدثة رسمية باسم الإسلام والدفاع عن الأصولية لكنها انكشفت مبكرا كجماعه سياسية وليست دعوية وليس فى ذلك بأس ..إذا ما تم الإعلان عن هذا التوجه السياسي بوضوح لكن ما هو غير مقبول أن يـُزج بالإسلام فى معرض تسويات سياسية وصفقات حكومية .. ومع ذلك تصر الجماعة على أنها ليست حزبا بالرغم من أن لقب الجماعة الدعوية لم يكن يتناسب مع متناقضات السياسة التى سمحت للمستشار حسن الهضيبي المرشد العام الثانى للجماعة أن يقول عن فاروق بعد الأزمة بين الجماعة والقصر فى تعقيبه على الصحفيين بعد زيارته لفاروق " زيارة كريمة لملك كريم "
فتلك المقولة نتصورها فى رئيس حزب سياسي تدفعه ضرورات العمل الحزبي لتلك المجاملة أما أن تصدر باسم جماعه تتخذ الدين والعقيدة وتصر على أن الحكم ليس هدفها .. هنا وقفة بالطبع .. لأن تعقيب الهضيبي لم يكن منطقيا مع مفاسد فاروق التى انكشفت فى ذلك الوقت للشعب كله عبر الجرائد وما يتسرب من أخبار القصر

بالمثل ..
فموقف الجماعة من الاتفاق المعقود بين الجماعة ممثلة فى عمر التلمسانى وبين الرئيس الراحل أنور السادات فى منتصف السبعينيات لا يمكن قبوله من جماعه دينية دعوية .. لأنه اتفاق سياسي محض دخل فى لعبة التوازنات مع السلطة عندما قبل التلمسانى عرض السادات بالعودة للشارع السياسي تحت رعاية السلطة نظير القضاء على التيارات السياسية المزعجة للنظام وقتها والمتمثلة فى الناصريين والشيوعيين .. وهو الاتفاق الذى أودى بحياة السادات نفسه فيما بعد
ومن غريب الأمور رفض الجماعة الصارم للإعلان عن التوجه السياسي لها بوضوح مع كل ما تتمتع به من شرعية فعلية وشعبية خرافية فى الشارع السياسي لم يفلح أمامها النظام الحاكم عبر ثلاثة عهود ..
خاصة وأن الرفض لم يكن ليجدى فى درء خطر الاضطهاد والترصد من النظام .. فما الداعى لرفض الإعلان والتخوف والنتيجة واحدة
فى كل الأحوال .. فنية الجماعة فى الحكم وطموحها المشروع فى الوصول لسدة الحكم أمر لا يخفي على أطفال الشارع السياسي ..
ولا أتصور جماعه كالإخوان المسلمين تحتوى على كوادر سياسية عملاقة مثل كخيرت الشاطر ود. خالد صلاح أبو إسماعيل ود. محمد مرسي ود.عصام العريان وغيرهم
لا أتصورها تعتقد أن الظهور بالوجهة الدعوية سيمثل دافعا أمام النظام ليتركها لحالها أو يدعمها كما يفعل مثلا مع دعاة الصوفية فهؤلاء الفئات مغيبة عقلا والنظام يسعد بها ومن ثم فجميع أجهزة الدولة تمضي فى ركابهم وتشجعهم ..
أما الإخوان المسلمون .. وتنظيمهم العالمى الذى ينظر لمقر الجماعة بمصر على أنها مركز القرار حتى للجناح الموجود بالسلطة الفلسطينية عبر منظمة حماس .. فلا يمكن قطعا أن يركن النظام لتلك الدعاوى التى تريد إلهاءه عن الأغراض الحقيقية للجماعة

والشاهد حاليا مع الصحوة السياسية التى ضربت بنصلها الجمهور المصري وقواه السياسية لتوقظه من عميق سباته .. قد أفلحت وصبت فى مصلحة ميل القيادات التاريخية للإخوان إلى وجهة نظر شباب قياداتها فى مكتب الإرشاد بالإعلان الواضح عن نيتها وحقها المشروع فى نشاطها السياسي ..
وعودة إلى حقبة الخمسينيات وما تلاها من عصور المناجزة الفكرية بعد تلك الإطلالة السريعة ..

ففي تلك الفترة ظهرت الدعاوى المشككة فى العقيدة بتساؤلات تحمل معها ما تصوره المتسائلون تناقضا فى العقيدة ما بينها وبين المنطق أو بينها وبين العلم وغير ذلك من تساؤلات أعجزت من أمامها وكادت تؤدى إلى كارثة ..

مثال تلك الأسئلة .. هل الإنسان مخير أم مسير .. ؟!
ما دام الله يعلم السابق والآتى ويقدر كل شيئ بمشيئته .. فلم يعذب العصاة مع أن قدرهم طرق العصيان ؟
وصول الإنسان للقمر دليل على طرقه أبواب علم الله التى قال باختصاصها له وحده ؟


كما توجه المستشرقون إلى القرءان الكريم باحثين فيه عن ما يزعمون من أوجه التناقض .. فمثلا .
قول الله تعالى فى وصف شجرة الزقوم " طلعها كأنه رؤوس الشياطين "
هنا تناقض واضح لأن الله تعالى شبه غير معلوم بغير معلوم فشجرة الزقوم مجهولة وكذلك رؤوس الشياطين ؟
تلك الأسئلة المغالطة وضعت الأئمة والشباب الغيور على دينه فى موقف لا يحسدون عليه .. فهم مدركون بوجود التفسير لكنهم يعجزون عن إبدائه والتصدى لمثل تلك السفسطة ..
هنا .. كان الظهور الأول للإمام الشعراوى على المستوى العام .. حيث استطاع الاعلامى الفذ أحمد فراج استضافة الإمام الشعراوى فى حلقات متابعه ببرنامجه العملاق " نور على نور "
وفى قلب الحلقة الأولى ألقي أحمد فراج بتلك المغالطات ليستمع الشيخ إليها مبتسما .. ثم تنفرج شفتاه إيذانا بقلب المائدة على رؤوس المستشرقين ومن والاهم طيلة أربعه عقود من الزمان خسروا فيها كل منطق أمام فتاوى الشعراوى حتى هتفوا من أعماقهم بصيحة مشهورة أتت دليلا لهزيمتهم " أسكتوا هذا الرجل "
خاصة بعد أن انفرد الشعراوى بحديث متسلسل يشرح به خواطره عن القرءان والتى امتدت حتى نهاية عمره رحمه الله ومات وقد أتمها لتصبح مرجعا عملاقا فى التفسير والتاريخ والعقيدة .. فلم تكن تفسيرا قاصرا على أسباب النزول وأحكامها أو شرح للعقائد بل كانت فى شطرها الأهم مناجزة فكرية عملاقة لكل مهاجم للعقيدة
بدأ الشعراوى بحمد الله تعالى والثناء عليه وإنكار الطباع البشرية التى تتبغض إلى رب يتفضل بالنعم ورغم ذلك لا يمنعها طيب الرزق ولا يقف أمام توفيقها بعقاب
ثم تناول السؤال الأول هل الإنسان مسير أم مخير .. ؟!
وعلى منضدة المنطق قام بتشريح السؤال ليكشف أمام الجميع أن السؤال لا يحتاج إلى إجابة بل إلى تصحيح !!
فالإنسان فى جزء فيه مسير وهو جزء الجوارح التى لا تعمل بإرادته كالتنفس ونبض القلب وغيرها
ومخير فى جزء آخر فى الأفعال والطباع والعقل القادر على تفنيد الأمور واختيار طريقه .. وهو الجزء الذى منح الله فيه لعباده حرية التصرف والجزاء فيما بعد أمام حكم عدل ..
وفى مسألة أن الله قدر للعاصي عصيانه فعلام عقابه .. فمردود هذا أن الله ترك لكل إنسان حرية اختياره لكن تلك الإرادة لا تتأثر بعلم الله بما سيكون من أثر لها فيما بعد بعصيان أو طاعة
ودلل على ذلك بأن المدرس فى أى فصل يكون عالما بما أتاه الله من علم ومشاهدة أى تلاميذه سيتفوق وينجح وأيهم سيفشل .. فهل نزعم أن علم المدرس بهذا ينفي مرجعية فشل التلميذ إلى إهماله ؟!!
كلا بالطبع
وفى شأن وصول الإنسان للقمر كدليل على بزوغ فجر سلطان العلم .. ضحك الشيخ ساخرا وهو يقول
" إن القمر يا سادة يعد ضاحية من ضواحى الأرض .. فأين أنتم من تلك السماوات المتناهية العظمة وكل ما فى مجرتنا ومجموعتنا الشمسية لا يتجاوز فى رحاب الكون إلا عقال بعير "
وفى شأن آية شجرة الزقوم .. فسر الشيخ فى بساطة سبب إرجاع غير معلوم إلى غير معلوم .. بعكس مألوف اللغة
فالحكمة الإلهية فى ذلك النص اقتضت أن تخوف الناس بسوء العاقبة المتمثلة فى شجرة الزقوم نعوذ بالله منها ومن منبتها وكيف أنها تنبت فى أصل الجحيم .. وليس هناك إعجاز فى التخويف قدر إعجاز التخويف بالمجهول .. فالناس أعداء ما يجهلون .. فعندما يقول الله تعالى طلعها كأنه رؤوس الشياطين سيطير خيال كل قارئ إلى الصورة البشعة التى يتخيلها للشيطان .. وتلك التصورات تختلف من عقل لآخر لأن كل عقل سيصور مشهدا مخيفا ومرعبا كما يتصور صاحبه .. وتلك مسألة نسبية بين البشر ومن ثم جاء الإسناد مجهولا
وتتابع أحاديث الشيخ الإمام على نحو يخرس الألسنة بعد أن عجزت أمام منطقه الحاسم وحجته التى لم تعتمد على دلائل العقيدة وهى تواجه غير المؤمنين بها بل اعتمدت أكثر على اللغة التى يفهمها هؤلاء وهى لغة المنطق والتفنيد وتلك هى حقيقة قدرة الإمام

وللحديث بقية






التوقيع

الإيميل الجديد
 
رد مع اقتباس
قديم 31-03-2007, 04:24 AM   رقم المشاركة : 54
معلومات العضو
محمد جاد الزغبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية محمد جاد الزغبي
 

 

 
إحصائية العضو






محمد جاد الزغبي غير متصل


افتراضي مشاركة: شخصيات مصرية .. أسرت النبوغ

عصر التصدى

عبر حياته الحافلة تعرض للكثير من أمور الفتنة والجدل مع الكبار والصغار فى ساحات الفكر ..
وأثار العديد من الاعتراضات حول أمور أتى بها عمالقة المفكرين والكتاب ممن لا يجرؤ صاحب قلم على التصدى لهم ومع ذلك خضعوا لوجهة نظر الإمام ومن رفض منهم كان الحكم للجماهير التى قضت للشعراوى بسريان الحجة وقوتها مثال ذلك

مع صاحب العبقريات
المفكر الاسلامى الكبير عباس محمود العقاد والذى يعد نصيفا للإمام الشعراوى فى مجابهته لخصوم الإسلام .. عندما أسس لسلسة كتبه الشهيرة " العبقريات " .. وبدأ بعبقرية عمر ثم تلتها بقية العبقريات حتى صدرت عبقرية محمد صلي الله عليه وسلم ..
هنا ظهر الإمام الشعراوى معترضا على عنوان الكتاب ورسالته وكان مبرر اعتراضه منطقيا مفحما وقد كانت نسبة الخصال النبوية للرسول عليه الصلاة والسلام وإرجاعها للعبقرية تنفي التمييز الالهى هنا لأنها أتت كاملة من عند الله تعالى بالعصمة لضرورة الرسالة
وبالفعل كانت زلة للعقاد لا يمكن أن يكتشفها إلا من هو مثل الشعراوى مع كل ما يمثله العقاد من عقلية جبارة كان من قبيل المستحيلات فى عصره أن يخرج من يهزمه فى محاورة أو طريق إبداع فكرى
وكما أن لله ورسوله عليه الصلاة والسلام وصحابته المثل الأعلى ..
فهذا الموقف يذكرنى بموقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما تصدى للفاروق عمر رضي الله عنه وأفحمه بمنطقه فى ضرورة التصدى لمانعى الزكاة وهو ما ثبتت صحته عندما انقلب التمرد إلى ردة عاصفة ..
ومع كل ما يمثله عمر بن الخطاب من هيبة أسطورية صنعها تحيزه الدائم للحق وتحيز الحق لمنطق عمر .. كان من المستحيل على غير أبي بكر رضي الله عنه أن يأخذ بلحية عمر فى موقف مشهود ويهتف به " أجبارا فى الجاهلية .. خوارا فى الإسلام .. والله لو منعونى عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله عليه الصلاة والسلام لقاتلتهم عليه "
فرحم الله أبي بكر الفكر وعمره .. محمد متولى الشعراوى وعباس محمود العقاد

مع صاحب المائة عظيم
قام الكاتب الكبير أنيس منصور بترجمة كتاب شهير لأحد المفكرين الأجانب وهو " العظماء مائة .. أعظمهم محمد عليه الصلاة والسلام "
هنا كان اعتراض الشيخ على إدراج اسم الرسول عليه الصلاة والسلام فى تلك القائمة وكالعادة كان منطقه مفحما ..
فالرجل أورد اسم الرسول عليه الصلاة والسلام فى قائمة .. وهنا تشبيه ومفاضلة حتى وان كان التفوق فيها للرسول عليه الصلاة والسلام فهى غير جائزة لأن دلائل العظمة عند رسول الله عليه الصلاة والسلام لم تكن بشرية بل إلهية بحكم منحة الرسالة .. وبالتالي فوجود اسمه ضمن المائة عظيم يرد أمر رسالة الإسلام وشيوعه وقدرته إلى قدرات رسول الله عليه الصلاة والسلام وهذا ما يتضح فعليا فى الكتاب عندما يقارن المؤلف بين الرسول عليه الصلاة والسلام وأثره الممتد عبر أربعه عشر قرنا إلى اليوم وبين البوذية والهندوسية وغيرها باعتبار أن الإسلام صنيعه بشرية لا رسالة سماوية
ويبدى الشيخ عجبه ممن منحوا الرسول عليه الصلاة والسلام صفات إلهية كصنع الرسالة ورفضوا الاعتراف بما هو أقل وهو الرسالة التى حملها أمينا حتى تمت .. فكان الاعتراض لأن العظمة جاءت من زاوية غير إيمانية بل فكرية بحته

مع راهب الفكر
فى أخريات عمره .. كتب المفكر والروائي القدير توفيق الحكيم سلسلة مقالات بجريدة الأهرام حملت العنوان التالي " حديث مع الله "
وطالعها الشيخ ذات صباح لتثور ثائرته .. فالعنوان كارثة لأنه استخدام " مع " تـُوحى بالكفاية بين المتناظرين كما تحتم رؤية كل منهما للآخر .. وهو ما يعد تعديا غير مقبول من كاتب بحجم توفيق الحكيم يدرك أثر كل حرف يكتبه ..
ونقل الشيخ اعتراضه إلى الحكيم الذى رحبت سعة صدر بالشيخ الجليل .. والى جوار سريره بالمستشفي جلس الشعراوى فى زيارته الشهيرة إلى الحكيم ليخبره الأخير أنه أصدر تعليماته إلى مسئولي الجريدة بتغيير العنوان إلى " حديث إلى الله "
واستخدام حرف الجر " إلى " هنا جعل الخطاب متوجه من ضعيف إلى عظيم وهو ما راق للإمام الشعراوى وشكر الحكيم عليه ودعا له

مع عملاق السياسة
اختلاف الكبار متعه لتلامذتهم من صغار المفكرين .. هذه حقيقة لا شك فيها .. لأن الكبار حقا يكون اختلافهم اختلاف العلماء لا الجهلاء ..
فيكون اختلافا ساعيا للحق لا سعيا لأغراض طفولية فى تغليب وجهة نظر على أخرى ..
ولذلك فان هذا الاختلاف يأخذنا الانبهار به ونحن نشاهد عشرات الحجج كلها من ذوات المنطق وكل عالم يصعد بمنطقه على الآخر فإما أن يقتنع أحدهما بوجهة نظر الآخر فى نهاية مناظرتهما وإما يحترم كلا منهما وجهة نظر الآخر وحق كل مفكر فى طرح وجهة نظره إذا ظل الخلاف كما هو .. ولسنا بحاجة إلى القول أن العلاقة الإنسانية بين المفكرين لا تتأثر مقدار خردلة باختلافهم مهما علا
مثال ذلك ..
المعارك الفكرية فى الأدب العربي بين عباس العقاد وأحمد شوقي .. وبين توفيق الحكيم وهيكل حول أزمة كتاب خريف الغضب لهيكل وكتاب عودة الوعى لتوفيق الحكيم .. ونفس الكتاب " خريف الغضب " بين هيكل ود. فؤاد زكريا المفكر اليسارى المعروف فى أسباب انقلاب هيكل على السادات أو انقلاب السادات عليه وكثير مما أورده د. فؤاد زكريا ردا على هيكل فى كتابه الشهير " كم عمر الغضب "
وإذا أغرقنا قليلا فى عمالقة الأمس ..
رأينا بمزيد من البشر والحبور رفعه الحضارة الإسلامية عبر أعظم مفكريها .. وأُصرُ على كلمة مفكريها لا فقهائها لأنهم كانوا أساطينا للفكر الانسانى بشتى مجالاته ولم يقتصروا على الفتوى مثل المفكرين الأربعة الكبار مالك وأبي حنيفة والشافعى وبن حنبل رضي الله عنهم
شاهدنا اختلاف مذاهبهم الواضح فى المعالجات والنصوص .. لكنه لم يكن يغير من احترام وتقدير كل منهما للآخر بأى حال .. وهؤلاء هم من أخرجوا فيما بعد رواد الفكر الاسلامى من بن تيمية حتى الشعراوى
فرأينا أبي حنيفة رائد الفقه التقديري يعرف لمالك فضله وهذا الأخير رائد المذهب النصي أو مذهب السنة المتوارثة .. فيقول عن مالك " لا يفتى ومالك فى المدينة "

ورأينا الشافعى يختلف مع أبي حنيفة ويناجز بعض مسائله بعد وفاته مع صاحبي أبي حنيفة أبو يوسف ومحمد الشيبانى رواد المذهب الحنفي ومع ذلك عندما سؤل عن أبي حنيفة أجب فى يقين صارم " كل الفقه عيال عند أبي حنيفة "
وكان الشافعى يعرف فضل أستاذه .. يعرف فضله كما ينبغي للمعرفة أن تكون ..
فمالك بن أنس رضي الله عنه هو أستاذ الشافعى ما في ذلك شك لكن الاحترام للأستاذ لا يعنى بأى حال أن يكون التلميذ نسخه من عقل أستاذه وقناعاته .. فليس هذا من قبيل الاحترام فى شيئ ..
بل يجب أن يكون اقتناع التلميذ بأستاذه اقتناع عقل رأى الحجة فغلب منطقها وان رأى وجهة نظر مخالفة لأستاذه فلا مجال للقول أن الخلاف هنا نقص فى تقديره لأستاذه ومعلمه بل على العكس .. لأن الأستاذ الحقيقي ينشئ فكرا لا نسخا منه
ولهذا اختلف الشافعى مع مالك فى بعض معالجاته وضمنها الشافعى كتابا شهيرا .. وتأملوا معى عنوانه
عنوان الكتاب " اختلاف مالك والشافعى " ..
هنا وحفاظا لقيمة الأستاذ قام الشافعى بتقديم اسم شيخه على اسمه فى عنوان الكتاب الذى جمع فيه نصوص مخالفته له .. هذا هو حوار المفكرين .. واختلاف العظماء .. واحترام الآخر كما يجب أن يكون ..
احترام الآخر كما عرفته الحضارة الإسلامية وأسسته لشتى الحضارات فيما بعد .. أى أنه ليس اختراعا جديدا كما حاول المعاصرون تصويره باعتباره من بنات أفكارهم وجاءوا بكل صفاقة يحاولون تعليم أبناء الإسلام معنى الاختلاف واحترام الآخر .. !!
وهذا إن دل على شيئ فإنما يدل على مدى جهلنا بتاريخنا وآدابنا على النحو الذى سمح لهؤلاء بالتطاول دون رد
وهو ما عبر عنه الإمام الشعراوى وكثير من عمالقة مفكرينا بأن الاختلاف الحضاري فى الفكر الانسانى صناعه إسلامية أسسها الرسول عليه الصلاة والسلام ودلل عليها رجال الدعوة فيما بعد بقول الإمام مالك عليه رضوان الله وعلى أبيه وعمه
" كلٌ يؤخذ فى كلامه ويـُرد .. إلا صاحب هذا المقام " وأشار إلى قبر المصطفي عليه الصلاة والسلام
أما ما اكتسبه الجمهور فى العالم الاسلامى حاليا وبالذات بمصر مهد الحوار من أسلوب غريب فى تكفير وجهات النظر المضادة وقلبهم للفكر إلى ميدان حرب طاحنه بمقولة " من ليس معى فهو ضدى " فليس هذا من قبيل الحوار فى شيئ بل هو شريعة الغاب حين تحكم
ومن غرائب المشاهدات فى واقعنا المرير ..
استنكار البعض قيمة المفكر السياسي العملاق محمد حسنين هيكل لمجرد أن المعارضين له من غير الناصريين مثلا .. وكأن هيكل بكل قيمته الفكرية كان عنوانا للحقبة الناصرية دون سواها فمن اتفق معها يقدر رجالها ومن اختلف يعارضهم ..
أى منطق هذا .. ؟!!
إن القناعات الشخصية لأى مفكر لا تـُلزم مستمعيه وجمهوره بأى انتماء لها ..كما أنها ـ وهو الأهم ـ لا تعنى إنكار حق مكانة وفضل هذا المفكر
ومؤخرا فى الأحاديث العاصفة لمحمد حسنين هيكل على قناة الجزيرة ومن خلال مراجعه تلك الأحاديث ومقارنتها بكتاباته من قبل على مدار السنوات الطوال وبالذات من سنة تفرغه عام 1974 م .. وحتى اليوم سنجد أن هيكل غير الكثير من قناعاته التى اعتمدها ودافع عنها بكل قوة عندما تكشفت له حقائق صقلتها نظرة الخبرة فلم يتردد فى الإعلان عنها ..
فهيكل فى كتابه " لمصر لا لعبد الناصر " والذى أصدره فى نهاية السبعينيات دفاعا وذودا عن صديق عمره جمال عبد الناصر فى بعض الافتراءات العنيفة المدفوعة الأجر على سيرة الرجل تبعا للتوازنات السياسية فى ذلك الوقت كان هو القائل
" اننى لا أدافع عن عبد الناصر .. فقط أوضح ما يجب أن يوضح لأننى لا أدع لأحد شرعية اتهامه كما لا أمنح لأحد شرف تبرئته "
ونفس الشخص الذى كتب هذه العبارة التى يـُشـْتـَم منها حالة نفسية معقدة دفعت الكاتب الكبير إلى تلك الكلمات المتعصبة نوعا ما .. كان هو نفس الشخص الذى قال فى إحدى أشهر حلقاته الأخيرة فى معرض حديثه عن سقطات النظام المصري الحالى عندما أثقلوا عليه فى كل اعتراض يقول به على النظام .. باستنكار لتلك الاعتراضات مؤداه أن هيكل الذى يتحدث عن الديمقراطية الآن أولى به أن يتوارى باعتباره من مناصري العصر الناصري الذى أسس للحكم الفرد فى مصر ..
فقال هيكل كى يغلق الباب على هذا الشأن " أمامكم عبد الناصر افعلوا به وبسيرته ما شئتم فلا يهمنى هذا فى شيئ قط .. لكن تعالوا إلى وأخبرونى عن سقطات النظام وما نثيره من اعتراضات للرد عليها بمنطق عادل "
وليس هذا تناقضا بالطبع .. فالنظرة المتعمقة تكشف أن القناعات لدى المفكرين تتغير وتتبدل عشرات المرات ليس فى ذلك بأس طالما أن داعى التغيير له من المنطق والحق نصيب وهو نفس المنطق الذى دفع هيكل أثناء معالجته لفترة الثورة المصرية يوليو 1952 م إلى رفض مسمى ثورة ورفض حتى مسمى الانقلاب لافتقادها لمقومات كلا الوصفين .. وأصر على وصفها بأنها شيئ من قبيل القدر أتى لأصحابه صدفة دون إدراك أو تخطيط ودلل على ذلك بالتردد الرهيب الذى حكم تصرفات مجلس قيادة الثورة وهم جميعا بخلاف محمد نجيب الزعيم الصورى للحركة من صغار الضباط منعدمى الخبرة وجدوا أنفسهم وعلى نحو مفاجئ مسئولين عن دولة كبيرة بحجم مصر وهم أنفسهم حين قاموا من ثكناتهم كانت مطالبهم إصلاح أحوال الجيش وتعيين محمد نجيب الذي انتخبوه رئيسا لنادى الضباط وزيرا للحربية
فكانت أحوال النظام الملكى المتهاوى فى الأساس مفاجأة للضباط أنفسهم قبل أن تكون مفاجأة لغيرهم عندما اكتشفوا أنهم أمام ملك ينتظر رصاصة الرحمة فأطلقوها عليه ثم أخذتهم الرهبة فحكمت تصرفاتهم بطبيعة الحال وكانت الرهبة هى داعى التردد الشديد فى القرارات الأولية لرجال النظام الجديد فتارة يقولون بتولية أحمد فؤاد ملكا ومعه مجلس وصاية برياسة رشاد مهنا وتارة يقولون بإلغاء النظام الملكى وقيام الجمهورية .. كما تبدى ترددهم فى مناقشة مصير الملك السابق فاروق فتحيروا بين إعدامه وبين نفيه إلى آخر تلك التصرفات التى ختمت بسيطرة الجيش وضباطه على شتى المناصب والهيئات وفرض النظم العسكرية عليها فى دلالة واضحة على حداثة السن التى دفعتهم لمكافأة صغار الضباط على هذا النحو الطفولى ..كما أن مجلس القيادة لم يترك المسميات العسكرية فى شأن الحكم المدنى فرأينا وكيل الاذاعه يتحول إلى أركان حرب الاذاعه وهكذا .. !!
تلك القناعات الجديدة .. لم تكن خارجة من مفكر مضاد لوجهة نظر التجربة الناصرية بل خرجت من راهبها الكبير وصانع أسطورتها وتجربتها التى تألقت بزعامة عربية فذة تمثلت فى جمال عبد الناصر الذى أحسن استثمار وجود مفكر عملاق كهيكل إلى جواره .. وبقدر ما أتاح عبد الناصر الفرصة لهيكل لبسط نبوغه .. كان هيكل داعما أقوى دون أدنى شك لشخصية جمال عبد الناصر وزعامته
وليس هذا التحليل الجديد من هيكل تناقضا يعاب عليه .. بل هو كما قلت مراجعات فكرية دفعتها الخبرة .. وليس معنى هذا ضمان صحتها أو صحة غيرها من الأفكار فالفكر بين أخذ ورد ..
ولكن أين .. ؟!!
عند من يُعمل العقل .. لا عبيد النقل

وكان طبيعيا أن نرى الاختلاف بين الإمام محمد متولى الشعراوى وبين المفكر القدير محمد حسنين هيكل .. نظرا لرفض الإمام للتجربة الناصرية فى مجملها رفضا قاطعا تحت تأثير المتناقضات التى شهدتها التجربة ومست صميم العقيدة الإسلامية من التوجه الاشتراكي والميل للاتحاد السوفياتى وتكميم الأفواه وتغيير اسم مصر ضمن تجربة الوحدة مع سوريا وعدم العودة إلى الاسم الأصلي برغم الانفصال فيما بعد
وان كان اختلافا لم يتحول إلى صدام مباشر بينهما إلا فى القليل من الأحيان لطبيعة الإمام الشعراوى التى كانت تتناول السياسة تلميحا لا تصريحا نأيا بنفسه عن مهالك الجدل والمراء بلا فائدة .. ولو كان كل المتحاورين مثل هيكل فى القدرة والعلم والإدراك لما كان الشعراوى إلا سياسيا نابغا كما كان فى بداياته عندما كانت المجالات بمسمياتها الفعلية ..
قد اعترض الإمام اعتراضا عنيفا على ما نشره هيكل بالأهرام غداة حرب أكتوبر عام 1973 م .. وهو التاريخ الفارق بقلب كل مصري وعربي وكان برأى الشعراوى أنها انجاز من عمق التاريخ الاسلامى لاستهلال العمليات بصيحة " الله أكبر " والتى انطلقت من أفواه الجنود عالية مدوية من أعماق قلوبهم دون أوامر ..
وهذا هو بيت القصيد .. أنها انطلقت تلقائية معبرة عن توجه فطرى لدى المصريين ناحية العقيدة .
وكانت تلك الصيحة سببا رئيسيا فى الرعب العنيف الذى استبد بجنود العدو القابعين خلف تحصينات خط بارليف حتى دعاهم الفزع لترك مواقعهم والفرار هلعا بالرغم من التسليح الخرافي للجيش الإسرائيلي وخبرة تدريبه
كتب هيكل بالأهرام معترضا على الصبغة الإسلامية التى صبغت النصر الكبير خاصة مع قامت به الشئون المعنوية بالقوات المسلحة من نشرها لمنشور يحتوى على خبر رؤيا رآها أحد الصالحين وشاهد فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو واقف على شط قناة السويس مشيرا إلى الشرق مبشرا بالنصر .. وكان المنشور بعنوان " رسول الله على الصلاة والسلام معنا فى المعركة "
فقد رأى هيكل أن تصوير الأمر على هذا النحو فيه اغماط لحق الجنود وهم أصحاب النصر الحضارى !
وبدون شك .. فقد كانت سقطة من الأستاذ الكبير داعيها خلفيات ثقافية أظن أنها ذهبت عنه بعد تلك العمر والخبرة .. فمن قال أن النصر عند رده لله فيه اغماط لحق المجاهدين .. بل العكس هو الصحيح
لأن إسقاط تلك الصفة عن الفعل الجهادى كفيل بحجب النزعة الإيمانية والفدائية فى أعماق المقاتلين .. هذا إضافة إلى الروح المعنوية المتدفقة كمصهور الحديد فى وجوه العدو كانت دون شك نابعة من أعماق العقيدة بقلب كل مقاتل ..

. مع صاحب القرار
كانت للإمام محمد متولى الشعراوى مع الرئيس الراحل أنور السادات مواقف عدة بحكم العلاقة البسيطة التى جمعت بينهما عبر أصدقاء مشتركين فى الأيام التى كان فيها السادات فردا فى جماعه .. إلى أن أصبح ولى الأمر والطاعة
وكان اللقاء الأول بينهما فى بيت صديق مشترك لقاء ترك أثرا سيئا نوعا ما غير أنه تبدل فيما بعد .. لأن الإمام الشعراوى عندما علم بصفة أنور السادات ومكانته بادره بقلقه من التوجه الاشتراكي والميل الشرقي لمصر ناحية الاتحاد السوفياتى وهو ما كان يـُضاد الطبيعة الفطرية للشعب المصري كما أنه يضر بموقفها الدولي المنادى بعدم الانحياز بينما هو فى حقيقته انحياز كامل للروس
فقال السادات ... وماذا ترى يا شعراوى .. هل برأيك أن توجهنا للغرب أفضل ؟
فهتف الشيخ .. ومالنا والشرق والغرب يا أخى .. لماذا لا نتوجه إلى حضارتنا وفطرتنا وتاريخنا الطبيعى وتوجهنا الاسلامى
فنظر إليه السادات بنظرة دهشة مع الاستنكار السائد أيامها لكل ما هو اسلامى تحت تأثير مختلف الأيديولوجيات غربا وشرقا .
غير أن العلاقة تحولت إلى تقدير متبادل بينهما خاصة بعد عودة الإمام لمصر موافقا على شغل منصب وزير الأوقاف فى وزارة ممدوح سالم الأولى والتى أعقبت قرار السادات الشهير بإنهاء التواجد الروسي بمصر .. وكان هذا القرار هو السبب الرئيسي الذى دفع بالشيخ إلى قبول التكليف الوزارى وكان حدثا بالنسبة له فى غاية الأهمية بما يحمله من بغض فطرى للشيوعية
وقبول الشيخ لتولى الوزارة كان ذو أثر وضيق على نفسه بعدما تكشفت له من أساليب الممارسة الشيئ الكثير ولذا بادر لتقديم استقالته بعد فترة فقالوا له أن الوزارة كلها على وشك الاستقالة فانتظر حتى تحرر من قيدها ليعود لنشاطه المعهود فى الدعوة إلى الله ..
والموقف الذى لا ينسي بينه وبين السادات ..
عندما طلب الشيخ مقابلة السادات وعرض عليه مذكرة تخص شيخ الأزهر منصبا وتنظيما لما يري الشيخ فيه من مقر لدعوة الإسلام فى العالم كله .. فأحب أن تكون له مكانته التنظيمية التى تلى رئيس الجمهورية فى الترتيب
فاستمع السادات إليه ولم يمد يده إلى أوراق المذكرة ثم قال له ما معناه أن يتفهم دوافع الشيخ فى هذا الطلب .. وألمح له بأنه يتفهم أن للشيخ رغبة فى شغل منصب شيخ الأزهر وليس لديه مانع لكن بعد فترة من الوقت ..!!
فنظر الإمام إلي الرئيس محتفظا بثبات نفسه مع التلميح غير المناسب والذى لم يخطر له على بال وقال له ما معناه أنه لم يتقدم ليجعل من منصب شيخ الأزهر مكانة دنيوية يطمع فيها بل كان مطلبه للصالح العام لبيان تقدير مصر لتلك المؤسسة العريقة وأنه إن كان موقفه تم فهمه بتلك الصورة فهو يرفض المنصب حتى لو كان معروضا عليه ليس من قبيل التعالي بل من قبيل أنه لا يري فى نفسه قدرة على شغله ..
وترك المذكرة للرئيس ومضي لحال سبيله ليتكشف بعدها أن خصوم الإمام أخذوا عليه احتفاظه بالزى الأزهرى حتى ذلك الوقت كدلاله على طمعه فى مكانه شيخ الأزهر .. وكان رد الشيخ بسيطا ولافتا .. فقد قام بتغيير زيه إلى الجلباب وكفي نفسه أقوال خصومه
كما يظهر موقفه مع الرئيس مبارك إبان نجاته من محاولة الاغتيال الشهيرة بأديس أبابا عام 1998 م .. وكان الشيخ فى أخريات أيامه
وقد كبرت سنه ومقامه .. وشد الرحال على رأس وفد من طلاب ومشايخ الأزهر ومعهم شيخ الأزهر الجليل الإمام جاد الحق على جاد الحق إلى مقر إقامة الرئيس بقصر العروبة بمصر الجديدة ضمن الوفود التى جاءت مهنئة بنجاته .. وهناك وقف الشيخ واضعا كتفه على الرئيس مبارك قائلا فى لهجة معبرة ..
" سيادة الرئيس وأنا أقف على عتبة دنياى لأستقبل أجل الله فى خلقه .. ما كنت لأختم حياتى بنفاق أو أبرز عن ثريتى بافتراق ..
ولكنى أقول كلمة موجزة للأمة كلها حكومة وحزبا ومعارضة رجالا آسف أن يكون سلبي !!
أريد منهم أن يعلموا أن الحكم بيد الله فلا تآمر لأخذه ولا كيد للوصول إليه فان الحق سبحانه وتعالى عندما حكى حوار إبراهيم للنمروذ ماذا قال ؟ .. قال ( أن آتاه الله الملك )
فان الملك يـُؤتى من الله لأنه لن يحكم فى ملك الله أحد بغير مشيئة الله فان كان عادلا نفع بعدله وان كان جائرا ظالما بشـَع الظلم فى عيون الناس فيكرهون كل ظالم حتى لو لم يكن حاكما .. ولذا أقول للقوم جميعا .. إننا والحمد لله تأكد لنا صدق الله فى كلامه فكيف كنا ندرك ونفسر لولا ما حدث حكمة الله سبحانه فى قوله ( ويمكرون ويمكر الله ) ثم قوله ( إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا ) ولذا أنصح كل من يريد الحكم ألا يطلبه بل ينتظر أن يطلب إليه فمن طلب لشيئ أعين عليه ومن طلب شيئا أوكل إليه
"
ثم تهدج صوت الشيخ وهو يستطرد ..
" يا سيادة الرئيس آخر ما أحب أن أقوله لك ولعل هذا يكون آخر لقائي أنا بك .. إذا كنت قدرنا فليوقفك الله وان كنا قدرك فليعنك الله على أن تتحمل "
وهى الكلمات التى أثارت الشيئ الكثير فى نفس الرئيس وفى نفوس مستمعيها وما كانت مصر فى فترتها الحالية تعانى كل هذا الاختلال الذى بدأ مع عام 2000 م لينقلب إلى عصبية فى السياسة ودوائر الحكم .. أقول .. ما كانت مصر تعانى من هذا لو أن الرئيس مبارك تفضل بادراك المعنى خلف كلمات الشيخ الجليل واستمر تأثره بها خاصةً فى قوله
" فكيف كنا ندرك ونفسر لولا ما حدث حكمة الله سبحانه فى قوله ( ويمكرون ويمكر الله ) ثم يقول ( إنهم يكيدون كيدا .. وأكيد كيدا ) ولذا أنصح كل من يريد الحكم ألا يطلبه بل ينتظر أن يطلب إليه فمن طلب لشيئ أعين عليه ومن طلب شيئا أوكل إليه "

عندما واجه نفسه فكسبها لدينه
لا يمكن للإنسان فى معركة أن يواجه ما هو أقوى من نفسه .. فالمواجهة مع النفس مريرة ..مريرة ..
فأنت لا تواجه ساعتئذٍ خصم يمكنك التحايل أمام قوته أو التدبير إزاء حنكته .. بل أنت تواجه نفسك بكل ما تملكه من جموح وجنوح قل أن تجد من يروض سلطانها النافذ .. بعد أفذاذ الصحابة والتابعين الأولين رضوان الله عليهم
ولبيان مدى خطورة النفس على الإنسان .. فان اعتبرنا المواجهة معركة ـ وهى كذلك بكل تأكيد ـ فأول النصر على خصمك مدى إدراكك لطبيعته واكتفائك بمعلومات كاملة عنه تمكنك من معرفة نقاط ضعفه فتأخذه من حيث لا يحتسب ..
فالمعلومة فى هذا الشأن هى العامل الحاسم للنصر أو الهزيمة .. فتخيل معى عزيزى القارئ الكريم مدى المعاناة وأنت تواجه نفسك فى معركة غير متكافئة .. لأنها تعلم عنك ولا تعلم أنت عنها شيئا .. فنفس الإنسان حاضرة بقوة مع كل نزوة تحيل الحرام حلالا عند الهوى
تأخذها العزة بالإثم ونادرا ما تعدل فى حكم تكون هى طرفا فيه .. فيكون الهلاك هو المصير إلا من رحم ربي
وامتلاكك زمام نفسك يرتفع بإسلامك إلى حيث الذرى العليا من الإيمان ..
وهو ما تمكن منه الإمام محمد متولى الشعراوى رضي الله عنه ورحمه رحمة واسعة فى الكثير من المواقف التى كادت نفسه فيها أن تغلبه ..
ومن أبرزها ثلاثة مواقف تلخص مدى الصبر والصمود فى أعماق الإمام ..
كان أولها عندما قـُتل أخاه الشقيق فى حادثة ثأر كالتى يعرفها الريف المصري فى ذلك العصر .. وكان معروفا عن الإمام نبذه لتلك العادة السيئة التى لا يأخذ فيها ولى الدم من قتل بل يتجاوزه إلى من سواه .. وعـُرف عنه قيامه ليل نهار بحض الناس على العفو
وفى المجلس المنعقد من أهل القرية لتصفية الخلاف بالحل الودى عن طريق الدية .. جلس الإمام محمد مع والده فى صدر المجلس وأمامهما القاتل وعشيرته وكان الوالد يريد الهرب من تلك الجلسة كى يحتفظ لنفسه بحق الرد على القاتل دون أن يلتزم بسطوة الجلوس إلى كبار القرية فى حل ودى سيلزمه بطبيعة الحال .. غير أن الإمام محمد أصر على حضور الجلسة ونفسه كنفس والده فى الشعور بالألم لفقد شقيقه ..
وعندما سأل شيخ القرية الإمام محمد عن الدية التى يطلبها لأخيه .. بادر القاتل إلى قول محرج للإمام محمد كى يعفي نفسه من الغلو المتوقع فى الدية .. وذكـَر الإمام بسابق حديثه ونصائحه وطلب إليه أن يضرب المثل فيخفف فى الدية المطلوبة ويقبلها ..
فالتفت الإمام محمد إلى والده وطلب إليه أن يعطيه حق الرد فى المجلس وينزل على رأيه فأذن له والده تقديرا لمكانته .. فالتفت الإمام إلى قاتل شقيقه فى صمت وهدوء .. وأطال النظر إليه ثم انفرجت شفتاه قائلا ..
" تذكرنى بما قلت وكأنى بك تظننى أقول للناس وأمنع عن نفسي مئونة الالتزام بما أقول .. لا والله .. أما يا هذا فانا نعفو عن دم أخى ولا نريد منك دية ولا قصاصا .. غفر الله لنا ولكم "
وبالطبع كان موقفا من أعنف وأقوى المواقف التى تغلب فيها الشيخ على نفسه وقلبه بل وعلى والده الذى فوجئ بفعل ولده رغم إكباره له
وكان ثانى معاركه مع نفسه ..
موقفه عندما بلغته أخبار نكسة عام 1967 م وكان ساعتها بالجزائر ..
وعانى مثلما عانى جميع المصريين داخل وخارج مصر .. وتمثلت المعاناة فى ما لاقاه المصريون بشتى البلدان من شماتة أحيانا ومن غضبة كاسحه فى بلاد أخرى وكان منها الجزائر إلى درجة أن الشيخ ورفاقه تعرضوا لمقاطعه المتاجر الجزائرية لهم حتى متاجر بيع الخبز ..
كان الألم عنيفا والصدمة ذات وجوه .. وفوجئ رفاق الإمام وولده الأكبر الذى كان ساعتها معه البعثة الأزهرية .. فوجئوا بالإمام يسجد لله شكرا فى تصرف أثار دهشة عميقة وأحيانا أثار غضبة أشد ..
حتى أن ولده فقد قدرته على السيطرة على نفسه وهتف غاضبا " ما بالك يا أبي تسجد شكرا وتلك كارثة محققة .. "
فقابل الإمام غضبة ولده فى هدوء وأسف .. ثم قال " يا ولدى لن يتسع ظنك إلى ما بينى وبين ربي .. وغير أن السجود حمدا لله لا يحتاج منا تبريرا فى أى حال .. فاني سجدت لله شكرا أننا نلناها ونحن بأحضان الشيوعية فلو كان النصر معهم لأصبنا بفتنة فى ديننا "
وقد تبدت عظمة الإمام الراحل فى تفهمه لموقف ولده وفقدانه لأعصابه وهو يبرر له بهدوء وحكمة
وقد يقول قائل ..
أننا انتصرنا بحرب أكتوبر بالسلاح والعون الروسي .. ولهؤلاء أقول .. أن المقصد ليس فى العون بالسلاح .. بل المقصد الرئيسي الذى قصده الشيخ هو تطبيقنا للمبادئ الشيوعية أثناء الحقبة الناصرية حتى لو تم تسميتها بالاشتراكية والسير على نفس النهج لا سيما وأن الاتحاد السوفياتى لم يكن بعيدا عن جو المؤامرة فقد كانت الأخبار الكاذبة عن الحشود العسكرية الإسرائيلية بالحدود السورية أول طريق الكارثة بعد أن أصر السوفيات على وجودها بالرغم من سفر الفريق محمد فوزى رئيس الأركان المصري بذلك الوقت ومشاهدته للجبهة بنفسه وعاد لمصر نافيا تلك الأخبار التى أدت بنا إلى الهزيمة الأعنف فى تاريخنا كله .. ولا يمكننا أن ننسي موقف نيكيتا خروشوف قبيل تركه لمقعد الزعامة فى الاتحاد السوفياتى وما كان يوجهه من نقد علنى وضغط عنيف على عبد الناصر لتخفيف القبضة الأمنية على الشيوعيين بمصر وكثير من تلك المشاهد التى أثرت سلبا بأكثر مما جنيناه من ايجابية للعلاقات الإستراتيجية بين مصر والاتحاد السوفياتى
أما المعركة الكبري بين الشيخ ونفسه والتى انتصر فيها انتصارا ساحقا لدينه قبل أن يكون لذاته ..
فقد كان إبان عمله بالجزائر ضمن البعثة الأزهرية هناك .. حيث تمكن من التدخل ووفقه الله إلى أن يكون طريق الصلح بين قبيلتين عظيمتين من القبائل الجزائرية المتناحرة لينهى بينهما فيما يشبه المعجزة عهدا طويلا من الدماء المسفوكة ..
مما كان له أبلغ الأثر فى صورة الشيخ أمام الجماهير هناك خاصة بعد أن احتوى الجميع بمنطقه وحجته وتمكن بفضل الله من تجفيف منابع التآمر التى دفعت بالقبائل للصدام .. ومع فعل كهذا .. تبسم الشيخ وأحس بعزة فى نفسه لهذا الصنيع الجليل ..
وقبل أن تتلاشي ابتسامته من شفتيه ..
هبت روحه الصادقة الإيمان ملقية فى وجهه تحذيرا صارما مخافة أن تغتر نفسه فيحسب نفسه صاحب فضل ومعجزة .. وعلى الفور .. وجد الشيخ الحل للخلاص من تسلط نفسه قبل أن يتخذ منه مسري الدم .. وفى أقرب مسجد إليه دخل إلى دورات المياه العامة وانهمك فى مسح أرضياتها وتنظيفها مما علق بها .. ليكسر لمحة الغرور التى اشتمها إيمانه فلم يرض عنها
فتأملوا يا أهل الحكمة .. !!
وما أكثرها المواقف فى حياة الإمام .. وما أغفلنا عن روائع شخصياتنا وتاريخنا !!


والى اللقاء فى الحلقة الأخيرة






التوقيع

الإيميل الجديد
 
رد مع اقتباس
قديم 01-04-2007, 05:05 AM   رقم المشاركة : 55
معلومات العضو
محمد جاد الزغبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية محمد جاد الزغبي
 

 

 
إحصائية العضو






محمد جاد الزغبي غير متصل


افتراضي مشاركة: شخصيات مصرية .. أسرت النبوغ

نظرات فى فكر الإمام

فى أحد المحافل الثقافية قمت بطرح هذا الكتاب على حلقات مفتوحة للنقاش ..
وقام أحد الكتاب بالتعليق على الحلقة الأولى منه قائلا أن مصر بها أهراما ثلاثة وسماهم كما يراهم .. فقمت بالرد عليه قائلا أن حصر نوابغ المصريين فى ثلاثة فقط هو ظلم فادح .. لأننا نستطيع استخراج العشرات منهم بكل مجال .. فما بالنا إذا أردنا الاختيار فى المطلق
غير أنه فى المطلق يمكننا نوعا ما أن ننتقي ثلاثة من عباقرة المفكرين منعدمى المثل فى القرن الأخير ..

وهم أولئك العظماء الذين لن يتكرروا لما كان بهم من علو الهمة فى الفكر وترفع عن الصغائر وطرقهم أبواب النبوغ عبر أكثر من مجال وانطبق عليهم فعليا قول القائل " ما مات عالم .. إلا وضاع نصف علمه ولو حرص الناس " ..
وهم بالفعل يمثلون أهرام الفكر الثلاثة .. والذين لم يتوقفوا عن الاستزادة من العلم حتى النزع الأخير من حياة اثنين منهم والثالث بارك الله فى عمره .. لأنهم علموا فعملوا بما علموا .. وأيضا نهلوا من العلم ولم يغرهم علو المكانة وتعظيم الناس لهم عن إدراكهم أن ما علموه لا يعد ببحر العلم أكثر من قطرة .. وذلكم هو العالم الحقيقي
وأعنى بهم إمامنا الراحل محمد متولى الشعراوى وأستاذنا المفكر عباس محمود العقاد وعمدة الصحافة والسياسة محمد حسنين هيكل
فالشعراوى لم يتوقف عن المطالعة بشتى أنواعها حتى آخر حياته .. والعقاد وجدوا على صدره عند وفاته كتابا عن جغرافية إفريقيا الوسطى كان يطالعه عندما حان أجله فأسلم الروح .. وهيكل بالرغم من تعديه الثمانين من عمره إلا أنه يبدأ يومه فى الخامسة صباحا بالتركيز فى سماع نشرات الأخبار وموسوعات المعلومات من شتى أنحاء العالم غير ما تضمه ويضمه باستمرار لمكتبته الرهيبة فى شتى صنوف المعرفة .. إضافة إلى أن أحدا من الناس لم يسمع منهم إشارة واحدة إلى أنفسهم بعظم المكانة أو العبقرية .. بل تركوا تلك الأقوال للناس وقنعوا برأيهم فى أنفسهم أنهم لا زالوا تلاميذا فى محراب العلم مهما علت عبقرية كل منهم
وما لا يدركه الكثيرون أن هذا بالأمر ليس بادعاء تواضع .. بل انه ليس تواضعا فى الأصل عند هؤلاء المتفردين .. وتفسير هذا بسيط الإدراك عند من أدرك حقيقة النبوغ فهؤلاء القادة لم يقارنوا أنفسهم بمعاصريهم قط .. بل عرفوا أسرار النبوغ عبر حضارتنا وعرفوا كيف كان العلماء فرهنوا أنفسهم لتلك الدرجة التى لم يدركها غيرهم بزمانهم لأنهم لا يعرفون عن زمن الكبار شيئا
كما أن ثلاثتهم لم يترددوا من التراجع عن سابق مواقفهم التى اتخذوها وتبين لهم خطأها فيما بعد
فهيكل تراجع عن كثير من قناعاته التى اتخذها فى أوقات سابقة بعد أن تبين له خطأ وجهة نظره إزاء ما تكشف له بعد مرور السنوات ومنها تعبيره الذى قال به فى ندوة سجلتها مجلة المصور عام1999 م حيث قال " اننى سعيد بأثر رجعى بما فعله السادات فى المبادرة "
كما لم يتردد فى الاعتراف بوجود هوى وميل منه للرئيس الراحل جمال عبد الناصر وان كان يأمل ألا يغير هذا الهوى من حكمه على فترته كما عبر بنفسه فى الحلقات التى سجلتها له قناة الجزيرة
والعقاد لم يتردد فى الاعتراف بنزعه العنف فى معاملاته واحتدام كلماته وتعبيراته فى معاركه الفكرية حيث عبر قائلا
" اننى لا أزعم أننى مفرط فى التواضع لكننى أجزم يقينا أننى لم أعامل إنسانا بدونية إلا إذا كان عقابا له على سوء أدب "
والإمام الشعراوى لم يتردد فى الاعتراف بخطئه ندما أيد ودعم نشاط شركات التوظيف التى عرفتها مصر فى مستهل التسعينيات وكان نية التأييد حسنة حتى ظهرت الأفاعيل المشبوهة بعد ذلك وهو الأمر الذى دفع الشيخ للتراجع عن تأييدها .. بعدما تمكنت تلك الشركات من خداع أجهزة الدولة ذاتها قبل أن تتمكن من خداع الأفراد
كما أن ثلاثتهم من أساطين الأدب العربي وحفاظه على الرغم من ابتعاد مجالاتهم الرئيسية عن الأدب وتاريخه .. وتلك الصفة تثبت أن التاريخ الأدبي والتراثي عبارة عن مكنون السر والمستودع الحقيقي لكل مفكر فبسواه سيفتقد إلى جسر التواصل اللغوى اللازم للوصول لتلامذته
فالشعراوى كان رحمه الله من رواة الأدب العربي وفنونه كما كان شاعرا قديرا .. وكثيرا ما استخدم الأجوبة المسكتة والمستحسنة فى الأدب العربي للرد بها حين يتعرض لموقف مماثل للذى قرأه فى التراث كما حدث عندما كان بالقاهرة حديثا ووجد شيخه عاتبا عليه لأنه رآه ماشيا فى شارع عماد الدين بوسط القاهرة وهو الشارع الذى اشتهر بالملاهى الليلية فى تلك الفترة
فقال لشيخه فى تخابث ومرح .. وكيف رأيتنى هناك يا شيخنا الفاضل ؟!!
وهو موقف شهير فى التراث العباسي لأحد القضاة رفض شهادة أحد الشهود بالقضية المعروضة أمامه فلما سأله الشاهد عن سبب المنع قال له القاضي " رأيتك فى مدينة كذا ساعة كذا وهى مدينة مشهورة بشهادة الزور والمتاجرة بالذمم "
فقال الرجل فى هدوء .. " أصلح الله القاضي .. عرفنا الحجة ولكن هلا دللتنا ما الذى كان يفعله القاضي المعصوم هناك؟!"
فضحك القاضي لفطنة الرجل وقبل شهادته أمام منطقه الحاسم
والعقاد كان فلته فى نقد العربية والخبرة بها إضافة إلى خبرة مماثلة فى الأدب الغربي .. حتى أنه المفكر الوحيد تقريبا الذى حسم نسبة بعض القصائد التراثية المختلف على نسبتها فى الشعر العربي
وهيكل بلغت عدد أبيات الشعر التى يحفظها ألفي بيت تقريبا من شتى صنوف الشعر قديمه وحديثه ولا توجد جلسة له لا يستشهد بها ببيت شعر عربي أصيل أو مقولة مأثورة كما حدث أثناء لقائه الشهير بالجامعة الأمريكية عام 2000 عندما دعوه ليلقي كلمته وكان مضطرا لإلقائها جالسا ..
فاستهل كلماته معتذرا عن عدم الوقوف أثناء الحديث بخفة ظل وتواضع قائلا ..
كنت أود الوقوف لكن الميكروفونات المثبتة فى سترتى منعتنى وان هذا الموقف يذكرنى ببيت شعر شهير يقول
قل لمن يبكى على طللٍ درس ×× واقفا .. ما ضر لو كان جلس
وهو بيت شعر شهير لأبي نواس الحسن بن هانئ الشاعر الفحل من قصيدته التى رواها لنا صاحب العقد الفريد وكانت تعبر عن سخرية أبي نواس من الشعراء العرب القدامى الذين كانوا يصرون على البكاء وقوفا بأطلال الأحبة فى مستهل قصائدهم

وقد كان الإمام رحمه الله بعيدا بنفسه نائيا عن توافه الأمور والقضايا .. وكانت عقليته الجبارة عبارة عن مقياس حساس لما يعرض له من مسائل يقيمها ويعطيها الوقت تبعا لقيمة كلٍ منها .. مع إدراكه الوثيق لمدى الجدل والمراء الذى تكاثر فى قضايا خلافية حسمت ونوقشت دهرا
ولم تقتصر تلك المزية على الإمام وحده .. بل نجح بعقلية الأستاذ المعلم فى بثها لمختلف تلامذته وما أكثرهم بمصر والعالمين العربي الاسلامى
أولئك الذين جلسوا إليه فى مستهل خواطره وهو يقول قولته الشهيرة .. " وقفنا فى اللقاء السابق عند قول الحق سبحانه ... "
ويختتم أيضا بمقولته الشهيرة " والى لقاء آخر إن شاء الله "
فامتدت بهم الجلسة إلى نهاية التسعينيات حيث وافته المنية غير مقصر ..
ترى الواحد من تلامذته وهو من عامة الناس ذو عقلية موزونة ومتوازنة إزاء قضايا مجتمعه ينأى بنفسه عن كل مراء جريا على دروس شيخه .. وان كان الله مريدا بتلك الأمة خيرا فنأمل أن يكون تلامذة الشيخ قد نقلوا تلك الخصال إلى بنيهم عبر التواصل المأمول بين الأجيال
ولذا كانت ردود الإمام فى القضايا الخلافية حاسمة ومختصرة حسب عمق القضية وغالبا ما كانت تلك القضايا التى تشغل المجتمع تافهة المضمون وتزيت بزى العمق .. مثال ذلك قضية المساواة بين الرجل والمرأة .. سؤل عنها الشيخ فأطلق زفرة حارة تعبر عن سأمه وقال ..
" أريد أن أفهم .. أين هى القضية فى هذا الأمر إذا كان السؤال نفسه خاطئ فى الأساس .. فالسؤال على تلك الشاكلة يجعل من الرجل والمرأة كائنين متناقضين بينما هما متكاملان .. والمقارنة بينهما كالمقارنة بين نعمتى البصر والسمع .. فكلاهما تسد الحاجة فى مكانها فلا محل للمقارنة .. والمساواة قضية مقارنة بين متماثلين وهو ما لا يتوافر بالرجل والمرأة "
والمتأمل الحيادى لإجابة الشيخ يجد فكرا بمعنى حروفه .. يفتت القضية ويعيد تكوينها ثم يردها للسائل بإجابتها ..
أيضا فى مسألة الزى الاسلامى وما انتشر على يد الأفكار المسممة لمختلف الجماعات المذهبية .. من أن الإسلام له زى معين فترى هؤلاء وقد قصروا البنطال على نحو قبيح أو أضافوا الجلباب للبنطال وحرموا ما سواه .. وغير ذلك من مشاهد التنطع الغريبة ..
كان رد الشيخ حاسما .. حيث قال ..
" لا يوجد للإسلام زى محدد .. والأصل بالزى حكما هو مداراة العورة وما تعداه زينه ولم يحرمها الله شريطة ألا تكشف حراما "
بجملة واحدة حوى حكما نافذا قاطعا .. ولكن أين هى القلوب والأبصار ؟!!
وما أكثرها القضايا التافهة التى أخذت موقع الصدارة بين الناس فألهتهم عن حقائق دينهم ودنياهم .. والتى أشك أن مفتعلة الإثارة لكثرة ما نصادفها بحياتنا اليومية .. مثال ذلك الجدل الدائر حتى وقتنا هذا حول حكم الغناء وحكم دخول المنزل بالقدم اليسري و.. و ..
ومنذ فترة خصص أحد البرامج التليفزيونية الحوارية وقت البرنامج لعدة حلقات فى مناقشة علاقة الفراش بين الزوجين ولماذا فقدت رونقها ..؟!
وتلك قضية لا يجوز من الأساس أن تكون محورا لنقاش كما حسمها الإمام الشعراوى بقوله أن العلاقة لا تتطلب وصاية ولا تعليما وفتحها للنقاش يسئ إليها ولا يضيف لأن تأسيسها كعلم وقواعد يقتل الفطرة التى يجب أن تحكمها .. وان كان آباؤنا وأجدادنا أقاموا تلك العلاقة بالرغم من بساطة حياتهم والحياء النقي الذى حكم تربيتهم فهل الأجيال الحالية عاجزة عن استيعاب ما فعله آباؤهم وهم بهذا العصر المتقدم .. فضلا على أن تلك العلاقة يجيدها الحيوان الأبكم بفطرته .. فما بالنا بالإنسان ؟!
وقد أشار الإمام إلى نقطة هامة بتلك القضية عندما قال إن العلاقة الجنسية بين زوجين لم تقنن لتصبح الزوجة مطالبة باتخاذ السبل لإثارة زوجها .. بل كان الزواج إشباعا من حلال لغريزة تثور فى أوقاتها وليس مطلوبا أو كائنا أن تثار بوسائل صناعية للمتعة الحسية فهذا قتل لرسالة الزواج ومساواة بين كرامة العلاقة الشرعية وبين ابتذال بيوت الهوى
وكان من نتاج هذا الإسفاف والابتذال أن خرج من الأجيال أحد الشباب فى قلب رمضان توجه إلى الدكتورة عبلة الكحلاوى أستاذة العقيدة بكلية البنات ليسألها هل يجوز له وهو يشجع النادى الأهلى أن يطلق زوجته التى تشجع نادى الزمالك ؟!
وآخر توجه إلى الدكتور عطية صقر ببرنامجه الشهير فتاوى وأحكام ليسأله هل يجوز له أن يقبل خطيبته فى نهار رمضان؟!

كارثة ولَدها التسطيح للقضايا العقائدية والاجتماعية ألهت الفرد عن التواصل مع عقيدته ومن ثـَم مجتمعه .. وهى ذاتها التى أدت بأحد الكتاب فاقدى البصر والبصيرة لإخراج كتاب كامل أطلق عليه اسما لافتا " لا .. يا شيخ شعراوى " ..!
وبالطبع لفت الكتاب نظر الكثير من تلامذة الشيخ الذين خفوا لشرائه ومحاولة إدراك الكارثة التى وقع بها الشيخ حتى تدفع الكاتب لهذا الاعتراض العنيف .. وبتقليب صفحات الكتاب نكتشف أن الكاتب أقام الدنيا وأقعدها ضد الإمام الذى تسبب فى كارثة فنية لمصر وريادتها بسبب دعمه للفنانات المعتزلات !!
وتلك القضية ذاتها هى التى كانت بمثابة الأرض الخصبة لعدد من الصحف والمجلات لردح طويل من الزمن .. وإذا تأمل المرء فيما يكتبون يجد عجبا .. ويزداد العجب بمطالعه مدى الجرأة فى طرح القضية وبدوا كأنهم يتحدون أن يعلن بحرمة الفن كما يسمونه ..
مع أن القضية فى مجملها بالغه البساطة ..فأين العقل والمنطق الذى يقول باباحه الابتذال تحت مسمى الأعمال الفنية فى مجاهرة علنية بالتسيب .. وأين ما يستند إليه المدافعون بكل حمية عن تلك الأفعال .؟
فالأعمال الفنية ـ بكلمة واحدة ـ ليست حراما فى ذاتها .. بل ما يتجاوز منها حد العقيدة هو الحرام وغيره مباح .. فأين القضية فى الأصل؟!
إن المشاهد المتجاوزة التى تحفل بها بعض الأعمال ليس هناك من دليل على حرمتها من المجتمع قبل أن تكون من العقيدة غير أنها لو حدثت فى طريق عام يُعاقب مرتكبها بإحالته للقضاء بتهمة الفعل الفاضح ..
فكيف يُلام من يفعلها فى طريق عام ولا يُعاقب من ينشرها على الملأ عبر وسائل الإعلام ؟!
ولا يمكننا إهمال سوء النية تجاه الإمام فى هذا الشأن مع محاولات التشهير والطعن .. وكلها وسائل أتت بخيبة أمل لأصحابها لافتقارها للحد الأدنى من الذكاء .. فحتى العداءات والافتراءات يلزم لها قليل من الحكمة حتى يمكن أن تثير الجدل المطلوب وتؤدى أغراضها ..
ولذا فان محاولات النيل من شيخنا الجليل أتت لتدل على تغييب عقول من حاولوا ذلك .. واستخفافهم بعقول الناس لتوجيه مثل تلك الاتهامات الطفولية والتى سكت الإمام عن أغلبها لأنه كان لا يغضب لنفسه إلا نادرا .. بعد أن رهن غضبه لعقيدته وعفا عما دون ذلك
ونذكر من أمثلة تلك الاتهامات البالغة الغرابة له ما جرى على ألسنة خصومه من أنه أضفي على الرئيس السادات صفة الألوهية فى واقعه شهيرة ودلل المتهمون لذلك بقول الإمام عن السادات " أنه لا يـُسأل عما يفعل "
وأصل الواقعة كانت فى إصدار الشيخ الشعراوى إبان توليه وزارة الأوقاف قرارا فى حدود اختصاصه الوزارى فقام رئيس الجمهورية وقتها أنور السادات بإلغاء القرار .. فسأل البعض عن كيفية سكوت الإمام عن هذا الإلغاء ؟
فاندهش الإمام للسؤال الغريب وقال كيف أعترض على قرار سيادى لرئيس الجمهورية وأنا وزير فى حكومته .. الرئيس مسئول وهو لا يسأل عما يفعل من قرارات ؟
وظنها البعض الفرصة المطلوبة للافتئات على الشيخ مستغلين ما ظنوه زلة لسان .. والغريب أن الاتهام جاء من أناس يفترض فيهم أنهم صحافيون وكـتـَاب مرموقين .. فكيف يغيب عنهم وهم أهل الحكم فى ذلك أن القرارات التى يتخذها رئيس الجمهورية تـُعد من قرارات السيادة وهى التى يعرَفها القانون الدستورى بأنها القرارات التى تتخذ لمصلحة الدولة وفقا لرؤي رئيس الجمهورية ومستشاريه ولا يكون مسئولا عنها أمام أحد إلا الهيئة النيابية المختصة .. ولا يوجد أى حق لأى وزير فى الإصرار على معرفة سبب لقرار أو إلغاء قرار سيادى إلا بإبداء الرأى وإلا انقلب الوزير رئيسا .. والإمام الشعراوى قـبـِل الاشتراك بالوزارة ومن ثم عليه التزام أى وزير فى التدرج الادارى دونما تمييز كما أن للوزير حق الاستقالة فى حالة عدم الاقتناع بقرار أقره أو ألغاه رئيس الدولة .. أو رئيس الحكومة
بالمثل .. الجندى فى ميدان القتال .. تصدر إليه الأوامر من قائده فيكون لزاما عليه تنفيذها حرفيا ولا يحق له حتى مجرد نقاشها لأن القائد له أسبابه التى لا يـُـتصور طرحها للنقاش حيال تنفيذها وإلا انتهى معنى القيادة من أساسه .. فمسئولية القائد تنبع فى الأصل من تحمله أثر قراراته وما يمكن أن ينتج عنها طبقا لموقعه

هذه واحدة ..
والثانية وهى الأهم افتقاد الاتهام لأى منطق ولو بسيط يخول لمن رمى به أن يرميه .. فكيف يمكن أن يقوم الإمام الشعراوى ـ وهو من هو ـ بإضافة الألوهية لبشري أيا كان وتحت أى ظرف .. بل اننى أتجاوز فأقول إن الإمام لو كان مخادعا أو مهادنا أو مدع .. لما خانه ذكاؤه ودفعه إلى مثل هذا الفعل المكشوف حتى لطفل صغير ..
ثم من قال إن عدم المساءلة يـُعد من صفات الألوهية .. فماذا إذا عن الطفل غير المدرك .. وماذا عن المجنون .. وماذا عن النائم ؟!
هل تـُسأل تلك الفئات عن أفعالها يا ترى .. ؟!

وأيضا من أمثلة الجدل حول الإمام تلك الواقعة التى حدثت فى منتصف التسعينيات اثر صدور كتاب الأستاذ محمد أبو العينين عن الإمام الشعراوى وهو الكتاب الذى احتوى تفاصيل لقائه بالإمام وكان عنوانه .. " الشعراوى .. أنا من سلالة آل البيت "
وبالقطع كان العنوان الذى يحوى عبارة " أنا من سلالة آل البيت " لافتا للنظر .. وبتقليب صفحات الكتاب سنجد أنه كان حوارا مثمرا وبديعا مع الشيخ الإمام وعلى عكس ما كان متوقعا أنه حوار شخصي من صحفي موهوب مع إمام مجدد .. لم يحتو الكتاب على تفاصيل شخصية عن الإمام الشعراوى إلا فى الصفحات الأولى من الكتاب والتى صرح فيها الشيخ للمرة الأولى أنه ينتمى إلى أصول يرجع نسبها إلى المصطفي عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم ..
وبعد ذلك انهمك الكاتب فى نقل رواية الشيخ لأحداث موقعه كربلاء وصاغها على نحو محكم يستدر الدمع من عين القارئ المنصف وهو يسترجع تلك الفاجعة التى راح ضحيتها سيد شباب أهل الجنة وعيون أحبابه وأصحابه لا سيما وأن الكاتب اقتبس تأثره من تأثر الشيخ فى روايته ..
إلى هنا والأمر طبيعى وليس به ما يلفت النظر ..
غير أنه بمجرد صدور الكتاب قامت ما يشبه الزوبعة استنكارا لسطر واحد بالكتاب وتركوا ما سواه .. وهو السطر الذى يعلن فيه الشيخ أنه من أهل البيت الأشراف .. ولم يبين المتسائلون ما هو وجه الغرابة بهذا الشأن فهناك نقابة كاملة للأشراف بها أعضاء يثبتون نسبهم إلى أهل البيت الكريم فى طول مصر وعرضها دون أن يلفت هذا نظر أحد ..
وفى إحدى الحوارات الصحفية مع أحد مشاهير الشيوخ بمصر ممن شغلوا مقعد الفتوى فى تلك الفترة .. وأثناء الحوار سأله الصحفي إن كان قرأ ما يتردد من نسبة الشيخ الشعراوى نفسه لأهل البيت .. فإذا بالشيخ الفاضل يعقب قائلا ..
" نعم قرأت هذا الكتاب ولكننى لا أظن أن الشيخ الشعراوى يصرح بهذا الأمر وأظنه أنكره فى حوار صحفي تالي لهذا الكتاب !!"
والسؤال هنا ما هو الفعل الخاطئ فى تصريح الشيخ الشعراوى حتى تقوم الزوبعة المصطنعة حول تلك النسبة ..
وان كان فى الأمر شيئ فلم لم يتوجه أحد باللوم إلى الدكتور أحمد عمر هاشم الذى شغل مقعد رئيس جامعه الأزهر فترة طويلة من الزمن كما أنه شغل مقعد نقيب الأشراف وعضوية مجلس الشعب بالتعيين وله عشرات الأحاديث التى يذكر فيها فضل الله عليه واعتزازه بنسبته إلى أهل البيت
وبمثل هذا كانت معظم الجدليات الدائرة حول الشيخ الإمام من أقلام مصرية ومسئولة تجاه قيمة وقمة فقهية وفكرية ملأت الدنيا شرقا وغربا بعبق غاب عنا منذ عهد أولى الكلمة والرأى العظام ..

فكر الإمام فى الآداب وفنونها ..


للإمام محمد متولى الشعراوى باع طويل مع العربية شعرا ونثرا .. ورؤاه فيها دون شك محل اهتمام واستيعاب أولى الأمر المهتمين والقائمين على فنونها .. إضافة إلى إحاطته علما بتراث العربية إحاطة الفلاسفة لا إحاطة العلماء فقط .. فقد حفظ من أبيات الشعر وكلام الأولين ما تستعصي عليه ذاكرة الحفاظ ولم يكن يحفظ فقط .. بل كان يحفظ من تأمله وفلسفته حول ما وعى من تراث الأدب العربي
ولذلك رأينا إجلاله لشوقي أمير الشعراء إجلالا عظيما لما كان من شوقي فى تاريخه المشرف وأدبه اللافت ونبوغه المتفرد حتى أنه لم يعارض عظيما من عظماء الأمس إلا كان كفؤا له .. وكان بحق واحدا من معشوقي اللغة العربية التى أحبته فباحت له بمكنونات أسرارها
ومن دلائل إجلال الإمام لأحمد شوقي ما قاله عنه فى إحدى حلقات خواطره حول القرءان حيث روى بيتى الشعر الشهيرين
أرسلت بالتوراة موسي هاديا ×× وابن البتول .. فعلـم الانجيلا
وفجرت ينبوع البيان محمدا ×× فسقي الحديث .. وناول التنزيلا

حيث شرح الشيخ البيت الثانى ومدى إبداع شوقي به حين استخدم لفظ السقاية للحديث فى إشارة إلى أن الأحاديث النبوية بالمعنى من عند الخالق سبحانه واللفظ من عند الرسول عليه الصلاة والسلام .. بينما استدم لفظ المناولة مع القرءان الكريم لكون القرءان لفظا ومعنا من عند الله تعالى .. وهو بالتأكيد استخدام لا يقوي عليه إلا من كان بملكة العملاق شوقي
وعقب الشيخ بعد شرحه للبيت قائلا فى إعجاب " هذا هو شوقي .. هذا هو شوقي "
ومن أقوى أفكاره حول الأزمة المعاصرة فى الأدب العربي أجاب الإمام فى هذا الشأن ردا على سؤال المذيع اللامع طارق حبيب فى البرنامج الرائع " من الألف إلى الياء " قائلا
" نعم نعانى من أزمة فى العبقريات الأدبية دون شك بالعصر الحالى .. ومن الغريب أن المتأمل فى العصر الذى تلا العصر المملوكى والعثمانى يشاهد أننا عاصرنا صحوة غير تقليديه فى الأدب العربي من أمثال شوقي وحافظ والبارودى والرافعى والمنفلوطى .. بالرغم من أن هؤلاء الأساطين تربوا على خميرة ضعف إلا أن النهضة بدأت بمعول البارودى وانطلقت بعد ذلك وكان مقدرا لها أن تستمر
غير أنها تراجعت على غير المتوقع .. ويرجع هذا فى الأساس لسببين هامين ..
الأول
وهو نظرية الانبهار .. وهو أن الانبهار الحادث بتلك الشخصيات العملاقة صنع أشبه ما يمكن أن نقول عنه ستارا عن طموح إدراك تلك المواهب .. فعندما ينبهر الناس بشخصية معينة انبهارا يزيد عن الحد يكون هذا الانبهار دافعا على اليأس من محاولة إدراكهم لإيمان المنبهرين بأن من انبهروا بهم فلتات غير قابلة للتكرار
والسبب الثانى
ـ وهو الأهم ـ خنق العبقريات والمواهب والتى أدت إلى ما يشبه الكساح فى كل ألوان مواهب الإبداع .. وحدث هذا بمجئ الأمور التى جدت من حيث الكلمة المحاسب عليها والحظر المفروض والكبت وما عداه من أساليب التسلط .. فتلك الأشياء من أقوى المؤثرات السلبية التى تقف عائقا أمام صعود أصحاب الكلمة لأن العبقرية ترى نفسها حرة ومنطلقة تأبي التحكم وتنفر من التضييق فان تم خنقها فى مجال واحد ابتعدت بطبيعتها عن بقية المجالات وانزوت حتى الموت .."
ويضيف الشيخ فى أسباب الضعف افتقادا الأجيال للتواصل الفكرى مع التاريخ البالغ الثراء فى الأدب العربي وفنونه التى بلغت ذروة لم تبلغها فنون الغرب التى انبهر بها الشباب ..
وضرب الشيخ مثالا بتجربته مع الأدب الغربي المترجم وكيف أنه أدب يتصف بالجدية وبلغ مستوى جميلا من الإجادة لكنه كأدب وفكر لم يرق مطلقا إلى معشار ما ارتقت إليه الفنون والآداب العربية ودلل على ذلك بالمناقشة التى جمعت بينه وبين أحد زملائه من مجيدى الانجليزية وهو الشيخ رياض الخطيب وكيف أن هذا الأخير روى له عن أدب عملاق بريطانيا " ويليام شكسبير " وكيف أنه طلب إلى الشيخ رياض أن يعقدا سويا مقارنة بين موروث شكسبير وموروث نظرائه من فحول العرب فكان الشيخ رياض الخطيب يقول ما قاله شكسبير ثم يأتى الإمام الشعراوى بما يقابله من الأدب العربي ويقارنا المستوى التعبيري والبلاغى وبالطبع كانت المقابلة محسومة
ويخلص الإمام الشعراوى إلى أن جهلنا بآدابنا هو سبب انبهارنا بأعلام الغرب ..
فكر الإمام فى القراءة والكتابة ..
فى نفس اللقاء الحافل من برنامج " من الألف إلى الياء " سأل طارق حبيب عن فلسفة الإمام ورؤاه بالنسبة للمقروء والمكتوب فى حاضرنا فاعتدل الإمام مجيبا ..
" لي فى الكتب وجهة نظر عبر عنها الشاعر أحمد الزين فى قصيدته التى رثا فيها حافظ بيك إبراهيم بدار الأوبرا والتى يقول مطلعها
أفي كل عام .. وقفةٌ فى اثـر ذاهبِ ×× وصوغ دم أرثي به حق صاحبِ
أودع صحبي واحدا بــعد واحدٍ ×× فأفقد قلبي .. جانبا بعد جانبِ

قال فى شأن الكتب والمكتبات
فيا ضيعة الأوراق فى غير طائلٍ ×× ويا طول ما حملت رفوف المكاتبِ
فأزمتنا الحالية للأسف أزمة كثرة المكتوب بغير طائل يذكر مع التكرار والنقل وغيرها .. فإذا تأملت المكتوبات وجدتها مسوخا من الأحرف نتيجة لأن كل شخص أحب أن يكون كاتبا أو مؤلفا بغير موهبة حقيقية .. وقد حاولت أن أقرأ فما وجدت إلا الغث عدا ما ندر ولذا يعد العمر الاطلاع الحقيقي لي قد انتهى بعام 1940 م .. وما تلا ذلك فما يرشحه لي غيري من ثمار ما يقرأ المتخصصون تجنبا منى للغث
أما ما يستميلنى فعلا فهو الاطلاع الدائم على قصص التجارب المعملية وما تنتهى إليه من إثبات قدرة الله فى كونه
أما بالنسبة للكتابة فأنا لا أركن للكتابة غالبا وسبب ذلك أن الكتابة بالنسبة لي مهمة شاقة لأنى حين أكتب لا أعترف بمجرد النزوع للكتابة لأن القلم لهم هيبته ومكانته ومن ثم تكون الكتابة شاقة علىَ .. ولذا يكتب عنى غيري غالبا فيما أقوله سماعيا .. وأيضا أننى حين أكتب سأكتب لمن يقرأ .. بينما حين أتكلم سيكون الخطاب للجميع من يقرأ ومن لا يقرأ "
وفى واقع الأمر أن الإمام كان على حق فيما ذهب إليه من التشاؤم بشأن المقروء هذه الأيام بعد أن امتلأت المكتبات بالغث وطردت السمين وأصبحت دور النشر الجادة فى حالة من الضغط والإفلاس لا سيما المختصة بالتراث منها بعد ضعف الإقبال عليها .. وفى نفس الوقت فان شباب القراء والمثقفين يعانون الويلات فى سبيل الحصول على مرجع نظرا لغلو ثمنه وتكلفة طباعته على إمكانياتهم ..
وان المرء لينظر بعين الحسرة إلى تجربتين رائدتين فى طباعه الكتب وأمهات المراجع التراثية وهما تجربتى سلسلة الذخائر وسلسلة مكتبة الأسرة والتى ترعاهما الدولة .. نظرا لأن التسيب والاستهتار طالهما لغرابة الأمر فبدا هذا العصر ضانا على المثقفين بأى لمحة ضوء رغم عدم اهتمام الناس بالثقافة والمثقفين الذين دفنهم الإهمال ومع ذلك لم يكتفوا بهذا بل بادروا لتمزيق أى منبع لهم أو تركهم لحالهم
فسلسلة الذخائر والتى تختص بطباعه التراث من أمهات الكتب أدبا وفكرا وتاريخا .. تجدها غير منتظمة الصدور فى موعدها المعروف فتارة تصدر عدة كتب فى وقت واحد وتارة أخرى تمتنع عن الصدور لأشهر طويلة .. مع أنها تمثل نافذة المثقفين الكبري لمطالعه التراث فى كتب جيدة الطباعة رخيصة الثمن .. هذا بخلاف عدم توافر نسخ الإصدارات بالقدر الكافي الأمر الذى تسبب فى اضطرارنا لشرائها من باعه الكتب بسور الأزبكية والسيدة زينب وشبرا والعديد من أحياء القاهرة والمحافظات بأسعار السوق السوداء نظرا لندرتها .. وبالطبع بأضعاف الثمن المضروب للكتاب ومنها على سبيل المثال طبعه ألف ليلة وليلة الكاملة ـ العقد الفريد لبن عبد ربه ـ أساس البلاغة ـ ديوان المتنبي وأبو تمام ـ بدائع الزهور فى وقائع الدهور لبن إياس ـ وهناك أحد الباعة بسور السيدة زينب " رضي الله عنها " تمكن من جمع سلسلة الذخائر من أول كتاب إلى آخر كتاب ليعرضها للبيع بثلاثة آلاف جنيه دفعه واحدة ..
وغير ذلك كثير من عيون التراث التى كان من المستغرب على القائمين عليها النهوض لإحيائها ثم لم يكلفوا أنفسهم رعايتها بالشكل الذى يغطى احتياجات أهل القراءة الذين دعتهم حاجتهم إلى استشراق تلك الطبعات فى عصر فقر أهل العلم قبل أن يكون عصر فقر العلم !!
أما المشروع الضخم وهو مشروع مكتبة الأسرة التى تطبع مختلف الكتب فى شتى المجالات بأسعار زهيدة .. فتلك كارثتها أكبر على ناحيتين الأولى فى معيار المجاملة الذى حكم القائمين عليها لإعادة طبع كتب تافهة المعنى والمضمون ولا تهم القارئ الجاد وتلك العينة التى تجدها متوافرة وبكثرة كاثرة فى أى معرض لهيئة الكتاب
والثانى كان فى خضوعها لنفس الداء الذى أصاب الذخائر وهو قلة النسخ المتاحة من أمهات الكتب الفكرية والتراثية وخضوعها لنظرية السوق السوداء على نحو يثير العجب فهناك العديد من مطبوعات كتب التراث لا يمكن لأى قارئ شراءها بسهولة من أى معرض حتى لو كان فى الهيئة ذاتها ولسنا ندرى أين تذهب تلك النسخ .. مثال ذلك طبعه كتاب الطبقات الكبري لمحمد بن سعد الواقدى والذى طبعته مكتبة الأسرة فى إحدى عشر جزء بسعر أربعه جنيهات فقط للجزء بينما ثمن الكتاب الأصلي بدار الخانجى للتراث يتجاوز أربعمائة جنيه .. وهو على تلك الشاكلة يمثل فرصة حقيقية لاقتنائه بأقل من عشر ثمنه .. لكن وللأسف الشديد ما حدث كان العكس تماما فهو غير موجود فى مكتبات الهيئة الرسمية ومتوافر فقط عند الباعة المختصين بأسوار الكتب المختلفة حيث تباع نسخته بأضعاف ثمنها
نفس القصة مع كتاب الحيوان للجاحظ وكتاب التاريخ الأندلسي " دولة الإسلام فى الأندلس " للمؤرخ العلامة محمد عبد الله عنان وتاريخ الجبرتى لعبد الرحمن الجبرتى ..
ومع البحث والتقصي كانت الصدمة فاعلة بتجربة شخصية لي بسور الأزبكية عندما تصادف أن أحد الباعة بهذا السور كان موظفا قياديا بدرجة مدير إدارة بهيئة الكتاب ولخبرته قام بممارسة بيع الكتب بعد خروجه من وظيفته بسن المعاش .. ولأن الرجل متخصص فى مجاله فقد بادرت بسؤاله عن سر انعدام نسخ المطبوعات الهامة لمكتبة الأسرة وندرتها بمعارض الهيئة على النحو الذى يجبرنا على شرائها من الخارج بأضعاف ثمنها ..
ففوجئت بالرجل يطرح أمامى تفسيرا ـ لو صدق ـ لكانت كارثة محققة .. ومؤداه أن بعض القائمين على مشروع مكتبة الأسرة يطرحون نسخ تلك الكتب لمن يعرفونهم من باعه الأسوار ويحجبونها عما سواهم فى صفقة منفعة متبادلة على حساب مصلحة القارئ الذى يضطر إلى شرائها من الخارج وفق الأسعار الجديدة !!
وهو الأمر الذى ذكرنى بما يحدث فى أيام الأعياد والمواسم عندما يخف المغتربون بالقاهرة إلى السفر لقراهم ومدنهم الأصلية فتكون الحاجة ماسة إلى حجز مسبق وتنعدم التذاكر بمنافذها الرسمية وتتوافر فقط عند موظفي الفنادق المحيطة بمحطات القطارات فمن أراد الحجز والحصول على إحدى التذاكر عليه ابتياعها من الفنادق بزيادة تعادل ثلث ثمنها الأصلي !!
والأمر على ذا النحو كفيل بقتل أى أمل لدى سائر المثقفين الذين يعجزون عن مجرد ضمان استمرارهم فى المطالعة رغم رخص ثمن المطبوعات والمشاريع التى تشرف عليها الدولة اسما وتتركها للنهب والاستغلال إثما .. ولا عزاء للفكر وأهله !

وفى مثل هذا الجو الخانق من إهمال الثقافة أولا ثم التضييق عليها فيما بعد .. كان طبيعيا أن يتوجه منحنى الإجادة فى المكتوب إلى منحدر عميق .. فامتلأت جدران المكتبات بأغلفة زاهية ومضامين فارغة على النحو الذى عبر عنه الشيخ الإمام .. وهو الرجل القدير على الكتابة حيث عرف لها حقها رفض اللجوء إليها إلا فيما ندر طالما كان ليس باستطاعته أداء واجب التأليف بضوابطه التى لا يعرف عنها مؤلفو هذه الأيام شيئا .. وهو الأمر الذى انعكس على كلا مجال ..
فمحمد عبد الله عنان أنفق عمره تحضيرا وإجادة ليتمكن من إخراج موسوعة تاريخ الأندلس .. وهيكل يعكف بنفسه على مراجعه كتبه وتصحيح أخطائها المطبعية لفترة طويلة احتراما لقارئه خلافا لفترة الإعداد والكتابة التى قد تطول فى بعض الأحيان من عام لثلاثة أعوام .. والشعراوى أبي الكتابة إلا إذا كان مستعدا لها .. ومؤديا لضوابطها
وقديما كانت أم كلثوم تقضي شهرا على الأقل إعدادا وتدريبا ومراجعه مع فريق عملها قبل خروج القمر ليلة أول خميس فى كل شهر احتراما لمستمعيها الذين ينتظرون روائعها فى شبق وعاطفة ..
فأين نحن من هذا بعد أن صارت الفنون والأفكار خاضعة للنسق الأمريكى فى الوجبات سريعة التجهيز !!

المشهد الأخير

فى المسلسل التليفزيونى الشهير " إمام الدعاة " الذى قام ببطولته الفنان حسن يوسف وقام بتجسيد شخصية الإمام الراحل كان التناول الذى أخرج به المسلسل مشهد انتقال الإمام لرحمة الله عز وجل منافيا لما حدث بالفعل ..
حيث جاء المشهد مصورا الشيخ وهو يتمتم بالشهادة متطلعا إلى الفراغ أمامه قائلا " أشهد أن لا اله الله .. وأشهد أنك محمد رسول الله "
أما الواقعة الحقيقية فقد كانت خلاف ذلك حيث روى من حضر وفاة الإمام بأنه تمتم بعبارات ترحيب وتهليل لأئمة قدماء من أهل البيت رضوان الله عليهم جميعا ..
وفى تبرير هذا التغيير قال الفنان حسن يوسف
" اننى فضلت الكناية بمشهد رؤية الرسول عليه الصلاة والسلام عن رواية الواقعة الحقيقية لأنها أمور غيبية ليس كل عقل قادر على استيعابها "
وواقع الأمر أن وفاة الإمام الراحل عام 1998 م .. كانت خاتمة خير لداعية خير على أحسن ما يفضل الله به عبده الصالح الذى نحسبه على خير ولا نزكى على الله تعالى من أحد وهو حسيبه ..
وكان مشهد النهاية كما رواه المقربون مشهدا يشرف من انتمى إلى الراحل نسبا أو فكرا حيث دلت كلمات الإمام على رؤياه لأهل البيت رضوان الله عليهم وهو بالنزع الأخير .. وأسلم الروح خاتما حياته بكلمات الشهادة لرب العزة والوحدانية له بعد أن حقق أمله الكبير فى إتمام خواطره عن القرءان وهو الأمر الذى كان الإمام يدعو به ليل نهار منذ أن نطق باسم الله تعالى بادئا رحلة التفسير ..
وقد ثار التساؤل فى مصر عقب وفاة الإمام الراحل عن الأجزاء الثلاثة الأخيرة من القرءان والتى لم يسجلها التليفزيون المصري ولم تذع على الجمهور .. حتى اتضح أن الإمام قام بتفسيرها فى مرحلة سابقة ومسجلة لدى البعض من تلاميذ ورفاق الشيخ بالمملكة السعودية وهو الأمر الذى سر من كان يطمح لإتمام تلك الخواطر خاصة بعد أن سخر الله لنا من قام بطبعها وتوزيعها كاملة من أول الأجزاء لآخر الأجزاء بأسطوانات مضغوطة بمقابل متاح بالشكل الذى يكفل لعلم الإمام استمرارا وبقاءً فى المطبوع والمسموع
فرحمه الله من عالم عامل .. ومفكر متكامل .. ورجل أزاح الغمام عن عشرات الخصال التى تاهت بتعاقب الأجيال ..
فكان مثلا فى التواضع والإخبات .. ومثالا إنكار الذات ..

رد إلى الله فضل نعمته .. فأتم الله عليه فيض مثوبته .. ودعاؤنا له أن يجزيه عنا خير الجزاء بجنته ..
بعد أن منَ الله عليه بالخصال الثلاث التى تتيح للمرء عدم انقطاع عمله فى الدنيا بعد وفاته ..
علما يتواصل نفعه فى صدور شاكره .. وأولادا ما أكثرهم يسألون الله له المغفرة .. وعملا ما أطيبه وأطيب أثره فى الآخره

مصادر هذا الفصل


• " من الألف إلى الياء " ـ برنامج مسجل للمذيع طارق حبيب مع الإمام الشعراوى على أربع حلقات مطبوعة / إنتاج شركة " السبكى للإنتاج الفنى
• تفسير الشعراوى " مجلدات متواصلة الإصدار " ـ للإمام الشعراوى / دار أخبار اليوم
• " الشعراوى .. أنا من سلالة آل البيت " ـ محمد أبو العينين / دار أخبار اليوم
• سقوط نظام ـ محمد حسنين هيكل / دار الشروق للطبع والنشر
• عبقرية محمد ـ عباس محمود العقاد / دار المعارف للطبع والنشر
• مذكرات سعد زغلول ـ تحقيق د. عبد العظيم رمضان " ج 8 ـ ج 9 " / الهيئة المصرية العامة للكتاب
• أعداد مختلفة من المجلات والجرائد التالية " الأهرام ـ الأخبار ـ الفجر ـ صوت الأمة ـ روز اليوسف "






التوقيع

الإيميل الجديد
 
رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الرقص علي طبول مصرية حسن غريب أحمد منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي 3 29-04-2006 05:53 PM
إيلات أرض مصرية محمود الأزهرى منتدى الحوار الفكري العام 2 29-11-2005 01:08 AM

الساعة الآن 12:11 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط