الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديات الحوارية العامة > منتدى الحوار الفكري العام

منتدى الحوار الفكري العام الثقافة ديوان الأقلاميين..فلنتحاور هنا حول المعرفة..ولنفد المنتدى بكل ما هو جديد ومنوع.

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع التقييم: تقييم الموضوع: 1 تصويتات, المعدل 5.00. انواع عرض الموضوع
قديم 05-10-2011, 09:27 AM   رقم المشاركة : 25
معلومات العضو
زياد هواش
أقلامي
 
الصورة الرمزية زياد هواش
 

 

 
إحصائية العضو







زياد هواش غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: التاريخ يُقرأ من الأحدث ..

الاجتهاد
مجلة متخصصة تُعنى بقضايا الدينوالمجتمع والتجديد العربي الإسلامي
العددان الواحد والأربعون والثاني والأربعون
السنة الحادية عشر
شتاء وربيع العام 1419هـ / 1999 م

رئيساالتحرير
الفضل شلق ورضوان السيد


مراجعات كتب

قيام الدولة العثمانية
( محمد فؤاد كوبريلي )
مراجعة حاتم الطحاوي

ظلت مشكلة قيام الدولة العثمانية مختلطة بالأساطير ، حتى قام المؤرخ التركي الشهير محمد فؤاد كوبريلي بنفيها ، وكان أول من توصل إلى دراسة هذه المشكلة عن طريق دراسة الحياة الاجتماعية في الأناضول قبل قيام الدولة العثمانية ، وخلال الفترة الأولى لقيامها . وهكذا قام بدراسة الهجرات الأثنوغرافية والحضارية في الأناضول ، مع دراسة المجتمع البدوي والمجتمع القروي ومجتمع المدن ، كما قام بدراسة طوائف أرباب الحرف والطرق الصوفية .
وأدت هذه الدراسة إلى أنه قرر المؤلف أن الدولة العثمانية كانت (دولة من دول أمراء الطوائف) ، لكنها استطاعت بفضل موقعها الجغرافي ، وبشخصية سلاطينها الأوائل ، وبنظمها الإدارية المحكمة أن تتطور لتصبح إمبراطورية .
يعرض القسم الأول من الكتاب لمشكلة تأسيس الدولة العثمانية وتحقيقها ، فيبدأ المؤلف بطرح سؤاله الهام : قام الغزاة من مغول فارس بتقويض أركان دولة سلاجقة الروم في القرن الثالث عشر ، فكيف قام في القرن التالي تنظيم سياسي جديد في أقصى الشمال الغربي من الأناضول على الحدود البيزنطية السلجوقية ؟ وكيف تحول هذا التنظيم في أقل من مائة عام إلى دولة قوية تحكم البلقان وجزءا كبيرا من أناضول السلاجقة ؟ ويخلص في النهاية إلى اعتبار أن ظهور الدولة العثمانية يعد مشكلة من مشكلات تاريخ العصور الوسطى ، وبالنظر إلى النتائج الهائلة التي نجمت عن هذا الحدث التاريخي .
ويتناول المؤلف في القسم الأول من كتابه (نظرية جيبونز) في تأسيس الدولة العثمانية بالعرض والنقد ، ثم يقدم وجهة نظره لكيفية دراسة مشكلة التأسيس ، دراسة علمية . فيذكر أن جيبونز قدم تعليلات سديدة مثال ذلك قوله أن الدولة العثمانية لم تستطع توسيع ممتلكاتها في الأناضول إلا بعد غزو شبه جزيرة البلقان .
وقوله أيضا أن فتح العثمانيين للبلقان لم يكن غزوا يقصد فقط إلى التدمير والسلب ، لكنه كان عملية توطين تنفذ حسب خطة موضوعة بالفعل . إلا أنه لا يمكن الاتفاق معه في آرائه الأخرى التي تذكر أن أرطغرل أبو عثمان الذي تنسب إليه الدولة هو رئيس قبيلة صغيرة وفدت إلى الأناضول في عهد السلطان السلجوقي علاء الدين الأول فارّة من خوارزم أمام زحف جنكيزخان ، فاستقرت في شمال غرب الأناضول . ولما عاشوا في بيئة إسلامية ، فقد دخلوا الإسلام كأبناء جلدتهم من الأتراك السلاجقة . ثم أرغموا جيرانهم البيزنطيين على الدخول في الإسلام ، وتفسير زيادة إعداد بني عثمان لا يتم إلا بذوبان العنصر المحلي من البيزنطيين .
والرأي الأخير الذي يعرضه المؤلف لجيبونز يذكر أن نصار البلقان الذين دخلوا تحت سيطرة الحكم العثماني لم يعيشوا قرونا طويلة إلى جوار المسلمين مثل نصارى الأناضول ، فابتدع العثمانيون في عهد مراد الأول طرقا جديدة لإدخالهم في الإسلام ، مثل نظام (الدوفشرمه) ، فقد كانت العناصر البيزنطية والصقلية في البلقان تفضل أن تدخل الإسلام على أن تسلم أبناءها للعثمانيين .
ويذكر الأستاذ كوبريللي أن نظرية جيبونز التي تحاول جاهدة إرجاع قيام الدولة العثمانية إلى (سبب ديني خالص) ، والتي تعتقد أن الدخول في الدين الجديد أظهر جنسا جديدا هو (الجنس العثماني) ، هي نظرية لا تصمد طويلا لأن إرجاع واقعة تاريخية لها هذه الخطورة إلى العامل الديني وحده ، إنما هو تعليل من جهة واحدة وأنه _ حتى إذا احتوت على حقيقة جزئية _ يظل قاصرا دائما وغير مقنع أمام تعقد الحقيقة التاريخية . ويقوم المؤلف بنقد نظرية جيبونز عن تحول عثمان إلى الإسلام ، عن طريق تفسيره لأحد الأساطير التي تذكر أن عثمان قضى ليلة في دار أحد الزهاد المسلمين ، ورأى القرآن الكريم على أحد الأرفف ، فظل عثمان يقرأ الكتاب حتى الصباح ، ثم نام ورأى فيما يرى النائم كأن ملاكا يبشره بأنه وذريته سيعلو قدرهم لقاء احترامه للقرآن . كذلك اعتمد جيبونز على أسطورة أخرى تذكر أن عثمان طلب من الشيخ "اده بالى" أن يزوجه ابنته إلا أن الأخير رفض ذلك لمدة عامين ، وفي إحدى الليالي رأى عثمان وهو نائم في بيت الشيخ كأن قمرا يخرج من صدره اده بالى ويقع في صدره ، ثم تخرج من سرته شجرة يغطي ظلها الأرض كله . وقام اده بالى بتأويل الرؤيا بأن عثمان سوف تحكم العام كله .
ويتوقف المؤلف عند هذه الأساطير ليرفض اعتماد جيبونز عليها ، ويؤكد على ضرورة النقد الداخلي للحوليات القديمة ، مع التزام كامل جوانب الحذر عند استعمال المعلومات التي توردها الحوليات العثمانية بخصوص هذه العهود المتقدمة . ويدلل المؤلف على رفضه لهذه الأسطورة إلى تواتر روايات أخرى في عدة مصادر تعالج فترة الأناضول في العصور الوسطى ، من ذلك وجود رواية مشابهة تماما في طبقات "ناصري" للجرجاني وهو من مؤرخي القرن الثاني عشر الميلادي . تتعلق بميلاد فاتح الهند "محمد الغزنوي" ، وكذلك في كتاب رشيد الدين "جامع التواريخ" في بلاط الإيلخانين في القرن الرابع عشر ، حيث نرى في الجزء الخاص بتاريخ الغزو وجها آخر لأسطورة الشجرة التي تُرى في الحلم .
ويخلص المؤلف إلى أن جيبونز لم يقف جيدا على الأحوال الدينية في الأناضول في القرن الثالث عشر الميلادي مما جعله يعتمد على آراء متهافتة مثل اعتماده على أسطورة حلم عثمان السابقة ، كذلك زعمه أن قبيلة عثمان إحدى القبائل الهاربة أمام جنكيز خان غير حقيقي ، لأنه اعتمد على كتب الحوليات العثمانية غير الجديرة بالثقة ، وعجز عن تقييم هذه المصادر كما ينبغي .
ويقدم المؤلف تفسيره لزيادة أعداد العثمانيين وإدارتهم القوية بعيدا عن آراء جيبونز السابقة التي أرجعت الفضل في ذلك للسكان البيزنطيين ، فيذكر الأستاذ كوبريلي أن هذا لا يمت للحقيقة بصلة ، فقد كان المسيحيون الداخلين في الإسلام من أسرة كوسة ميخائيل نادرين جدا بين رجالات الدولة العثمانية في القرن الرابع عشر ، والنصف الأول من القرن الخامس عشر ، كما كانت البيروقراطية تستمد أصولها من التقاليد السلجوقية والإيلخانية ، وتؤكد الوثائق أن كبار رجال الإدارة والجيش يكادون جميعا من الترك .
كما ينفي المؤلف قول جيبونز بأن العثمانيين وضعوا نظام الدوفشرمه خصيصا لنشر الإسلام في البلقان ، ويصفه بأنه قول فردي متعسف لا يتفق مع الوقائع التاريخية . ويعود المؤلف ليتفق مع الآراء التي تذكر فضل طائفة الأخيان (التي تحدث ابن بطوطة عن أهميتها الاجتماعية في الأناضول في القرن الرابع عشر ) في لعب الدور الأهم في تأسيس الدولة العثمانية .
وبعد ذلك يضع الأستاذ كوبريلي تصوره لكيفية دراسة المشكلة دراسة علمية ، وذلك بضرورة الإجابة الصحيحة عن تلك الأسئلة الهامة : إلى أي بطن ينتمي مؤسس الدولة العثمانية ؟ متى كان استقرارهم شمال غرب الأناضول ؟ ما هو وضعهم الاجتماعي ؟ ومجموعة الأسئلة الخاصة بالأثنوغرافيا وتاريخ الديانات وتاريخ القانون والتاريخ الاقتصادي.
وفي نهاية الفصل الأول يرى المؤلف أن الجواب الحقيقي على هذه الأسئلة يكمن في إعادة قراءة ونقد المصادر الإسلامية الخاصة بالأناضول في القرن الرابع عشر ، لأنها على الرغم من كونها محدودة جدا _ فإنها لم تستعمل إلا قليلا مثل "الحوليات الفارسية" للأقصراني ت 732 هـ /1332 م ، "الولد الشفيق" للقاضي أحمد النيكيري 733 هـ / 1232 م ، وكتاب "الحوليات الكبير" لعزيز بن أردشير الأسترأباذي (بزم ورزم) ، وكذلك "سلجوقنامه" لنظام الملك ، وكتاب "تواريخ آل عثمان" ، وكذلك كتاب "تاريخ عاشق باشا" . كما يرى أن منهج دراسة هذه الأعمال يجب أن يعتمد على إخضاعها للنقدين الداخلي والخارجي ، طبقا للمنهج التاريخي ، مع دراسة التركيب الطبقي لأتراك الأناضول لمعرفة موروفولوجيا مجتمعهم ، ودراسة تطور نظمهم الدينية والتشريعية والاقتصادية والفنية .
ويتناول المؤلف في القسم الثاني من الكتاب الأحوال السياسية والاجتماعية في الأناضول في القرن الثالث عشر ، والنصف الأول من القرن الرابع عشر ، مع تذكيره بأنه سوف يقوم بالتركيز على الجانب الاجتماعي للوصول إلى إجابات لأسئلة التي طرحها سابقا.
ويستهل الفصل بذكر أكبر حدثين في التاريخ السياسي للأناضول تلك الفترة ، وهما إمبراطوريتين بيزنطينيتين نتيجة نجاح الحملة الصليبية الرابعة في غزو القسطنطينية 1204 ، وهما (إمبراطورية نيقية) في مدينة نيقية ، و (إمبراطورية طرابزون) على البحر الأسود .
كذلك فإن دولة سلاجقة الروم بلغت أوج قوتها في النصف الأول للقرن الثالث عشر أيام علاء الدين كيقباذ الأول ، واستولت لأهداف اقتصادية على الكثير من المدن الحصينة بالساحل الغربي للأناضول
كذلك قامت بغزو موانئ القرم ، وشنت غارات تأديبية على أرمينية الصغرى . واستولت في شرق الأناضول على مناطق هامة على الصعيدين الاقتصادي والعسكري ، ووقفت أمام دولة جلال الدين خوارزم شاه بأذربيجان وإيران , وأقامت بالداخل العديد من المؤسسات الخيرية والمرافق.
كما قامت علاقة طيبة بين سلاجقة الروم وإمبراطورية نيقية البيزنطية ، وبفضل توجهات السلاجقة الشرقية ، وتوجه أباطرة نيقية نحو الغرب لاستعادة القسطنطينية مرة أخرى ، استمر التوازن السياسي على الحدود السلجوقية البيزنطية في القرن الثالث عشر ، واختل هذا التوازن من الناحية الأثنوغرافية في القرن الرابع عشر لغير صالح البيزنطيين بسبب الغزو المغولي للأناضول في القرن الثالث عشر .
ولم يكن مغول (القبيلة الذهبية) بمنأى عن أحداث الأناضول ، فقد تحالفوا مع (المماليك) وبدؤوا في القرن الثالث عشر الميلادي في الضغط على البلقان وعلى السياسات البيزنطية .
وبينما كانت دولة سلاجقة الروم آخذة في الاضمحلال بتأثير الظروف الداخلية والخارجية ، كانت قوى تركية جديدة تتبلور في الأناضول ، وأقدم هذه القوى وأشدها بأسا هي دولة (أبناء قرمان) غربي كيليكيا . وكذلك إمارة (أولاد كرميان) ، التي ظهرت بتأثير عوامل كثيرة تمخض عنها الاحتلال المغولي . ولم تكن الإمارات الأخيرة مجرد تشكيلات سياسية نجمت فجأة في أوائل القرن الرابع عشر على أنقاض الدولة السلجوقية كما كان يظن ، لكنها قوى محلية أفادت من تفكك الإدارة الإيلخانية وتسامحها ، فظهرت بالتدريج في النصف الثاني من القرن الثالث عشر .
ومن الناحية الأثنوغرافية ، فقد وفدت عشائر تركية على الأناضول قبل الغزو المغولي وبعده ، وتم تسكينها في مناطق خاصة بها ، وجملت هذه العشائر إلى مواطنها الجديدة أسماء كثير من القرى والجبال والأنهار الموجودة في وطنهم الأم . وبدأ سكان هذه العشائر التركية ينثالون على الأناضول تحت حماية السلاجقة بعد انتصارهم في "ملاذكرد" ، وأمر سليمان مؤسس دولة سلاجقة الروم بإسكانهم في سهوب وسط الأناضول ، وكذلك بعض الأماكن شمال غربي وجنوب شرقي الأناضول وكانت الدولة السلجوقية تعمد في عملية التوطين هذه إلى أكبر العشائر وأقواها ، فتقوم بتقسيمها إلى عدة أقسام وتسكنها قي أماكن بعيدة عن بعضها ، دفعا لخطر العصيان الذي يمكن أن يعلنه أي تكتل أثنوغرافي قوي، ولا شك أن السلاجقة كانوا يرمون إلى تحطيم التساند القبلي وتمهيد الطريق العام أمام التكون القومي لصالح الأسرة السلجوقية .
ويستمر المؤلف في تتبع العامل الأثنوغرافي ، فيذكر أن الكتل التركية الكثيفة التي تدفقت بعد ذلك على الأناضول بعد ظهور المغول ، ثم ازدادت بعد قيام الحكم الإيلخاني به ، قد ازدادت من أغلبية السكان الترك في الأناضول ، ويستند لإبراز وجهة نظره إلى ما ذكره "ماركو بولو" عن الوضع الأثنوغرافي في أناضول القرن الثالث عشر كما يشير إلى أن الترك _ وقد زادت كثافتهم _ كان لا بد لهم أن يزحفوا خارج الأناضول ، ونحو الغرب بحثا عن أماكن جديدة للاستيطان ، ولم تكن بيزنطة من القوة بحيث تحمي حدودها ، ودخلت بعض العناصر البدوية الباحثة عن المراعي أراضي الدولة البيزنطية ، والتحق البعض منهم بخدمة البيزنطيين.
وهكذا قام المؤلف بإيضاح أهم العوامل المورفولوجية لتضييق الترك على البيزنطيين أواخر القرن الثالث عشر وإبان القرن الرابع عشر ، وذلك التضييق الذي حمل البيزنطيين فألقى بهم بعيدا عن آخر ما احتفظوا به من الأراضي غرب الأناضول .
ويقوم المؤلف بتقسيم مجتمع أتراك الأناضول في القرن الثالث عشر الميلادي إلى ثلاث مجتمعات : البدو ، وأهل القرى ، وأهل المدن . فكان البدو يزاولون الزراعة لكنهم عاشوا أساسا على تربية الحيوان والخيل وصناعة السجاجيد الأناضولية وكانوا يغيرون على القرى المجاورة ، وكان عليهم أداء الضريبة العينية للدولة من القطعان التي يملكونها ، وجرى إعفاء العشائر التي أقطعت المشاتي والمصايف في مناطق الحدود لغايات عسكرية . أما عشائر التركمان فكانت أنقى العناصر التي تمثل القومية التركية ، ولم تكن تعترف بأي نظام اجتماعي غير نظامها العشائري المغاير لمفهوم النظام في الدولة ، وكانت لا تنصاع لقانون وتنظر لأهل القرى والمدن باستخفاف ، فإن وجدت خللا في نظام الإدارة قامت بالهجوم على القرى المكشوفة والمدن الضعيفة الدفاع ، وقوافل التجارة ، وأعملت السلب والنهب ، ومع أن هذه العشائر التركية كانت مسلمة بوجه عام فإنها لم تكن متمسكة بالإسلام بل كانت أكثر إتباعا لتقاليدها المتوارثة التي يغطيها طلاء إسلامي سطحي ، وكانت خاضعة لرؤساء من (غلاة الشيعة) وهم في حقيقة الأمر امتداد للشامانات الترك تعلوهم مسوح إسلامية .
ويذكر المؤلف أن القرويين شملوا أكثرية هامة بالنسبة لعدد سكان الأناضول الذي لم يكن آهلا بالسكان أيام الفتوحات السلجوقية الأولى ، فقد ساهمت الحرب البيزنطية / الفارسية ، والبيزنطية / الإسلامية في تدهور أعداد السكان ، وكذلك الأمر أيام الفتوحات السلجوقية ويرى المؤلف أن بعض العناصر الإسلامية من غير الترك ، وبعض العناصر المسيحية قد وفدت على الأناضول وأسست العديد من القرى ، لكن هؤلاء جميعا تتركوا بالتدريج وسط الأغلبية التركية وتحت الحكم التركي ، وكانت الحياة أكثر تطورا في القرى الواقعة على الطرق التجارية وفي أكناف العقبات ، وفي المناطق التي تزاول صناعات التعدين وكانت القرى تمثل في الغالب إما وحدة دينية وإما وحدة إثنوغرافية ، إذ ربما قطنت بطون معينة من قبائل معينة في بعض القرى، فتعرف هذه القرى باسمها الإثنوغرافي . ولم يمثل أهل القرية طائفة اجتماعية متجانسة ، فكانت كل طائفة تقوم بزراعة أراضيها بنفسها ، وطائفة أخرى تزرع أراضي غيرها مقابل أجر يومي ، وأخرى _ وهي الأكثر _ تستغل رؤوس أموالها في زراعة الأرض التي يملكها الغير لقاء اقتسام الربح مناصفة بالإضافة إلى ارستقراطية قروية قليلة العدد تملك قسما كبيرا من أراضي القرية . يزرع بعضها بتشغيل الفلاحين ، وبعضها بنظام المزارعة بالنصف . وكانت هذه الطبقة تمثل الطبقة الحاكمة في القرية ، وفي نفس الوقت كانت تمثل حائلا دون الاتصال المباشر بين أجهزة الدولة والشعب . وكان الرئيس أو الكخيا يمثل الدولة وسلطتها المالية بالقرية ، ومع أن المفروض أنه كان يعمل على رعاية المنافع العامة لأهل القرية ، فإنه في حقيقة الأمر كان يعمل شريكا لأرستقراطية القرى كما كان يجري إعفاء القرية أو مجموعة القرى من جميع (الضرائب) إذا قامت مقام الدولة في استغلال معدن أو حراسة طريق أو إصلاح أحد الجسور ، أو قامت بأداء عمل يقع في الأصل على عاتق الدولة .
ويذكر المؤلف أن الحياة في مدن الأناضول قد اضطربت لمدة طويلة نتيجة للفتوح السلجوقية . ومع هذا فلم تكن دولة سلاجقة الروم تدعم قواها العسكرية والسياسية في منتصف القرن الثاني عشر وتكون جهازا إداريا محكما حتى تطورت التجارة الداخلية والخارجية ، وساعد ذلك على انتعاش المدن.
وانتهج السلاجقة في القرن الثالث عشر سياسة تجارية فعالة ، من ذلك أنه أوقعوا بأرمينية الصغرى حين أخلت بأمن قوافل التجارة وأرغموها على دفع التعويضات عما ألحقت بالتجارة من أضرار . كما استولوا على ميناء انطاليا لأهميته التجارية الكبيرة . كذلك أقام سلاجقة الروم علاقات تجارية مع البنادقة الذين شغلوا المركز الأول في تجارة البحر المتوسط والبحر الأسود .
ويذكر المؤلف بأن الحركات المغولية وحكم الأيلخانية قد أديا إلى نتائج تجارية طيبة رغم القلاقل الاجتماعية التي أحدثتها ، ورغم الأضرار العسكرية . فاستمرت المراكز الواقعة على الطرق التجارية مثل قونية وقيصرية وسيواس وأرضروم في ازدهارها التجارية عصر الأيلخائين ، والدليل على ذلك ماذكرته المصادر المسيحية ككتابات ماركوبولو ووليم روبروك والمؤرخ الأرمني هايتون ، فضلا عن المصادر الإسلامية .
وأخذ الأتراك _ منذ الفتوحات الأولى _ في سكنى المدن البيزنطية التي استولوا عليها ، وبدؤوا في تنظيم العلاقات الداخلية ، وفي تركيز بعض الصناعات في المدن ، وهكذا تحول الاقتصاد القروي إلى اقتصاد مدني على نحو تدريجي . وأخذت المدن الأناضولية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر في التشكل كمراكز تجارية وصناعية كبيرة تعيش فيها عناصر إثنوغرافية شتى ، ونحل وطبقات اجتماعية مختلفة وأرباب مهن كثيرة ، مثلها بغداد وحلب وغيرها من المدن الإسلامية .
ويلحظ المؤلف أنه منذ القرن الثالث عشر ، كانت المدن القديمة مثل قونية وقيصرية وسيواس تشتمل على السكان الترك المسلمين الذين يشكلون أغلبية ، بالإضافة إلى الروم والأرمن والقليل من اليهود . وكانت نسبة العناصر الأخرى تتغير بطبيعة الحال من مدينة إلى أخرى .
وكان أصحاب كل دين يقيمون في مكان مستقل ، وقامت حياة المدينة بتقريب الفجوات بين المسلمين وغير المسلمين على الصعيد الثقافي ، فعندما مات جلال الدين الرومي اشترك نصارى ويهود قونية مع المسلمين في جنازته ، وكانت العادات والمقدسات المحلية التي ترجع إلى ما قبل المسيحية منتشرة بين سكان المنطقة المسيحيين والمسلمين .
ويفيض المؤلف في الحديث عن الحياة الداخلية في المراكز التجارية والصناعية ذات الأغلبية التركية مثل سيواس ، متناولا التشكيلات المحلية والطوائف الاجتماعية التي تولدت عن طبقة مهنية متقدمة ، فنتحدث عن طبقات أهل المدن من المدنيين والعسكريين ، كذلك عن العلماء والمدرسين والوعاظ وشيوخ الطرق والسادات والشعراء والأطباء والنقاشين والموسيقيين ، وغيرهم من رجال الدولة الذين يتقاضون أموالا من الخزانة العامة .
كذلك يشير المؤلف إلى الكثير من المستشفيات ومطاعم الفقراء والتكايا والمدارس والكتاتيب التي جرى تأسيسها بفضل أوقاف السلاجقة ، ورجال الدولة ، وأثرياء التجار ، وساهم كل هذا في تقديم المدن في الأناضول في القرن الثالث عشر فضلا عن وجود طائفة أرباب الحرف ، التي اعتمدت على طبقة التجار التي قامت بتنظيم النشاط الصناعي ، كما قامت بتدبير أمر القوافل الداخلية والخارجية منها ، وقامت بتوريد حاجات المدينة من الأسواق الداخلية والخارجية ، ولم تكن هذه الطبقة تقوم بتشغيل أموالها في التجارة فقط ، بل كانت تقوم بتشغيل أموال العائلات الأرستقراطية ، وأموال البيروقراطية وأحيانا الأموال البسيطة التي تملكها الطبقة المتوسطة .
ويستمر المؤلف في رصده للأحوال الاقتصادية بالأناضول فيذكر أن الأسواق المحلية كانت تقام داخل المدن أو خارجها ، والأسواق الجامعة التي توفر تبادلا تجاريا أكبر تخضع لحماية الدولة ورقابتها ، وكانت الدولة تحصل ضريبة خاصة على ما يتم بداخلها من المعاملات ، كما كانت تقوم بتجهيز قوة عسكرية لا يستهان بها لحماية الأسواق الكبيرة من غارات العدو . وفي عهد الايلخانيين كانت الضرائب التي تحصل من المدن تسمى (تمغه) ، وبقى هذا المصطلح وبقي نظام الضرائب الأيلخاني مدة طويلة في بعض نواحي الأناضول . كانت لأرباب كل حرفة في المدن الكبيرة سوق خاصة بهم ، مسقوفة أو مكشوفة يزاولون منها العمل في دكاكينهم . وكان كبار التجار وأصحاب الدكاكين من باعة البضائع الثمينة يقيمون في الأسواق المغلقة ، أو ما جاورها من الخانات الكبيرة الآمنة . وفي المدن تجمع أصحاب كل حرفة في طائفة مستقلة وكانت هذه الطوائف ذات التسلسل الرياسي الدقيق تنظر في كل ما يتعلق بالصنعة من مشكلات وتحل ما يقع بين أفرادها من خلاف وتنظم العلاقة بين جهاز الدولة وأرباب الحرف ، وكان من اختصاصها أيضا تقدير الأجور وتعيين مواصفات البضاعة وتحديد ثمنها . وكانت الدولة تراقب هذه الطوائف وتساعدها إذا اقتضى الأمر ، أي أنها كانت تعترف بها كهيئات قانونية ، وتمنحها بعض العقود والامتيازات . واكتسب بعض أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة أهمية خاصة لدى السلاطين ، وكان منهم من يوفد في مهمات دبلوماسية أو استخبارية .
ويشدد المؤلف على أن العامل الأخلاقي هو الذي وقف حائلا بين العمال والثورة على أصحاب رأس المال ، فقد كان مذهبهم الأخلاقي يقوم على الأسس الدينية / الصوفية من ناحية ، وعلى تقاليد البطولة من ناحية أخرى ، ويجعل العلاقة بين العالم ورب العمل كعلاقة المريد بالشيخ ، ويذكر أن هذه الجماعات المعروفة بجماعات الفتوة كانت قد انتشرت في كل البلاد الإسلامية الشرقية ، وكان تشكيه القوي في الأناضول يعرف أعضاؤه بعبارة (أخلير) ، أي الإخوة .
ولم يقتصر وجود هذه التشكيلات على المدن وحدها ، بل وجدت في القرى ومناطق الحدود ، وكان المنتسبون إليها ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة فمنهم رجالات الدولة و أغنياء التجار ، والمشايخ والعلماء وأرباب الحرب ، وكذلك "الحرافيش" ومن لا عمل لهم . كذلك أخذ الصناع في المدن في الانضمام إلى صفوف هذه الجماعات تدريجيا ، لكن معظم المنتسبين إليها في المدن الكبرى كانوا من صغار السن وصبيان أرباب الحرف . ولقد أكدت هذه التشكيلات وجودها في النصف الثاني من القرن الثالث عشر في الفترات التي اختل فيها سلطان الدولة ولعبت دورا هاما في حياة المدن ، وصار يحسب حسابها دائما .
ويخلص المؤلف إلى أن مجتمع أتراك الأناضول في القرن الثالث عشر الميلادي كان من أرقى المجتمعات في العصور الوسطى المتأخرة من ناحية توزيع العمل ، والتطور الاقتصادي . وكانت دولة سلاجقة الروم دولة مركزية النظام ذات نظم محكمة تستمد أصولها من التقاليد الإدارية والسياسية التي سادت في دول السلاجقة الكبار . وكان أناضول السلاجقة متقدما إلى حد ما من الناحية الثقافية ، فانتشرت الكتاتيب بجوار المساجد لتعليم الأطفال القراءة والكتابة وانتشرت المدارس في كل مكان ، وازدهر النشاط الفكري خاصة بعد أن استوطن بالأناضول كثير من العلماء والمتصوفة والشعراء الذين هاجروا من الشرق أمام الزحف المغولي ، وبفضلهم اكتسبت مدارس السلاجقة شهرتها الواسعة .
ويعالج القسم الأخير من الكتاب الحياة على الحدود وتأسيس الإمبراطورية العثمانية ، لكنه يتناول أولا أصل قبيلة عثمان ، فيذكر أن العنصر الذي أنجب أسرة عثمان هو عنصر "غزي" أي تركماني لا يفرق في ذلك عن أغلبية الترك الذين وفدوا مع السلاجقة . ويقبل المؤلف الرأي القائل بأن انتماء العثمانيين كان لقبيلة "قايي" ، التي هاجرت من الشرق إلى الغرب ، وتوطن قسم في أذربيجان وجنوب قفقاسيا ، أما القسم الذي ورد إلى الأناضول فقد تقسم وتفرق في أماكن مختلفة ، فما زال عدد من القرى المتباعدة في الأناضول يحمل اسم قايي.
ويبتعد المؤلف عن التفسيرات الأسطورية الأخرى ، فيقرر انه في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي كان أرطغرل ثم عثمان من بعده رئيسيين لعشيرة صغيرة من عشائر الحدود تنتمي إلى قبيلة قايي ، وكانت هذه العشيرة تخضع نظريا لا عمليا لسلاجقة قونية ثم للآيلخانين ، وكان موطنهم هو منطقة (أسكي شهر الواقعة شمال غرب أفروجيا) على الحدود التركية البيزنطية .
ويتناول الكتاب الحياة على الحدود ، فيذكر التشكيلات العسكرية والإدارية التي أقامها سلاجقة الأناضول على الحدود الشرقية والغربية ، وهي تشكيلات الأوج . وكانت أكبر الأوجاقات السلجوقية تقع غرب الأناضول على حدود إمبراطورية نيقية ، وهكذا كان تركمان الأوج يغيرون لحسابهم الخاص على الأراضي البيزنطية ، ويعودون منها بالغنائم والأسلاب وآلاف الأسرى ، وكثيرا ما تسببوا في الصدام بين بيزنطية والسلاجقة بسبب سياستهم التي خرجت عن سيطرة السلطة المركزية للسلاجقة وصنعت هذه العشائر التركمانية المقاتلة الكثير بجيش فريدريك بارباروسا (الجيش الألماني في الحملة الصليبية الثالثة) ، وهو ما لم تصنعه الجيوش السلجوقية النظامية .
ومع أن إمبراطورية نيقية كانت على وئام مع سلطنة قونية ، فقد غيرت خططها الدفاعية من أجل صد غارات عشائر التركمان ، بواسطة إيجاد فيالق عسكرية للدفاع عن الحدود كانت تسمى Akritai ، أو "الخرائطية" كما جاء في المصادر الإسلامية ، ومع نقل العاصمة إلى القسطنطينية بعد نجاح ميخائيل الثامن باليولوغس في استعادتها من اللاتين 1262 ، ساهم ذلك في إهمال وسائل الدفاع لمدة طويلة ، كما أن الإمبراطور صادر قسما كبيرا من الأراضي التي كان ريعها وقفا على الخرائط ، مما أدى إلى إعلاء العصيان ، ويبدو أن قسما منهم انضم إلى العشائر التركمانية في الجهة المقابلة . وهكذا مكن ضعف الدفاع عن الحدود البيزنطية حكام الحدود من التركمان _ خاصة بعد أن فقدت نيقية صفتها كعاصمة _ من أن يقوموا بتوسيع أراضيهم بالتدريج نحو الغرب ، كما ساعد أيضا على تكوين التشكيلات السياسية الجديدة على الحدود البيزنطية وبخاصة حين ضعف الحكم السلجوقي تخت وطأة المغول .
وعندما اضطربت أحوال بيزنطة نتيجة لعجز الإمبراطورية عن الدفاع عن رعاياها في الشرق ، مع إثقالهم بالضرائب ، أثر بعضهم الدخول في طاعة أمراء الحدود من التركمان لقاء جزية خفيفة ، وأخذت الإمارات التركية الحدودية تتحول بالتدريج من عشائر تحيا على السلب إلى تشكيلات سياسية منظمة تتكفل بمصالح رعاياها .
كما يشير المؤلف عند الحديث عن العناصر الأثنوغرافية والدينية في الأناضول خلال نفس الفترة إلى وجود العديد من العلماء الذين درسوا في العواصم الإسلامية وفي إيران ومصر والقرم ، ومعهم طائفة من أعضاء البيروقراطية السلجوقية والأيلخانية المهاجرة من وسط الأناضول ووضعوا معل _ وبالتدريج _ أساس الجهاز الإداري في إمارات المؤسسات الثقافية . وهكذا تطورت الحياة في مدن وقرى الحدود وزادت كثافتها السكانية .
ولما كانت مناطق الحدود هذه تقع في أقصى "دار السلام" من الناحية الغربية ، وكان الصراع فيها مصطبغا إلى حد ما بالصبغة الدينية ، وله طابع "الجهاد المقدس" ، فقد وفدت على هذه المناطق جماعات مختلفة من الناس يتزينون بزي الدراويش الرحالة (ظاهرهم طلب الجهاد ، وحقيقتهم طلب العيش) .
وعلى الرغم من الدعاية التي كانت تزاولها المدارس الدينية والطرق المستقرة في المدن ، فلم تقع بين المسلمين والنصارى الذين يعيشون تحت حكم واحد في مناطق الحدود أية خصومة ترجع إلى سبب ديني ، وهو ما يؤكد انعدام العداء الديني بين المسلمين والنصارى في الأناضول طوال العصور الوسطى المتأخرة ، وبخاصة فترة الأتراك السلاجقة .

.
.






 
رد مع اقتباس
قديم 05-10-2011, 09:29 AM   رقم المشاركة : 26
معلومات العضو
زياد هواش
أقلامي
 
الصورة الرمزية زياد هواش
 

 

 
إحصائية العضو







زياد هواش غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: التاريخ يُقرأ من الأحدث ..

.
.

ويتناول المؤلف مسألة الدخول في الإسلام ، فيذكر أن انتشار الإسلام في نصارى شرق الأناضول ووسطه لم يبلغ شأنا كبيرا في العهدين السلجوقي والايلخاني ، معتمدا على ما يرويه الأقسراي من أن الجزية التي كانت تجبى من أتراك الأناضول في القرن الثالث عشر قد كونت قسما هاما من الإيرادات العامة . كما يقرر أن الدخول في الإسلام بالأناضول في العهد العثماني قد حدث بالتدريج منذ القرن الرابع عشر ، وأن نسبته لم ترتفع إلا بعد أن رسخت الدولة العثمانية أقدامها في البلقان في القرن الخامس عشر ، ويؤكد أن الدولة العثمانية جرى تأسيسها في القرن الرابع عشر بعناصر تركية خالصة ، فلما آل أمرها بعد النصف الثاني من القرن الخامس عشر إلى أن تصبح إمبراطورية كبيرة تسيطر على عناصر مختلفة ، دخلت في الجهاز الإداري _ كما حدث في الامبراطوريتيين البيزنطية والعباسية . ( عناصر متعثمنةOttamanises )، وإذا كان انتماء قسم كبير من أباطرة بيزنطية إلى عناصر أجنبية لم يتخذ دليلا على عجز العنصر البيزنطي عن إدارة دولاب الإدارة ، فلا يمكن أن يكون موقف الإمبراطورية العثمانية وهو مماثل لموقف الإمبراطورية البيزنطية دليلا على عجز الترك .
ويعرض المؤلف للتشكيلات العسكرية التركية ، فيذكر وجود "الغزاة والأبطال" ، والذين يذكرهم عاشق باشا باسم "غازيان روم" أي غزاة الروم ، وتذكرها المصادر الأخرى "آلبلر" ، ويرجع ظهور هذا التشكيل الاجتماعي العسكري في الأناضول إلى أيام الفتوحات السلجوقية الأولى ، كذلك يذكر وجود طائفة "الأخيان" التي انتشرت في الأناضول ، والتي تشبه طائفة العيارين والشطار والغزاة ، ووجد أشخاص ينتسبون في نفس الوقت للأخيان والغزاة الأبطال ، فيوصف الواحد منهم بأنه ألب وأخي في نفس الوقت . وقام أفراد طائفة الأخيان بالكثير من الثورات المناهضة للسلاجقة ، واستولوا أحيانا على قونية ، قبل أن يردهم السلاجقة . ويؤكد المؤلف أن (لطائفة الأخيان الدور الرئيسي في تأسيس الدولة العثمانية ، وفي إنشاء الجيش الانكشاري) .
كما يتناول المؤلف تشكيلا اجتماعيا ثالثا ، لم يذكره سوى كتاب عاشق باشا زاده ، وهي جماعة باجيان روم "أي منظمة النساء" ، ويظهر المؤلف تعجبه من هذه المنظمة ، ويتساءل ، هل كن حاملات السلاح من نساء القبائل التركمانية الحدودية ؟ ربما كان هذا هو التفسير الوحيد .
أما التشكيل الرابع الذي تحدث عنه عاشق باشا هم طائفة "أبدال الروم" ، أي (الهراطقة من دراويش الأناضول) . وكانت أهم الطرق الكازونية نسبة للمتصوف الإيراني اسحق الكازوروني ، وكذلك الطريقة القلندرية والحيدرية التي انتشرت في الأناضول في القرن الثالث عشر .
وفي نهاية الكتاب يعرض المؤلف للأحداث التاريخية التي اكتنفت عملية تأسيس الدولة العثمانية ، فينبه لجهود عثمان وخلفائه وتوسيع رقعة أراضيهم على حساب بيزنطة في الأناضول ، ثم في البلقان حتى نجاحهم في إسقاط الإمبراطورية البيزنطية تماما ، ثم يذكر العوامل التي حتمت ظهور الدولة العثمانية وساعدت على نموها ، من ذلك موقعهم الجغرافي على الحدود التركية/البيزنطية ، وعدم اتخاذ القبائل التركية الأخرى موقفا عدائيا من دولة العثمانيين الناشئة ، وتدفق العناصر البدوية والقروية التركية على غرب الأناضول منذ القرن الثاني عشر الميلادي . ويشير المؤلف إلى أن سقوط "غاليبولي" في يد العثمانيين قد اجتذب كثيرا من العناصر البدوية وفقراء القرى للاستيطان في الأراضي الخصبة حولها ، فضلا عن هجرة العديد من الفرسان الأتراك أيضا طمعا في الحصول على إقطاعات غنية في الأراضي التي تقع حول غاليبولي .
وبالإضافة إلى قوة الجيش الإنكشاري العثماني ، فقد قام العثمانيون بتقسيم الأراضي المفتوحة إلى إقطاعات تمنح للسباهية الفرسان . وإلى جانب عوامل النجاح السابقة ، لا يمكن إغفال مزايا الحكام العثمانيين الأوائل : عثمان وأورخان ثم مراد بوجه خاص .

انتهى ...

تشرين أول / 2011

صافيتا / زياد هواش

..






 
رد مع اقتباس
قديم 11-10-2011, 11:40 AM   رقم المشاركة : 27
معلومات العضو
زياد هواش
أقلامي
 
الصورة الرمزية زياد هواش
 

 

 
إحصائية العضو







زياد هواش غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: التاريخ يُقرأ من الأحدث ..

الاجتهاد
مجلة متخصصة تُعنى بقضايا الدين والمجتمع والتجديد العربي الإسلامي
العددان الواحد والأربعون والثاني والأربعون
السنة الحادية عشر
شتاء وربيع العام 1419هـ / 1999 م

رئيسا التحرير
الفضل شلق ورضوان السيد


مراجعات كتب

بين عالمين : بناء الإمبراطورية العثمانية
جمال كفادار ( أستاذ الدراسات العثمانية بجامعة هارفرد)
قراءة عبد اللطيف الحارس

الإشكالية العامة التي تناولها الكاتب بدءا هي محاولات كل من كوبرولو وفيتك تفسير قيام الدولة العثمانية بناء على فرضية أحادية الجانب (القبلية أو الغزو) . وعلى الرغم من ميله العام إلى مبدأ الغزو ، إلا أنه قدم ومن خلال فصول كتابه دراسة تحليلية قيّمة لمعنى هذا المفهوم وللتغييرات التي طرأت عليه نتيجة التغييرات السياسية والاجتماعية التي طرأت على مجتمع التخوم الدولة العثمانية كظاهرة تاريخية كانت نتاج مجتمع له خصائصه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، هو مجتمع التخوم كما كانت أيضا نتاج عبقريات أجيال من الشخصيات العثمانية الفذة المُبدعة التي لعبت دورا هاما في وضع الأسس الصلبة التي قامت عليها الدولة ، وتحديد توجهاتها السياسية وديناميكية تحالفاتها وصراعاتها.
إن الوضوح المنهجي الذي اتبعه الكاتب في تحليل المرويات التاريخية ذات الصبغة الأسطورية والتي رفض استخدامها كمصادر تاريخية من قبل العديد من البحاثة ، ومرونته في التعاطي معها ، ليس كتفصيلات دقيقة حقيقية لأحداث وقعت فعلا ، وإنما كخلفية ثقافية اجتماعية سياسية لمجتمع التخوم . كما أن اعتباره للعثمانيين كجزء من هذا المجتمع دون أن يكون لهؤلاء وجود يذكر في المرويات بشكل علم ، أظهر أيضا مدى البراعة المنهجية التي يتحلى بها هذا الكاتب .
أما في تعاطيه مع المصادر التاريخية ، فقد كان عليه أن يتناول موضوعات شائكة عديدة ، من التأثيرات الأيديولوجية والسياسية والدينية ، إلى مشكلة أقدمية المصادر التاريخية ، رافضا فكرة لندنر القائلة أن المؤرخين العثمانيين كانوا مؤرخي بلاط ، دون أن ينفي تأثيرات أيديولوجية الدولة على هذه الكتابات . ويعطي أمثلة تاريخية لكيفية تعاطي المؤرخين مع بعض الأحداث الهامة التي تمحورت حولها إيديولوجية الدولة والتي كان لها تأثيرها على الوجهة التاريخية لتطور الدولة : من مسألة قتل الإخوة ، إلى مسالة مركزية الدولة ، وموقف الدولة العثمانية من مفهوم الغزو خلال هذه التطورات .
ويعمد في النهاية إلى تطبيق المفاهيم والمبادئ التاريخية التي استنتجها من دراسته التحليلية النقدية ، للتوصل إلى رواية تاريخية واضحة حول قيام الدولة العثمانية . فمن إنجازات عثمان الأولى التي شكلت القاعدة الصلبة والأساسية لقيام الدولة ووضعت البذور الأساسية لمفاهيمها السياسية : إستراتيجية المصاهرة ، استراتيجيات عسكرية ، سياسة تحالفات متحركة وديناميكية تخدم حاجة الدولة ، وسياسة مركزية قدر لها في القرن السادس عشر أن تصبح ، بعد أن كانت واحدة من الديناميات لأوائل التاريخ العثماني ، الدينامية المسيطرة في تحديد شكل الدولة التي بنيت في النهاية . وأسلوب الكتاب بشكل عام سلس ومشوّق (رغم بعض الترداد ، والتفصيلات المملة أحيانا) ونتعرف من خلاله ، ومن خلال التجديدات الفكرية والمنهجية التي يطرحها ، على قصة موضوعية تغير الكثير من معارفنا موضحة رؤيتنا لمفهوم قيام الدولة العثمانية . والكتاب موضوعي ومُنصف نشعر معه بحساسية المواقف وأهمية المنعطفات التاريخية التي كان على الدولة العثمانية أن تجتازها ، والثمن ضمن إطار الصراعات والتحالفات ، الذي كان عليها أن تتحمل تبعاته . وفيما يلي أهم الأفكار التي تناولها الكاتب ضمن هذا الإطار العام .
I
يمهّد جمال كفادار لدراسته عن قيام الدولة العثمانية بالتساؤل الذي ساد بين أوساط المؤرخين وطرح بعد الحرب العالمية الأولى عندما أصبح زوال الدولة العثمانية أمرا وشيكا ، وهو كيف يمكن لهذه الدولة التي تظهر الآن ضعيفة ومتداعية ، أن تكون في الماضي على قدر هائل من النجاح ؟ ومن هنا بدأت عودة الاهتمام التاريخي بموضوع قيام الدولة العثمانية التي أسست واحدة من أعرق الإمبراطوريات وأطولها عمرا (1300 _ 1922) إلا أنها وفي الوقت نفسه أقل الإمبراطوريات التي درست أو فهمت في التاريخ العالمي .
ويرى الكاتب في مقدمة كتابه أن الدولة العثمانية قد تطورت من إمارة على أطراف دار الإسلام لتصبح القوة الأعظم في عالم إسلامي أوسع . وكانت ولادتها مميزة وفريدة ، ولكنها وبمعنى معين شكلت أيضا تتويجا للتاريخ العام للمجتمعات السياسية الإسلامية . وبالنسبة لمعظم التراث التاريخي فإن أسلاف عثمان المباشرين وصلوا إلى الأناضول مع الموجة العظيمة الثانية للهجرة التركية من وسط آسيا ، والتي حدثت إثر الهجوم الجانكيزخاني في أوائل القرن الثالث عشر .
الموجة الأولى لهجرة الأتراك حدثت في القرن الحادي عشر عندما عبرت أعداد كبيرة من القبائل التركية ، التي تنتمي بأكثريتها إلى الأوغوز من آسيا الداخلية ، نهر جيحون وتحركت باتجاه غربي آسيا . ومن بين هذه القبائل تمكن السلاجقة من الانخراط السريع في السياسة وعلى أعلى المستويات في بغداد ، وانتهوا إلى تكوين سلالة سيطرت على الدولة . وركزت قبائل أخرى عديدة وجودها على طول الحدود الشرقية للإمبراطورية البيزنطية . وكانت عملية دخول هذه القبائل إلى آسيا الصغرى تتم أحيانا بشكل مستقل ، وأحيانا أخرى بشكل متناقض مع إرادة الدولة السلجوقية .
وبكل الأحوال فإن النزاع المستمر في شرقي الأناضول إبان القرن الحادي عشر أدى إلى المواجهة بين الجيشين السلجوقي والبيزنطي في معركة ملاذكرت (Malntzikert ) (9 آب 1071 م) التي كانت نقطة تحول في تاريخ غربي آسيا بصفة خاصة وفي التاريخ الإسلامي بشكل عام ، إذ بدأ معها تغير مباشر للخارطة السياسية في هذه المنطقة التي لم تعرف الاستقرار النهائي لها لمدة أربعة قرون حين تمكن العثمانيون من إقامة حكمهم الموحد عليها في أواخر القرن الخامس عشر . وعلى الرغم من الانتصارات التي حققها السلاجقة والتي جعلت آسيا الصغرى بمجملها تحت سيطرتهم السياسية ، إلا أن طبيعة حكمهم الذي كان سريع العطب والزوال ، لم يصنع وحدة سياسية حقيقية .
ومن المنصف القول أن سلاجقة الأناضول كانوا يسعون إلى تثبيت سلطتهم في العقود الأخيرة من القرن الثالث عشر ، وفشلهم يُعزى في أكثره إلى عامل خارجي هو الجيوش المغولية التي لاتقهر . ومع خسارة السلاجقة أمام الجيوش المغولية في كوزداغ في آسيا الوسطى سنة 1243 ، ساد الاضطراب والتمزق هذه المنطقة ، في وجود قوى متعددة تخوض صراع حياة أو موت في مرحلة من أشد مراحل العنف والفوضى . وقبل نهاية القرن الثالث عشر كانت عدوى التجزئة السياسية قد أدت إلى بروز إمارات صغيرة متعددة ومناطق قبلية مستقلة نسبيا في مناطق عديدة من الأناضول .
واحدة من هذه الإمارات الصغيرة ، القائمة في الشمال الغربي لبيثينية "Bithynia " التي كانت ما تزال جزئيا تابعة لبيزنطية ، كانت تخص عشيرة شخص يدعى عثمان ، الذي يعتبر المؤسس لإمارة فاقت الإمارات الأخرى ، الأناضولية والبلقانية . ومن هنا بدأت قصة النجاح والتي تتوجت في ظاهرة التوسع في الأراضي التي خضعت للبيت العثماني . كان التوسع العثماني بطيئا بمقارنته مع فتوحات التشكيلات المغولية _ التركية في آسيا الداخلية ، أو حتى بمقارنته مع النهوض السريع للبيت السلجوقي في بغداد مركز الخلافة الإسلامية ، وربما لهذا السبب كان هذا التوسع أكثر استمرارا . فنسبيا أخذ العثمانيون وقتهم في بناء ائتلاف لهم مؤلف من قوى متعددة ، وإعادة بنائه كلما تغيرت الظروف ، وقد كانوا متحمسين لبناء مؤسسات نظامهم السياسي . فكانت عملية بنائهم للدولة تدريجية ولا تخلو من الصراع ، واستمرت أكثر من قرن ونصف منذ أعمال عثمان الأولى إلى فتح العاصمة البيزنطية من قبل حفيده الخامس محمد الثاني (1451 _81) عندما أصبح بإمكاننا القول إن العثمانيين قد توصلوا إلى المستوى الإمبراطوري وكانوا الحل النهائي لعدم الاستقرار السياسي الذي ساد الأراضي الرومانية الشرقية منذ وصول القبائل التركية في القرن الحادي عشر .

II
مالت الكتابات التاريخية للعثمانيين ، منذ بواكيرها المكتوبة في القرن الخامس عشر وحتى حقبة متأخرة من تاريخ الإمبراطورية ، إلى البدء مع سلالة عثمان وحلمه في مواجهة الاضطرابات السياسية والمادية التي سببتها الجانكيزخانية في غرب آسيا . وتبرز هذه الكتابات سلسلة من الحوادث المرتبطة بظهور وتوسع السلطة العثمانية . ولكن أياً من هذه المؤلفات لا يحتوي على أي تفسير أو تحليل لما تذكره من أسباب وعوامل . وإنما هي مجرد سرد لأحداث تتالت ، حول دول وسلالات تعاقبت . وكان هناك مؤلفات جمة لمؤلفين عديدين من عصر النهضة الأوربية ، حللوا قوة النظام العثماني كما أصبحت بعد مرحلة البناء الإمبراطوري ، ولكنهم لم يظهروا اهتماما بعملية البناء بحد ذاتها ، ولذلك لم تركز دراساتهم على الأطوار الأولى من التاريخ العثماني ، أو على المراحل التكوينية للدولة .
الدراسة الأولى المخصصة لقيام الدولة العثمانية ، نشرت سنة 1916 من قبل غيبون (1880 _ 1934) ، الذي كان أول من طرح في دراسة خاصة مسألة جذور الدولة العثمانية . واحدة من تأكيداته الجديدة والجذرية كانت أن عثمان وتابعيه كانوا أتراكا وثنيين يعيشون حياة بدوية رعوية على الحدود البيزنطية . ثم دخلوا الإسلام في مرحلة معينة من عمل عثمان . واعتقد غيبون أن قصة حلم عثمان الإلهي ربما كانت أسطورة ، إلا أنها كانت تهدف إلى التعبير عن فترة معينة من الحياة الفعلية لهذا الزعيم الشاب ، وبالتحديد فترة اعتناقه لدين جديد وإتباعه لسيرة سياسية _ عسكرية جديدة باسم هذا الدين .
وتوضح قصة الحلم أيضا بالنسبة لغيبون ، بأن هؤلاء البدو قد أجبروا العديد من جيرانهم المسيحيين أيضا على التحول نحو الإسلام . وحسب غيبون ، فإن " الأربعمائة خيمة" التي تشكل قبيلة عثمان لا بد أن يكون قد انضم إليها العديد من الداخلين الجدد في الإسلام مما أدى إلى ازدياد عدد هذه الجماعة "عشرة أضعاف" ، وهؤلاء المتحولون الجدد شكلوا أكثرية العثمانيين الأوائل وقدموا الخبرات الضرورية لإقامة حكومة . ولذا يستنتج غيبون بأن "القوة الخلافة للإمبراطورية العثمانية يجب أن لا تعزى للشعب الآسيوي وإنما للعناصر الأوروبية" .
فهذه المؤسسة العثمانية الناجحة لا يمكن أن تكون قد بُنيت من قبل "آسيويين" .
وتمتعت نظرية غيبون باعتراف واسع خارج عالم المستشرقين ، حيث كان معظم الباحثين في التاريخ العثماني وتاريخ الشرق منتقدين لغيبون .
نشر محمد فؤاد كوبرولو (1890 _ 1966) أهم مؤرخي جيله من الأتراك _ أفكاره حول الدولة العثمانية في الثلاثينات . وقد رأى يومها _ ردا على غيبون _ أن التوسع السياسي _ العسكري في الأناضول يعود إلى الضغط الديموغرافي للقبائل التركية الهاربة من الجيوش الجانكيزخانية . وبالنسبة لكوبرولو فإن حاشية عثمان المباشرة تكونت من أعضاء من قبيلة كانوا جميعا من أصل مشترك ، وعندما صمموا على إقامة هيئة سياسية لهم ، فإن أعدادهم قد تزايدت ، من جهة من قبل عناصر تركية من نفس المنطقة ، ومن جهة ثانية من قبل أصحاب خبرة يمثلون الثقافة الإدارية والسياسية للمسلمين _ الأتراك في المناطق الخلفية المعقدة . وقد حدثت بعض التحولات الدينية ، إلا أن الدولة العثمانية كانت أساسا دولة تركية ، بُنيت من قبل الأتراك ، وكل عناصر الثقافة السياسية العثمانية تقريبا يمكن تفسيرها على ضوء التراث الإسلامي _ التركي المستمد من آسيا الوسطى والشرق الأوسط . التضامن الإثني والقبلي وكذلك ميراثهم المؤسساتي المعقد ، سمح لهم ببناء دولة من خلال ضغط ديموغرافي في فراغ سياسي نسبي . رؤية كوبرولو هذه كان لها صدى حسن عند الأتراك وأصبحت حجر الزاوية في الكتابة التاريخية للقومية التركية .
وكان كوبرولو ملتزما بمعتقد قومي أساسي . فإذا كان على الدولة العثمانية أن ترى على أنها من خلق الأتراك ، فإن هؤلاء الأتراك ينبغي أن يكونوا من الأتراك الأصليين الفعليين وليس المتتركين حديثا . لذلك كتب كوبرولو يقول : "من بين رجال الدولة العثمانية العظام الذين اكتسبوا شهرة في القرن الرابع عشر ، وحتى في القرن الخامس عشر ، كان هناك القليل جدا من المتحولين المسيحيين ... والأشخاص الذين كانوا على رأس السلطة والجيش كانوا وبشكل شبه ثابت أتراكا . وكل الوثائق التاريخية التي نملكها تؤكد بشكل قاطع هذه القضية " .
ويبدو أن صحة رواية كوبرولو كان مشكوكا فيها ، ليس بالضرورة بسبب تحليل محتوياتها وإنما وببساطة لأن كوبرولو كان معروفا بانغماسه في مناظرات قومية عنيفة ، وبالتزامه بمفاهيم الصفاء الإثني . وهذا ماجعل قصته حول قيام الدولة العثمانية ، تهبط إلى مستوى أفضل رواية ممكنة لكتابة تاريخ قومي . هذا على الرغم من الاحترام الذي حظي به كوبرولو كبحاثة . وعل أية حال لا يمكننا أن نتغاضى عن رأي جماعة العلماء الأتراك وإلى حد ما البلقانيين ، حيث لا تزال أفكار كوبرولو القبلية _ الإثنية ، إضافة إلى تركيزه على المصادر الإسلامية _ التركية للجهاز الإداري العثماني ، أن تصل إلى مستوى العقيدة تقريبا .
وفي نفس الوقت ، كانت نظرية بول فيتك (1894 _ 1978) ، والتي صاغها في الثلاثينات أيضا كرد على كوبرولو ، قد اكتسبت سمعة عالمية كأفضل قصة مقنعة للنجاح العثماني . لقد وجد فيتك بأن مقولة القبلية الإثنية غير مقنعة ، ولذا فقد ركز على الاستمرارية في الثقافة الإسلامية _ التركية دون أن يُهمل حدوث التحول الديني والتعاون الإسلامي _ المسيحي . بالنسبة إليه ، إن ما أوقد حماسة الفاتحين العثمانيين الأوائل جوهريا هو تعهدهم بالغزو ، وهو " ايديولوجية الحرب المقدسة " باسم الإسلام . وقد بنيت القوة العثمانية على هذا التعهد ، كما عُبر عن ذلك في نقش أقيم في بروسه (بورصة) سنة 1337 ، يُطلق على ابن عثمان ، أورخان لقب "غازي ابن غازي" . ويرى فيتك أن هذه الروحية المشتركة (روحية الغزو) قد أمّنت للمحاربين التلاحم ووحدة الهدف ، بينما أمّنت الخبرات الإدارية للعلماء والبيروقراطيين القادمين من المراكز الثقافية الإسلامية تنظيم هذه الممتلكات التي أصبحت تحت سيطرتهم . وقد ساد بعض التوتر هذين العنصرين لأن الغزاة كانوا ينتمون إلى ثقافة تخوم تداخلت فيها ثقافات المؤمنين والهرطقة . إلا أنه ومع مرور الوقت سيطرت المحافظة الدينية مع بناء العثمانيين لإدارة مستقرة . صيغة فيتك هذه والتي تشترك بالكثير مع صيغة كوبرولو ، ماعدا تجنبها للإثنية وتركيزها الأحادي الجانب على الدافع الديني كسبب رئيسي للقوة العثمانية ، قُبلت بشكل واسع وانتشرت في صيغتها الجوهرية المعروفة بـ "مقولة الغزو" ومما يؤكد في رأي فيتك أهمية روحية الغزو بالنسبة للوضع العثماني الأول ، هو أن جماعة الغزو هذه من الممكن أن ينضم إليها أعضاء من بعض القبائل الأخرى ، إذ إنها لم تكن تتألف من مجموعات قبلية متجانسة ، وعلى الأغلب فإنها تكونت من محاربين مغامرين من خلفيات مختلفة . ولذلك فإن جماعات الغزاة بالنسبة لفيتك لم يكونوا قبائل ، إذ كانت تربطهم ببعضهم البعض كل الروابط ما عدا النسب . ولذلك رفض فيتك فكرة أن القبلية يمكن أن تكون الوسيلة لتأسيس الدولة العثمانية . الفروقات بين كوبرولو وفيتك حول هذه النقطة لم تناقش بشكل واضح في الأبحاث المتأخرة لأن الموضوع قد أثقل بالاعتبارات القومية ونقائضها . ومن هذه الزاوية ، فإن دور المنشقين البيزنطيين والمُهتدين في واحدة من الإسهامات السياسية الأساسية للحضارة الإسلامية _ التركية كان من المواضيع الحساسة والمشحونة .
لقد أصبحت "فرضية الغزو" لفيتك الرواية النهائية لمصادر الدولة العثمانية في جزء واسع من عالم المثقفين . ولقد نُسخ تصور فيتك هذا بشكل خاص وأعيد نسخة إلى أن تحول إلى نص اعتقادي تقليدي في جزء واسع من العالم . إلا أنه ليس بإمكاننا أن نعرض لمقولة فيتك على أنها تمثل إجماعا في هذا الحقل ، كما فعل بعض مؤيديه ، لأن نفس المصير أصاب نظرية كوبرولو في تركيا .
فتح الأرشيفات العثمانية غيّر مجرى الدراسات العثمانية بدءا من سنة 1940 . ففي كتاب صدر سنة 1947 ، طرح جورج ارناكس تساؤلات حول منهجية ونتائج كل من كوبرولو وفيتك . وأهم ما توصل إليه ارناكس هو أن نظرية غيبون ، بأن الإمبراطورية العثمانية كانت أساسا من صنع الأوربيين وليست من صنع الشعب الآسيوي ، حصلت على دعم . أما وجهة نظر كوبرولو المعاكسة والقائلة بأن العثمانيين لم يكونوا سوى تجسيد لكل ما هو مسلم وتركي ، فقد انتقدت بشكل لاذع ووصفت بأنها فكرة إثنية تركية حديثة ، وأن فيتك قد أبرز أيديولوجية الغزاة بدلا من العرق التركي ، كما فعل كوبرولو . ويرى ارناكس أنه لم يكن هناك تعصب إسلامي خلف النشاطات العسكرية للعثمانيين الأوائل ، فهدفهم ، كما أوضح ارناكس ، لم يكن نشر الإسلام أو تحطيم المسيحية وإنما وببساطة الغنيمة . وقد أوجز ارناكس نقطتي الاعتراض الأساسيتين ضد فيتك : أولا ، إن نقش بروسه والتاريخ الأحمدي يمكن تجنبهما كأيديولوجية متأخرة ، وأن هناك تعارضا بين روحية الغزو والمواقف غير العدائية للعثمانيين الأوائل نحو جيرانهم البيزنطيين ونحو الديانات ما قبل الإسلامية .
بكل الأحوال يبدو أن هناك إجماعا بين هؤلاء البحاثة من ناحية تقديرهم للدولة العثمانية الأولى . ولكن السؤال الهام هو : إنجاز من كانت؟
يؤكد ارناكس بأنه مع فتح بروسه وجعلها عاصمة الدولة تعزز العثمانيون بالتقدم الاجتماعي لسكانها المدنيين . فتقدم العثمانيون وانتشارهم السريع في أوروبا يعزى إلى التجربة الإدارية والتقاليد المدنية لمواطني بروسه ، ونيقية ونيقوميدية . ومن الواضح إذا أن ارناكس مثل غيبون قد ركز على إسهامات العناصر غير التركية وغير الإسلامية بالأساس في قيام الدولة العثمانية . ولذا فإن بإمكاننا أن نميز وبوضوح بين خطين محددين لطريقة فهم بدايات التاريخ العثماني : الخط الذي اتبعه غيبون وارناكس والآخر الذي اتبعه كوبرولو وفيتك .
ولم يقم أي جدال حيوي جديد أنتج أفكارا وأبحاثا جديدة حتى الثمانينات من القرن العشرين ، حيث ارتفع العديد من الأصوات ، المستقلة عن بعضها البعض ، ضد مقولة فيتك . وعلى الرغم من أن إعادة فتح النقاش حول نظرية تمتعت بالسيادة لحوالي نصف قرن من الزمان ، هو من الأمور المؤكد الترحيب بها ، إلا أن وجهة النقاش هذه ضد مقولة الغزو احتوت العديد من الأخطاء . والأهم من ذلك أنها بنيت على أساسيات دفعت ناقدي فيتك إلى افتراض ، وبشكل أكثر صلابة حتى من المستشرقين الأوائل ، وجود "اسلام حقيقي" في مجتمع التخوم ، افترض تماثل مقاييسه مع "الغزاة الفعليين".
ومن هذه الزاوية ، فإن أكثر المواقف راديكالية كان موقف لندنر الذي كان مستعدا ليتصرف مثل واحد من أعضاء محاكم التفتيش تقريبا ، ويحرم العثمانيين الأوائل من انتمائهم الديني .
وعلى الرغم من كل شيء ، يجب أن يكون واضحا ، أن فرضية الغزو لفيتك ، حتى عندما كانت في أوجها ، لم تحظى بتأييد جميع الباحثين في هذا الحقل ، وكانت هناك دائما بحوث مستمرة عن تفسيرات بديلة . وحتى لو كانت روحية الغزو قد قبلت على أنها لعبت دورا ، إلا أنه كان هناك دائما دافع واضح للتفكير بعوامل أخرى ، وخاصة الاقتصادية والاجتماعية منها ، مثل التجارة ، الديموغرافية ، علاقة البدو _ والحضر ، وكذلك الصراعات الاجتماعية باعتبارها ديناميات أنتجت إمبراطورية . وفي بداية الثمانينات كتب خليل اينالجك _ الذي ما لبث أن ظهر في مقدمة عثمانيي جيله وقدم إسهاماته الخاصة في مسائل عديدة تتعلق بالفترة الأولى من التاريخ العثماني _ مقالة جامعة موجزة ورائعة أدخلت معظم هذه العناصر مع روحية الغزو . فقد رأى اينالجك أن فرضية الغزو كانت أكثر مرونة وأنه من الممكن دمجها في نسيج من العوامل يتضمن حتى المادية منها . ويجب أن يكون واضحا أن هذه المناقشات بقيت مرتبطة بفيتك . فأفكار كوبرولو بالكاد نوقشت ، وأفكار غيبون وارناكس بالكاد ذكرت .
ويرى الكاتب أن خصائص الفئات الاجتماعية (كمجموعة الغزاة) لا يمكن أن تستخلص من التعاريف المعجمية لتسمياتهما ، وإنما من تفاسير المصادر التي تصف أعمال الغزاة ، وعلاقاتهم مع فئات اجتماعية أخرى ، وتصف كذلك خصائصهم الثقافية كما تبرز في بيئتهم التاريخية الخاصة ، ثم يردف مؤكدا : يجب أن نتوجه إلى هذه المصادر لنعرف كيف فهم الغزاة ومناصروهم مبدأ الغزو والمفاهيم المتعلقة به ، ويستغرب محقا من أن أحدا ، من بين الذين يقبلون أو يرفضون دور روحية الغزو في بناء الإمبراطورية العثمانية ، لم يحاول التحقق وعلى قاعدة تحليل دقيق للمصادر التي تروي أعمال الغزاة ، من طبيعة هذه الروحية كظاهرة تاريخية ، لينتهي مقررا أن هدفه بعد إعادة تقييم الكتابات التاريخية ، هو إعادة بناء هذه الروحية المميزة وكذلك البيئة السياسية والاجتماعية للتخوم في أواخر العصور الوسطى للأناضول من أجل التوصل إلى فهم أفضل لقيام الدولة العثمانية .


III






 
رد مع اقتباس
قديم 11-10-2011, 11:42 AM   رقم المشاركة : 28
معلومات العضو
زياد هواش
أقلامي
 
الصورة الرمزية زياد هواش
 

 

 
إحصائية العضو







زياد هواش غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: التاريخ يُقرأ من الأحدث ..

III

ينتقل الكاتب في الفصل الثاني إلى دراسة ونقد وتحليل المصادر التاريخية الأساسية لمسألة قيام الدولة العثمانية . ولكن لا يوجد في الحقيقة أية وثيقة تاريخية أصلية مكتوبة تعود إلى زمن عثمان كأمير . الشيء الوحيد المكتوب والمتبقي منذ أيام عثمان ليس مكتوبا على ورق وإنما على قطع نقدية ، ولا يمكننا أن نستنتج الكثير من هذه الكتابات الموجزة على القطع النقدية . ولكن قبل نقش بورصة لسنة 1337 ، والذي لا يعطينا سوى لمحات مقتضبة عن الصورة الذاتية للعثمانيين الأوائل ، فإننا نجد صكا وقفيا يعود إلى سنة 1324 ، وقيمته التاريخية أنه يذكر أورخان ووالده المتوفى عثمان بألقابهما : " شوكت الدين وفخر الدين " مما يؤكد بأن العثمانيين قد تبنوا تسمية إسلامية تتناسب مع المجتمع الأناضولي المسلم ، وأنهم كانوا مواكبين للتطورات التي طرأت على مجتمع الأناضول . ولذا يبدو من المستحيل أن لا يتأثروا بالعناصر الثقافية التي كانت سائدة وبكثافة في المنطقة .

الغزو في مرويات التخوم
كانت التقاليد الشفهية هي الطاغية في الجانب الثقافي لمجتمع التخوم وخاصة الروايات "التاريخية" التي مثلت مفاهيم هذا المجتمع بكامل مثالياته وإنجازاته . ومن وقائع المصادر المتبقية يبدو أن شعوب التخوم لم تكتب تاريخها حتى القرن الخامس عشر . إلا أنهم أخبروا ما اعتبروه روايات تاريخية محبوكة حول محاربيهم الأسطوريين ودراويشهم . نوعان من المرويات كان لهما دور هام في تشكيل الوعي التاريخي لشعب التخوم : ملاحم المحاربين ، وسير القديسين . وأشهر هذه المرويات "الدنشمند نامه" ، التي سُجلت في أواسط القرن الثالث عشر ، والبطّال سيد غازي وهو محارب عربي أسطوري ، ودنشمند غازي صهر وصديق أبو مسلم ، و"سلطوك نامه" التي جمعت سنة 1470 وتتعلق بسيرة درويش محارب "ساري سلطوك" ، و" حمزة نامه" وتتحدث عن حصان حمزة "أشقر" الذي عاش حياة عجائبية طويلة وخدم كلا من سيد البطّال غازي وساري سلطوك . وتعبر هذه المرويات عن التاريخ الطويل "للجهاد في سبيل الله". وهي تتميز باختلاف مراكزها الجغرافية ، ففي حين كان سيد البطّال غازي مقيما في شرق الأناضول ، كان مالك دنشمند مقيما في غرب وشمال الأناضول ، وفي عمق الغرب والبلقان كان ساري سلطوك .
وهذه المرويات لا بد أن يطالها الكثير من التغيير والتعديل ، خلال إعادة الرواية الشفهية أو نقلها ، قبل أن تأخذ شكلها النهائي في الكتابة . وانتقال هذه المرويات عبر الزمان والمكان والبيئة والوسط يبرز العديد من المشاكل . إلا أن هذه المرويات تبقى وبالرغم من ذلك مرتبطة بفهمنا للحياة الثقافية لغرب الأناضول في القرنين الثالث والرابع عشر خاصة وأن هذه المنطقة لم تنتج كتابات تاريخية خاصة بها في تلك الفترة .
الفكرة الأساسية المشتركة بين جميع هذه المرويات هي التركيز على توسيع دار الإسلام أو كسب المتحولين . دون أن يعني ذلك خلوّها من بعض العناصر التي يمكن أن تعتبر "بدعا" من وجهة نظر الإسلام الصحيح .
والحقائق التي تشير إلى التعاون بين محاربي الأناضول المسلمين والبيزنطيين منتشرة في معظم المرويات مما لا يترك أي مجال للشك حولها . فأفضل صديق مقرب إلى سيد بطّال غازي هو عدوه السابق من الجانب البيزنطي .
وفي "الدنشمند نامه" ينتمي الأبطال المحاربون إلى مناطق مختلفة إضافة إلى اختلافهم الديني والإثني . والتحول الديني متوقع عند الانضمام والتعاون . فلقد انضم إلى مالك دنشمند في بداية الرواية ارطوخي وهو ارمني ، وجيته افروميا وهي يونانية ، اللذان اعترفا بالتفوق العسكري والديني والأخلاقي لمالك دنشمند وتحولا إلى الإسلام ، وانشغالهما في الغزو هو فقط الذي منعهما من التفكير في تغيير اسميهما . ولم تقف علاقات المسلمين مع البيزنطيين عند حدود الاندماج والتعاون ، بل تجاوزتها أحيانا إلى إظهار التعاطف مع الثقافة المسيحية . فساري سلطوك يكسب المتحولين من بين البيزنطيين عن طريق إظهار تعاطفه مع ثقافتهم المسيحية ، وقراءة للتوراة أمام كنيسة آيا صوفيا قبل فتح القسطنطينية "بعاطفة دفعت رعايا الكنيسة الأرثوذكسية إلى البكاء" . من الواضح إذا أن شعوب التخوم لم يجدوا أي تعارض بين نضالهم لنشر دينهم وبين انخراطهم في عمليات توفيقية مع أعضاء الأديان الأخرى . فلم يعد العالم بالنسبة للغزاة ، الواثقين بأنفسهم ، مقسما إلى "نحن" و "هم" وإنما إلى "نحن" وهؤلاء الذين "لم يصبحوا نحن بعد" والذين "سيكونون بيننا يوما ما" .
وطريقة السلوك المتبصرة هذه والنابعة من تراكم تجارب الغزاة في آسيا الصغرى ، دفعت المسيحيين إلى تقديس بعض أبطال الغزاة . ففي "المناقب القدسية" التي جُمعت وكُتبت عام 1358 _59 من قبل ألفان جلبي ، والتي تروي مراحل حياة بابا الياس ، والذي عرف إتباعه بالبابائيين ، وكانت حركتهم ناجحة جدا في كسب عقول وقلوب أتباع الديانات الأخرى _ وحاجي بكتاش ، وهو من أتباع بابا الياس ، الذي يُجل من قبل بعض المسيحيين وأطلق عليه اسم القديس شارلمبوس ، كما أن ألفان جلبي نفسه أطلق عليه المسيحيون المقيمون حول ضريحه لقب صديق القديس جورج . وبعكس مناقشات البحاثة المعاصرين لجهة عدم تجانس روحية الغزو مع التعاون والتسامح تجاه المشركين ، فإن انسجام هذين الاتجاهين يُظهر وكأنهما واحد من أدبيات التخوم ، التي توضح نقطة أساسية لروحية الغزو وهي محاولة كسب القلوب والعقول . فالعدو ليس عدوا في النهاية ، وجميع البشر يولدون مسلمين لأن الإسلام هو دين الفطرة . في ظل مثل هذه البيئة فقط كان بإمكان نظام الدفشرمة أن ينجح ، حيث تم جمع الآلاف من غير المسلمين الذين أدخلوا ، وتوصل بعضهم إلى أعلى المناصب الإدارية والعسكرية . وما كان بالإمكان الثقة بهؤلاء المشركين السابقين إلا في ظل مثل هذه البيئة الدينية الثقافية
هذه المصادر جميعها لم يكن لها علاقة مباشرة بالعثمانيين ، إلا أنه ومما لا شك فيه أن العثمانيين كانوا جزءا من محيطهم وقد سمعوا بالأخبار الأسطوري للغازي سيد البطّال ومالك دنشمند كما أن عناصر مماثلة من ثقافة الأوك قد أثرت بهم . فالعثمانيون قد تعاونوا أيضا مع البيزنطيين والقوى المسيحية الأخرى كلما ظهر لهم أن هذه الأعمال مرغوب فيها . ومن هنا فإن مفهوم الغزو السائد لا بد أن يكون قد طال العثمانيين .
ولقد كان لقانون الشرف دوره الهام كلغة مشتركة لشعوب التخوم .
وإلى جانب القتال في سبيل العقيدة أو الحفاظ على الشرف ، فإن محارب التخوم ، أو حتى الدرويش كان بإمكانه ، ودون أن يتعارض مع ذاته أو مبادئه ، أن يسعى ويستمتع بالمنافع المادية للحرب ، كما أنه لا يجد غضاضة أو يحس خطأ في التصريح بذلك . وهكذا فإن بعض القيم التي يظهر أنها متناقضة يمكن أن تتعايش بسلام في التخوم ، فمن جهة يعيش المرء حياته مؤمنا بمثاليات عالية. ومن جهة ثانية ، يتبع طريق الثروة والمجد . المهم أن يبقى الفرد على توازن بين هذين الاهتمامين.
وكلمة تيمور مهمة في هذا المجال حيث قال : " إن الحرب من أجل العقيدة لها ميزتان بارزتان : الأولى أنها تعطي المحارب استحقاقا أبديا ، وهو ضمان الجنة مباشرة في العالم الآخر . أما الثانية فإنها تكسب المحارب ثروات العالم الحاضر " .
إن النقطة الأساسية التي تم التوصل إليها هي استحالة إعادة بناء طبيعة ثقافة التخوم دون الأخذ بعين الاعتبار ما أنتجته بذاتها . وهذا التحليل يتناقض مع بعض النظريات الحديثة للغزاة .

تواريخ البيت العثماني
من الخطأ الافتراض أن مفهوم الغزو لم يتغير ، وأنه كان واحدا منذ الظهور الأول إلى نهاية الإمبراطورية . لقد تعرض مفهوم الغزو لتحولات في التفكير العثماني قائمة عل استمرارية التجربة وإعادة البناء من قبل عوامل تاريخية مختلفة وبطرق مختلفة .
وبالتنافس بين المجموعات والشعوب حول السلطة والسيادة لا يرتبط فقط بالحاضر وإنما أيضا بإنجازات الماضي ، والتنافس في ادعاء الأعمال المجيدة فيه . فمع توسع نفوذ أي مجموعة من المجموعات الأخرى التي أخضعت .
والاختلافات في المصادر التاريخية التي كتبت خلال العهد العثماني يمكن أن تقرأ كآثار لهذه المنافسة بادعاء نسبة الانجازات السابقة .
ففي منتصف القرن السادس عشر ، اعتبرت الدولة العثمانية ، التي أصبحت الآن واعية لدورها كمدافع عن الاتجاه السني الصحيح ، أن الدراويش الذين سيطروا على مزار البطّال في القرن السابع عشر نحو الشيعة البكتاشية ، بينما لم يكن أسلافهم في القرن الثالث عشر متشيّعين . ولا يمكننا افتراض أن الدراويش الذين تجمعوا حول طائفة البطّال أو جماهير القبائل التي نقلت ولاءها إلى الصفويين ، يمثلون الروحية "الحقيقية" والأساسية للغزو ، بينما تخلى عنها العثمانيون ، بل إن الإثنيين ، كل من زاويته الخاصة ، قد أعاد تجديد تراث البطّال ومعنى الغزو . ومن الواضح وجود صيغتين مختلفتين على الأقل منذ القرن السادس عشر ، واثنتاهما كانتا تعبران بطرق ودرجات مختلفة ، عن نوعين مختلفين عن الروحية السابقة .
وعلى الأرجح فإن معظم الكتابات التاريخية العثمانية قد كتبت في السنوات التي تلت معركة أنقرة . ويعتبر التاريخ الأحمدي القصة الأقدم عن أوائل التاريخ العثماني . فقد كُتب للأمير سليمان ، الذي كان أحد المتنافسين لإعادة وحدة الدولة العثمانية بعد خسارة والده لمعركة أنقرة سنة 1402 . وقد كتب يخشي فقيه ابن إمام السلطان أورخان ، مذكراته في هذه السنوات . وكتابه المناقب تعرفنا عليه من خلال كتابات لاحقة وبالأخص تاريخ أبز "APZ " والمناقب هو مجموعة أخرى من الأعمال التاريخية التي كتبت سنة 1422 وشكلت المصادر الأساسية المشتركة لأبز ، ووروك " URUK " والعديد من المؤرخين المجهولين الذين كتبوا في العقود الأخيرة من ذلك القرن .
إن العطاء التاريخي المثير للإعجاب للعثمانيين في القرن الخامس عشر ، يجب أن يفهم في محيط التحولات الواسع للوعي التاريخي للمسلمين _ الأتراك في الأناضول . وهذه التحولات مرتبطة بنضج الهوية التركية "الحقيقية" أو المتصورة حديثا ، مع تاريخ وجغرافية المنطقة كما أعيد تشكيلهما في أواخر الفترة الوسيطة . ولقد برزت أدلة عديدة ، تشير إلى وعي تاريخي جديد عند العثمانيين ، بعد مرحلة التدخل العنيف لتيمور ، ومع وصول محمد الأول إلى العرش سنة 1413 تغيرت قواعد اللعبة . وأهم الأعمال التاريخية التي أنتجت في تلك الفترة خليل نامه كتب سنة 1414 من قبل عبد الوصي جلبي . وتاريخ يزيشي زاده "Yazici Zade " الذي كتب سنة 1430 ،وهو يتناول قصة إمارة عثمان ، والأهم من ذلك أنه يعمد إلى محاولة أساسية ومؤثرة لاستخدام التقاليد السياسية للأوغوز لشرعنة الحكم العثماني . ومن هذه الزاوية ، فإن نسب أرطغرل يعود إلى الفرع القايي المجيد لأبناء أوغوز خان . وقد شكر الله الذي وفّقه لكتابة تاريخ لدعم هذه الفكرة . ثم أضيفت إلى هذه الأعمال لاحقا مجموعة من الحوليات المجدْوَلة "annalistic calenders " والتي كتبت من قبل علماء فلك أناضوليين ، وبعض الدراويش.
إلا أن الإنتاج التاريخي الجديد لم يكتب بالضرورة مباشرة تحت وصاية البيت العثماني بل إنه كان في بعض الأحيان منتقدا للمؤسسة العثمانية . فمع ابتعاد الذاكرة التدريجي عن التجربة التيمورية في النصف الثاني من القرن ، بدأت أصوات المؤرخين الناقدة لمشروع محمد الفاتح الإمبراطوري بالظهور .
فالعقود الثلاثة التالية لفتح القسطنطينية وجعلها العاصمة ، شهدت مرحلة من أكثر المراحل كثافة في تطوير النظام العثماني التقليدي . وأبرز مظاهر هذه العملية هو التحول من إمارة تخوم إلى إمبراطورية ، مع ما رافق ذلك من تغييرات في المجالات الإيديولوجية والمؤسساتية . ومن الواضح أنه كان هناك امتعاض من جهات مختلفة ، للمسعى النظامي لمحمد الثاني لتحقيق مشروعه الإمبراطوري . ومعظم هذا الاستياء وجد طريقا للتعبير في التواريخ وفي الانتقادات ضد التوجه المركزي الإمبراطوري . وأهم عمل تاريخي عثماني ، "تواريخ البيت العثماني" قد كتب من قبل أشخاص عاشوا هذه الفترة وكانوا بمعظمهم دراويش مما جعلهم يتأثرون شخصيا بهذه السياسات .
وعندما استلم بايزيد الثاني السلطة بعد أبيه سنة 1481 , أخذ يبحث عن مستوى مقبول للتهدئة بعد سياسة والده المركزية القاسية . ففي سنة 1484 ، وبعد عودته من حملة ضد المشركين وإثبات أنه لم يتراجع عن روحية الغزو ، أمر بتسجيل ما كان حتى الآن بأكثريته تقاليد شفهية حول الآباء المؤسسين .
ومعظم الكتب الناقدة كتبت بعد هذه الفترة في محيط كان جاهزا لسماع أصواتهم ، إذ إن بايزيد كان يأمل ، من وراء سياسة التساهل التي اتبعها ، استقطاب الطوائف التي لم تصبح بعد ضد العثمانية بالكامل وإخضاعهم لولائه ، مثل البكتاشية .
كل هذه الأعمال التاريخية إضافة إلى عدد كبير من السير يجب أن تقرأ من خلال الخلفية التاريخية التي أنتجتها . فمنذ أوائل القرن الخامس عشر إلى أوائل القرن السادس عشر ، كانت هناك جهتان قد ادعتا الدور الهام في انتصار الإسلام الواضح على المسيحية الشرقية وهما : الدولة العثمانية والطريقة البكتاشية . وابتدأ هذا العمل بتعاون وتجانس بين هذين الغطاءين الواسعين .
ولكنهما ما لبثا أن انتهيا كطرفي نقيض في السياسة والدين . ففي القرن السادس عشر برزت الطريقة البكتاشية الممثل الرئيسي المعارض للعثمانية ومحور الحركات السياسية والدينية المعارضة . ويرى الكاتب أنه ليس من الممكن تقديم نظرة شاملة للكتابة التاريخية لأوائل الدولة العثمانية هنا . وأن هدفه أساسا هو التعامل مع مسائل مختارة تعبر عن الأحداث السياسية والتطورات الأيديولوجية المعاصرة لتلك الفترة . ولا يمكن تصور الكتابات التاريخية العثمانية كطبقات متتالية في تطورها ، لأن هذه الكتابات قد تضمنت أيضا قصصا متنافسة أو غير متجانسة تمثل أوضاعا سياسية وإيديولوجية مختلفة .
ويتعامل لندنر مع مؤرخي القرن الخامس عشر كمجموعة متجانسة : مؤرخي البلاط . والصورة التي أعطاها لندنر للكتابة التاريخية العثمانية هي البصلة . ولب البصلة ( إشارة إلى عنوان فصل المؤلف : تواريخ البيت العثماني : بصل أم ثوم ؟) في روايته هو قبيلة عثمان . ثم تراكمت الطبقات واحدة تلو الأخرى لتغطي هذا اللب وهكذا فإننا في نهاية القرن الخامس عشر ، نواجه بصلة كاملة النضج . ومن هذه الزاوية تتحول الكتابة التاريخية العثمانية ، إن لم نقل كل التاريخ الثقافي العثماني ، إلى مجرد ارتقاء لأيديولوجية الدولة . ولو أخذنا أبز كمثال وكرد على لندنر في آن ، فإننا سنرى أن هذا الكاتب لم يكن مؤرخ بلاط بالرغم من تمجيده للكثير من إنجازات المؤسسة العثمانية ، بل إن تاريخه يعلن عن توجه انتقادي ، شاركه فيه ، وبدرجات مختلفة كل من أوروك والمؤرخين الآخرين . عن ارتباط أبز الشخصي والأيديولوجي بأوساط الغزاة قد تحدد منذ فترة طويلة ، وصحيح أنه قد صنف تاريخه بطلب من بايزيد ، سنة 1484 ، بجمع أعمال أسلافه . إلا أن هذا لا يستوجب تجانسا أيديولوجيا ولا يعطي صفة رسمية لهذا التاريخ .
ويستنتج الكاتب هنا أن القراءة النقدية المبنية على الشك يمكن أن تكشف حقائق هامة . والمشكلة تكمن في الإجمال وعدم التمييز في خصائص التواريخ العثمانية . فالروايات المختلفة تحتاج لأن تفهم من منطلقاتها الخاصة ودون النظر إلى المقارنة بين الاختلافات في النصوص والتوجهات الإيديولوجية . وإذا كانت الأعمال التاريخية العثمانية يجب أن تعالج بحذر شديد . فيجب أن لا ننسى بأنها تحتوي على بعض الأشياء الثمينة النادرة التي نملكها عن أوائل التاريخ العثماني ، وبدلا من إهمالها ، ينبغي علينا أن ندقق في السُدى المتجعدة لنسيجها المعقد ، ونقارن بين المتغيرات بالتفصيل ، ونركز على اختيار القصص والكلمات ، محاولين أن نؤكد أي شيء يمكن لهذه التواريخ أن توضحه عن الحقائق العثمانية الأولى .

قضية عثمان وعمه
ولنأخذ قضية منافسة عثمان لعمه دوندار "Dundar " كمثال ، ذكرها نصري ولكنها مفقودة في معظم المصادر التاريخية الأولى المعروفة . فبعد موت ارطغرل قام نزاع بين عثمان وعمه دوندار على الإمارة . ثم تخلى دوندار عن الإمارة لابن أخيه بسبب الدعم القوي له . إلا أن هذا المخرج التوفيقي كان اصطناعيا إذ نقرأ في مرحلة لاحقة (عن اختلاف في الرأي بين عثمان وعمه) إن عثمان أراد مواجهة قائد بيلسيك المسيحي ، إلا أن دوندار رأى أن لهم الكثير من الأعداء وليس من مصلحتهم زيادة أعدائهم . وقد فسر عثمان هذه الإجابة ، كما كتب نصري ، على أنها تعبر عن رغبة عمه في تقويض مسعاه السياسي . ولذا أطلق سهما على عمه وأرداه قتيلا .
فمن أين حصل نصري على هذه المعلومات التي لا نجدها في أي من المصادر الأولى ؟
التفسير الأقرب هو أن نصري قد أطلع على بعض الأحداث الأولى والتي اختار المؤرخون إبقاءها خارج نصوصهم . وقد ذكر ابن كمال الذي كتب بعد نصري بفترة قليلة واستخدم تاريخه ، نفس الرواية . فمن المؤكد إذا أنه قد كانت هناك قصص عثمان ودوندار ولكنها لم تظهر في نصوص أبز وأوروك والمؤرخين المجهولين الآخرين . لقد كانت وجهة نظر هؤلاء المؤرخين تقوم على أن الشكوك حول الاستقامة الأخلاقية للمؤسسة العثمانية قد بدأت بالظهور في عهد بايزيد الأول (1389 _ 1402 ) ، وأن كل الانحرافات الشيطانية عن الصفاء والمصداقية ابتدأت في هذه الفترة . وكذلك كانت مسألة قتل الأخوة والأقارب والتي اعتبرها هؤلاء المؤرخون ، وبالأخص أوروك ، شرا ، مدّعين بأنها لم تمارس قط في الأجيال الأولى . ولذلك فإنهم كانوا على ثبات في موقفهم اللاغي لكل ذكريات الصراع العائلي في الأجيال الأولى السابقة لبايزيد .
إن معظم المصادر التاريخية ، ومنذ النصف الثاني من القرن الخامس عشر ، عندما شُرّع قتل الإخوة ، رغم وجود معارضة له ولبعض المظاهر الأخرى من السياسة الإمبراطورية في بعض الحلقات النافذة التي سعت ليس فقط إلى محوّ كل ذكريات الانقسام العائلي في الأجيال الأولى ، وإما أيضا حتى مجرد وجود عم ، أو إخوة منافسين ، وبرأت أيضا وبشكل واضح عثمان من مثل هذا العمل "الشرير" .
أما بالنسبة لنصري وابن كمال فإن قتل الإخوة لم يكن شرا مطلقا وإنما هو جزء مقبول من الحياة السياسية وذلك بسبب قيمته النسبية المنظورة كبديل عن حروب أهلية طويلة الأمد أو عن التقسيم . ولذلك فإن هذين المؤرخين لم يمتنعا عن تسجيل قتل عثمان لعمه ، ولم يأخذا موقفا ضد قتل الإخوة .
وابن كمال في الحقيقة ينسب إلى عثمان نفس المنطق الذي روّج له قانون محمد الثاني لشرعنة قرار قتل الإخوة ، قائلا "إن إلحاق الضرر بفرد أفضل من إلحاق الضرر بالعامة ، فأطلق سهما وقتل ... عمه دوندار ، الذي كان طامحا إلى القيادة " .
ونستنتج من ذلك ، أن المؤلفين المتأخرين ربما كانوا يقولون الحقيقة التي قُمعت من قبل المؤلفين الأوائل بسبب أولويات رواياتهم . ولا يمكننا أن نفترض أن المصادر المتأخرة ليست إلا مجرد اشتقاقات عن الأولى . إضافة إلى أن المصادر المتأخرة يمكن أن تقدم معلومات مأخوذة عن مصادر أولى فُقدت . وبكل الأحوال ، فإن قصة نصري حول عم عثمان بعد مرور قرنين على الحدث ، يبدو أنها تقرير موثوق حول حادث هام في حياة عثمان السياسية . ومن الواضح ، أن مهمة المؤرخ أكثر صعوبة من مجرد استخدام المصادر القريبة أو البعيدة كمقياس لمصداقيتها . إذ إن المسألة ليست بالضرورة أن المصدر الأقرب بالزمان لبعض الأحداث التاريخية هو الأكثر ثقة .
لأن هذا المصدر القريب قد يكون أكثر عرضة من غيره للتأثر بالإيديولوجية السائدة التي تُعبر عنها هذه الأحداث .

الغزو : إيديولوجية العلماء
الذين يرفضون إعطاء أي دور لمبدأ الغزو في أوائل التاريخ العثماني ، يذكرونه على أنه بناء إيديولوجي متأخر . لندنر ، أهم الناقدين لمقولة الغزو ، يدّعي بأن ايديولوجية الغزو منسوبة إلى علماء المسلمين الذين بدأوا بالتجمع في أراضي العثمانيين في عهد أورخان . وهؤلاء هم الذين أسبغوا سمات الماضي البطولي الديني المحافظ ، فأصبح الغزو مبدأ مفيدا لتفسير السنوات التأسيسية للسلالة . والسؤال الذي يطرح نفسه هو : إذا كان العلماء المسلمون القادمون من الشرق هم المخترعون والمروجون لايديولوجية الغزو فلماذا انتقدتهم الكتب التي عكست هذه الايديولوجية ؟
حقيقة المسألة أن الشخصيات الدينية الأكثر محافظة (العلماء) كانت منافسة للدراويش الذين مثلوا الإسلام والنضال من أجل العقيدة في السنوات الأولى للعثمانيين ، والذين خسروا الكثير بقدوم العلماء . إن المؤرخين الذين عاشوا في أوساط بيئة الغزو مثل أبز وغيره عبّروا عن استياء الغزاة من السياسة العثمانية الجديدة والتي لعب العلماء دورا هاما في وضع أسسها . والنواحي التي تعرض لها المؤرخون هي نفسها التي تجنبها المؤرخون المؤيدون لسياسة الدولة العثمانية : أولا تطور نظام الإدارة المركزية ، ثم الانتقادات التي وجهت إلى عائلة الجاندرلي الذين كانوا من العلماء والذين احتكروا أعلى المناصب القضائية والإدارية في الدولة العثمانية منذ أواسط القرن الرابع عشر إلى أواسط القرن الخامس عشر . ولا بد من ذكر بعض الفقرات لبعض المؤرخين الداعمين لقضية الغزو ، والمنتقدين لبعض التطورات في المؤسسة العثمانية ، وللعلماء المسؤولين عن إدخال هذه "البدع" .
في هذا الوقت (عهد مراد الأول) لم يكن الحكام طماعين ولكن مع مجيء الجاندرلي خير الدين باشا إلى القصر ، فإن العلماء الطماعين أصبحوا مرافقي الحكام ... وكل الاضطهاد والفساد في هذه الدولة مرده إلى العلماء... فهم يرتكبون الرذيلة واللواط ويتعاطون الربا ولا يفرقون بين الحلال والحرام .
وباختصار فإن أعضاء عائلة الجاندرلي ، مع بقية العلماء متهمون بإدخال البدع الشيطانية إلى الدولة . ومن بين التجديدات الشائنة لقره خليل ، عميد عائلة الجاندرلي ، كانت ضريبة العبيد . إذ اقترح وكان قاضي عسكر في ذلك الوقت ، أن خمس العبيد أسرى الغزوات ، مثلهم مثل أي غنيمة ، يجب أن يؤخذ إلى خزينة الدولة . وقد وافق مراد الأول على هذا الاقتراح . وكانت هذه الضريبة بداية جيش جديد تحت السيطرة المباشرة للبيت العثماني ، الانكشارية ، والذي كان معظم أفراده في البداية من خلال هذه الضريبة التي عرفت بال "بنجيك" أي الخمس . وهذه الانتقادات لا نجدها عند شكر الله أو ابن كمال وإنما عند أبز والمؤرخين المجهولين .
فكيف يمكننا إذا أن نفترض أن هؤلاء العلماء المهاجرين من المراكز الحضرية والثقافية ، حيث لم يكن للغزو مثل هذه القيمة السياسية ، هم الذين أحضروا إيديولوجية الغزو إلى الممتلكات ؟ إضافة إلى الأعمال المسجلة لهؤلاء العلماء تتناقض مع مصالح محاربي التخوم . وهذا لا يعني أن العلماء المسلمين كانوا معارضين لإيديولوجية الغزو ، إلا أنهم فسروها بشكل مختلف ، وأعطوها لونا محافظا يختلف إلى حد ما عن تقاليد التخوم .

IV






 
رد مع اقتباس
قديم 11-10-2011, 11:44 AM   رقم المشاركة : 29
معلومات العضو
زياد هواش
أقلامي
 
الصورة الرمزية زياد هواش
 

 

 
إحصائية العضو







زياد هواش غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: التاريخ يُقرأ من الأحدث ..

IV
ويطرح الكاتب هنا سؤالين هامين يجعل منهما المنطلق لكتابة قصته حول قيام الدولة العثمانية : لماذا تمكن العثمانيون من تسخير دينامية التخوم ، وروحية الغزو ، والتراث الثقافي للمنطقة بشكل ناجح أكثر من خصومهم ؟ وماهي العوامل التي جعلتهم في النهاية يتفوقون على الإمارات الأخرى وحتى الدولة السلجوقية ؟
مما لاشك فيه أن روحية الغزو قد لعبت دورا ، إلا أن العثمانيين لم يكونوا الشعب الوحيد الذي ادعى أنه يجاهد في سبيل الله ، وكذلك الحال بالنسبة للقبيلة ، أو أي مفهوم أو مبدأ أو إيديولوجية أو عقيدة أو عرق أو قانون بإمكاننا أن نتوقع منطقيا أن يكون ميزة عثمانية . إن البحث عن "أسباب النجاح العثماني" لا يمكن أن يكون أحادي الجانب لكل الفترة التاريخية موضوع الدراسة . إن الوضع السياسي والاجتماعي ككل كان في حالة تغير دائم في الأناضول ، بينما كانت السلطة تتركز تدريجيا في أيدي إدارة تخدم السلالة العثمانية . ويركز الباحث على المحركات العامة لهذا التغير ومراحله المهمة في محاولة لفهم الدولة العثمانية كنسق بدلا من فهمها كعلاقة ميكانيكية بين سبب معين ونتيجة .
وقد ركز الباحثون بشكل عام على بعض العوامل التي ساهمت في قيام الدولة . منها أولا ، موقع ولاية عثمان الذي شكل ميزة فريدة ، إلا أن هذا لم يكن مسألة اعتباطية متروكة للظروف ، لأن العثمانيين قد عملوا على تسخير هذه الظروف بطرق معينة ساعدتهم على تحقيق قدرهم . وثانيا ، سياسة المحافظة علو وحدة الإمارة العثمانية ، وخاصة عند انتقال السلطة ، تحت زعامة وريث واحد . وشكلت هذه السياسة فرقا واضحا عن سياسة الإمارات الأخرى التي سمحت بالتجزئة منذ اعترفت بحقوق الورثة جميعا تبعا للتقاليد المغولية التركية . وثالثا ، إتباع العثمانيين منطق المركزية . ورابعا ، الطريقة التي اتبعها بناء الدولة في تغييرهم الناجح لشبكة تحالفاتهم مع القوى السياسية والاجتماعية الأخرى . وصحيح أن كل الإمارات كانت وارثة للثقافة السياسية للسلاجقة في الأناضول ، وهذا ما اعتبره كوبرولو في غاية الأهمية في بناء الدولة العثمانية ، إلا أن العثمانيين كانوا أكثر خبرة في إعادة تشكيل هذه الثقافة لتتوافق مع حاجاتهم ، فكانوا أكثر إبداعا في عمليات الدمج غير المتوقعة للتقاليد المختلفة ، التركية والإسلامية التي اتبعها العثمانيون في طريقهم نحو بناء دولتهم .

استراتيجيات التحالف والصراع ، الإمارة الأولى
تختلف المصادر التاريخية العثمانية في تحديدها لدور الشخصيات العثمانية التاريخية . فبينما تنسب بعض التواريخ إلى ارطغرل قيامه ببعض الغزوات وتحقيق بعض الانتصارات العسكرية . يرى آخرون بأن هذا الجيل لم يكن ناشطا عسكريا ولا سياسيا . ويبدو واضحا من كل هذا بأن سعي العثمانيين وطموحهم السياسي لم يبدأ إلا مع عثمان . فالظروف التي دفعت القبيلة إلى المشاركة الفعّالة في الحياة السياسية للتخوم ، وبالتالي إلى السجلات التاريخية ، قامت حوالي سنة 1290 كما اقترح توغان . فالأكيد إذا أن القبيلة تمتعت بارتفاع أساسي في مستوى نجاحاتها العسكرية وادعاءاتها السياسية المنظورة تحت قيادة عثمان ، ولذا كان اسم عثمان وليس أي واحد من أسلافه ، هو المعرّف للإمارة . ولا نعلم بأي اسم عرفت قبيلته قبل قدومه .
وإذا كان الغموض لا يزال يحيط بالسنوات الأولى من حكم عثمان ، فهذا الغموض أيضا يطال هويته الذاتية . أقدم المصادر البيزنطية تهجئ اسم عثمان كالتالي : أتومان "Atouman " أو أتمان "Atman " واستنتج بعض البحاثة من ذلك أن مؤسس الإمارة العثمانية كان له اسم تركي في البدء ، على الأرجح أتمان "Atman " ثم تغير لاحقا إلى عثمان . والغريب أن مصدرا من أقدم المصادر العربية التي ذكرت اسم عثمان ، المؤرخ والجغرافي العمري سنة 1330 يتهجى الاسم أيضا بالطاء في محلين ثم يذكره لاحقا بشكل صحيح .
وهناك صدى لهذا "الاسم الآخر" في مصدر تركي متأخر ، سيرة حياة الحاج بكتاش المكتوبة في القرن الخامس عشر .
ولا تحتاج هنا إلى إعادة إحياء نظرية غيبون التي تقول بتحول عثمان من الوثنية إلى الإسلام لتفسير تغير اسم عثمان وجعل هذا التغير ممكنا تاريخيا .
فالأسماء التركية ، كانت وما تزال ، تعطى للأطفال الذين يولدون كمسلمين .
فمن يولد باسم تركي لا يعني بالضرورة أنه غير مسلم . إلا أنه إذا كان الاسم الفعلي لعثمان هو أتمان ثم تبنى لاحقا اسما عربيا أكثر هيبة وأشرف مقاما ، فهذا يمكن أن يدل على نقطة انعطاف هامة في الهوية الذاتية أو الأيديولوجية السياسية للعثمانيين الأوائل .
أما طبيعة مفهوم التخوم في غرب الأناضول فقد تميزت بوجود وحدات صغيرة مستقلة لكل منها مساحة أرضية معينة . وكل القرارات والتحضيرات المتعلقة بالحرب والسلام ، التحالف والصراع كانت تؤخذ محليا من قبل قادة تدخل السلطات الكبرى في المراكز السياسية الأساسية . ولم تكن كل القوى الكبرى حاضرة دائما وبنفس القوة وفي نفس الوقت وذلك بسبب قدراتهم ومصالحهم المتغيرة . إلا أنه وعلى الرغم من أن المنطقة لم تكن خالية تماما من تدخل السلطات الكبرى في المراكز السياسية الأساسية . ولم تكن كل القوى الكبرى حاضرة دائما وبنفس القوة وفي نفس وذلك بسبب قدراتهم ومصالحهم المتغيرة . إلا أنه وعلى الرغم من كل شيء ، فقد كانت لهذه القوى سلطة إعطاء الشرعية للقوة المحلية ، وقد كانت هذه الشرعية جزءا من اللغة السياسية لمجتمع التخوم . وبالنسبة للجانب الإسلامي _ التركي في غرب الأناضول قي العقد الأخير من القرن الثالث عشر ، فقد كانت هناك طبقات سلطوية متعددة : خانات المغول وحكامها ، سلاطنة السلاجقة والمماليك ، أمراء سلاجقة لهم وجود مادي وعسكري في التخوم ، أمراء القبائل ، أمراء الأوك المعينون والمُعترف بهم من المغول أو السلاجقة ، الوجهاء الدينيون وأتباعهم ، المغامرون والطامحون . وانطلاقا من هذه الأرضية المعقدة والمتغيرة لمناطق التخوم ، كان من الصعب الحديث عن "الجانب الإسلامي _ التركي" ككيان ذاتي مغلق ، أو "كمجموعة قومية" .
وأظهر عثمان براعة سياسية في هذه البيئة حيث التحالفات تتجاوز الخطوط القبلية والإثنية والدينية . يتحدث أبز عن علاقات عثمان الودية مع قادة المدن والقرى المسيحية ، وليس هناك من سبب يدعونا إلى افتراض أن هذه القصص هي من تلقيفات القرن الخامس عشر .
إن مفهوم الغزو يرتبط بمبدأ الشرف . الصداقات القديمة ، الخدمات والوعود والارتباطات كان لها وزن معين وتأثير على روحية الغزو . ومن الممكن نقض تحالف أو ارتباط إلا أن هذا النقض يحتاج إلى معنى من ضمن هذا المفهوم . وأفضل محاربي التخوم هم أولئك الذين يستطيعون المحافظة على قضيتهم بشجاعة وإصرار ، ويظهرون تعاطفا وشهامة نحو العدو . وصلاح الدين الأيوبي هو مثال محاربي العصور الوسطى . وتأتي علاقات عثمان مع ميهال "Mihal " أحد جيرانه البيزنطيين كدليل على علاقات عثمان الودية مع المسيحيين . وقد كان لميهال وعائلته مرتبة هامة بين الغزاة وفي خدمة الدولة العثمانية ثم تحوّل لاحقا إلى الإسلام . وكان الصراع العثماني مع التتار والجرمانيين أشد منه مع المسيحيين المحليين في أوائل الدولة العثمانية .
ولقد تصرف عثمان ببعد نظر وإستراتيجية طويلة المدى ، وربما اتبع في ذلك غريزته ومتطلبات اللحظة . إلا أنه لم يخطئ في فهمه للنتائج المستقبلية للعلاقات العائلية التي أقامها لنفسه ولابنه . فإحدى زيجاته كانت لابنة شيخ هو رأس مجموعة مزدهرة من الدراويش والرعاة والتخوم . فزواج عثمان من ابنة الشيخ ادي بالي والذي يظهر في نهاية قصة الحلم الذي لا شك أنها مختلقة ، وبسبب ارتباط القضيتين ببعضهما البعض ، شُكّ كذلك بقصة الزواج . إلا أن بعض المصادر المتأخرة تطلق على ادي بالي "والد زوجة عثمان" . كما ذُكرت قصة وجود الشيخ ادي بالي في غرب الأناضول وعلاقته بالبابائية في كتاب سير ألفان جلبي الذي كتب سنة 1358 _ 1359 . وزواج ابنه أورخان من ابنة تكفور يرحصار "Yarhisar " كان مرتبطا كذلك بإستراتيجية سياسية .
أما بالنسبة للإستراتيجية العسكرية للعثمانيين الأوائل ، فإننا لا نعرف عنها شيئا أكيدا حتى معركة بافوس "Bapheus " وهي أول حدث مؤرخ في تاريخ عثمان ، حيث انتصر في مواجهة مع قوة بيزنطية سنة 1301 _ 1302 . المؤرخ البيزنطي باشميرس ذكر هذا الحدث مضيفا أن عثمان قد أغرى الكثير من الترك بالانضمام إلى قواته . فلا بد إذا من أنه كان يوجد في التخوم قسط كبير من المشاركة بين المحاربين ، وتجاذب لهم من قبل رؤساء القبائل . إن إستراتيجية عثمان وقدرته على اجتذاب متطوعين في فترات نشاط عمليات الغزو لا بد أن تكون قد نمت . إلا أن العثمانيين لم يكونوا ، ولفترة طويلة ، أفضل الممثلين لنشاط التخوم . وهذا ما ساعد الإمارة العثمانية ، كما يرى البعض ،في بناء مؤسساتها وتقاليدها السياسية بشكل تدريجي وثابت أكثر من الآخرين . إذ جنبهم ذلك الحملات العسكرية بشكل تدريجي وثابت أكثر لإخضاع الأمراء المستقلين بأنفسهم . إلا أنه لم يكن بالإمكان الحفاظ طويلا على الطبيعة التعايشية السابقة للعثمانيين مع جيرانهم ، فقد أدت الطموحات السياسية إلى غزوات وعمليات عسكرية جدية كالحصار والفتح لمدن محصنة .
وفي كل هذه العمليات ، كان عثمان ومحاربوه يتصرفون بحس تكتيكي واستراتيجي رائع أدى في النهاية إلى استيلائهم على بثينية . وقد أثبت خليل اينالجك مؤخرا بأن فتوحات عثمان قد بُنيت على منطق عسكري واضح .
مركز قاعدة سلطة عثمان ساهم في تحقيق نجاحاته . فمدينة "Sogut " التي تقع على مرتفع يسهل الدفاع عنه ، على الطريق الرئيسية التي تحيط بها المرتفعات وتمتد من القسطنطينية إلى قونية ، كان لها دور جغرافي وسياسي هام . لقد كان لهذا الموقع الصغير أهمية بسبب التجزئة السياسية للمنطقة ، ووضع القوات الموالية لعثمان في نهاية طرف التخوم . فبعد أن انتهى العثمانيون من مواجهاتهم مع الجرميانيين والقبائل التترية ، ووجهوا انتباههم نحو مدن بثينية البيزنطية ، برز هذا الموقع العسكري _ الاستراتيجي ، والسياسي _ الاجتماعي لجيران من الداخل .
وفي ظل عام التنافس في التخوم ، لا شيء ينجح مثل النجاح . إن نجاح هذه المؤسسة الصغيرة التي يرأسها عثمان وأبناؤه في سلسلة من الغزوات والفتوحات لمدن صغيرة في بثينية ، قد دفعت بالكثيرين ، ليس فقط من المحاربين ، وإنما أيضا من الدراويش والعلماء ، للانضواء تحت قيادتهم .
ويذكر أبز أن "عدالة وكرم" العثمانيين الأوائل ، دفعت بالمزارعين البيزنطيين الهاربين من المناطق المفتوحة للعودة مجددا إلى مزارعهم . كما أن بعض الضرائب الجائرة قد ألغيت وبعضها الآخر قد خفّض" في ظل الحكم العثماني الجديد . لقد أدرك العثمانيون أن الوضع الجيد لرعاياهم هو "السبب في إطالة أمد الدولة واستمرار النظام في الإمبراطورية" ، واتبعوا اعتبارات براغماتية ، فالعدالة واللين والتساهل النسبي يمكن أن تخفف من التوتر بين الحكام والرعايا ، خصوصا وأن الحكم العثماني كان ولا يزال يانعا وغير مستقر . ولحق بالاعتدال الضرائبي الأمان الذي أصاب المناطق التي وقعت تحت حكم مستقر ، وكل ذلك ساهم في جعل الحكم العثماني أكثر قبولا .
وبما أن الإمارة العثمانية كانت في موقع تحد دائم مع الإمبراطورية البيزنطية ، فقد تمكن العثمانيون في بضعة عقود من البروز كقوة دفاع أساسية في وجه هذا التحدي . والعمري ، المؤرخ الجغرافي العربي ، يُبرز العثمانيين لوحدهم في هذه الفترة كقوة متصارعة عسكريا مع البيزنطيين . وعندما مرّ ابن بطوطة على إمارات المنطقة سنة 1330 ، وصف أورخان على أنه "أعظم أمراء التركمان بالأرض والجيش والثروة" إلا أن كل الميزات الإستراتيجية والفرص المادية ما كانت لتعني شيء لو لم يستغلها العثمانيون برؤية بعيدة المدى ، وهذه الرؤية كانت تتحدد وتتبلور باستمرار من خلال مسار الأحداث وتطوراتها .
وفي منتصف 1320 كان للعثمانيين نظام إداري _ عسكري معقد لإصدار نقود باسمهم ، ولإعطاء مناصب للعبيد ، ولإقامة الأوقاف ، ولإصدار الوثائق المكتوبة (بالفارسية) ولامتلاك مدينة مهمة كبورصة . إلا أن أهم إنجاز مبتكر للرئاسة في هذه السنوات ، هو تخطي الإمارة العثمانية لاستحقاق موت عثمان دون خسارة لوحدة الإمارة . ربما كانت هناك بعض الأصوات المعارضة ، إلا أن ما نعرفه هو أن أورخان خلف والده دون أن تمس مملكته ، بالرغم من أن أورخان لم يكن الولد الذكر الوحيد لعثمان ، فلماذا لم تقسم إمارة عثمان بين ورثته ؟ لو اتبع العثمانيون التقليد التركي _ المغولي كما فعلت الإمارات الأخرى المحيطة بهم ، لبقي أورخان الحاكم الأعلى على إخوته الآخرين ، إلا أنه سيكون لهؤلاء الإخوة عمل ومناطق نفوذ . وهذا هو التقليد الذي اتبعه الجانكيزخانيون وسلاجقة الأناضول ، الذين يمثلون التقاليد السياسية للدولتين العظيمتين اللتين أخذت عنهما الإمارات الأخرى تقاليدها السياسية . لم يشرك أورخان أيا من إخوته في خلافته كما أن إمارة عثمان لم تقسم . ولذا يبدو طبيعيا أن نبحث عن "سياسة عثمان إزاء الخلافة" من خلال حالة واحدة (هي أورخان طبعا) . لقد سادت الانفصالية في الإمارات الأخرى ، بينما بقيت أراضي الإمارة العثمانية موحدة المرة تلو المرة على الرغم من أنها لم تنظم إلا في عهد محمد الثاني الذي شرّع قانون قتل الأخوة .
وقد وجد مؤرخو القرن الخامس عشر شيئا نوعيا في السلوك العثماني للخلافة وحاولوا تفسيره . إذ يرى ابز مثلا ، في خلافة عثمان شيئا مميزا : ويعزى إلى عثمان أنه أعطى العرش لأورخان عندما كان لا يزال حيا ، حتى يتم قبول هذا الرجل الشاب في حياة أبيه . مما يعني أم عثمان كان ينوي عدم ترك أي مجال لتحدي خلافة ابنه للأراضي والقبيلة العثمانية . وبالنظر إلى سياسة الخلافة التي اتبعها عثمان على المدى الطويل يتبين أنه لم تظهر سلالات جديدة في عشيرة عثمان ، وأثبت العثمانيون على المدى الطويل أنهم تلامذة أفضل للتاريخ من منافسيهم ، ليس فقط في سياسة الخلافة وإنما أيضا في تعاطيهم مع التحديات الحقيقية الأخرى لسلطتهم المركزية .

التحديات للسلطة العثمانية
لم تكن الخلافة هي الإستراتيجية الوحيدة التي اتبعها العثمانيون للحفاظ على سلطتهم المركزية وعلى حدود ممتلكاتهم ، إذ كان عليهم مواجهة مراكز النفوذ الأخرى التي كانت تنشأ في ممتلكاتهم خلال بعض الظروف التاريخية التي مروا بها . وأبرز هذه التحديات كانت محاولة حاجي الباجي الاستقلال في ثراث "Thrace " بين سنوات 1360 و 1370 . وقد كان لحاجي الباجي الفضل في نقل نشاطات الغزو إلى ثراث وفي الانتصار الساحق على القوات الصربية سنة 1371 ، إلا أنه قتل في النهاية على يد قائد موال لمراد الأول ابن أورخان . و مهما كانت صحة هذه الروايات التاريخية فإنها تثبت أن التوجهات الانفصالية قد بلغت أوجها في السبعينات من القرن الرابع عشر ، وأن العثمانيين كانوا يواجهون نوعا من الأزمات التي أدت إلى ظهور إمارات انفصالية في الدول الأخرى في المنطقة . وتمكن العثمانيون من مواجهة هذا التحدي بالتعاون مع قيادات عسكرية أخرى وباتخاذ إجراءات صارمة وعنيفة أحيانا .
وما كانت هذه الإجراءات لتنجح لو لم يطور العثمانيون جهاز حكمهم المعقد . وبالتأكيد لم يكن من باب المصادقة ابتداع العثمانيين للإنجاز الحقيقي لتكنولوجيا السلطة المركزية خلال أزمات 1370 وما بعدها . فبعد ملاحظتهم لضعف الروابط بين المحاربين أنفسهم من جهة وبينهم وبين البيت العثماني من جهة ثانية ، ابتدعت الدولة الناشئة جيشا جديدا هو الانكشارية مؤلفا من جنود كانوا عبيدا ، حتى يكون ولاؤهم الوحيد للسلطان
إن التعقيدات المؤسساتية لإمارة عثمان قد ظهرت مبكرا وقبل وصول عائلة الجاندرلي التي سيكون لها دور هام في تعزيز السلطة المركزية العثمانية.
فبدءا من الجاندرلي قره خليل سيطرت ثلاثة أجيال من هذه العائلة على الوظائف العليا في الإدارة ، ولعبت دورا هاما في بناء بنى معقدة للحكم دعمت التوجهات المركزية للدولة العثمانية . وإذا كانت الحركة والمرونة هي من خصائص التخوم في أناضول العصور الوسطى ، فإن النجاح العثماني كان في استخدام هذه الحركة لتحقيق غايات العثمانيين ، بعد ترويضها وإعادة تشكيلها لتتناسب مع رؤيتهم القائمة على الاستقرار والمركزية . فنظام مثل نظام الدفشرمة (ومنه الانكشارية) حيث كان يتم جمع الصبيان من عائلات الفلاحين غير المسلمين ثم "يحولون إلى عثمانيين" ويرفعون إلى أعلى مراتب الحكم ، ما كان ليمكن رؤيته إلا من خلال دولة ولدت في ظروف التخوم .
أما القوى الاجتماعية التي تضررت من هذه السياسة المركزية فكان على رأسها قادة الحركات الدينية الصوفية ، الذين تمثلوا في أشخاص البابات وأشهرهم عل الإطلاق حاجي بكتاش . وقد اعتمد العثمانيون كثيرا على خدمات هؤلاء البابات في مراحل بناء دولتهم الأولى ، ولكنهم في النهاية فضّلوا الحركات الدينية المدنية الأكثر علما وحداثة ، خصوصا بعد أن تحوّل بعض حلفائهم القدامى من الدراويش إلى أعداء . مجموعة أخرى عانت من القوة المركزية في الإمارة العثمانية النامية ، ومن التبني العثماني في النهاية لمفهوم إمبراطوري في الإدارة والحياة الثقافية ، هذه المجموعة هي محاربو التخوم وعلى رأسهم أمراء الأوك . وبسبب ندرة المصادر فمن الصعب أن نعرف بالتحديد البدايات الأولى للصدام بين البيت العثماني وحلفائه .
أما التوتر النظمي والعميق فنشأ بين الغزاة الذين اعتادوا أن يروا أنفسهم شركاء لأمراء البيت العثماني ، واستياؤهم يعود على الأقل إلى الربع الأخير من القرن الرابع عشر . ولم يتحول كل الغزاة والدراويش إلى متمردين ، كما لم تؤيد كل القبائل القضية الصفوية ، لكن هذه القضية عرضت نفسها كخيار ثقافي وديني وسياسي منذ النصف الثاني من القرن الخامس عشر . ولا يمكننا أن نتوقع لهذه الفئات الاجتماعية المعقدة (الغزاة والدراويش والقبائل) أن تتصرف كمجموعة واحدة .
الكثيرون من الغزاة "المعتدلين" أو "المتأقلمين" استمروا في عملياتهم في البلقان في خدمة الدولة العثمانية ولكن بشكل يختلف عما كانت عليه الحال إبان استقلاليتهم في أوائل الدولة العثمانية . لماذا وقف بعض الغزاة مع الدولة العثمانية ؟ لأن دولة مركزية يمكن أن تؤمن لهم نسبيا الأمان ، ومن الممكن أن تجعل غزواتهم اللاحقة مربحة أكثر . ولذا كان من الطبيعي أن يكون قبول مستوى معين من الخضوع خيارا معقولا بالنسبة لبعض المحاربين .
ولذا فإن روحية الغزو أخذت تدريجيا تنحو نحو مزيد من التفسيرات "المحافظة" متأثرة بالاتجاهات الجديدة للإدارة السنية المستقرة . وعلى كل حال نستطيع القول أن ورثة تقاليد الغزو الأولى في نهاية القرن الخامس عشر كانوا قد ابتعدوا بشكل عام عن الاتجاه العثماني السائد .
ومهما كانت عظمة الدور الذي لعبه الغزاة في ظهور الدولة العثمانية ، فإنهم لا يمثلون أكثر من جزء معين من مجتمع التخوم في أناضول العصور الوسطى ، مع عاداتهم الخاصة وتطلعاتهم ومصالحهم وتحالفاتهم ضمن ائتلاف حظي بنجاح كبير أدى في النهاية إلى ابتلاع بعض أعضائه . لقد مثل الغزاة فئة اجتماعية صلبة ، تُركت في النهاية خارج الطبقة الحاكمة بسبب ظهور الإمارة المركزية بقيادة البيت العثماني ، الذي كان يوما ما مثلهم واحدا من أمراء الغزاة . لقد أصبحت عمليات الغزو تخضع لقرارات الباب العالي . فالغزو لم تعد مسألة على مستوى المحلة أو المنطقة وإنما أصبحت مسألة في المجال العالمي الحقيقي . ولذا فعندما وقّع سليمان القانوني معاهدة سلام مع آل هابسبورغ وكان في نيته الحفاظ عليها أمر قائد الغزاة ميهال أوغلو بالامتناع عن القيام بأية غزوة في أراضيهم .
إن فتح العاصمة البيزنطية في سنة 1453 ، وجعلها مدينة إسلامية ، حقق الحلم الراسخ والهدف الأسمى للمحاربين المسلمين وإتباعهم لقرون عديدة . إلا أن هذا الإنجاز أيضا قد وضع النهاية الحاسمة لمناطق التخوم كتجمعات لمؤسسات سياسية . فجعل اسطنبول عاصمة لدولة مركزية ، كما أرادها محمد الثاني ، لم يكن بأي شكل من الأشكال نية كل الفاتحين كانت مدينة تتويج محمد الفاتح جزءا من مشروع سياسي جُوبه بقوة من بعض الحلقات . وقد تضمن المشروع بناء سلطة إدارية لإمبراطورية مركزية على رأسها البيت العثماني ، والتي تمجد ماضيها الغازي ولكنها تُعرّف عن نفسها الآن بشكل جديد . إن مسيرة المركزية يمكن أن نعود بها وبالتأكيد إلى أوائل التاريخ العثماني ، أما الآن فقد أعطيت شكلها الأكثر جذرية ونظامية . فمحاربو التخوم أخضعوا نهائيا مع العديد من المجموعات الأخرى الذين كان أسلافهم شركاء في المؤسسة العثمانية الأولى ، لسيطرة الدولة المركزية . لقد كانت المركزية واحدة من الديناميات لأوائل التاريخ العثماني ، ثم أصبحت الدينامية المسيطرة في تحديد شكل الدولة التي بُنيت في نهاية هذه العملية التنافسية . والقرن اللاحق لفتح القسطنطينية شهد ليس فقط المزيد من الفتوحات وتوسيع أراضي الإمبراطورية ، وإنما أيضا تطورات مؤسساتية عزّزت وضع الإمبراطورية كدولة . فالقوانين وخلق إجراءات بيروقراطية وزيادة الاعتماد على الخدم _ العبيد كإداريين ، وإقامة هرمية من العلماء مرتبطة بالدولة ، كل هذا شكّل أهم العناصر في عملية التماسك التي رفعت المركزية المطلقة إلى أوجها . وترافق هذا كله مع نهضة أدبية فنية ، معمارية وتاريخية ، فشكلت الثقافة والمؤسسات السياسية في منتصف القرن السادس عشر التعابير التقليدية لتكنولوجيا وايديولوجيا السياسة العثمانية بالنسبة للأجيال القادمة ، لأن الإمبراطورية قد دخلت في مرحلة اللامركزية في نهاية هذا القرن وكما كان على الشركاء المحاربين والقوى الاجتماعية الحليفة لعهد التخوم أم تُخضع أو تُقصى من أجل تأمين سيادة السلطة العثمانية ، كذلك فإن تراثهم كان ينبغي أن يدجّن أو يُقمع أو يُهمش من أجل تعزيز هذه السلطة . فإن الدولة العثمانية ، مثلها مثل أي من زميلاتها ، بُنيت ليس فقط في الحقيقة وإنما أيضا في مخيلة الشعوب وذلك بفضل المؤرخين .
كلمة أخيرة يجب أن نضيفها هنا ، وهي أننا لا نتعرف من خلال هذا الكتاب على رواية تاريخية هامة حول بناء الدولة العثمانية فقط ، وإنما أيضا على طريقة منهجية مُبدعة تنير لنا الطريق في بحثنا العام ليس فقط عن حقيقة قيام الدولة العثمانية ، وإنما أيضا عن أية حقيقة تاريخية معقدة تتضارب حولها الآراء ونسعى إلى جلاء صورتها .

انتهى ...

تشرين أول / 2011

صافيتا / زياد هواش

..






 
رد مع اقتباس
قديم 05-11-2011, 12:36 PM   رقم المشاركة : 30
معلومات العضو
زياد هواش
أقلامي
 
الصورة الرمزية زياد هواش
 

 

 
إحصائية العضو







زياد هواش غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: التاريخ يُقرأ من الأحدث ..

مراجعات كتب

العثمانيون في أوروبا
(بول كولز)
مراجعة حاتم الطحاوي

يقدم المؤلف تقديره الكبير للدولة العثمانية منذ السطور الأولى لمقدمة الكتاب ، فيذكر أن العثمانيين عملوا على مسرحين حربيين في غاية الاتساع هما : منطقة شرق الدانوب ، والبلقان وأوروبا والبحر الأسود ، وحوض البحر المتوسط من ناحية أخرى ، كما يشير إلى أن الهدف الأول من كتابه هو دراسة تاريخ المواجهة (تاريخ الحدود Frontior History ) وحصر النتائج المترتبة على ذلك بشكل واسع .
يتناول المؤلف في الفصل الأول الظروف التاريخية لظهور العثمانيين بداية من انطلاق هجرات الشعوب التركية المغولية من السهوب الأوراسية نحو منطقة الشرق الأوسط منذ بداية القرن الحادي عشر الميلادي ، ويذكر أن (الحضارة الإسلامية العريقة) قد برهنت على قدرتها الفائقة في استيعاب وامتصاص تلك العناصر المقحمة عليها على الرغم من (تأثيرهم السلبي) الذي ساعد على اختلاف العلاقات التقليدية في المجتمعات الإسلامية .
وينوه المؤلف بالدور العسكري للمهاجرين الأتراك في العالم الإسلامي ، فيذكر أن الاضطرابات السياسية والعسكرية في الدولة الإسلامية يمكن تشبيهها بمذراة هائلة تمتص المقاتلين من مناطق السهوب الآسيوية لتقذف بهم في قلب العالم الإسلامي وتدفع الفائض منهم نحو الحدود .
ويتناول المؤلف بروز إمارة طغرل وعثمان في الطرف الشمالي الغربي للأناضول في منتصف القرن الثالث عشر وخروجها على سلطة سلاجقة الروم ، وموقعها الجغرافي الذي جعلها بعيدة عن هجمات المغول ثم محاولاتها التدريجية الناجحة للاستيلاء على الأراضي المجاورة التابعة للإمبراطورية البيزنطية .
ولا يفوت المؤلف التذكير بان الفصل الأول في ترويض العشيرة العثمانية ، وفي إيجاد دولة أكثر استقرارا يرجع للسلاطين ، أورخان (1326 _ 1362 ) ، ويفضل استيلائهم على المدن الكبرى مثل بروسه ونيقوميديا ، ثم أدريانوبل (أدرنه) في الجانب الأوروبي .
ويؤكد المؤلف على أن تشجيع العثمانيين لممثلي المذهب السني ضد أصحاب البدع وعناصر الدراويش كان له نتيجتان هامتان ، فقد أدى بالضرورة إلى التأكيد النسبي على التسامح الديني مع الرعايا المسيحيين مما ساهم في انحسار الاعتراضات والثورات التي قام بها الفلاحون المسيحيون الأرثوذكس في آسيا الصغرى والبلقان ضد الحكم العثماني . كما ساعد هذا على قيام أهل السنة بإنشاء مدارس المساجد التي أمكن اعتبارها بمثابة مصانع للعلماء ، الذين برعوا في علوم العقيدة والشريعة .
ويذكر المؤلف لـ (أورخان ومراد الأول) دورهم الهام في تغيير العقيدة العسكرية العثمانية ، بالانتقال من الاعتماد على فصائل البدو الفرسان وتسليحهم الخفيف الذي يناسب طبيعة السهول ، إلى إعادة ترتيبهم حسب أنصبتهم من الإقطاع والتيمار والألقاب ، وحقق هذا الإصلاح العسكري هدفين في غاية الأهمية ، إذ ربط الفرسان بالسلطان برباط لا فكاك منه ، وقام بفتح شهيتهم لمزيد من الفتوحات .
وبعد أن يذكر المؤلف أن السلطان أورخان هو أول من عبر بالشعب العثماني إلى أوروبا في العام 1350 م ، وأخذ في غزو بعض المناطق الأوروبية مستغلا حالة الضعف البيزنطي ، فإنه يعود لتناول الأحوال السياسية والعسكرية والاجتماعية لأراضي شرق أوروبا قبيل عبور العثمانيين .
ويذكر أحوال (مملكة الصرب القديمة) التي كانت تابعة لبيزنطة ، مع التنويه بأن تدهور الأوضاع البيزنطية في القرن الثالث عشر سمح بإعادة تكوين مملكة صربيا الجديدة ، التي توسعت تحت حكم ستيفن دوشان (1331 _ 1355) الذي اتخذ لقب "قيصر الصرب والاغريق" ، وأرسى دعائم نظامه السياسي والديني على النسق البيزنطي ، وكانت مملكته مؤهلة للوقوف كدرع أوروبي في وجه التوسع العثماني ، إلا أن العثمانيين وبعد وفاة دوشان _ نجحوا في سحق الصرب عند نهر Mariza في العام 1371م ويذكر المؤلف أن (العثمانيين قدموا خدمة جليلة لبيزنطة بانتصارهم على مملكة الصرب) التي كانت تعد نفسها للاستيلاء على القسطنطينية ، والاستحواذ على التراث البيزنطي ، وهو تحليل جدير بالتأمل .
كما ينوه المؤلف بانتصار العثمانيين على المجريين في معركة كوسوفو Kosovo الثانية 1448 م ، وحصار القسطنطينية وإسقاطها (1451 _ 1453) ، وهو الأمر الذي حقق للعثمانيين هيمنة على مضايق البحر الأسود ، علاوة على الأهمية التجارية الكبيرة للقسطنطينية بوصفها مستودعا ضخما للمواد الغذائية ، والقوى العاملة ممثلة في العبيد ، كذلك بإرساء محمد الفاتح لدعائم الدولة العثمانية التي تحولت إلى واحدة من أعظم إمبراطوريات التاريخ التي التحمت فيها عناصر القوة وجمال الفنون .
وفي الفصل الثاني يحاول المؤلف تتبع القوى الاجتماعية العثمانية من حيث تكويناتها الأساسية وتفاعلاتها ويرصد تحلق المجتمع العثماني حول مؤسسة السلطنة ، التي اعتمدت على ثلاث دعائم أساسية ، دارت حول السلطان كقائد عسكري ، ومشرع ، بالإضافة إلى وظيفته الدينية كخليفة للمسلمين .
كما يفيض المؤلف في تبيان أهمية علماء الدين السنة وتأييدهم لسلاطين آل عثمان ، مما جعلهم يمثلون قمة الهرم التشريعي والديني وأضفى عليهم وضعية دينية ساهمت في تقوية مركزهم ، ولا يفوت المؤلف تتبع انضواء سكان المدن والجيش العثماني في روابط مهنية وحرفية ، تعد بمثابة تنظيمات دينية إسلامية ، وسريعة الاستجابة والطاعة للسلاطين العثمانيين . كما يذكر أن (قانون نامه) الذي أعلنه محمد الفاتح بعد فتح القسطنطينية قد قام بتقنين تأسيس مجلس الشورى المركزي ، تبعا لتوجيهات القرآن الكريم بضرورة الشورى ، والذي جرى تدعيمه في عهد السلطان سليمان القانوني .
كذلك يشير المؤلف للأربعة الكبار في الدولة العثمانية وهم الوزير الأول (الصدر الأعظم) ، و (قاضي العسكر) أو نائب الأحكام ، و (الدفتردار) وهو بمثابة وزير المالية ، و (النشنجي) وهو بمثابة وزير للدولة ، لكنه يلحق ذلك بقوله أنهم كانوا أربعة لما لهذا الرقم من دلالة صوفية . ونحن لا نستطيع أن نوافقه على ذلك بسبب عدم وجود أية دلالة صوفية لهذا الرقم .
ويؤكد المؤلف على أن العثمانيين لم يستخدموا القوة لإجبار السكان المسيحيين على التحول للإسلام ، ويذكر الفارق بين المسلمين والأوروبيين في نظرتهم للرقيق ، حيث إن الإسلام (كان) يقر الرق ، ويذكر الرقيق الذين انتظموا في خدمة المجتمع العثماني عبر توليهم قيادة الجيوش وحكم الولايات ووظائف الإدارة العثمانية ، وينوه المؤلف بأن هؤلاء الرقيق قبلوا الإسلام نتيجة ضغط الظروف الاجتماعية .
وبعد أن يذكر المؤلف حالة التسامح بين المسلمين والمسيحيين بالدولة العثمانية في القرن الخامس عشر الميلادي يرى أن القرن التالي مباشرة شهد جنوحا حادا عن التسامح الديني واتساع الأفق بسبب حركات السلفية والتعصب ، مثال ذلك انفجار ثورة الشيعة في شرق الأناضول عام 1514 م ، والثورة الدينية التي فجرها مارتن لوثر في ألمانيا وشمال غربي أوروبا بعد العام 1517 م.
وعلى الرغم من اعتناق العثمانيين مذهب أهل السنة ، والاحتفاء بعلمائهم ، فقد استمرت علاقتهم الوطيدة مع الدراويش وأصحاب الطرق الصوفية ، الذين أسهم حماسهم الديني بدور كبير في مرحلة التوسع العثماني الأول .
هكذا كانت السياسة الثابتة للسلاطين العثمانيين في القرن السادس عشر هي مواجهة الهرطقة والبدع التي لا يوافق عليها علماء السنة ، ولكن دون محاولة انتزاعها من جذورها تماما .
لأن طرق الدراويش (يصفهم المؤلف بالهرطقة) كانت جزءا لا يتجزأ من الدولة العثمانية ، بحيث كانت مهاجمتها لها أمرا صعبا .
وتناول المؤلف في الفصل الثالث الحروب العثمانية الأوروبية 1520 _ 1581 ، وجاء اختياره للعام 1520 كبداية نظرا لاحتفائه بسليمان القانوني ، أما تركيزه على العام 1581 فجاء لأن العثمانيين توجهوا _ قبيل ذلك بوقت قصير _ شرقا للقيام بهجمات ضد المسلمين الشيعة .
ويفيض المؤلف في هذا الفصل في الحديث عن السلب والنهب "كصفة عثمانية" ، ويرجع في تفسيره لذلك إلى الظهور الأول للعثمانيين في التاريخ كمحاربين متنقلين ساروا من نصر إلى نصر بفضل تكريس أنفسهم للغزو بشكل صارم ، ويستشهد على ذلك بما ذكره جيبون من أن البحث الدائب عن أعداء جدد ، ورعايا جدد كان أسلوب حياة ، ومبدأ أثر فيما أصبح فيما بعد مجتمعا معقدا ، وساهم في صياغة تكوينه ، فقد كان هذا الأسلوب مبدأ ثابتا ، وليس سياسة تتغير بتغير الظروف .
ومن الجلي أننا نختلف مع هذه النظرة "الأوروبية" للمؤلف ، وذلك بسبب اقتطاعه لما أسماه عمليات السلب والنهب والقرصنة من سياق الموقف التاريخي ، فقد جرت أفعال وتصرفات العثمانيين في إطار ما أمكنهم فهمه حول (حركة الجهاد في الإسلام) ، وبالتالي كانت فتوحاتهم وغزواتهم (وماترتب عليها) تصب بشكل مباشر في هذا المفهوم .
ويتناول المؤلف الصراع العثماني الأوروبي في منطقة شرق أوروبا ، وسحقهم المجريين في معركة موهاكس Mohacs 1526 م وتبعية دولة المجر ودفعها الضرائب للعثمانيين ، ومحاولات سليمان القانوني الفاشلة لاقتحام مدينة فيينا ، وعلاقاته مع فرديناند ملك النمسا .
وينوه المؤلف بالتسامح الديني الذي مارسه الفاتحون العثمانيون بالمقارنة مع القوى المسيحية الأوروبية ويذكر بأن هذه السياسة قد قوّت من موقف العثمانيين على المدى القريب ، ذلك أن الانتشار السريع للبروتستانتية في الأراضي المجرية الخاضعة للعثمانيين ، جعل (من غير المحتمل أن يهب النبلاء الذين تحولوا للبروتستانية لمساعدة الهابسبورج الكاثوليك) .
كما يؤكد المؤلف أن انتصارات العثمانيين في أوروبا القرن السادس عشر أدت إلى تعميق هوة الخلافات الدينية بين الأوربيين الشرقيين فقد أصيبت الكاثوليكية المجرية بضربة قاضية حيث قتل في معركة موهاكس 1526م سبعة أساقفة من أصل ستة عشر أسقفا في مملكة المجر كلها وهو الأمر الذي قام البروتستانت باستغلاله كما استغلوا التسامح الديني في رحاب العثمانيين الذين اعتبروا المبشرين البروتستانت أخوانا تجمعهم بهم عقيدة تحطيم الأوثان Iconoclast والحقيقة أننا لا نعلم مقدار دقة هذا الكلام ، إلا أنه يمكن القول أنها معلومات جديدة جديرة بالتأمل ، وإن كنا نظن أن ذلك قد تم في إطار سياسة العثمانيين الرامية إلى بث روح الفرقة والخلاف في أوساط أعدائهم الأوروبيين
ويعرج المؤلف على الحروب العثمانية في البحر المتوسط ، فيذكر أن قوة العثمانيين البحرية اعتمدت على موارد القسطنطينية ، وعلى سواحل الشام ومصر ، ويذكر عدة مواجهات بحرية بين الأسطول العثماني والأساطيل الأوروبية ، وسقوط رودس في يد العثمانيين 1522 ، كذلك يتعرض لجهود الجنوي أندريا دوربي والمسلم خير الدين بارباروسا حاكم الجزائر في مساعدة المعسكرين الأوروبي والعثماني ، ولانتصارات العثمانيين في خيوس 1566 ، وقبرص 1570 ثم هزيمة الأسطول العثماني في معركة لبيانتو البحرية 1571م أمام الأسطول الأوروبي .
ويعد الفصل الرابع "الأثر العثماني" أهم فصول الكتاب ، حيث يناقش المؤلف بداخله عدة قضايا هامة ، من ذلك ما يثار حول مسؤولية الوجود العثماني عن تطور أوروبا بشكل كبير ، ويذكر أن تحكم العثمانيين في عمليات تدفق تجارة السلع والبضائع الشرقية ، وخاصة تجارة التوابل والبهار ، وكذلك سيطرتهم على الطرق التجارية الرئيسية التي تمر منها التجارة الشرقية إلى موانئ الشرق الأدنى ، قد أدى في النهاية (إلى تنامي التوجه الأوروبي نحو الاتجاه للبحث عن طرق بديلة للتجارة الشرقية) ، وهو التوجه الذي بدا في القرن الخامس عشر باكتشافهم سواحل إفريقيا الغربية ومن ثم اندفاع البرتغاليين نحو الهند والجزر الشرقية ، واستعمار إسبانيا للعالم الجديد .
ثم يعود المؤلف لنقض المقولة السابقة التي اتفق عليها مؤرخو العلاقات العثمانية الأوروبية فيذكر أن المحاولات الأوروبية لاكتشاف طرق جديدة نحو الأسواق الشرقية قد بدأت مبكرا ، فقد أبحر هنري الملاح حول إفريقيا قبل استيلاء العثمانيين على القسطنطينية 1453م ، ووصل فاسكودي جاما إلى ساحل المالابار في الهند ، وقام الفونسو البوكيرك بنشر شبكة المحطات التجارية القوية في الشرق الأقصى والمحيط الهندي قبل استيلاء العثمانيين على المراكز التجارية في الشام ومصر .
ويعود المؤلف للتأكيد على أنه ، وحتى وفاة الملك عمانويل الأول Manuel I 1521م ، كان البرتغاليون قد انطلقوا من قواعدهم في شرق إفريقيا وآسيا وفق سياسة مدروسة حققت _ في المدى القريب _ نجاحا كبيرا في الحد من السيطرة الإسلامية على الأسواق الشرقية ، حتى أن أحد المؤرخين البرتغاليين ذكر بفرح كبير "لقد حوصر محمد ، ولا يمكنه أن يتقدم أو ينساب أكثر مما فعل .......... وسوف يجري تحطيمه ، ولا خيار له سوى ذلك " .
وبعد أن يقوم المؤلف باستعراض شامل لمحاولات البرتغاليين الالتفاف حول الطرق التجارية التي يسيطر عليها العثمانيون ، يذكر _ في سابقة جديدة حسبما نعلم _ أن المحاولات البرتغالية المستمرة ، ودأب البرتغاليين على محاولة خنق التجارة والاقتصاد العثماني ، هي التي أدت بالعثمانيين إلى الوصول إلى قلب أوروبا ونهر الدانوب .
كما يتطرق المؤلف إلى التأثيرات العثمانية على أوروبا فيذكر أن وجود الجيوش العثمانية في وسط أوروبا ، ووصولها إلى أسوار فيينا قد ساهم في إزالة الحدود الثقافية بين العثمانيين وأوروبا .
ويشير المؤلف لأحوال شعوب وسط أوروبا (البلقان والدانوب) تحت السيطرة العثمانية ، فيذكر أن أحوال تلك الشعوب الأوربية قد اختلفت حسب الظروف والأوضاع المحلية ، فقد سمح العثمانيون لمناطق بنوع من الحكم الذاتي مع دفع ضريبة الخضوع ، أو تقديم خدمات بعينها نظرا لبعدها ووجودها في الأطراف ، وبالتالي لم تخضع للحكم العثماني المباشر ، أبرز مثال على ذلك جمهورية راجوزه Raguza (دبروفيك الحالية) ، حيث أدى الفتح العثماني للبوسنة 1463م ، والهرسك 1482م إلى تقليص مساحة راجوزة ومن ثم اعتمادها المطلق على رضاء السلطان مقابل دفع مبلغ 12.500 من الدوكات بشكل سنوي .
ويبرز اهتمام المؤلف بالجوانب الاقتصادية حين يلحظ وجود العديد من الدلائل التي تشير إلى ترحيب فلاحي البلقان وأواسط المجر بالعثمانيين خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين ، بل وتقديم المساعدة لهم ، ويفسر المؤلف ذلك بأن النظام الإقطاعي العثماني كان أكثر بساطة ويسرا ، وأقل انضباطا بالنسبة للإقطاع الأوروبي ، حيث قام السادة الإقطاعيون والنبلاء في صربيا والبوسنة وكرواتيا بالعديد من الممارسات القاسية والوحشية ضد فلاحي البلغار ووسط المجر خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر .
وعلى الصعيد السياسي يذكر المؤلف أن هجمات العثمانيين المتتالية في عهد السلطان سليمان القانوني قد أسهمت في تفسخ أسرة الهابسبورج ، وانقسامها إلى فرعين ، ويعزو المؤلف إلى سليمان القانوني دوره غير المباشر في تطور إمبراطورية النمسا التي لعبت _ فيما بعد _ دورا خطيرا في التاريخ الأوروبي الحديث .
ويتعرض الفصل الرابع أيضا للتأثير العثماني على البنية الاقتصادية والاجتماعية للمدن التجارية الإيطالية (جنوا _ البندقية)، فيذكر أن الضغط العثماني على شرق أوروبا واستيلائهم على الممتلكات والمحطات التجارية الخاضعة لسيطرة جنوا والبندقية قد ساهم في إعادة صياغة تاريخهما ، فعلى الصعيد الجنوي توجهت المدينة بنشاطها التجاري نحو الغرب للعمل في الميدان الإسباني والبرتغالي ، كذلك ساهم التأثير العثماني أيضا في سقوط الطبقة الوسطى في مجتمعي جنوا والبندقية ، فضلا عن حدوث تغيير اجتماعي واقتصادي كبير في البندقية .
ويعرج المؤلف على الرؤية اللوثرية للعثمانيين ، معتمدا على كتاب مارتن لوثر "عظات عن الحرب 1529" ، الذي ذكر الاجتياحات العثمانية بوصفها تعبيرا عن السخط الذي "أنزله الرب بالشعوب المسيحية المتقاعسة" ورأى في العثمانيين تطبيقا لنبوءة حزقيال بالإضافة إلى ذلك تطرق المؤلف لبعض ردود الأفعال الحماسية والعاطفية من جانب بعض المؤلفين ورجال الدين الذين أعادوا للأذهان روح الحرب الصليبية بوصفهم العثمانيين بكل صفات ومثالب الكفار ، كما يركز المؤلف على "أمنيات" مارتن لوثر والقساوسة البروتستانت في استمرار الصراع العثماني مع أوروبا الكاثوليكية ، حيث لاحظ أن أدبياتهم ذكرت أن الصراع بينهما ما هو إلا معركة بين (طرفي شيطان واحد) ، وأن من مصلحة المسيحية ألا ينتصر أحدهما على الآخر .
ويحسب المؤلف ذكره أن معاملة العثمانيين للشعوب الأوروبية قد ساهمت في تطور فكرة التسامح الديني في أوروبا ، عبر مقارناته بين ما تعرض له المسلمون في الأندلس ، وما تمتعت به شعوب شرق ووسط أوروبا في ظل الدولة العثمانية ، كما يشير إلى خروج المسلمين من إسبانيا كان عملا كنسيا ، لم يلق ترحيبا من الاسبان ، ويسوق لذلك أدلة دامغة منها أن الحكومة الاسبانية اضطرت في كثير من الأحيان لجلب جنود من ألمانيا والنمسا لقمع ثورات المسلمين في اسبانيا ، بسبب رفض ملاك الأراضي الاسبان التعاون معها في هذا الصدد ، كما يقوم المؤلف بالتركيز على الجهود الإعلامية الكنسية التي ساهمت في تشويه الدعوة والمبادئ الإسلامية بطريقة كاذبة .
ويبدي المؤلف في الفصل الخامس اهتمامه الكبير بدراسة التحليلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية في سياق العلاقات الأوروبية العثمانية ، والأوروبية _ الأوروبية ، فيذكر أن استغراق القوى الأوروبية في صراعات بين الأسرات الحاكمة من ناحية ، وصراعات دينية من ناحية أخرى في النصف الأول من القرن السادس عشر ، قد ساهم في نجاح العثمانيين .
ثم يتابع الظروف السياسية الأوروبية فيذكر أن تمكن الأوروبيين من إيقاف المد العثماني وإحراز بعض النجاح في منتصف القرن السادس عشر أحدث نوعا من التوازن الاستراتيجي بين العثمانيين وأسرة الهابسبورج في منطقة الدانوب ، كما أن سلام أوغسبورج 1555م قد أوقف الصراع الديني المرير في الإمبراطورية الرومانية المقدسة .
ويذكر المؤلف أن العقد الثاني من القرن السابع عشر ، شهد عودة الخلافات السياسية والدينية في ألمانيا وأوروبا الوسطى وبلغت ذروة هذه الخلافات في العام 1618م الذي شهد بداية حرب الثلاثين عاما ويلاحظ على المؤلف تذكيره الدائم بأن الانتصارات الكبيرة للعثمانيين في أوائل القرن السادس عشر إنما هي نتيجة لتناحر أوروبا واستغراقها في صراعات بين الأسرات الحاكمة .
كذلك الصراع الذي حدث بين أسرة الهابسبورج وأسرة فالو الملكية الفرنسية ، والصراع بين البروتستانتية والكاثوليكية ، لكنه يعود ليفسر عدم استغلال العثمانيين للضعف الأوروبي إبان حرب الثلاثين عاما بالمشاكل الداخلية التي مرت بها الإمبراطورية العثمانية .
وعلى الرغم من تركيز المؤلف على العوامل الاجتماعية في تفسير الأحداث ، وذكره أن دور البطل الفرد في صنع الظاهرة التاريخية قد تم تجاوزه ، فإنه يعود ليذكر بأن العامل الفردي هو الذي يفسر لنا الكثير من مظاهر التاريخ العثماني ، ويستشهد على ذلك بدور السلطان سليمان القانوني في تثبيت أركان الإمبراطورية العثمانية في الداخل والخارج ، على عكس السلاطين الضعاف الذين جاءوا بعده وغلبت عليهم أهواؤهم ، ولم يتمتعوا بمقدرته الإدارية والقانونية والحربية .
ويعود المؤلف للمقارنة بين الأوضاع العثمانية الداخلية والأوضاع الأوروبية ، فيذكر أن نمو البيروقراطية الإدارية في أوروبا قد حال بين غلبة الأهواء على الحكام الأوربيين الذين كانت تعوزهم الخبرة ، ثم يستدرك ليذكر أن الدولة العثمانية كانت تمتلك أجهزة حكم قوية ، لكنها اعتمدت تماما على الرقيق الخاص بالسلطان ، وهو ما جعل القرار النهائي في يد السلطان وحده ، ومرة أخرى تعود كفاءة السلطان العثماني لتكون هي الفيصل في النهاية .
ويتعرض المؤلف في هذا الفصل أيضا للفكر السياسي الإصلاحي في الدولة العثمانية منذ أوائل القرن السابع عشر الميلادي ، ويقارنه بالفكر السياسي الأوروبي ، فيذكر أن المفكرين العثمانيين قد رصدوا الإشارات التي دلت على اهتزاز الأفكار التي قامت عليها الدولة ، وهو الأمر الذي أدركه مبكرا (القاضي الشهير خوجه بك) ، الذي كتب للسلطان مراد مذكرة يفسر بها التدهور الحاصل بالدولة نتيجة التخلي عن الكتاب والسنة ، ويطالبه في نفس المذكرة بالعودة إلى نهج الإسلام الصحيح .
ويتوقف المترجم أمام سوء الفهم الذي اعترى المؤلف كولز نتيجة مطالب القاضي خوجه بك ، حيث اعتبرها الأخير دعوة لعدم التجديد وقام المترجم بإيضاح أن الدعوات السلفية الإسلامية هي أيضا دعوات تجديد ، ومحاولة للنهل من الأصول الأولى من أجل تجديد الواقع المعاش .
كما يشير المؤلف إلى قيام السلطان مراد الرابع (1623 _ 1640) بحركة إصلاح هامة ، لكن وفاته المبكرة ساهمت في إيقاف العمل بها فيما بعد .
ويتطرق المؤلف لمحاولة تفسير جمود وتوقف الطبقة العثمانية الحاكمة في القرن السابع عشر ، فيذكر أن الانتصارات المذهلة والواسعة التي حققتها الجيوش العثمانية في القرن السابق (السادس عشر) كانت مبهرة لأصحابها لدرجة جعلتهم يتوقفون عن تطوير أساليبهم الفكرية والإدارية والحربية ، لسبب بسيط هو ارتباط تلك الأفكار بالانتصارات المدوية التي تحققت لهم ، ولم يدرك العثمانيون مقدار التغيير الذي ألم بواقعهم الأوروبي ، واستخدم المؤلف في تحليله السابق التفسير النفسي والاجتماعي بشكل جيد .
ويمكننا أن نضيف إلى ذلك أن النزعة المحافظة لدى السلطات العثمانية قد ساهمت بشكل كبير في جمود تلك الأنظمة الفكرية والإدارية والحربية .
ويعود المؤلف في هذا الفصل _ كما في الفصول السابقة _ إلى التأكيد على أن العثمانيين لم يقوموا بإجبار السكان الأوروبيين على اعتناق الإسلام ، وهو يفسر أن إسلام ألبانيا وشرق أوروبا ورومانيا وبلغاريا واليونان ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا كان بشكل طبيعي وعن رغبة تامة .
وفي النهاية يذكر المؤلف أن معاهدة كارلوفتش 1699م كانت نقطة فارقة في التوازن العسكري بين أوروبا والدولة العثمانية ، حيث وجد العثمانيون أنفسهم في موقف دفاعي شديد الصعوبة أمام القوات الأوروبية ، في نفس الوقت الذي عانت فيه الإمبراطورية العثمانية من مشاكل داخلية خطيرة تمثلت في نمو حركات العصيان والخروج على الدولة . من ذلك قيام حكام الولايات بالاستقلال عن الدولة العثمانية ، وكذلك قيام العديد من الحركات الثورية في المناطق الأوروبية التابعة للعثمانيين ، وعانت الدولة العثمانية من الضعف العسكري الواضح .
وبرصد المؤلف اللحظات الأخيرة في حياة العثمانيين فيذكر أن التاريخ العثماني شهد قبل 1699م الكثير من المشاكل والصراعات السياسية ، ولكنها كانت دائما مؤقتة ، أما رد الفعل على مشاكل نهاية القرن السابع عشر فكان بطيئا ولا يتسم بالسرعة المناسبة والحسم ، وإنما تلكأ حتى أتت العاصفة لتطفئ الشمعة ذاتها، بينما كان النبش في الماضي بحثا عن فعل أو نموذج قابل للتطبيق _ وللنجاة _ أمرا متعذرا .

انتهى ...

..






 
رد مع اقتباس
قديم 10-11-2011, 10:54 AM   رقم المشاركة : 31
معلومات العضو
زياد هواش
أقلامي
 
الصورة الرمزية زياد هواش
 

 

 
إحصائية العضو







زياد هواش غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: التاريخ يُقرأ من الأحدث ..

مراجعات كتب

أسباب الصراع بين المماليك والعثمانيين
(محمد أحمد دهمان)
مراجعة هيثم مزاحم

يتضمن هذا الكتاب الذي نحن بصدد مراجعته ، مخطوطة لمحمد بن محمود الحلبي الملقب بـ "ابن أجا" (ت 881هـ ) حقّقها الأستاذ محمد أحمد دهمان وعلّق عليها ، وأضاف إليها نصوصا من إعداده تؤرّخ للإمارة "الدلغادرية" التي كانت تقع في منطقة الحدود بين أراضي الدولة المملوكية في بلاد الشام وأراضي الدولة العثمانية في بلاد الأناضول ، أي المنطقة المعروفة اليوم بـ (لواء الإسكندرون) وبعض المناطق المجاورة لها في سوريا وتركيا ، من جهة .
ومن جهة أخرى تؤرخ لأسباب النزاع المملوكي _ العثماني وبداياته ولمجريات العلاقات بين الدولتين المملوكية والعثمانية والحروب بينهما والتي انتهت بانتصار العثمانيين والقضاء على دولة المماليك .
أما المخطوطة السالفة الذكر فهي تشتمل على وصف لحملة الأمير المملوكي (يشبك بن مهدي الدوادار) بين عامي 875 و 876 هـ إلى بلاد الشام للقضاء على تمرد (شاه سوار) الأمير الدلغادري بعد فشل ثلاث حملات سابقة في إنهاء هذا التمرّد .
ولا يقتصر المؤلف على وصف وقائع الحملة العسكرية إنما يقوم بوصف المناطق التي مرّت بها الحملة العسكرية في فلسطين ودمشق وحلب ، وينقل وقائع رحلته إلى "تبريز" كمبعوث للسلطان إلى (حسن أوزون) أحد حكام إيران من أسرة أقويونلو .
ومؤلف المخطوطة هو "قاضي الجيش" في رحلة الأمير يشبك ، واسمه محمد بن محمود بن خليل الشمس الحلبي الحنفي ، والمعروف بابن أجا ، ولد في سنة 820هـ بحلب ونشأ فيها ، وانتقل إلى القاهرة حيث ارتقى لصحبة الدوادار الكبير يشبك بن مهدي وعمل معه قاضيا للجيش في حملاته ورسولا منه ومن السلطان إلى ممالك عدة كتبريز والأستانة وغيرهما .
ترجم فتوح الشام للواقدي إلى اللغة التركية نظما في اثني عشر ألف بيت ، وكتب المخطوطة هذه (سفرة سوار أو رحلة يشبك) . توفي سنة 801 هـ بحلب .
ولعلّ أهمية المخطوطة في سياق النزاع المملوكي _ العثماني تكمن في كونها تتحدث عن أبرز الأسباب الأولى للنزاع المتمثل في تمرّد شاه سوار المدعوم من العثمانيين ضد سلطان المماليك من جهة ، وتصف أحوال الدولة المملوكية آنذاك من جهة أخرى .
أما النصوص التي كتبها المؤلف محمد أحمد دهمان فهي :
تاريخ الإمارة الدلغادرية ، ثورة شاه سوار ، طمع الدول المجاورة بالمماليك والعثمانيين ، تحسّن العلاقات بين الدولتين المملوكية والعثمانية ، النزاع بين المماليك والعثمانيين وزوال الدولة المملوكية .
وثمة ملحق في الكتاب حول "ثورة جانبردي الغزالي" مأخوذ من كتاب "إعلام الورى بمن ولي نائبا من الأتراك بدمشق الشام الكبرى" لابن طولون ، ومن تحقيق المؤلف .
الإمارة الدلغادرية قامت على ثغور بلاد الشام الشمالية حيث كانت هذه الإمارة تابعة للدولة المملوكية . وتقوم في المنطقة نفسها تقريبا التي كانت فيها أكثر وقائع سيف الدولة الحمداني مع الروم حيث هاجرت إليها في أوائل الحروب الصليبية فرق كثيرة من الأرمن وبنوا فيها إمارات صغيرة تحت حماية قياصرة القسطنطينية وجعلوا عاصمتها "سيس" ، وقد تمكن المماليك من تحطيم هذه الإمارة الأرمنية سنة 779هـ حيث قامت على معظم أراضيها الإمارة الدلغادرية .
والأسرة الدلغادرية التي حكمت (مرعش والبستان) وما حولهما قرابة 190 عاما (740 _ 928) _ وهي منطقة الحدود بين الدولتين العثمانية والمملوكية _ هي بالأصل عشيرة تركمانية نزحت نحو الأناضول فرارا من جنكيزخان برئاسة زعيمهم ذو الغادر .
( وقد تأرجح حكام الإمارة في التبعية والولاء بين المماليك والعثمانيين إلى أن سيطر شاه سوار على كامل الإمارة بعد مقتل أخيه أرسلان في القاهرة واتهام سوار لأخيه الثاني شاه بوداق بالتآمر مع السلطان المملوكي خوشقدم لقتل أخيهما .
وهكذا دعمت الدولة العثمانية شاه سوار في نزاعه مع أخيه بوداق المدعوم من المماليك الذين أرسلوا أربع حملات للقضاء على حكم سوار لكنهم فشلوا في الحملات الثلاث الأولى ونجحوا في الحملة الرابعة بقيادة الأمير يشبك في القضاء على تمرد سوار والقبض عليه وإعدامه .
وقد أظهرت هذه الحملات العسكرية المتتالية ضعف الدولة المملوكية عسكريا من جهة ، وانهيارها المالي وتفككها الاجتماعي _ العسكري من جهة أخرى .
كانت خزانة الدولة فارغة وكانت تموّل الحملات العسكرية والرشوات للجنود والأمراء للمشاركة فيها من الضرائب الكبيرة المفروضة على الأهالي ولاسيّما التجار الذين كانوا يضطرون لرفع الأسعار لتعويض ما دفعوه للسلطان .
كما أظهر ابتزاز الأمراء والجنود للسلطان وتمرّدهم على المشاركة في القتال التفسخ الداخلي للدولة وانحطاطها السريع مما أثار أطماع جيرانها فيها ولاسيّما دولتا العثمانيين والإيرانيين .
وإذا كانت قضية شاه سوار هي بداية النزاع السياسي بين المماليك والعثمانيين فإنه ثمة أسبابا أخرى أبرزها :
1 _ بعد وفاة السلطان العثماني (محمد الفاتح) سنة 886هـ/1481م ، تولى ابنه (بايزيد الثاني) السلطة وقد نازعه عليها شقيقه "جم" الذي اضطر للفرار إلى طرسوس وطلب اللجوء إلى حلب من أميرها ثم الدخول إلى القاهرة بعد إذن السلطان المملوكي "قايتباي" له واستقباله والسماح له بتجهيز قوة عسكرية لقتال العثمانيين بزعامة أخيه الأمر الذي أثار السلطان بايزيد الذي تمكن من هزيمته .
2 _ وزاد الأمر سوءا أن بعض ملوك الهند قد أرسل هدية إلى السلطان العثماني بواسطة بعض تجار الهند الذين صودرت منهم الهدية من قبل نائب جدة وأرسلت إلى السلطان المملوكي مما أثار غضب ابن عثمان ، بعد هزيمة سوار ، تمكن أخوه علي دولات بن دلغادر ، بدعم من العثمانيين عام 888هـ ، من السيطرة على ملطية ومهاجمة حلب حيث هزم الجيش المملوكي فيها عام 889هـ في واقعتين إلى أن تم الصلح في ذي الحجة من سنة 890هـ .
لكن الصلح مع علي دولات لم ينه الصراع المملوكي _ العثماني حيث وقعت معركة بين الطرفين في ربيع الأول سنة 891هـ في منطقة حلب كان النصر فيها للجيش المملوكي ثم تلتها معركة أخرى في رمضان سنة 893هـ كانت الغلبة فيها أيضا للمماليك . وفي المعركة الثالثة ، حاصر المماليك مدينة أدنة وفتحوها بعد ثلاثة أشهر من الحصار .
وتجدر الإشارة إلى أن المماليك كانوا في كل معركة مع العثمانيين أو حلفائهم في بلاد الشام كانوا يضطرون لإرسال "تجريدة عسكرية" الأمر الذي كان يكلف الدولة نفقات هائلة على الجنود والأمراء كمصاريف ورواتب ومكافآت ورشوات من جهة .
كما كان يؤدي إلى تمرّد الأمراء والجنود وابتزازهم السلطان من أجل الحصول عل مزيد من الأموال من جهة أخرى .
أضف إلى ذلك أن إرسال التجريدة من القاهرة كان يحتاج وقتا الأمر الذي كان يشكل نقطة ضعف المماليك في المواجهة العسكرية مع العثمانيين القادرين على حشد الجيوش بسهولة وسرعة من داخل بلادهم إلى بلاد الشام .
وفي العام 897هـ انشغل العثمانيون بالاستيلاء على مملكة (حسن الطويل) في إيران بعد موته واستلام أولاده الحكم ، مما أدى إلى فترة صلح وهدنة بينهم وبين المماليك استمرت قرابة ربع قرن (897 _ 922هـ ) وفي هذه الفترة كانت أوضاع الدولة المملوكية تسير من سيء إلى أسوأ ، وخاصة بعد وفاة (السلطان قايتباي) سنة 901هـ ومجيء ستة سلاطين مماليك بعده ، قتل الثلاثة بالتآمر والانقلابات بينما عزل الرابع . أما الملك الخامس للمماليك (قانصوه الغوري) (906 _ 922هـ ) فقد توفي قهرا بعد هزيمته في معركة "مرج دابق" وعيّن مكانه السلطان طومان باي كآخر سلاطين المماليك الذي أعدمه العثمانيون بعد احتلالهم لمصر عام 923هـ .
وخلال الفترة الممتدة بين عامي 906 و920 هـ سادت علاقات المودة وحسن الجوار بين المماليك والعثمانيين بينما تعرّضت خلالها حدود الدولة المملوكية لاعتداءات الصفويين الذين حكموا إيران آنذاك أما عودة النزاع بين العثمانيين والمماليك فبداياته كانت بسبب استقبال السلطان لأحد إخوة (السلطان سليم) الذي تسلم السلطة (وأعمل السيف في إخوته وأبنائهم) ، ثم جاءت المعركة بين العثمانيين والصفويين عام 920هـ /1514م ورفض المماليك نصرة العثمانيين فيها وتحالفهم سرا مع الصفويين لتزيد الطين بلة .
وساهم انفجار النزاع رغبة السلطان سليم في الاستيلاء على أراضي الدولة المملوكية بعد شعوره بانهيارها الداخلي وخاصة بعد هرب (خوشقدم) ، أحد أعوان السلطان المملوكي قانصوه الغوري إلى العثمانيين ، وإعطائه تفصيلات كاملة عن أحوال مصر الاجتماعية والعسكرية ، من شتى المظالم والمفاسد وعمليات الغش في الذهب والفضة وابتزاز أموال الناس والرشوة بين القضاة والضرائب المرهقة ، إلى أوضاع جيش المماليك ومينائي الاسكندرية ودمياط .
وقد بدأت المعارك بين الطرفين سنة 921هـ إذ جرت مناوشات بين (علي دولات) وبعض عساكر العثمانيين الذين طلبوا مساندة من السلطان سليم وتمكنوا من احتلال بلاد علي دولات وقتله .
وأدت هذه الحادثة إلى تجهيز السلطان قانصوه الغوري حملة كبيرة قادها بنفسه إلى دمشق ثم إلى حلب فمرج دابق حيث وقعت المعركة الشهيرة التي هزم فيها المماليك شر هزيمة وتوفي السلطان الغوري في إثرها سنة 922هـ / 1516م .
ودخل العثمانيون حلب ثم دخلوا حماه بعد خيانة حاكمها (جانبردي الغزالي) وتواطئه مع العثمانيين .
وكانت هذه المعركة الفاصلة إذ تلاها غزو العثمانيين للأراضي المصرية سنة 923هـ /1517م ودخولهم القاهرة عاصمة المماليك وقتلهم لسلطانهم وأمرائهم وكبار ضباطهم وحاشيتهم ، حيث أنهوا حكم المماليك وبدأت السيطرة العثمانية على معظم البلاد العربية والإسلامية .
ويذكر المؤلف محمد دهمان أن أبرز أسباب النصر العثماني كانت التفوّق العددي للعثمانيين واستعمالهم للأسلحة المتطورة النارية والبنادق والمدافع ، بينما كان المماليك الأقل عددا لا يستعملون هذه الأسلحة .
كما لعبت الخيانة من قبل الأمراء وتمرّد الضباط دورا كبيرا في هزيمة المماليك ، ولا سيما خيانة أكثر المقربين من السلطان الغوري (إبراهيم السمرقندي) ، و "خاير بك" نائب حلب ، وجانبردي الغزالي نائب حماة الذي تولى نيابة دمشق من قبل العثمانيين .
ولا شك ان الانهيار الاجتماعي _ الاقتصادي للدولة قد لعب الدور الأبرز في هذه الهزيمة حيث كان سبب تمرّد الأمراء والجنود وسخط الأهالي وترحيبهم بالعثمانيين ، إضافة إلى العامل العسكري الكمّي والنوعي التقني والعامل الاستخباراتي المذكورين آنفا .

انتهى ....






 
رد مع اقتباس
قديم 21-11-2011, 10:52 AM   رقم المشاركة : 32
معلومات العضو
زياد هواش
أقلامي
 
الصورة الرمزية زياد هواش
 

 

 
إحصائية العضو







زياد هواش غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: التاريخ يُقرأ من الأحدث ..

تاريخ الدولة العثمانية
(روبير مانتران)
مراجعة محسن شومان

"تاريخ الدولة العثمانية" الذي حرّره روبير مانتران ، صدرت طبعته الأولى بالفرنسية في باريس سنة 1989م ، ونشر مترجما إلى العربية في جزئين عام 1993م ، ويشتمل الجزء الأول الذي نعرض له هنا ، على مقدمة للمترجم ، وتمهيد ، وعشرة فصول ، ومذيلا بببلوجرافيا عامة وشاملة لأهم المراجع التي اعتمد عليها المساهمون في تحرير الكتاب ، وفهرس بالمحتويات ، وقد أتت جميعا في 660 صفحة من القطع المتوسط .
صدّر المترجم الكتاب بكلمة افتتاحية استعرض فيها دوافعه وأسبابه الخاصة التي حفزته ودعته إلى ترجمة هذا الكتاب الهام متمثلة في رغبته ترجمة عمل رئيسي عن تاريخ الدولة العثمانية بقصد تعميق درايتنا به لا سيما أن الكتاب يبدد بالفعل الكثير من الأساطير التي تحيط بالتاريخ العثماني .
أما مانتران ، فيقدم لموضوع الكتاب بتمهيد يعرض فيه لتطور حركة كتابة التاريخ العثماني منذ أن صدرت الترجمة الفرنسية لكتاب المؤلف الألماني جوزيف فون هامر بورجشتال بعنوان "تاريخ الإمبراطورية العثمانية " في 18 جزءا بباريس بين عام 35 و1843م ، وحتى ظهور آخر ما أمكن تحريره من تاريخ الدولة وهو كتاب ستانفورد شو بعنوان "تاريخ الإمبراطورية العثمانية وتركيا الحديثة" في جزئين سنة 1976م .
ثم يعزو الأسباب التي دعته هو وزملاؤه إلى وضع هذا المصنف إلى رغبتهم المشتركة في تقديم عمل يستند إلى المعطيات الجديدة والمتمثلة في وفرة المعلومات التي تقدمها بحوث ودراسات أنجزها مؤرخون أتراك وغربيون معتمدين على دور الأرشيف العثماني ، ومصادر تركية وفارسية وعربية كانت تلقى إهمالا جسيما من قبل ، والسعي نحو تجديد الاهتمام ، وتحليل عدد من القضايا والمشكلات والمسائل المتعلقة بالجوانب المختلفة للتاريخ العثماني ، مستفيدا في ذلك من الحالة الجيدة التي أصبح عليها علم الشؤون التركية _ الفرنسي.
كان التصور الغربي عن الدولة العثمانية سلبيا في مجمله ، ولذلك تبدو الحاجة ملحة _ من وجهة نظر مانتران _ وبحكم المعلومات المتوفرة إلى التحرر من أسر المفاهيم القديمة المتحيزة ، والاضطلاع بعمل تاريخي متحرر من أي مؤثرات سياسية ، ومتجرد من أي ميل أو نزوع أو هوى . لقد انتهت الدولة العثمانية إلى زوال غير أنها أخذت مكانها في التاريخ كقوة أولى عاشت على مدار قرون ، وهذا ما يفسر لنا أشكال الغيرة والحقد وحركات الانتقام وزعزعة الاستقرار ، ثم التدمير التي كانت هدفا لها ، ولن يكون بالإمكان رسم صورة لتاريخ أوروبا ، ولتاريخ بلدان حوض البحر المتوسط بدون التعرف الموضوعي على العثمانيين .
وتعالج إيرين بيلديسينو في فصل بعنوان"البدايات : عثمان وأورخان" النشأة الأولى للدولة ، فتعرض لرواية كاتب الأخبار التركي (عاشق زاده) في القرن التاسع الهجري/15م ، والتي كررها بشيء من التفصيل كتّاب أخبار لاحقون ، عن منح السلطان السلجوقي في قونية لأرطغرل والد عثمان بلدة "سيوط" كأرض خاصة له ولذريته . وكيف شرع في بناء دولته ، وتطور العلاقات بينه وبين الحكام البيزنطيين والقوى المحلية المجاورة بين عامي (83 و 1299م) ، والنجاحات التي أحرزها ، وتوجت بانتصاره في بافيوس على القائد البيزنطي موزالون سنة 1302م قرب نيقوميديا ، وضغطه المتواصل على عدة مدن بيزنطية ، وخضوع سلسلة كاملة من البلاد له بالقوة أو بالاستسلام ، ووفاة عثمان وقواته تقف على أعتاب بورصة بين عامي (24 و 1326م) .
وخلال عهد أورخان "ت 1362م" تبلورت الملامح الأولى لتنظيم السلطة ، فلم يكن حاكم الإمارة وحده هو القابض على زمام السلطة ، وإنما العائلة كلها .
وبدءا من الشطر الثاني من القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي ظهرت الإمارة العثمانية كتكوين سياسي سرعان ما أفلت من كل وصاية ، وجرى تدعيم سلطتهم السياسية بغطاء عقيدي "أيديولوجي" لتبرير هيمنة آل عثمان ، وإن تبدلت الدوافع عبر عدة سنوات لتصبح فكرة الغازي أو المجاهد في سبيل الله هي الأساس في آخر الأمر ، وجرى تصوير عثمان وأورخان كمجاهدين هدفهما نشر الدين الإسلامي والقضاء على الكفار العصاة .
ولم يكن العثمانيون الأوائل (بدوا بالمعنى الدقيق للمصطلح) ، فهم يحيون في قبائل ويمارسون مع أغنامهم الهجرات الفصلية ، لكنهم مع ذلك لم يعتزلوا الحضر ، أو ينأوا بأنفسهم عن حياة المدينة ، فقد أقاموا سلسلة من المباني في المدن حديثة الفتح ، وساهم أفراد السلالة الحاكمة والوجهاء في تزويد المدن بالمنشآت العامة ، ولعب الفقهاء والعلماء الكبار من أبناء المدن الأناضولية ذات التراث الإسلامي العريق دورا هاما في نشر الدين والثقافة الإسلامية عبر المراكز الحضرية إلى التخوم الحدودية ، وساهمت جماعات الإخوان (آخي) ، في توطين المسلمين بالمدن المفتوحة حديثا ، وإلى جوار السكان المدنيين المسلمين عاش تركمان شيعة إثني عشرية وجماعات دراويش ، فضلا عن يونانيين لم تنقطع صلاتهم مع مواطنيهم المقيمين بالقسطنطينية برغم محنة الغزو التركي .
وهكذا خلال قرن وحشي ، وبيئة قلقة مفعمة بالتوتر ، وإحساس عميق بانعدام الأمن لدى اليونانيين من جراء المخاطر التي قد يتعرضون لها مثل الموت في حرب أو في وباء ، أو البيع كعبيد على إثر غارة مدمرة مفاجئة ولدت الإمارة العثمانية ، بعد أن تمكن عثمان وأورخان الموضوعين على هامش العالم الإسلامي ، في وجه عالم مسيحي منقسم على ذاته ، من ربط الحظ والذكاء بالقدرات العسكرية لكي يرتفعا معا على مسرح التاريخ .
وبعنوان "صعود العثمانيين" يعالج نيقولا فاتان في الفصلين الثاني والثالث فترة تصل إلى قرن ونصف قرن من الزمان بين 1362و 1512م فيعرض للتطورات السياسية الداخلية ، والانتصارات العسكرية على خد سواء . إذ واصل مراد الأول "62 _ 1389م" بوصفه الخليفة الطبيعي لأبيه مسيرة أسلافه في الغزو والفتح ، فاستولى على "أدرنة أندوبينول" _ 1366 ، ثم على سيرس "1383" ، وسقطت صوفيا "1385" ، ونيش ولاريسا "1386" وسالونيك "1387" ، واعترف سادة تساليا بهيمنة العثمانيين ، ودخلت المودة في تبعيتهم ، وتم إخضاع علاء الدين أمير قرمان في الأناضول بقوة السلاح ، وإخماد تمرد قيصر بلغاريا وإجباره على دفع الجزية 1388 ، وهزيمة جيوش الصرب والبوسنة المتحالفة في معركة سهل كوسوفو "1389" التي اغتيل فيها السلطان ، وجرت عملية نقل السلطة إلى ابنه بايزيد الأول في هدوء ، ليرث العاهل الجديد دولة راسخة الأركان في البلقان ، وإمبراطورية لها شأنها بأوروبا .
ولم يقتصر عهد مراد على الانتصارات العسكرية وحسب ، وإنما أرسيت وطبقت أيضا قواعد الاحتلال العثماني لتوطيد الهيمنة على البلاد المفتوحة وجرت عمليات نقل السكان من الأناضول إلى الروميللي _ تراقية ومقدونيا _ لتدعيم الجهاد ، فضلا عن انتقالات عفوية أتت من إمارات أناضولية أخرى ، وأنشئت فرقة الانكشارية "يني جري" _ ومعناها العسكري الجديد _ ورسخت الإدارة العثمانية أقدامها في الروميللي وتم بناء إدارة مركزية قوية لدولة حقيقية وليست مجرد إمارة عادية .
وما أن أتيح لبايزيد الأول "1389 _ 1402م" الإمساك بناصية السلطة حتى سارع إلى إعادة فتح الإمارات الأناضولية التي أعلنت التمرد "89 _ 1390م" ثم قام بالاستيلاء على فيلادلفيا "آلاشهر" آخر الممتلكات البيزنطية في الأناضول أواخر 1390م ، لكن السلطة العثمانية في آسيا الصغرى لا تتوطد ولا يتحقق الفتح الحاسم للأناضول إلا في عام 1398م . كما شدد بايزيد من ضغطه على الامبراطور مانويل حتى أجبره على أن يظل تابعا يؤدي له الخدمة العسكرية ويدفع الجزية في 1391م ، ثم فرض حصارا على القسطنطينية استمر حتى نهاية عهده ، واستولت قواته على سكوبيا الصربية وتساليا "1391" ، وأعادت فتح سالونيك "1394" ، وأغارت على ألبانيا والمورة عدة مرات ، وسيطرت على دوبرجا ، واحتلت الحاميات العثمانية نقاط العبور عبر الدانوب "1395م" ، وأنزل الجيش العثماني بالتحالف الصليبي المعادي هزيمة نكراء في نيقوبوليس "1396م" أدت إلى استكمال احتلال بلغاريا ، وحصنت من مواقعهم في البلقان ، وزادت من هيبتهم .
وعلى الرغم من التهديد الذي مثله ظهور تيمورلنك في شمال شرق الأناضول بين عامي 1399و1400م ، فإن بايزيد كان في أوج قوته ، والدولة كانت آخذة في تنظيم نفسها ، فالانكشارية التي أنشئت في عهد مراد الأول شهدت إصلاحا ، وقطعت سياسة توطين السكان في الأراضي المفتوحة خطوات هامة ، وثبت البكوات أقدامهم على نهر الدانوب والبحر الأدرياتي ، وتعززت الإدارة المالية والقضائية ، وأنشئت سنجقيات جديدة ، لكن الروميللي كان لا يزال ذا أغلبية مسيحية ، والمنشآت الإسلامية به قليلة ، والوضع في الأناضول أقل مدعاة للاطمئنان ، والجيش المؤلف من عناصر مختلطة لا يدعو للثقة حتى أنه بدا عاجزا عن صد الهجوم التيموري ، بل لم تلبث فعالياته أن تهاوت سريعا عند أول صدام في سهل تشيبوكووا قرب أنقرة ، ووقع بايزيد في الأسر ، وانتهى عهده بكارثة لا سابقة لها .
وفيما بين 1402و1413م عاشت الدولة سنوات صعبة كادت أن تؤدي إلى تمزقها بسبب الصراع بين أبناء بايزيد الأربعة "سليمان _ محمد _ عيسى _ موسى" لتنتهي فترة القلاقل والاضطرابات باعتلاء أقدرهم لسدة الحكم وهو محمد الأول المعروف بمحمد الحلبي "13 _ 1421م" مما جعل التراث التركي يعتبره خليفة بايزيد الأول ، لكن الرجل وبسبب التمردات الشعبية التي واجهها وصراعه مع الأمراء الأناضوليين حاول أن يتجنب بقدر الإمكان التورط في أي نزاعات خارجية .
وقد اجتاز مراد الثاني "21 _1451م" الابن الأكبر لمحمد حلبي وولي عهده _ بنجاح كافة المصاعب الداخلية التي واجهته ، وبات الطريق أمامه ممهدا لتعزيز دولته ، فقاد بنفسه حملة ضد ترانسلفانيا والمجر "1438م" ، وهاجم صربيا واستولى عليها "39 _ 1440" ، وأجبر ملك البوسنة على دفع الجزية "1439" وحاصر بلغراد لكن القائد جان هونيادي فويقود ترانسلفانيا نجح في صد الهجمات التركية وأجبرهم على التراجع . وعندئذ تجدد الأمل في شن حرب صليبية لطرد الأتراك من أوروبا . ونظم المجريون والبابوية وأمير صربيا ما يسمى بالحملة الطويلة "43 _ 1444م" . لكنها لم تسفر عن شيء ، وعقد الطرفان إتفاق 1444م الذي نقضه الصليبيون ، وجرت وقائع معركة فارنا الشهيرة التي انتهت بهزيمة ساحقة للصليبيين لتصبح السلطة العثمانية في البلقان راسخة الأركان .
وبعد فارنا استولى مراد على المورة 1447م ، وهاجم ألبانيا ، ثم اضطر إلى الارتداد إلى صوفيا سريعا ليواجه هونيادي في سهل كوسوفو في موقعه عادت بالكوارث على المجريين ، وشنت قواته حملات على فلاشيا "1448" ، وألبانيا "1450" ، لتستعيد السلطنة كامل قوتها قبل 1402م ، وبوجه عام فقد انتهج مراد سياسة متعقلة ، ففي عهده تزايدت قوة الانكشارية ، وحققت البحرية تطورا ملموسا ، وتدعمت صلات أمراء الحدود بالسلطة المركزية ، وسعى دائما إلى تدعيم السلطة والاحتفاظ بتخوم وطيدة الأركان أكثر من توسيع ممتلكاته توسيعا ملحوظا .
وتمثل الإنجاز الحقيقي لمحمد الثاني "51 _ 1481" في فتح القسطنطينية "1453" _ الحلم القديم الذي طالما راود الفاتحين المسلمين _ والقضاء على ما تبقى من الدولة البيزنطية وإزالتها من التاريخ ، وضم صربيا "1459" ، والمورة "1460" وميناءي سينوب وطرابيزون "1461" ليصبح سيدا على الساحل الأناضولي للبحر الأسود ، وانتزاع نيجريونت "أوبييه" من البنادقة "1470" وهو حدث هام اعتبر بمثابة نقطة تحول فاصلة في الصراع بين البنادقة والعثمانيين ، وفي تاريخ شرقي البحر المتوسط .
وعلى الرغم من المنحى السلمي لتوجهات بايزيد الثاني "1481 _ 1512م" ، فإن السياسة العثمانية سوف تكون عدوانية عندما تتاح الظروف ، فقد تم ضم الهرسك بصفة نهائية عام 1483 ، وميناءي كيليا وآكيرمان "ستاتيا آلبا" المطلين على البحر الأسود عام 1484م ليصبح البحر الأسود عثمانيا ، وخاض _ بايزيد صراعا على فترات متقطعة مع الدولة المملوكية "85 _ 1491م" ، والبندقية "99 _ 1503م" ، لكن الخسارة التي مني بها أمام المماليك ، وتخليه عن قليقيا ومدينتيهما "قادس و أدنة" ، وتفكك الأناضول العثماني أمام تمردات أصحاب الرؤوس الحمراء "قزل باش" الشيعة أتباع إسماعيل الصفوي شاه فارس ، والعجز الواضح للسلطان وحاشيته أدى إلى تنافس أولاده على العرش في حياته ليتمكن أقدرهم من إجبار أبيه على التنازل عن العرش والحلول محله منهيا بذلك أزمة هي الأخطر منذ كارثة أنقرة ولذلك اعتبر عام 1512م نقطة تحول في التاريخ العثماني .
وفي الفصل الرابع تعالج نيكورا بيلديسينو "تنظيم الإمبراطورية العثمانية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر" ، فتعرض أولا للأساس الحقوقي للدولة الذي استند إلى دعامتين : القانون الإسلامي "الشريعة" ، والأعراف الحقوقية لسكان البلاد المفتوحة ، ولذلك فإن العاهل العثماني لم يكن بالأمير المطلق الصلاحيات ، وقوته بعيدة عن أن تكون حرة من كل قيد .
ثم يتناول بنية السلطة المركزية ، حيث يأتي القصر السلطاني على قمة هرم السلطة ويدير العاهل ولاياته بمساعدة الصدر الأعظم ، ويعاون الصدر ثلاثة وزراء وديوان يترأس أعضاؤه مختلف الإدارات التي تكفل من خلال موظفيها حسن سير عمل الباب ، وتنقسم الدولة إلى مقاطعات "سناجق" بكل منها وال ٍ"سنجق بك" له اختصاصات عسكرية وإدارية ويساعد ديوان ، يليه في المرتبة "صوباشي" وهو ضابط أمن بصفة أساسية وتتباين أعدادهم بحسب التقسيمات الفرعية للسنجق .
وعلى الرغم من أن الأحوال المالية كانت أقل ازدهارا ، فإن على الدولة بحكم سياستها العسكرية واتساعها ومصالحها أن تنهض بأعباء نفقات جسيمة ، ولذلك كانت تجري إحصاءات دورية يشرف عليها الباش دفتردار ضمانا لحسن التصرف ، كما أتيح للسلطان أن يتدخل في الشؤون المالية والقانونية وبخاصة فيما يتعلق بالضرائب والإيرادات المأخوذة من القوات الإقطاعية "أصحاب التيمارات" ، ويؤدي المحتسب دورا هاما في الإشراف على الأنشطة الاقتصادية
ومثل أي مجتمع منظم استند الباب العالي إلى قاعدتين : الحضر والريف ، لكن الدولة كانت ذات طابع حضري ضعيف خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر فقد استمد غالبية سكان المدن عيشهم من استغلال الريف المجاور الذي شكلت منتجاته المصدر الرئيسي للإيرادات ، وأنشئت صناعات صغيرة في المدن ومثلت مناجم الفضة والذهب والرصاص والنحاس في صربيا ومقدونيا الشرقية وورش سك النقود بالروميللي والأناضول قطاعا اقتصاديا هاما آخر ، وظهرت إلى جوار أصحاب الدكاكين والصناعات والورش الصغيرة والمشروعات الحرفية دور صناعة أكبر حجما تملكها الدولة وتستخدم أيدي عاملة أكثر عددا .
وفي المدن الأقل أهمية احتلت أعمال النسيج وبيع المنسوجات مكانة متميزة وظهرت مئات المحال والدكاكين وأعداد كبيرة من الحرفيين مسلمين ومسيحيين على السواء وازدهرت الأسواق .
ويعيش جزء ملحوظ من سكان الحضر على ريع الأرض ، وتبدو بنية القطاع الريفي بالغة التعقيد ، فالفلاح لا يتمتع إلا بانتفاع محدود الهكتارات يستحيل نقله إلا لابن ذكر ، وعليه أن يؤدي للتيماري رسم لقاء دخوله في الانتفاع ويسلم له عشر المحصول فضلا عن سلسلة أخرى من الضرائب . أما التيماريون "حائزو التيمارات" ، فهم فرسان يمنحهم الباب حق الانتفاع بقطعة من الأرض "تيمار" ، ويتمتعون بحق تحصيل عوائده الضريبية من فلاحيها ، وحق استغلال نوع آخر من الممتلكات نظير تجهيز قوة من الفرسان . ويؤلف عمال المناجم فئة اجتماعية مهنية خاصة في شبه جزيرة البلقان منح المستغلون منهم حقوق حيازة وانتفاع واسعة وتمتع العمال باستثناءات كبيرة لم تتح لغيرهم .
وعلى ذلك فـ (المجتمع العثماني ليس إقطاعيا) ، فالفلاح العثماني ليس قنا مرتبطا بالأرض مثل الفلاح الغربي ، ويمكنه في ظروف معينة أن يهجر قريته الأصلية والنزوح للإقامة في مكان آخر ، والتيمار ليس ملكا للتيماري وإنما هو مجرد منتفع يحوز حق التصرف في التيمار بشكل مؤقت ، ولا يجمع بينه وبين الإقطاعية وكثرة فروض النظام الإقطاعي الغربي شيء .
وكان الجيش العثماني بتشكيله ووحداته البرية والبحرية أداة حرب أرقى من أدوات جيوش الخصوم ، وبذلك قطع شوطا بعيدا في هجر أساليب الحروب البالية العتيقة . ويسكن بالسلطنة جماعات ذات أصول متباينة "بلغار _ صرب _ ألبان _ فالاش _ يونان _ أرمن" وديانات مختلفة "مسلمون _ مسيحيون _ يهود" ، وإن تباينت أعدادهم وتوزيعاتهم في هذه المناطق كل على حدة . وبذلك كانت السلطنة (دولة متعددة القوميات) ، ينتمي رعاياها إلى عدة ديانات لكنها إسلامية سلطانا وقادة وقانونا .
ولم يسع الباب إلى تحويل رعاياه المسيحيين واليهود إلى اعتناق الإسلام ، ولم ينتهج سياسة شاملة تتجه نحو التتريك أو الأسلمة الإجبارية ، وبسبب سياسة التسامح الديني هذه نجحت الحضارة العثمانية في فرض نفسها ، وفي تشكيل بعض جوانب الحياة في البلقان بحيث يمكن القول بأن الأتراك هم الذين أرسلوا اللبنات الأولى لحضارة مدنية حديثة . فقد وضعت سيطرة العثمانيين حدا للفوضى التي كانت سائدة في الأناضول والبلقان ، ووفرت عامل الاستقرار السياسي وأمنت النشاط الاقتصادي ، واجتماعيا حملت معها معاول هدم القنانة لغالبية الفلاحين , وجددوا في المجال العسكري بإنشاء جيش متحرر من كل ارتباط قبلي ، ومرتبطا إرتباطا كليا بشخص العاهل ، وأدخلوا نمط حياة جديدة في البلدان الملحقة ، وأنشأوا هياكل حضرية مغايرة لتلك الشائعة في الغرب ، وقدموا استشرافا للدولة الحديثة حين جعلوا العاهل مقيدا في ممارسة سلطاته بالشريعة والقانون العرفي للشعوب الخاضعة .
وفي الفصل الخامس "أوج الإمبراطورية العثمانية : الأحداث 1512 _ 1606 م" يعرض جان لوي باكي جرامون لفترة حكم سليم الأول "12 _ 1520 " التي انتهت بجعل السلطنة العثمانية القوة الأولى في العالم الإسلامي ، وعهد سليمان القانوني "20 _ 1566" الذي خاض ثلاث عشرة حملة ضد الخصوم والأعداء ، وأرسى دعائم دولة وطيدة البنيان على القواعد التي خلفه سلفه . ثم أخيرا وفي عجالة لحكم سليم الثاني "66 _ 1574" الذي ترك ذكرى كعاهل غير كفء في التاريخ العثماني ، وعهدي مراد الثالث "74 _ 1595" ، ومحمد لثالث "1595 _ 1603" الباهتين حيث برزت في هذه الآونة شخصية الوزير الأعظم (محمد باشا صوقللو) الذي استطاع أن يحد من الآثار السلبية المترتبة على مبادرات سليم الثاني ومحاسبيه ونجح في الإبقاء على عظمة السلطنة حتى وفاته "ت . 1579" .
ويشير اختفاء صوقللو لبداية ظهور الإمارات الأولى للانحطاط والتدهور العام ، وبذلك ترمز عهود سليم الأول ، وسليمان الأول ، وسليم الثاني إلى أوج التوسع العثماني في أوروبا البلقانية والوسطى والبحر المتوسط والشرق الأدنى . وإلى تنظيم داخلي ، وإذا جرى توطيدها تدريجيا ، وأعطت للدولة هياكل راسخة البنيان صنعت عظمة السلطنة ، ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يلقب الأتراك سليمان الأول _ المعروف عند الغربيين بالأكبر _ بالقانوني "المشرع" .
وفي الفصل السادس "الإمبراطورية في عظمتها _ القرن السادس عشر" يشدد جيل فاينشتاين على أن عهد سليمان القانوني يتطابق مع المرحلة الأكثر روعة بين مراحل التاريخ العثماني ، وأزهى عصور الحضارة العثمانية في مجالات العلوم والفنون والآداب . وفي هذا السياق برزت كنقيض للدولة القومية ، فهي امبراطورية تجمع بين عناصر هجينة ، وتتميز بأراضي جد متباينة ،وشعوب متعددة الأعراق ، وديانات عديدة متجاورة ، وولايات مكونة من بلدان لكل منها تراثها التاريخي المختلف ، لكنها تأتلف معا لتشكل امبراطورية محددة لا يمكن تعريفها إلا بانها تركية .
ولأن وجود السلطنة لا ينفصل عن وجود السلالة الحاكمة ، فقد تأثرت ولا شك بطبيعة وتقلبات النظام الوراثي العثماني ، وتميز التنصيب العلني للعاهل بمراسم معينة تشير جميعها إلى إمساكه الفعلي بزمام السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية ، ويمارس سلطته في جميع المجالات وله حقوق وواجبات القاضي الأعلى للسلطنة . وله الحق في سن تشريع زمني _ قانوني _ يتناول مسائل القانون العام الدستورية والإدارية والمالية والجزائية دون أن يحل محل الشريعة ، بل يجيب على مستجدات لا تعرفها مع عدم انتهاك روحها ، فهو وإن كان يتصف بطابع ديني لكونه "خليفة" ، لكنه لا يملك أية سلطة في مجال الشريعة ، وليس مسموحا له بتأويلها أو تعديل أو متابعة صياغتها لأن هذا الدور قاصر على أهل الفتوى "المفتى" الذين يعينهم ويعزلهم دون أن يستطيع الحلول محلهم .
ويبدو وصف السلطات النظرية للسلطان بالاستبداد مجافيا للحقيقة ، فهو بعيد عن أن يحكم وفقا لهواه ، ولا يستطيع أن يتجاوز المبادئ المقدسة للشريعة ، وعليه أن يراعي أيديولوجية من نوع ما تحدد نموذجا مثاليا للأمير يجب أن يتمشى معه ، وهو محاصر بشبكة من الأعراف والعادات السابقة ، والأوضاع المكتسبة تفرض عليه من جميع المجالات ما لا يستطيع تجاوزه إلا بحرص واعتدال . وبوجه عام فإن سلطته لم تكن غير محدودة ولا تعسفية ، ولم تكن الرعية محرومة من الحماية القانونية ، ولم يكن الاعتماد على العبيد _ قولات _ في الحكومة يتميز بالشمول ، ولا بجميع الآثار التي نسبوها إليه .
وتشكّل دراسة القصر مقر إقامة السلطان عماد البنيان السياسي والاجتماعي ومقر الحكومة والإدارة المركزية التي توجد حيثما يحل السلطان ، والخدمات الداخلية الخارجية بالقصر والقائمين عليها واختصاصاتهم ، وأعضاء الديوان "الصدر الأعظم والوزراء المعاونين له _ قاضيا عسكر الروميللي والأناضول _ شيخ الإسلام " وغيرهم من موظفي الديوان جهازا بيروقراطيا كاملا يكفل إعداد وتنفيذ القرارات ، والتقدم المحسوس في فصل وتنظيم المهام على عهد سليمان القانوني .
وقد شهدت أدوات السلطة المتمثلة في القوات المركزية "الانكشارية" والقوات الأخرى ، وقوات المقاطعة الموزعة عبر أرجاء السلطنة والمكونة من الفرسان "سباهية" وحاميات المواقع الحصينة ، والقوات المساعدة العسكرية وشبه العسكرية والأسطول ، وكذلك تنظيم المقاطعات تطورا ملحوظا على عهد سليمان .
وكان الاقتصاد العثماني حتى هذا التاريخ اقتصادا قائما بذاته ، ومحتفظا باستقلال مجاله وبالقدرة على تنظيم تبادلاته من زاوية احتياجاته الخاصة ، لكنه اقتصاد موجه من قبل الدولة التي عبرت عن تدخلها عبر أشكال عديدة .
وتثبت دراسة نواحي وجوانب الاقتصاد العثماني المختلفة : "الحياة الزراعية والرعوية _ المناجم والمحاجر _ الحياة الحضرية _ مشروعات الدولة _ التجارة الكبيرة _ التطور النقدي" إن بداية ظهور الاختلال النقدي والأزمة المالية يرجع إلى العقود التالية لموت سليمان وامتدت إلى ما بعد القرن السادس عشر ، وتبرهن في ذات الوقت على أن زمن السلطان العظيم كان عصرا ذهبيا .
.
.






 
رد مع اقتباس
قديم 21-11-2011, 10:55 AM   رقم المشاركة : 33
معلومات العضو
زياد هواش
أقلامي
 
الصورة الرمزية زياد هواش
 

 

 
إحصائية العضو







زياد هواش غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: التاريخ يُقرأ من الأحدث ..

.
.
وفي الفصل السابع وبعنوان "الدولة العثمانية في القرن السابع عشر : اتجاه إلى الاستقرار أم انحدار ؟
يجيب مانتران على التساؤل الذي أثاره بالتأكيد على أن القرن السابع عشر يبدو أقل روعة بكثير من القرن السادس عشر ، فقد تعرضت الدولة لانتكاسات على الصعيد العسكري ، وتضافرت الصعوبات العسكرية مع تمردات جسيمة وبخاصة في الولايات العربية ، وتأرجحت العلاقات الدبلوماسية مع القوى الأوروبية ، ولم تعد للسلطنة العثمانية تلك الرهبة التي كانت عليها من قبل ، وتفاقمت عملية التكلس التي طالت قمة الدولة ، وأجهزة الإدارة والعلوم والفنون وعالم الأفكار والآداب ، وبدأت تظهر بقوة بوادر انحطاط البنيان العثماني .
وبوجه عام ، فقد شكل القرن السابع عشر مرحلة انتقال بين أوج السلطة وانحدارها ، حقيقة أن العثمانيين ظلوا يمثلون قوة لابد أن تؤخذ في الحسبان وأن السلطة كانت بعيدة عن الانهيار ، لكنها لا تتمتع بالزخم والحيوية اللذين أسهما في نجاحاتها ، ولن يكون من شأن مقاومة الضغوط الأوروبية إلا أن يصيبها بالضعف والهزال .
ويواصل مانتران في الفصل الثامن "الدولة العثمانية في القرن الثامن عشر _ الضغط الأوروبي" دراسته للتطورات التي مرت بها الدولة سواء على الصعيد السياسي الخارجي أو فيما يتعلق بالأوضاع في الداخل . فعلى الرغم من مسعى القادة العثمانيين إلى تجنب السلطنة خطر التورط في مغامرات خاسرة جديدة ، والحرص على إبقاء الدولة خارج دائرة حروب أوروبا ، وإيمانهم العميق بضرورة إدخال عدد من الإصلاحات الداخلية ، وإجراء تحولات على أسلوب عمل الدولة ، إلا أن الظروف تجرها إلى شن حرب جديدة ضد بطرس الأكبر "12 _ 1713م" ، والبندقية "1714م" والنمسا .
لكن رد فعل النمساويين الناجح يجبرهم على توقيع صلح باسادوفيتز "21 يوليو 1718" وبمقتضاه حصل الأخيرون على مزايا اقتصادية مماثلة للدول الغربية الأخرى ، وساد السلم بينهما طيلة اثني عشر عاما "18 _ 1730" . وعندما استؤنف الصراع بين الدولة والروس والنمساويين زحف الروس على القرم واستولوا على آزوف "إبريل 1736" ، وشنوا هجمات مشتركة في اتجاه البوسنة وبلغاريا بلا طائل ليوقّع صلح كرس احترام الوضع القائم ، وحقق مصلحة عسكرية ودبلوماسية بوقف الأعمال الحربية مع الروس حتى 1768 ، والنمساويين حتى 1788م .
ومن ناحية أخرى ، دفعت المصاعب الداخلية والخارجية الجسيمة التي واجهتها إيران الصفوية _ العثمانيين إلى الزحف شرقا لتأمين حدودهم مع إيران ، لكنهم اضطروا تحت ضغط الهجوم الروسي النمساوي المشترك إلى التنازل عن الأراضي التي فتحوها في 1727 بموجب صلح جديد عقد في سبتمبر 1736 . ومع ظهور "ناردشاه" ، ولأسباب تتعلق بنجاحات ناردشاه في الهند وأفغانستان ، وتطلعه إلى السيطرة على الشرق الأوسط ، فضلا عن الأسباب المذهبية المعروفة تجدد الصراع وتناوب الطرفان النصر والهزيمة عدة مرات إلى عقد صلح سبتمبر 1749 ، الذي اعتبر امتدادا لمعاهدة قصر شيرين الموقعة في مايو 1639م .
وبسبب انشغال الدولة الغربية في نزاعاتها ، عاشت السلطنة فترة سلم فيما بين 1746 و 1768 ، أفاد منها قادتها في إدخال إصلاحات داخلية ، وتحسين أوضاع الجيش لمواجهة خطر التهديد المتعاظم الذي تمثله روسيا ، لكن الصدر الأعظم حمزة باشا الذي شعر بالقلق إزاء مرامي الروس بشأن القرم استجاب لطلب البولنديين العون في نزاعهم مع الروس ، ووجه إنذارا طالبهم فيه بالانسحاب من بولندا "اكتوبر 1768" ، لتشتعل الحرب بين البلدين على فترات متقطعة 1769 و 1774 م ، وخلالها أحرز الروس عدة انتصارات حيث احتلوا القرم ، وفلاشيا ، ودوبروجا ، وروستوك ، وتغلغلوا في بلغاريا ، ونجحوا في بحر إيجه ، وشرق المتوسط ، وساندوا تمردات الأميرين ظاهر العمر في فلسطين ، وعلي بك الكبير في مصر "71 _ 1772" لينتهي الأمر إلى توقيع معاهدة كوجك كينارجه التي كانت معاهدة غير مواتية للعثمانيين بشكل تجاوز المعاهدات الموقعة من قبل ، وقد أدت إلى نجاح التوسع الروسي بحصولهم على منطقة آزوف وما جاورها ، وجرى الاعتراف لهم باستقلال القرم ، وعززت من مكانة الروس على الساحة الدولية ، في حين نالت من هيبة السلطنة الآخذة في الانحدار ، وأصبحت فريسة مغرية للنمساويين والروس الذين واصلوا الضغوط عليها .
وفيما بين معاهدتي كارلوفيتز "1699" ، وباسادوفيتز "1718" برزت عدة تطورات تجلت في اعتلاء رجل مثقف مثل أحمد الثالث للعرش "03 _ 1730" ، ورغبته في أن يحكم وفق مناخ يسوده السلم ، وتحقيق استمرارية واستقرار حكوميين صارا هما القاعدة . وتميزت فترة صدارة رداماد ابراهيم باشا "18 _ 1730" باهتمام خاص بالعلاقات الدبلوماسية مع الدول الغربية سعيا إلى فهم أسباب تقدمها ، والاطلاع على إنجازاتها التقنية ، وميلاد حالة ذهنية جديدة بين صفوف بعض الأوساط الحاكمة تدفعها إلى الانفتاح على الغرب ، والأخذ عنه والتأثر به ، وتبني أسلوب حياة جديدة يرمز إليه تشييد القصور الفخمة والدور المقامة على ضفاف البسفور ، وإنشاء الحدائق على النسق الأوروبي وتنظيم الأعياد والأفراح ، وظهور أشكال من اللهو المكلف ، وتولد الرغبة في تكوين فكرة أفضل عن العالم الغربي ، وإنشاء مطبعة عربية الحروف 1827 ، وطبع عدة مؤلفات تركية _ فرنسية _ عربية ، ونشر ترجمات لكتب فرنسية وإنجليزية ، دون أن يترتب على أبهة عهد أحمد الثالث تكلفة باهظة لأن النفقات كانت مكفولة وفق طريق مرسوم ، ومن ثم اعتبر (ابراهيم باشا دامادا) إداريا جيدا ،بل وواحدا من أفضل الرجال الذين شغلوا منصب الصدر الأعظم .
لكن إبراهيم باشا ، والسلطان أحمد ذهبا ضحية للحرب الإيرانية التي جرى استئنافها في سنة 1730 ، ونشوب حركة تمرد (باترونا خليل) أحد قيادات الإنكشارية ، فينهي السلطان إبراهيم داماد بالأمر بإعدامه "29 سبتمبر 1730" ، ثم يضطر هو نفسه إلى التنازل مرغما عن العرش لمحمود الأول بن مصطفى الثاني "أول أكتوبر 1730" الذي نجح في إخماد تمرد باترونا أحمد وأمر بإعدامه هو وحلفاؤه "نوفمبر 1730" .
كما تشير الأحداث في الولايات العربية مثل دمشق "1725" ، والجليل الأعلى والأدنى "10 _ 1775" ، وتونس وطرابلس الغرب والجزائر إلى أن السيادة العثمانية إن لم تكن مهددة بالكامل ، فإنها على الأقل مختزلة ، لكن الدولة مع ذلك بقيت حتى منتصف القرن الثامن عشر تشكل كيانا بشريا وسياسيا ودينيا واحدا متجانسا في نظر رعاياها ، لم تنل منه الأراضي التي فقدتها أو تنازلت عنها لأنها تعتبر هامشية ، ولا تكاد تمس السكان المسلمين .
وقد تحرك السلطان محمود الأول "30 _ 1754 " المدفوع بالرغبة في تحسين الأوضاع في اتجاهين ، الأول : إصلاح الجيش وبشكل أخص المدفعية ، والثاني : استعادة السلم ، ومناخ الثقة في الولايات الأناضولية ، في حين جاء عهد أخيه عثمان الثالث "54 _ 1757" باهتا وخاليا من أي تجديد تقني أو فكري ، على العكس من التجديد الذي أجراه الصدر الأعظم (راغب باشا كوجا) في عهد السلطان مصطفى الثالث الذي قوبل تنصيبه بالحماس _ حيث عمل على تحسين مختلف الخدمات ، وحافظ على علاقات طيبة مع الدول الأجنبية ، وظلت الإدارة رغم فسادها منظمة وفعالة نسبيا ، والسيادة العثمانية واقعا ملموسا قادرا على مجابهة التحديات الخارجية ، ومعترفا بها من السلطات المحلية بالولايات العربية برغم ظهور حركات التمرد .
وفي المقابل ، شهد القرن الثامن عشر البداية الحقيقية لهجوم الدول الأوروبية العظمى في المجالات : العسكرية و الدبلوماسية والاقتصادية ، فضلا عن التقنية والثقافية . فقد نجح الفرنسيون _ وبدرجة أقل الإنجليز والهولنديون _ في توسيع تغلغلهم ، وحصلوا على مزايا أكثر وضوحا ، ومارسوا ضغطا من نوع جديد بإيثارهم لأقليات معينة ، وهو ضغط تميز بطابع اجتماعي ، تحول فيما بعد إلى سند سياسي وانتهى الأمر بأن اتخذت المشكلات : ملامح سياسية أكثر منها اقتصادية ، فهزت الولايات الأناضولية ، والبلقانية ، والعربية قلاقل سياسية واجتماعية هددت وحدة السلطنة ، وشكلت مقدمة لحركات سياسية _ وبخاصة في الولايات غير التركية _ أكثر قوة بكثير في القرن التاسع عشر .
ويعرض جيل فاينشتاين لأوضاع "الولايات البلقانية 1606 _ 1774م" في الفصل التاسع ، فقد فرض العثمانيون سيطرتهم على مجمل شبه الجزيرة البلقانية تقريبا منذ منتصف القرن الرابع عشر ، وتجاوزت ممتلكاتهم شبه الجزيرة منذ أواخر القرن السادس عشر حتى خضع لهيمنتهم في أوج عظمتهم جزء كبير من أوروبا الشرقية والوسطى ، تعيش به مجموعة متباينة من الشعوب والجماعات الإثنية المتميزة من حيث الأصل واللغة والثقافة والتاريخ في فسيفساء إثنية وسياسية حقيقية تحت سيادة واحدة .
ومع ذلك ، لم تشكل سيطرة العثمانيين تحولا واستلابا جذريين ولم يصهر العثمانيون التنوع البلقاني في قالب واحد ، ولم يتميز النظام الذي تأسس حتى أواخر القرن السادس عشر بالطابع التدميري والقهري الذي غالبا ما نسب إليه ، بل على العكس من ذلك كان أكثر مواتاة من النظم السابقة عليه أو المجاورة له ، فلم يبد أي اتجاه استيعابي ، أو أية روح تبشيرية تجاه أقاليم مسيحية في غالبيتها ، وذلك في إطار تمسكه بالمفاهيم التي حكمت الدول والسلطنات الإسلامية الكلاسيكية ، مما ساعد على إبقاء الهويات الإثنية عبر القرون .
فقد ضمت شبه الجزيرة عددا من الكاثوليك ، وجاليات يهودية حضرية تضخمت بشكل ملحوظ بعد وصول لاجئين من أصل أندلسي منذ أواخر القرن الخامس عشر ، وبعض العناصر الأرمنية ، عاشوا جميعا جنبا إلى جنب مع أغلبية مسيحية أرثوذكسية خضعت للسيادة الروحية لبطريرك القسطنطينية التي تم الاعتراف بها من قبل الدولة عقب فتح القسطنطينية عام 1453م في إطار من التسامح الديني لم تحظ به من قبل . وعلى الرغم من حدوث حالات تحول قسري إلى الإسلام في ألبانيا والبوسنة والهرسك بوجه خاص ، إلا أن عملية التحول لم تكن بالسرعة ، ولا بالحجم الذي قيل عنه ، وإنما كانت بطيئة وتدريجية وقليلة العدد ، ومن ثم لم يشكل المسلمون غير نحو ( 18 0/0 ) من سكان الروميللي خلال القرن السادس عشر .
والخلاصة : أن السيادة العثمانية لم تكن بالتأكيد هي "الشر المطلق" بفضل الضمانات التي اعترفت لهم بها كذميين ، دون أن تشكل بالنسبة لهم "الخير المطلق" وبخاصة وقت الشدائد ، ويدين هذا الوضع المقبول نسبيا لحالة النظام والتوازن السائدة في أوج السلطنة ، لكن مع اختلال التوازنات الداخلية للدولة الذي بدأ منذ الشطر الثاني للقرن السادس عشر ، وعدم التكيف في مواجهة الخصم عاشت الولايات البلقانية فترة انتقال شكلت جسرا بين العصر الكلاسيكي ، وعصر النزعات القومية ، والضغط الدولي ، والتمزقات والإصلاحات الداخلية ، وبرزت إلى الوجود أشكال جديدة للتنظيم الاجتماعي والسياسي ، وبدأ التراجع الإقليمي لكنه لا يمس غير هوامش السلطنة دون القلب .
وقد شكلت الحروب بنتائجها المتعددة العامل الأول في تطور الولايات البلقانية ، فعبر سلسلة من الحروب مع روسيا ، وبولندا ، والبندقية ، والنمسا ، تعدلت خريطة الممتلكات العثمانية في أوروبا ، وتغير التوزيع الإثني في البلقان تغيرا محسوسا إلى حد التعقيد ، وجرى بذر بذور مصاعب سياسية لم تحل كلها إلى اليوم ، وتمثلت جوانب التغير الديموغرافي في حركات النزوح الجماعي بين أرجاء الممتلكات الأوروبية ، وانخفاض نسبة السكان المسلمين ضمن سكان البلقان ، وتعزيز العنصر المسلم في أوروبا عبر استمرار وتوسع تيار عمليات التحول إلى الإسلام وبخاصة بين البوسنيين والألبان والكرواتيين ، وانحسار عدة جاليات يهودية شهيرة في البلقان ، وحلول اليونان والسلاف والألبان محلهم ، وظهور قدر معين من استعادة الهوية القومية للمدن البلقانية في القرن الثامن عشر .
ومنذ أواخر القرن السادس عشر ، بدأت في الظهور ضياع عقارية شاسعة خاصة هي التشيفتليكات "جفتلك" على أنقاض النظام القديم عبر عمليات اغتصاب غير مشروعة ، أو من خلال منح امتيازات هامة "آربه لق" دون مقابل من خدمة لكبار الوجهاء ومحاسيب البلاط ، أو بالتخلي للولاة الخارجين من الخدمة عن جزء من خاصهم القديم على شكل "جفتلك" ، ومضت الالتزامات الوراثية "أوجاقلك تيمار" شوطا أبعد ، دون أن تشكل التشيفتليكات استثمارات جد واسعة تستخدم العديد من الأيدي العاملة ، أو تشهد علاقات الإنتاج وأنماط تنظيم العمل تغيران جذرية ، لأن توسعها لم يكن كاملا قط في السلطنة حتى عهد الإصلاحات العقارية التي أدخلتها التنظيمات . كما بقيت إلى جوارها الأشكال التقليدية للنظام الزراعي الكلاسيكي وتكفل الوقف بالإبقاء على تمتع ذرية الواقف بريع الأرض وحيازة الأرض ضمن أسرة من الأسر ، دون أن يكون بوسع الدولة استردادها .
ويبدو أن الانتقال إلى قطع الطريق كان في أغلب الأحوال رد فعل جد مميز على التدهور العام الذي عانى منه الرعايا العثمانيون ، حيث شهدت ظاهرة عصابات قطاع الطرق اتساعا بدءا من القرن السابع عشر . ثم لم تلبث هذه العصابات المسماة بـ (الهايدوك أو الكليفت) أن أصبحت قوى فاعلة هامة ونموذجية على المسرح البلقاني . وفي مواجهة هذه العصابات حركت السلطات قوات من الشرطة المجندة المحلية كالأرماتول اليونانيين ، واليوزباشية البوسنيين الذين مارسوا أعمال الابتزازات ، منحدرين بدورهم إلى درك أعمال العصابات بحيث انعدم الفارق أو كاد بين الاثنين في بعض المناطق .
وتضافرت التحولات الضريبية التي تزايدت وتغيرت طبيعتها ، مع ضعف الدولة ، وتدهور المؤسسات القديمة ، وظهور سلطات جديدة على المستوى المحلي لتزيد الموقف تعقيدا ، فإلى جانب الولاة العثمانيين تطلعت قوى أخرى لترسيخ أقدامها ، وتمتعت بإمكانيات مادية مثل : حاميات الإنكشارية _ الجماعات المسلحة من الأرماتول واليوزباشية _ قطاع الطريق _ كبار الأعيان _ الزعماء التقليديون .
وفي مستهل القرن الثامن عشر حصلت التبادلات التجارية على حافز حاسم من جراء عودة السلم مع النمسا ، كما أنتجت معاهدة "التجارة والملاحة" الملحقة بمعاهدة باساروفيتز "1718" ظروفا مواتية للعلاقات التجارية بين رعايا آل هابسبورج ، والرعايا العثمانيين ونشطت تبعا لذلك شبكة من الاتصالات البرية لنقل الصادرات والواردات من وإلى البلقان ، وبما يكفل ازدهار فئة من التجار الأرثوذكس . فضلا عن عدد من المقدونيين ، والصرب ، والبلغار ، والبوسنيين والألبان . ونمت أساطيل تجارية بلقانية ، وتطور الانتاج الحرفي بفضل تقدم الطلب الداخلي وتزايد الصادرات ، وهي تطورات تأكدت في العقود التالية لعام 1774 م .
وعلى المستوى الثقافي ، شكل اليهود بؤرا فكرية ملحوظة , وواصل الأتراك والمتأسلمون من جهتهم صوغ أدب بلقاني ذي تراث إسلامي مكتوب بأحرف عربية ووفق نماذج شرقية لكن مشبع بمفردات عثمانية ، وفيما بين الجماعات الأرثوذكسية ، ظهر إلى جوار ثقافة الخاصة المنفصلة بالكامل عن الشعب والمحافظة والمتأثرة بالموروث الديني القديم في القرون الوسطى ، والواقعة تحت التأثير اليوناني ، شعر شعبي مفعم بالحيوية ومسهب يتألف من أغنيات تمجد الهايدوك أو الكليفت .
وبوجه عام ، فقد أتيح خلال تلك الفترة الكئيبة التي تميزت بالحروب وبدمار النظام القديم ، وبصعود التعصب والتعسف ، أن يحافظ السكان على هوياتهم بل وتأكيدها بشكل أكثر وضوحا عبر تطور الاستقلالات المحلية .
وبعنوان "الولايات العربية : القرن السادس عشر _ القرن الثامن عشر " يمهد أندريه ريمون لموضوعه بالحديث عن مد العثمانيين لسيطرتهم على مجمل العالم العربي خلال بضع سنوات من هزيمة المماليك في مرج دابق 24 أغسطس 1516م ، وكيف كانت الولايات العربية تمثل (خمس المساحة الإجمالية) من أراضي السلطنة عند مستهل القرن السابع عشر ، وأن المجال العربي الشاسع والمأهول بالسكان بشكل كثيف تميز بثقل نسبي في مجمل السلطنة ، وكان محكوما عبر نظام إدارة موحد ومتماسك اكتسب رسوخا أكيدا بمرور الوقت .
وتثبت دراسة الأوامر السلطانية أن السلطة المركزية كانت تتدخل في شؤون جد عديدة ومتباينة : عسكرية وإدارية ، تتطرق إلى مجالات التعليم والأوقاف والمؤسسات الدينية والصحة والنشاط الحرفي ومشكلات الحياة الحضرية . كما استندت إدارة الولايات العربية إلى مرتكزات أساسية هي : الولاة "الباشاوات" _ القضاة _ فرقة الانكشارية .
فضلا عن الإدارة المالية التي يتوجب عليها توفير الإمكانات الضرورية لسير عمل الولاية ، وتأمين فائض موجه إلى الحكومة المركزية وإن حرص العثمانيون على التوافق مع تقاليد الإدارة الحكومية والجماعات السياسية القديمة ، بدلا من فرض نظامهم الإداري بصورة كلية حتى لو اضطرهم ذلك إلى الإبقاء على الممارسات المألوفة طالما كانت تبدو معقولة ، ولم يكن هناك مبرر لإبطالها .
أما فيما يتعلق بشؤون الضرائب ، فقد عرفت غالبية الولايات العربية الأشكال المختلفة للإدارة الضريبية ، لكن (نظام الالتزام) أصبح هو الأعم استخداما منذ أواخر القرن السابع عشر ، كما سمح استقلال الولايات بتوفير إمكانات إدارتها والدفاع عنها وكفالة إعاشتها واستخلاص فائض موجه إلى الحكومة المركزية ، وهو فائض أخذ يتضاءل تدريجيا بحيث لم يعد يمثل غير مبلغ مختزل نسبيا .
وبوجه عام ، كانت السلطنة تمثل في نظر رعاياها قوة الاسلام الفاتحة فلما حلت بها الهزائم ، وحان وقت التراجع ، وجدوا فيها الملاذ الأخير ضد الأخطار الخارجية التي باتت تهددهم بشكل متزايد
وقد أدى الفتح العثماني إلى دمج البلدان العربية في كل موحد جد شاسع يقع بين المغرب الأقصى وإيران وبراري روسيا الجنوبية والحبشة ، وصنع سوقا داخلية واسعة جرى فيها تبادل منتجات وسلع متنوعة في أقاليم مختلفة ونشطت الاتصالات ، ونمت المدن العربية الكبرى الواقعة على النقاط المحورية للتجارة الدولية الكبيرة "الموصل _ حلب _ القاهرة _ تونس " كما لعب الحج دورا جوهريا كقوة من قوى التلاحم الداخلي ، وعامل من عوامل التقارب بين أقاليم العالم العربي المختلفة .
لكن الولايات العربية ، مرت بتطورات قادتها إلى أوضاع جد متباينة خلال القرن الثامن عشر . فقد برزت في حلب قوى محلية عبرت عن نفسها بقوة من خلال تمردها على وال قديم ، أو رفضها لتنصيب وال جديد في أكثر من مناسبة ، وفي فلسطين ودمشق والموصل وبغداد وجبل لبنان ترسخت أقدام متزعمين وأشباه سلالات حاكمة تحت أشكال متباينة دون أن تتعرض سلطة الحكومة المركزية هناك للمنازعة . وفي مصر تنامت قوة المماليك ، لكن حركة علي بك الكبير الرامية إلى الاستقلال عن الدولة منيت بالفشل "68 _ 1773" . أما ولايات المغرب " الجزائر _ تونس _ طرابلس الغرب " فاختزلت فيها السيادة العثمانية إلى سيادة لم تترتب عليها آثار بالنسبة للحائزين المحليين على السلطة .
على أن الوجود العثماني كان له أثره العميق في الولايات العربية ، فقد بقيت ثلاثة قرون وأحيانا أربعة داخل السلطنة لن تخرج منها إلا لكي تنتقل تحت السيطرة الغربية . كما ساهمت الوحدة النسبية للنظام في تقارب مناطق كان تطورها الداخلي متباينا ، وزود العثمانيون الولايات بمؤسسات إدارية متشابهة ضمن بنية عامة مشتركة تميزت بطابع حداثة معين برغم ثغراتها وعيوبها . وتسنى للعالم العربي _ باستثناء المغرب الأقصى _ أن يعيش موحدا في ظل كيان سياسي واحد .
ومن خلال العرض السابق يتبين الآتي :
1 _ إن الكتاب ينتمي إلى فئة المؤلفات المتوسطة الحجم ، بل ويعتبر صغير الحجم إذا ما قورن بالمؤلفات التاريخية التقليدية التي تتناول عامة نشأة وتطور الدول والإمبراطوريات الكبرى مثل كتاب هام رفون بورغشتال ، ومع ذلك يقدم صورة مهمة وغنية بالتفاصيل ليس فقط عن نشأة وتطور الدولة والمجتمع العثماني حتى الربع الأخير من القرن الثامن عشر ، بل وأيضا عما أسماه المؤلفون بالعالم العثماني سواء بالمركز أو بالأطراف .
2 _ نجا الكتاب من الوقوع في فخ المقولات التقليدية القديمة عن ظلم وفساد الدولة والنظام العثماني ، وصحح كثيرا من المفاهيم وأعاد الاعتبار لنظم الدولة والإدارة العثمانية مثل :
(أ‌) إن المجتمع العثماني ليس إقطاعيا ، ولم تربطه بالغرب ولا بالنظام الإقطاعي الغربي أي وجوه تشابه . وإن الحضارة العثمانية نجحت في فرض نفسها ، وفي تشكيل بعض جوانب الحياة في البلقان نتيجة لسياسة التسامح الديني التي انتهجتها ، وكان الأتراك أول من أرسى البنيان لحضارة مدنية حديثة في الأناضول والبلقان "ص 184 _ 185 ، 192 _ 202 " .
(ب‌) نقد وتفنيد المزاعم السابقة عن إخضاع الاقتصاد للسيطرة الرأسمالية الغربية ، والتأكيد على أن الاقتصاد العثماني ظل محتفظا بقوته واستقلاله وبخصائصه التقليدية مدعوما من أجهزة الدولة وتحت سيطرتها طيلة القرنين السادس والسابع عشر ، وأن ضعف وتهميش الاقتصاد يرجع إلى الشطر الأول من القرن التاسع عشر بالنسبة لبقية أجزاء السلطنة "316 _ 318" .
(ت‌) التأكيد على أن النظام العثماني كان في مجمله أكثر مواتاة للشعب الفقير بالبلقان من النظم السابقة عليه أو المجاورة له في أوروبا ، ولم يبد أي اتجاه استيعابي أو أية روح تبشيرية تجاه أقاليم مسيحية في غالبيتها العظمى " 440 _ 451" .
(ث‌) إن الفلاح العثماني لك يكن مرتبطا بالأرض ، وكان بإمكانه ترك قريته الأصلية ، والنزوح للإقامة في مكان آخر "ص 185" ، وبرغم تدهور حالة الرعايا العثمانيين ، وبخاصة خلال القرن الثامن عشر ، إلا أنه لم يكن قنا ، ولم تنحدر وضعية رعايا الدولة لا قانونيا ولا فعليا إلى مرتبة القنانة قط "ص500" .

وفي المقابل ، يبدو الفصل العاشر والخاص بتاريخ الولايات العربية أطول فصول الدراسة "119 صفحة " ، وأضعفها معا ، وهذا أمر طبيعي بسبب الحالة السيئة التي عليها دراسة أوضاع وكتابة تاريخ الولايات العربية زمن الحكم العثماني برغم التقدم النسبي ، وظهور عدد من الدراسات الجادة في السنوات الأخيرة ، مما أعجز ريمون عن وضع تصور عام يتصف بالدقة والشمول عن تطور أوضاع الولايات العربية ، وألجأه إلى طرح افتراضات لمعالجة الفجوة الواسعة التي تشكو منها معلوماتنا على حد تعبيره .

انتهى ...

..






 
رد مع اقتباس
قديم 30-11-2011, 09:24 AM   رقم المشاركة : 34
معلومات العضو
زياد هواش
أقلامي
 
الصورة الرمزية زياد هواش
 

 

 
إحصائية العضو







زياد هواش غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: التاريخ يُقرأ من الأحدث ..

الحدث العثماني :

مقدمة تاريخية في سياسات القوة

شمس الدين الكيلاني


1 _ من امتصاص الضربة الصليبية _ المغولية إلى الحدث العثماني : لم يرم أي من الطرفين سلاحه ، فبعد خروج آخر صليبي من عكا (1291) ، ظل كل شيء يُنذر بأن حقبة جديدة من الصراع تطلّ في الأفق ، فالعالم لا يزال ، مثلما هو اليوم ، بعيدا ، عن أن تقيم فيه الحضارات والأديان ، علاقاتها مثل أشخاص مهذبين على مركب واحد .
نعم ، لقد خسر الفرنجة معركتهم الكبرى على حافة المتوسط الشرقية ، وخسروا معها مراهناتهم على تحالف مسيحي _ مغولي لكنهم لم يتوقفوا عن التقدم في صقلية ، أو في شبه الجزيرة الأيبيرية ، وبالمقابل ، فالمعارك على خطوط تماس الأناضول ، حيث أسس عثمان بن أرطغرل إمارته في (1299) ، ستلتهب بنيران لا تهدأ لقرون .
على الرغم من الخراب المدمر ، الذي لا مثيل له والذي أورثه الغزو المغولي : حملات (جنكيز خان) في دولة خوارزمشاه (1220 _ 1221) ، حملات (باتو) في الغرب والقرم (1231 _ 1241) ، و (هولاكو) على بغداد (1258) ، إلا إن الإسلام ، بالنهاية ، سيأسر الغالب . حاول المسيحيون جذب المغول ، ثم التحالف معهم ، ضد الإسلام ، في النهاية أخفقوا . ممثل البابا (أنوسنت الرابع) الفرنسيسكاني ( جوفان يدي كاربيني) زار (قراقوروم) عاصمة المغول (1245 _ 1247) ، ثم زارها عامي (1253 _ 1255) ممثل لويس التاسع ملك فرنسا و "كانت الفكرة من هاتين البعثتين احتمال قيام تحالف مغولي _ أوروبي مع إمكان اعتناق المغول المسيحية ، لكن لم يكن لهذه المحاولات نتائج في أي من القضيتين، وفي النهاية اعتنق المغول الإسلام " ولم تثمر أيضا رحلة (ماركو بولو) الأكثر شهرة عام (1275 _ 1292) عند ( قوبلاي خان )
غمرت الموجة المغولية بلاد الإسلام ، في القرن الثالث عشر ، وما انحسرت إلا وتركت وراءها الدمار والخواء في كل مكان ، مزيلة معالم المدنية الإسلامية ، ومدنها الزاخرة ، وزادت الظواهر والميول التي أبرزها الغزو الصليبي قوة : تراجع الحياة المدنية ، والبداوة على الحضر ، والتفكك .
وستدفع باتجاه اختلاطات سكانية هائلة : من أطراف (الصين) حتى غرب (الأناضول) والبحر الأسود ، إلى شمال العراق ، وإيران ، وبحر الخزو ، وخوارزم والهند ، مع إبراز دور العنصر التركي _ المغولي في أحداث التاريخ الإسلامي . وستتأكد ، منذ الآن ، تدريجيا التنوعات اللغوية والإثنية للأمم الإسلامية "وكانت إحدى نتائج الهجرات التركية ، وغزوات المغول أن توضح انقسام الأقطار الإسلامية إلى مناطق لغوية عربية وفارسية وتركية منفصلة يقتصر الاتصال الأدبي فيها على دوائر محدودة من المثقفين" وإن بقيت اللغة العربية لغة الثقافة للمسلمين عامة .
على الرغم من كل النتائج السلبية لغزوات المغول ، إلا أنه يمكن القول ، إذا أخذنا الأمر من زاوية الصراع مع الغرب ، إن مجيء المغول _ تماشيا مع رأي توينبي _ يعتبر عنصر تقوية وليس عنصر إضعاف للقوى السياسية والعسكرية للإسلام ، وإن لعب على صعيد الثقافة والمدنية دور إضعاف .
أحفاد جنكيز خان في الدول الثلاث التي تفرعت عن بيته اعتنقوا الإسلام : (القبيلة الذهبية) في النصف الغربي من السهوب الأوراسية عام 1313 ، و (الإيلخانيون) في إيران والعراق عام 1295 ، و (التشاغانيون) فيما وراء النهر عام 1326 .
امتص العالم العربي _ الإسلامي الصدمة ، وستنقشع محنة الحصار بين المغول والصليبيين التي واجهها في بداية القرن الثالث عشر " فما أن دنا آخر القرن حتى تغير الحال وأصبح عزيز الجانب " ، وبعد نصف قرن من الدمار المروع الذي أحدثوه في بغداد ، سيكرس خلفاء هولاكو وقتهم لإحياء معالم الثقافة الإسلامية .
كان اعتلاء (غازان) العرش عام (1295) في (تبريز) نقطة فاصلة في تاريخ الدولة المغولية (الإيلخانية) ، لأنه حالما اعتلى العرش أعلن اعتناقه للديانة الإسلامية رسميا "واختار أهل السنة وهذا هو المذهب الذي يعتنقه جميع أفراد الشعب تقريبا ، ومع ذلك فقد عامل الشيعة بتسامح " إلا أن هذا لم يخفف من حدة صراع الهيمنة مع المماليك ، وقد يكون هذا وراء تشيع أخيه "أولجايتو" ، الذي انقلب إلى المذهب الشيعي بعد تتويجه خلفا لأخيه (1310) ، فازداد عدد الشيعة في (إيران) ومن حينها "لم تعد مابين النهرين العربية والخاضعة لمغول إيران سوى منطقة عازلة أصابها الدمار . وتم استقطاب العالم الإسلامي في المشرق حول بعض الحواجز في شمال غرب إيران من جهة وحول سوريا ثم القاهرة من جهة ثانية" .
وبالإضافة إلى ما تم إنجازه منذ العهد الأموي ، من تحويل حوض السند الأدنى ، والملتان إلى الإسلام ، ومد السلطان (محمود الغزنوي) للحدود حتى (لاهور) التي أصبحت في عهد الغزنويين قاعدة أمامية للثقافة الإسلامية في الهند ، ثم ضم الجزء الإسلامي في حوض السند والملتان ، سيجعل الغوريون من هذا مقدمة لفتح ما تبقى من شمال الهند ، وسيؤسسون في القرن الثالث عشر ، أثناء الاضطرابات في المشرق العربي ، سلطة دلهي (1206 _ 1555) وستؤول الهند كلها لأول مرة لقبول الحكم الإسلامي إلى حد ما .
سيضع الغزو المغولي ، بقيادة (باتو) حدا للتوسع الروسي جنوبا أو في الاتجاه الجنوبي _ الشرقي ، ذلك التوسع الذي بدأه الروس منذ القرنين الحادي عشر والثاني عشر ، فتتحول بذلك حركة التوسع باتجاه آخر ، إلى الشمال والشمال الشرقي . وقد فرضوا سلطتهم على الإمارات الروسية ، فأظهر أمراء (موسكو) من الطاعة والولاء إلى الدرجة التي اعتمدهم فيها (خانات الفولغا) كجباة للضرائب والجزية بين إمارات (روسيا) .
وطوّر هؤلاء (الخانات) علاقاتهم مع مصر ، فأمدوا المماليك من قاعدة الفولغا وسواحل البحر الأسود بالعبيد/ الجنود ، ومن (مصر) كانت ترد إليهم البضائع : المنسوجات الناعمة الجميلة ، والفواكه المختارة ، والعطور النادرة ، والحيوانات الغريبة ، وأيضا الصُنّاع الحرفيين ، وعلماء الدين الذين كان لنشاطهم آثار هامة في تطور مغول روسيا ، فتوطدت هيمنة الثقافة الإسلامية على الشعوب المغولية على ضفاف الفولغا وتحولت (بركا) والمغول إلى الإسلام بطريقة سلمية.
وظل الإسلام يتقدم عن طريق الاتصالات السلمية : التجارة وتأثير الطرق الصوفية ، ويذكر (الفضل شلق) بحق : إن العرب رغم خسارتهم السلطة السياسية ظلوا ينشرون الإسلام في آسيا "أندونيسيا وسنغافورة وغيرها ، وفي إفريقيا السوداء حصيلة التجارة ، وأصحاب الطرق الصوفية ، والدعاية الدينية" .
فقط ، على جبهة الأندلس ، ومنذ القرن الثالث عشر ، بدا يتآكل الوجود العربي تدريجيا . أما في قلب العالم الإسلامي ، في مصر والشام والحجاز ، فسيرث المماليك سلطة الأيوبيين نحو مئتين وسبعين سنة من 1250 لغاية 1517 . ومع أنهم كانوا أقل ثقافة ، إلا أنهم سيتركون المجتمع الأهلي يعبر عن نفسه ثقافيا ، (استمرارا لجدل العلاقة بين الجماعة والسلطان التي تميّز التجربة العربية _ الإسلامية) .
سيحتفظ العرب بمكانتهم في مجال علم الفلك ، والرياضيات ، ومنها علم المثلثات ، وعلوم الطب ولاسيما طب العيون ، يشهد على ذلك انتشار (البيمارستانات) التي بناها (قلاوون) في مصر والشام . وإنجاز أبي الحسن علي ابن النفيس وما قدمه من صورة واضحة عن الدورة الدموية الصغرى قبل سرفيتس البرتغالي بثلاثة قرون ، ومثله أبو بكر ابن المنذر البيطار في البيطرة . ولا بد من ذكر أحمد بن تيمية (1263 _ 1328) الدمشقي في علم الفقه ، وابن خلكان (1211 _ 1282) في موضوع التراجم ، وسيستمر نشاط المصنفات التاريخية الموسوعية ، على أيدي أبي الفداء ، وابن تغري بردي ، والمقريزي ، وسيشهد هذا العصر مأثرة ابن خلدون الخالدة (المقدمة) ، التي لا تضاهيها سوى (ألف ليلة وليلة) في المجال الإبداعي ، التي تعتبر أجمل أثر أدبي ابتكره الخيال البشري ، وهي تقف مع مقدمة ابن خلدون في ذروة الأعمال الفكرية لهذه الحقبة وشهد هذا العصر انتشار سيرة عنترة ، والظاهر بيبرس ، بالإضافة إلى مقامات الحريري.
وسيكرس المماليك عنايتهم بالفن والعمارة ، وربما كان نشاطهم الأكثر إثارة وأصالة _ كما يقول كاهن _ إنما ظهر في ميدان الفنون : الأضرحة والمساجد والمدارس والقصور فجعلوا من القاهرة إلى اليوم _ كما يقول حتي _ أجمل البقاع في العالم الإسلامي .
ولأن الظاهر بيبرس ، أول المماليك العظام ، كان حريصا على اكتساب الشرعية المرجوة ، فإنه أعاد تجديد بناء الخلافة العباسية التي ضاعت بدمار بغداد . فاستقدم عم المستعصم ، آخر خلفاء بني العباس وابن الخليفة الظاهر ، ونصبه خليفة في القاهرة متخذا له لقب المستنصر الذي " سيتسلم وثائق البيعة من حكام الهند والسلطان بايزيد سلطان العثمانيين " .
حمى المماليك أرض الشام ومصر من الغزو المغولي ، وهزموهم في (عين جالوت) ، وردوا غزوة (تيمورلنك) البربرية في فاتحة القرن الخامس عشر ، إلا أنهم لاحقا ، وخاصة على الصعيد السياسي _ العسكري ، وفي إدارة الدولة ، سينكشف عجزهم في القرن الخامس عشر وفي حقبة (المماليك البرجية) في ضبط وحماية الداخل ، وفي ردع الخارج ، مما سيترك فراغا في السلطة والقوة والشرعية سيملؤه العثمانيون لاحقا .
ورغم ذلك ، فقد كانوا حتى نهاية القرن الرابع عشر قوة هيابة رادعة بالنسبة للغرب . فإذا كانت (أبو لغد) قد اعتبرت الفترة (1250 _ 1350) بمثابة "ولحظة مثلت توازنا دقيقا بين الشرق والغرب ، وكانت احتمالات اختلاله لصالح أحد القطبين متعادلة" فإن (هـ . جـ . ويلز) لا يتردد في القول : "إذا حكمنا استنتاجا من الخريطة قلنا : إن القرون الثلاثة من بداية القرن الثالث عشر حتى نهاية القرن الخامس كانت عصر تراجع بالنسبة للمسيحية " .
إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية تطور الثقافة الإسلامية ، فإننا سنجد شواهد حية على استمرار ازدهار هذه الثقافة ، رغم انحطاط الحياة المدنية _ والسياسية ، إذ إن الاستقلال النسبي للجماعة الإسلامية ، وبالتالي ثقافة المجتمع الأهلي عن السلطان هو القانون الذي حكم الجدل بينهما .
إن أردنا تتبع المسبقات التاريخية قليلا ، فإننا نجد ، ومنذ عصر (المأمون) على الخصوص ، بروز نوع من التقليد الاجتماعي _ التاريخي واضح المعالم ، عندما فشل (المأمون) ، اعتمادا على قوة (الدولة _ الخلافة) التي يترأسها ، في تحويل مبدأ (المعتزلة) ، الذي جعله (مذهبا للدولة _ الخلافة) إلى دين للجماعة . انتهى الصراع بانتصار الجماعة _ السنة . تلك النتيجة "كانت برهانا قاطعا على استقلال النظام الديني الإسلامي عن الخلافة ، وغيرها من المؤسسات السياسية ، وعلى أن الحكام السياسيين لا يستطيعون الإشراف على مصادر سلطان الدين ، لأنها ملك الجماعة ، ولا علاقة لأحد بها . وإن الخلافة ذاتها نابعة من ذلك السلطان وإنها رمز سياسي له" .
سيظهر الانقسام بين النظام الديني والنظام السياسي ، حيث تُرك النظام الثاني حرا في تطوره دون أن يكون للنظام الديني سوى سيطرة ضئيلة نسبيا عليه . وإن هذه الحقيقة ستجعل التطور التلقائي النسبي يحكم الحياة الثقافية بجوانبها الدينية والأدبية والفكرية .
في مرحلة سيادة (السلطنة) البويهية _ الشيعية ، سيزداد التأكيد في الوعي والممارسة ، على هذا الاستقلال النسبي للسير الثقافي _ الديني وسيقوى التأكيد على حياة الجماعة مقابل حياة الدولة _ السلطان ، وتصبح "الخلافة" رمزا للجماعة بعد أن فقدت فعلها السياسي . أو كما يعبر عن ذلك (شلق) : "صارت رمزا دينيا عندما فقدت سلطتها الفعلية" .
سينظم الشافعية ، ومنذ السنوات الأولى للقرن الحادي عشر ، المدارس السنية محاكاة منهم لمراكز الدعوة التي أسسها الفاطميون . ولتحرير الخلافة من سيطرة الشيعة سيجري التحالف مع السلاجقة ، بمباركة من الخليفة رسميا ، فتوثقت من جديد الروابط بين الهيئة الحاكمة والنظام الديني _ الثقافي .
الوزير السلجوقي العظيم (نظام الملك) سيؤسس (المدرسة) إلى جانب المسجد ، كحاضنة لتعميم العلم والثقافة وتقنينها ، بعد أن كان المسجد إلى عهده يقوم بهذا الدور لوحده . (المدرسة) ستصبح مركزا لتوحيد التعليم العالي ولتنظيمه ، ولتدريب فئات جديدة من رجال الإدارة والموظفين . ستنتشر المدرسة (النظامية) في كل مكان ومعها العلم والثقافة وبالإضافة إلى هذا ، أعاد (نظام الملك) ترتيب نوع من النظام الإقطاعي حقق فيه دمج المؤسسة العسكرية وهيئة الموظفين بطبقة الملاك ، محاولا ، بكلا الإجراءين السابقين ، ربط النظام الديني بالدولة عن طريق تخريج النخب الجديدة من المدرسة (النظامية) ، وتوثيق صلة الجند بالأرض عن طريق الإقطاع العسكري . وعن طريق هذا الربط ، يستطيع النظام الديني أن يكسب الهيئة الحاكمة ، وهو يسعى لإعادة الوحدة ، إذ علينا أن ننسى _ كما يذكرنا جب _ أن تجربة الانبعاث السني : النظام الديني والثقافي ، كانت حركة عامدة محكمة ضد تجربة الفصل بين النظام الديني والهيئة الحاكمة خلال فترة الدولة الشيعية .
إلا أن هذا الفصل سيأخذ شكله الجديد ، ويتمفصل بشكل أوضح لإبعاد التناحر بين السلطة والشريعة بتحديد مجال مناسب لكل منهما لا ينفصمان فيه نهائيا ولا يستغرقان في بعضهما أو يندمجان بشكل قسري ، وذلك بتأسيس (السلطنة) لتكون أداة للإدارة السياسية والعسكرية ، تقوم إلى جانب (الخلافة) .
وإن كانت السلطنة من الناحية النظرية تخضع للخلافة التي تقوم على رأس النظام الديني .
وتأكيد هذه الثنائية ربما كان الغرض منه هو حفظ الاستقلال للنظام الديني _ الثقافي في وجه الأمراء ، ثم الإبقاء في الوقت نفسه على وحدة الجماعة فيجد كل طرف من مصلحته تأييد الآخر "فالملك والدين توأمان" وكان من آثار هذه المدرسة ومن هذه النهضة الثقافية التي رعتها تلك المدرسة ، أن ظلت فعاليتها مستمرة في دار الإسلام لعدة قرون .
سيرث نور الدين هذا النظام : المدرسة كحاضن للثقافة والعلم ، والإقطاع العسكري كنظام لإدارة الأرض الزراعية ، في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) سيحافظ عليه صلاح الدين الأيوبي وخلفاؤه في مصر والشام ، إبان فترة المواجهة مع الفرنجة . بنى (نور الدين) مدارس للشافعية والحنفية في دمشق وحلب ، وغيرها . ثم عني (صلاح الدين) عناية خاصة ببناء المدارس الأيوبية مثل الناصرية ، والقمحية ، والسيفية . . .
الحالة الثقافية نفسها سيُعايشها المغرب العربي ، حيث شكلت هذه الحقبة بالنسبة للمغرب "ذروة ثقافية" ، ذلك أن جميع أجزائه شاركت فيها لأول مرة .. فبفعل الدعاية السنية المضادة التي عكست نفسها ضد الفاطميين .. تمت بادئ ذي بدء في بلد السلاجقة ثم تبناها المرينيون فكانت لفاس وتلمسان وتونس مدارسها العظيمة ، وما زال بعضها موجودا حتى الآن ... ستتوّج في القرن الثالث عشر والرابع عشر بتفتح ثقافي" على الرغم من الضعف السياسي .
ستترافق ظاهرة الانبعاث الثقافي ، التي بدأت بشكل لافت منذ القرن الحادي عشر ، مع اندماج القبائل البدوية في الاتجاهات المختلفة . القبائل التركية غمرت شرق فارس وامتدت إلى العراق والشام (شمال سوريا) ، وقبائل عربية اجتازت الشام ومصر وشمال إفريقيا ، يصاحبها تدهور سياسي واقتصادي ، وانحسار تدريجي للحياة المدنية وحياة الحضر ، مما يهدد منابع الثقافة "هكذا ففي الوقت الذي نجح فيه النظام السني في تنسيق ثقافة الإسلام المدينية تحت لوائه ، كانت هذه الثقافة تنكمش بسبب توسع البدو في هذه الأثناء بدأ زعماء السنة يدركون ما لدعوة الانبعاث الديني ، التي يتزعمها الصوفية ، من قيمة بين عامة أهل المدن وفي الأرياف" .
الظروف القاهرة أدت إلى التساهل ، (والإمام الغزالي سيوفق بين الشريعة والتصوف) ، بتركه حيّزا مشروعا للتجربة الصوفية المنضبطة بأحكام الشريعة . و والمدارس الصوفية ستتكاثر ، تخرج المريدين ، وستصبح مراكز جديدة للفقه ، وللتأثير الروحي على العامة . وأخذ شيوخهم يجوبون العالم الإسلامي يحملون بذور التبادل الثقافي والديني . الطرق الصوفية الكبرى : السهروردية والقادرية ، والشاذلية ستسهم في الحفاظ على الوحدة الثقافية للمسلمين ، أثناء مصائبهم الكبرى السياسية والمدينية .
استطاع المسلمون التوفيق ، أو التعايش بين (الانحطاط السياسي ، واستمرار حيويتهم الثقافية) ، بين عملية التشظي السياسي ، وحالة الازدهار الثقافي بعد أن هدأ ضجيج الخراب المغولي _ الصليبي ، في القرن الثالث عشر ، وهي الفترة التي تشهد تمزق ديار الإسلام والعرب ، وإفقارهم المدني ، "لم تحافظ هذه الحضارة على تماسكها الداخلي فحسب ، بل حققت تقدما أيضا على نطاق عالمي ، على نحو أكثر إثارة حتى من الفتوحات العربية التي تمت في القرنين السابع والثامن الميلادي .. العلماء والأولياء والقديسون والمتصوفون الذين طوروا بدءا من القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي) مجموعة كاملة من الشعائر والتعاليم ، والنظم القانونية ، والأعراف الاجتماعية ، والتقاليد الروحية ، وأشكال الطاعة ، والحساسية الجمالية ، وأساليب الدراسة ، ومدارس الفلسفة ، التي ركزت وبنت لبّ وجوهر الحضارة الإسلامية .
ونظرا لأهمية وحيوية هذا الجوهر كانت الحضارة الإسلامية قادرة على البقاء ، وحتى التوسع وسط مختلف التقادير السياسية .
وكانت علاقة العلماء (القضاة ، المفسرين ، رواة الحديث ، أئمة المساجد ، الوعاظ . . . ) والصوفية بالجماعة وجمهور العامة ، أقوى من علاقة الحكام بهم ، وكان من أهم تطورات القرن الثالث عشر انتشار العديد من الطرق الصوفية كتعبير عن الإسلام والهوية الاجتماعية ، كما يقول لابيدوس .
ومن الملفت للنظر ، كما يقول ريتشارد ايتون :"إن المذاهب والنماذج الصوفية الشهيرة ظهرت في القرن الثالث عشر والرابع عشر ، أي في الفترة التي كانت قد تحطمت فيها الوحدة السياسية للمجتمع" .
غدت (ديار الإسلام) بحق ، نظاما عالميا يرتوي من ثقافة واحدة ، يتكلم مثقفوها بلغة واحدة : لغة القرآن ، فابن بطوطة المغربي رجل العالمية الإسلامية ، الذي قضى في رحلاته ثلاثين عاما في النصف الثاني للقرن الرابع عشر ، عبر قارتي آسيا وأفريقيا : "في كل مكان يرحل إليه كان يجد تجارا مثقفين ، علماء ، وصوفية ، وأمراء ، يتحدث إليهم بالعربية في موضوعات تمتد من التصوف إلى الفقه . . وتغص فصول كتابه كله بتقارير بلهجة واثقة ، تشي بالوحدة الثقافية لدار الإسلام من إسبانيا إلى الصين ، ويستطيع التوقع في أن يجد منصبا ضمن الجماعة الإسلامية" .
في فارس والأناضول ، بعد انهيار الحكم المغولي ، وانهيار السلطات الحاكمة واجتياح البدو ، كان من الطبيعي أن يكون التصوف قاعدة التضامن لمواجهة ظلم الطغاة ، وتحولت تلك التضامنات في ظروف الخطر الخارجي إلى عصبة مجاهدة في "سبيل الله" . . فكنت تجد أهل الحرف في مدن الأناضول ينتظمون في نقابات من النوع "الآخي" ، ومعظم الإمارات الصغيرة بمثابة "دول مجاهدة" نذرت نفسها لمحاربة "ديار الكفر" .
في هذه الحال ، يصبح من الطبيعي ومن غير المستغرب ، أن نجد "أن واحدة من الإمبراطوريتين اللتين ظلتا تقتسمان غرب آسيا فيما بينهما حتى القرن العشرين ، أعني الإمبراطورية العثمانية كانت في الابتداء "دولة مجاهدين" ، وإن شيوخا من فروع الطريقة السهروردية هم الذين أوجدوا الامبراطورية الأخرى المنافسة للعثمانية وهي الدولة الصفوية في فارس" . هاتان الدولتان ستلعبان دوري اللاعب الأول ، مع اختلاف مضمون دور كل منهما ، في "مغامرة الإسلام الكبرى" في القرون اللاحقة .

.
.






 
رد مع اقتباس
قديم 30-11-2011, 09:31 AM   رقم المشاركة : 35
معلومات العضو
زياد هواش
أقلامي
 
الصورة الرمزية زياد هواش
 

 

 
إحصائية العضو







زياد هواش غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: التاريخ يُقرأ من الأحدث ..


.
.

2 _ ظهور الحدث العثماني :
وحدهم العثمانيون في ظل أوضاع التمزق والتراجع السياسيين ، وفي قلب المجابهة الكبرى حول مصير الإسلام ، سيقلبون نهج التراجع التكتيكي ، أو نهج الدفاع الاستراتيجي الذي انتهجه المسلمون إلى سياسة الهجوم الاستراتيجي الشامل ، ناقلين بذلك المعركة إلى قلب أوروبا .
سيكون ابن خلدون أول كاتب عربي أشار إلى إمارة بني عثمان ، وأدرك إمكاناتها "كانت إمارة متحفزة للدفاع والهجوم ، إمارة غزاة كونت لنفسها سجلا حافلا من روايات البطولة ، واجتذبت إليها أعدادا من المتحمسين لنصرة الدين والجهاد " .
هنا في الأناضول ، على الحدود الفاصلة بين دار الإسلام ، وأوروبا المسيحية ستأتي الأفعال كأجوبة على الأسئلة المصيرية التي طرحتها أوضاع القرن الثالث عشر والرابع عشر ، والتي يمكن اختزالها بسؤال واحد : لمن الغلبة ؟
لقد نهضت لقد نهضت إمارة آل عثمان في حقبة من الزمان ، هي أشد الحقب سوءا على العرب والمسلمين . في الشرق تهاوت الرؤوس ، والمدن والعروش ، وفي أقصى غرب العالم العربي _ الإسلامي : في الأندلس هزيمة "وقعة العقاب" وما سيترتب عليها من تقهقر وانحسار دائمين للوجود العربي في شبه الجزيرة الإيبيرية . وسادت في العالم الإسلامي ، في هذه الفترة ، أنظمة للحكم سيطر عليها المماليك ، وهم جماعة من العسكريين الدخلاء ، أكثرهم من أصل تركي ، جعلوا من أنفسهم أسيادا على شعوب غربية عنهم ، والإقطاع العسكري السلجوقي الذي قام بوظيفة ربط الأرض بالدولة ، والذي تحول في زمن نور الدين زنكي ، وصلاح الدين وبداية العصر المملوكي إلى نوع من الفروسية العربية _ الإسلامية تمنحه ملكية الأرض قاعدة مادية مضمونة . سيتحول ذلك الإقطاع إلى أداة مرعبة لضبط وإرهاب المجتمع ، ووسيلة مناسبة لنهب الداخل وإفقاره في الوقت الذي ضعف فيه عن مواجهة الخارج .
منذ دخول (أرطغرل) آسيا الصغرى هربا ، تحت دفع أمواج القطعان المغولية سيقطعه السلطان السلجوقي علاء الدين إمارة على حدود بيزنطة ، عربونا لنصرته له ، وسيحول ابنه عثمان مؤسس الإمبراطورية العثمانية ، الذي أخضع حكمه لمشورة الفقهاء ، سيحول تلك الإمارة إلى نقطة ارتكاز للتوسع على حساب بيزنطة أكسبهم موقعهم قبالة المدن اليونانية الثلاث بروصه ، وبيكوميديا (أزميت) ، نيقيه (أرتك) موقفا هجوميا . احتلوا بروصه 1326 ، نيقيه 1331 ، وأزميت 1337 ، ولما استولوا على موطئ قدم لهم على الشاطئ الأوروبي (غليبولي) 1353 تحكموا بعقدة المواصلات البحرية بين الأناضول وتراقيه فكان الظهور العثماني بمثابة الحدث الأعظم في الشرق المتوسطي خلال القرن الرابع عشر .
يرجع أول هجوم جدي على القسطنطينية إلى عام 1337 بعد الاستيلاء على بروصه 1326 ، أما وقد فشلت هذه المحاولة فان الأتراك سيبدؤون بحركة التفاف واسعة النطاق حولها ، داخل أوروبا برا ، تشبه من وجوه مختلفة حركة التفاف البرتغاليين حول أفريقيا إلى بحر العرب نحو الهند بعد أكثر من قرن ونصف ، لتطويق ديار العرب والمسلمين .
حركة الالتفاف العثمانية هذه دفعت (البابا) أن يرسل النداء تلو النداء لملوك الغرب للقيام بحملة صليبية جديدة ، وحدهم الإيبيريون : الإسبان ، والبرتغاليون سيستجيبون لتلك النداءات فعليا ، لكنهم بدلا من الذهاب لملاقاة المسلمين بعيدا شرقا سيفضلون ، في البداية ، الهجوم على مواقعهم في الأندلس القريبة ، وحيث لم يعد المرينيون من عام 1340 يستطيعون التدخل عسكريا في إسبانيا .
سيتابع أخلاف عثمان (1299 _ 1326) غاراتهم على شرق أوروبا ، فيستولون على أدرنة ، ويجعلونها حاضرتهم في أوروبا عام (1361) قاطعين بذلك الطريق بين القسطنطينية وما خلف أدرنة من بلاد البلقان ، وعازلينها عن الأمم السلافية _ الأرثوذكسية التي قد تجد فيها السند والحليف .
تحت قيادة السلطان مراد الأول (1359 _ 1389) سيتغلبون عام 1389 على تحالف دول البلقان في معركة (قوصوه) الشهيرة محتلين بلغاريا وقسما من صربيا والبوسنة وقسما من هنغاريا ، وعندما تداعت الجيوش الغربية ، تلبية لنداء البابا وإنجادا لـ (سيجموند) ملك المجر ، سيهزمهم بايزيد الأول (1389 _ 1402) في نيقوبولس) عام 1396 ، وسيرسل الوفود والهدايا والعبيد والأسرى المسيحيين إلى القاهرة ، وبغداد ، وتبريز ، ومكة ، وسينال من (الخليفة المتوكل لقب سلطان الروم) . وساعد العثمانيين في ذلك النصر ، تقديم أنفسهم كحماة للحرية الدينية للأرثوذكس المضطهدين من قبل سادتهم الكاثوليك .
النكسة أمام (تيمورلنك) المغولي في أنقرة 1402 ، لن توقف طويلا تقدمهم ، بعد حين سيعيد السلطان محمد شلبي (1403 _ 1413) القوة والمكانة ، بما اتخذه من تدابير . وسيأخذون عن أوروبا في هذه الفترة ، استعمال الأسلحة النارية 1420 ، وفي عام 1444 سيستطيع مراد الثاني أن ينتزع النصر في معركة (وارنه) على التجمع الصليبي .
محمد الفاتح سيجعل من عام 1453 حدا زمنيا فاصلا في تاريخ البشرية باستيلائه عل القسطنطينية ، رمز العالم القديم واتخاذها عاصمة له . تلك المدينة التي كانت الهدف الدائم للجيوش الإسلامية منذ عهد الخليفة الثالث ، مرورا بالحملتين اللتين قادهما الأمويون ، وبحملات هارون الرشيد ، وقبله الهادي وكما يقول (ديورانت) : "لقد سقط الحصن الذي طالما حمى أوروبا من آسيا أكثر من ألف عام ، وأصبحت طرق التجارة التي كانت مفتوحة في يوم من الأيام للسفن الغربية في أيد أجنبية ، تفرض عليها المكوس أثناء السلم ، أو تسدها بالمدافع في وقت الحرب" .
وأعلن محمد الثاني (الفاتح) ، الذي قال عنه بروكلمان "كان يجمع في شخصه جميع مظاهر عصره الفكرية والثقافية" ، إنه لا يمانع في إقامة شعائر الديانة للمسيحيين ، ويضمن لهم الحرية الدينية ، وأعطاهم نصف الكنائس ، وجعل نصفها الباقي جوامع ، واحتفل بتثبيت رئيس طائفة الروم الأرثوذكس بنفس الأبهة التي كان يُعامل بها البطارقة أيام ملوك بيزنطة ، ومنحهم حق الحكم في القضايا الدينية والجنائية بشؤون طوائفهم ، وفرض عليهم مقابل ذلك دفع الخراج مستثنيا أئمة الدين فقط . وقد تم فتح الصرب نهائيا في عهده (1460) واليونان وكورنثة (1458) ، وأجبر (البندقية) على التنازل عن أشقودره .
سيساند محمد الفاتح تتار القرم المسلمين ، في صراعهم مع الجنوبيين ، وقد كان لهؤلاء الجنوبيين ممتلكات ومحطات تجارية في بحر إيجه وفي البحر الأسود . سيطردهم من بحر إيجه أولا ، وفي سنة 1461 انتزع لهم موقعا هاما في شمال الأناضول ، ثم استولى في سنة 1475 على ثغر (كافا) الواقعة في شبه جزيرة القرم على البحر الأسود ، ثم انتزع منهم آزوف على نفس البحر ، ووضع يده على المحطات التجارية التابعة لجمهورية جنوه على شواطئ القرم واعترف تتار القرم بالسيادة العثمانية ، وأصبح البحر الأسود بحيرة عثمانية وبقيت بلاد القرم تابعة لهم لمدة ثلاثة قرون .
انطلاقا من مواقع القوة العثمانية ، وواقع الضعف السياسي والتمزق الأوربيين "ابتدأت المخابرات بين الدولة العلية وبين البابا اسكندر السادس (بورجيه) ، وملك نابولي ، وميلانو ، وفلورنسا ، كل منهم يجتهد في محالفة الدولة العلية للاستعانة بجنودها البرية ومراكبها البحرية لمحاربة من عاداه" .
الوضع على الجهتين سيسمح لمحمد الثاني بوضع الخطط الجدية للسيطرة على إيطاليا وعلى روما بالأخص ، فأرسل الجيوش لهذا الغرض إلى مدينة أترنتو 1480 ، وهو الذي أقسم ليقدمن (الشوفان) لحصانه وهو واقف على مذبح كنيسة القديس بطرس في روما بعد أن يدك صرح البابوية .
وحين توفي السلطان محمد الفاتح عام 1481 كانت قد دانت له آسيا الصغرى وبلاد اليونان ومعظم شبه جزيرة البلقان ، ووضع أقدامه على جانبي بحر الأدرياتيكي ، بعد استيلائه على الجزائر الأيونية واشقودره وأوترانتو ، وهدد سلامة إيطاليا بل أوروبا أجمع
ساعدت الأوضاع الأوربية إلى عثمان في مشروعهم الهجومي ، فأوروبا لم تخرج بعد من فوضى الإقطاع إلى العصر الحديث . صحيح إنهم رجعوا من مغامرتهم (الصليبية) في شرق المتوسط بعد قرنين "يملكون نظرة جديدة ، واتسع أفقهم" كما يقول ديلماس ، وقد حصدت تلك المغامرة ، ومعها اكتشاف البارود قلاع الإقطاع ورجالها ، وبدأ ملوك أوروبا يقيمون مكان الأطر الإقطاعية مبادئ أولية للإدارة المركزية ، ولكن كل هذا لا يزال قيد الإنجاز . وصحيح أن حرب (المئة عام) بين انجلترا وفرنسا قد وضعت أوزارها مع سقوط القسطنطينية مساهمة في تعزيز الروح القومية لدى الطرفين وقوت مركزية الدولة الانجليزية والفرنسية ، ولكن بقيت هذه بمثابة ميول لم تتحقق واقعا متكاملا ، إنما ظل الشيء المؤكد ، أن إنجلترا وفرنسا عندما أشرفت حروبهما على نهايتها في القرن الخامس عشر ، وعندما كان العثمانيون يسجلون تقدمهم في البلقان والقسطنطينية ، كانا في حالة شلل سياسي شامل .
وصحيح إنه منذ القرنين الرابع عشر والخامس عشر ستبدأ حركة النهضة في إيطاليا حاملة معها إحياء العلوم والآداب القديمة والنزعة الحسية والإنسية ، والتعلق بالحياة الدنيا ، وإعلاء قيمة الجسد . والنزعة الإنسية تبدأ في تأسيس الأخلاق والحقوق وتنتهي إلى السياسة ، وهي لا تنفصم عن حركة النهضة :بترارك ، دانتي ، ميكيل أنجلو ، بوكاشو ، أراسمس ، يترافق معها ظهور المطبعة 1445 وتسارع نشر المخطوطات في كل مكان ، وستشرع أوروبا منذ القرن الرابع عشر استثمار الفحم واستخدم بارود المدفع ، وكانت قد استخدمت "زناقات" الكتف لحيوانات الجر من عام 1000 ، وطوعت الربح لتدير طواحين الماء منذ عام 1015 ، إلا أن هذا لم يخلق بعد واقعا جديدا مبتكرا وحركة النهضة والإنسية ما كانت حتى ذلك الوقت سوى نزعة للنخبة الأرستقراطية ، ولم تندمج بعد في الوعي الاجتماعي ، ودائرة العلم مازالت ضيقة ، والابتكارات التقنية ضعيفة التأثير ستنتظر حتى نهاية القرن السابع عشر والثامن عشر ليتقدم التيار الفكري الذاهب من غاليلو إلى نيوتن ليعد حجارة بناء جديدة ، مع الاكتشافات الجديدة لأمريكا ، والالتفاف حول ديار الإسلام نحو الهند للاستحواذ على طرق التجارة ، مع معايير جديدة للعلم والثقافة ، يرافقها الإصلاح الديني ، والنزعة التجريبية العلمية ، والتنوير ، كل هذا سيجري لاحقا . أما الآن في ظروف التقدم العثماني على الجبهة الأوروبية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر ، فالحال ستكون صعبة بالنسبة لأوروبا . فبالإضافة إلى وباء الطاعون الذي اجتاح أوروبا منذ 1347 فحصد ما شاء من الأرواح في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا وانجلترا واسكندنافيا والنمسا وبولونيا وروسيا فالقرن الرابع عشر كان أيضا شاهدا عل سلسلة من الكوارث غير الملائمة للتجدد السياسي ، فإن انحطاطا اقتصاديا كبيرا هو واحد من أطول فترات الانحطاط في التاريخ قد بدأ حوالي عام 1280 . ولم يكن باستطاعة أية حكومة أوروبية أن تحمي نفسها من هذا الانحطاط وما رافقه من مجاعة وطاعون ، وكان من الصعب رسم حدود فاصلة في أوروبا بين تداخلات مناطق النفوذ . وعلى الرغم من أن عدة دول سترى النور : ألمانيا الجنوبية الشرقية لآل هابسبورغ ، ودولة تسكانيا ، وخروج فرنسا وانجلترا من حرب المئة عام وهما تتلمسان هويتهما القومية ، إلا أن الحروب الصغيرة وعمليات الزواج ، وتقاسم المواريث ستؤدي إلى تقلب الحدود والدول بصورة فوضوية . أما على مستوى علاقات القوى ضمن أوروبا ، فلا تزال أوروبا تقع تحت وطأة الصراع البابوي / الإمبراطوري الذي شهدته القارة بكل مظاهره منذ فريدريك الثاني ، ولكنه استمرار إصرار (البابوية) ابتداء من غريغوري السابع على مشروع التسيّد على العالم المسيحي ، سينال من مستوى اهتمامها المحلي ف إيطاليا ، وبقضاياها الأرضية ، وإذ تحاول تحجيم دور الإمبراطور ، حجمت دورها هي لأنها وضعت نفسها تحت وصاية أمير زمني آخر (شارل انجو) الفرنسي وخلفائه ، وفي النهاية سيُقضى على حلمها الكوني عام 1303 عندما اعتدى عملاء التاج الفرنسي : فيليب الرابع ، على البابا بونيفاس الثامن ، وستفقد الإمبراطورية الرومانية المقدسة ، من جهتها ، سطوتها على ألمانيا عندما يُفقدها تشاغلها بالمشكلة الإيطالية/ والبابوية قدرتها على الاهتمام بموقعها الألماني الذي هو موطنها ، ومثلما يقول توينبي : "فقد كان التاج الإمبراطوري عبئا ثقيلا ، خسر فيه التاج الألماني سيطرته على موطن الإمبراطور" .
الكنيسة الكاثوليكية نفسها ستنقسم إلى رأسين ، من عام 1378 إلى عام 1417 ، انعكاسا للتنازعات الدولية الدنيوية . نصّب اثنان من (البابوات) أحدهم في (أفينيون) تحت سطوة فرنسا ، والثاني في روما ، موضوع الخلاف سينصب على ما إذا كانت البابوية يجب أن تكون بيضة القبان الفرنسي ، أم تعود إلى القبان الإيطالي .
وحدها إسبانيا _ التي ستصبح في القرن السادس عشر قاعدة لإمبراطورية عظمى سيستغرق صراعها مع العثمانيين فضاء القرن السادس عشر بكامله _ وحدها إسبانيا مع البرتغاليين ستكونان مستعدتين ، دائما ، منذ القرن الثالث عشر لتقتنصان أية سانحة للتقدم على حساب عرب الأندلس ، وستستفحل قوتهما وخطرهما باطراد على الجبهة العربية _ الإسلامية هناك ، ولن يوقفهما ، عندما اجتاز المتوسط إلى المغرب العربي إلا العثمانيون بالتعاون مع عرب إفريقيا . ولكن ستكون الأندلس قد ضاعت إلى الأبد .
جبهتان متناظرتان من حيث النتائج ستتبادلان الأدوار والمصائر منذ القرنين الرابع عشر والخامس عشر : جبهة الأناضول/ البلقان على أطراف الحوض الشرقي للمتوسط ، وجبة إسبانيا ، البرتغال/غرناطة المغرب العربي . بقدر ما يخسر فيه الغرب هناك موقعا سيربحه في الجبهة المقابلة . وعندما يطل علينا القرن السادس عشر ، سندخل معه والعالم حقبة التبدلات والانقلابات الكبرى ، ومعها التناظرات العظمى للقوى والترتيبات السياسية ، على كلا جبهتي المواجهة : دار الإسلام و"دار الحرب" .
اوروبا ستبقى ممزقة بين الإمبراطورية الرومانية المقدسة من قاعدتها في ألمانيا والتي ستصبح القوة الأعظم المتحكمة في موازين القوى الأوروبية ، تنازعها المواقع والقوى : فرنسا والبابوية . أما على الجبهة المقابلة : الإسلامية ، فستكون القوة العثمانية قد بلغت أعزّ مواقعها ، وتبوأت جانب الصدارة الإسلامية ، تنازعها الهيمنة والزعامة : إيران الشيعية .
الإمبراطورية الرومانية المقدسة ، والإمبراطورية العثمانية ستتغالبان وسيغطي صراعهما على الغلبة مساحة القرن السادس عشر برمتها . ستمد القوى المسيحية يدها إلى (فارس) للاستقواء بها على الإمبراطورية العثمانية وشاقة بذلك الجبهة الإسلامية ، وسيمد المسلمون _ الممثلون بالعثمانيين _ اليد إلى فرنسا وإلى كل قوى الإصلاح الديني : اللوثريين ، والكالفانيينى، والنرنجليين وجماعة هس . . ستتجاذبه تلك القوتان على البر والبحر ، ليس في المتوسط وحسب بل على أطراف الأطلسي ، في بحر العرب ، والبحر الأحمر ، والخليج العربي ، والمحيط الهندي ، وعلى نتائج تلك المعركة سيتوقف مصير العالم لعدة قرون ، قوتان ارتدت كل منهما الجلباب الديني : الإسلام ، المسيحية ، ولكنهما لم ينسيا ولا لحظة قضايا العالم الأرضية ، والمصالح المادية والرمادية للدول وللبشر .

انتهى ..






 
رد مع اقتباس
قديم 12-12-2011, 01:42 PM   رقم المشاركة : 36
معلومات العضو
زياد هواش
أقلامي
 
الصورة الرمزية زياد هواش
 

 

 
إحصائية العضو







زياد هواش غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: التاريخ يُقرأ من الأحدث ..


الدولة العثمانية والحاضرة العثمانية
شفيق محسن

مقدمة
أمضى العثمانيون قرابة قرنين من الزمن حكمهم خلالها ثمانية من السلاطين قبل أن يولوا وجههم شطر البلاد العربية .
وكان العثمانيون قد زحفوا على أوروبا في القرن الخامس عشر الميلادي . وهم كأسلافهم السلاجقة من الجنس المغولي ومهدهم الأصلي وسط آسيا وشمالها .
جاء العثمانيون إلى الشرق العربي فاتحين عسكريين ، بعد أن كانت أسرة آل عثمان قد أقامت دولة تشغل المساحة الممتدة ما بين أقصى الأناضول في الشرق وأقصى البلقان في الغرب ، وبعد أن تشكل داخل تلك الدولة خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر تركيب بشري مميز الهوية ، من تفاعل قبيلتهم مع غيرها من القبائل التركمانية المسلمة في الأناضول وجماعات غير قليلة من اليونان والعرب والبلغار .
بحيوية وطاقة لا حدّ لهما خلال قرنين ، جمع العثمانيون بقايا إمبراطوريتين : العربية _ الإسلامية والبيزنطية ليوحدوهما ويشكلوا إمبراطورية جديدة سيطروا عليها قرونا عدة ، هي الإمبراطورية العثمانية المكونة من طائفة من الإمارات المسلمة ، واليونانية ، واللاتينية ، والسلافية الناشئة عن تفكك الدولتين السلجوقية والبيزنطية .
ولكن لا جغرافية هذه الإمبراطورية ، ولا شعوبها ولا لغاتها ، ولا تاريخها ولا حضارتها يمكن وصفها بأنها تركية أو تسميتها تركية ، وإنما عثمانية .
فإذا كان يقصد بالحضارة على أنها مجموعة المميزات أو المشخصات المادية لمجتمع ما ، يعكس الثقافة التي هي مجموعة المميزات الروحية لشعب ، فإننا نجد حضارة عثمانية واحدة ، متفرعة عن حضارة أوسع تشمل أو تضم مجمل المناطق والأقاليم التي تتألف منها الإمبراطورية .
لقد أحيت الإمبراطورية العثمانية مجتمعا متعدد القوميات .
هذا المجتمع كان يملك من الثقافات بقدر ما كانت الإمبراطورية تضم من أوطان ومن قوميات قيد التكوين .

من الإمارة إلى الإمبراطورية
بصفتهم بناء إمبراطورية ، واجه العثمانيون جملة عقبات مهمة لا يستهان بها ، لم تكن الإمبراطوريات السابقة قد عالجتها إلا جزئيا فقد كان عليهم إقامة حكم فعال في محيط جغرافي مأهول من قبل تشكيلة كبيرة من الطوائف الدينية والمجموعات الإثنية ، إضافة إلى العديد من الثقافات الفرعية المنبثقة عن هذه التجمعات المتوطنة في جيوب بيئية منيعة ووعرة .
وقد كان يتوجب عليهم أيضا جعل قبائل البدو والسكان الحضر يتشاركون في بناء هدف مشترك ، مع ما يرافق ذلك من اختلاف في التفكير وطرائق وأساليب العيش .
وقد كان يترتب عليهم أيضا التوفيق ما بين مقتضيات الضرائب الإمبراطورية من جهة ، واستقلالية الأسياد المحليين ، الذين غالبا ما أبقاهم العثمانيون في مناصبهم بعد ضم أراضيهم إلى الإمبراطورية ، من جهة أخرى .
أما أهم وأصعب العقبات فكان يتمثل بإيجاد وسيلة ناجعة لإنجاز عملية تكامل ملايين المواطنين المسيحيين في إمبراطوريتهم .
يبدو أن آل عثمان قد نجحوا هنا أكثر ممن سبقوهم في بناء الإمبراطوريات . هذا النجاح يعود في المقام الأول إلى قدرتهم على بناء طبقة من الموظفين العسكريين ، يدينون بالولاء الكامل للسلالة الحاكمة .
هذه الهيئة الحاكمة أي طبقة الموظفين كانت تسمى (القولاري أو عبيد القصر) ، وكانت في معظمها من أصول مسيحية المنزوعين عن أهلهم بين سن العاشرة والخامسة عشرة ، إضافة إلى مسلمي البوسنة وهم يتحدرون من جماعات مسيحية ، وكانوا قد اعتنقوا الإسلام إبان فتح البوسنة ؟
إن ولادة الحركة الصفوية الشيعية المتمردة دفعت العثمانيين إلى الشرق . والصفوية هي حركة دينية مؤسسها الشيخ صفي الدين الأردبيلي (1252 _ 1334) . وعندما تولى رئاستها إسماعيل الصفوي تحولت إلى نظام سياسي بعد أن أعلن نفسه شاها لإيران عام 1501 ، واتخذ من تبريز عاصمة له .
حاول الصفويين نشر المذهب الشيعي في آسيا الصغرى . وقاموا باضطهاد السنة في فارس والعراق . تصدى لهم السلطان سليم الأول وهزمهم قرب تبريز ، واستولى على ديار بكر وكردستان . وكان ذلك مقدمة لفتح الشام ومصر عام 1516 بعد انتصاره على المماليك في مرج دابق ، ولدخول السلطان سليمان القانوني العراق عام 1533 . وكان الصفويون قد عقدوا تحالفا مع البرتغاليين في المحيط الهندي ضد التواجد المملوكي ثم العثماني ، وأقاموا فيما بعد ، روابط مع الحلف المقدس الذي أقامه البابا سنة 1683 لوقف التوسع العثماني في أوروبا . لقد اعتبرت السلطة الإمبراطورية الحركة الشيعية المتطرفة في الأناضول بمثابة الطابور الخامس ، الذي يشكل خطرا على وحدة وسلامة الإمبراطورية . فلجأت إلى فرض الإسلام التقليدي السني في آسيا الغربية ، وفيما بعد في كل الأراضي التي سوف تنضم إلى الإمبراطورية العثمانية .
وبشكل مواز ، فإن إعطاء البطريريكية الأرثوذكسية سلطة قضائية ، روحية ووطنية ، بمعنى أو بآخر ، كان يشكل ضرورة حكومية وجوابا لمنطق الإدارة المركزية . ففي تقرير سري أرسله الكاردينالBenoit _ marie Langenieux في 19 كانون الثاني 1893 إلى البابا ليون الثالث نتيجة لمهمة كلفه بها الحبر الأعظم في الشرق ، نقرأ التالي : " . . . لذلك ، إن الشعوب الشرقية ، متمسكة إلى أبعد الحدود بالمكانة والاعتبار اللتين يتمتع بهما بطاركتهم ، إن البطريرك ، بالنسبة لشعبه ، لا يمثل فقط أعلى سلطة دينية ، وإنما يتمتع أيضا ، بسلطان واسع في شؤون الحياة المدنية . إن أحكامهم في بعض القضايا المدنية ، وفي كامل أراضي الإمبراطورية الواسعة ، نافذة مثل أحكام ولاة المقاطعات ، لذلك فإن الشرقيين يعلقون أهمية بالغة على الطريقة التي تتعامل بها الكنيسة الرومانية مع بطاركتهم ، الذين تتجسد فيهم مصالح وامتيازات الأمة ................. إن مسألة الطقوس وثيقة الارتباط بالقضية القومية ..
لسنا هنا بصدد نقاش لاهوتي ، فالقضية اليوم تطرح على الصعيد الإنساني أكثر مما تطرح على صعيد المنافع العملية" .
منذ ذلك الوقت ، أصبحت الإمبراطورية العثمانية ، بالنسبة لسائر الأوروبيين ، قوة عظمى ، بل حتى وبفضل توسعها ، قوة أوروبية لا يستهان بها . وصارت إقامة علاقات سياسية معها ضرورة ملحة بالنسبة لسائر القوى الأوروبية .
منذ نهاية القرن السابع عشر ، أدخلت القوى العظمى الإمبراطورية العثمانية في لعبة التوازن الغربي . بلغ نظام التوازن هذا مداه منذ اللحظة التي أصبحت فيها الإمبراطورية عنصرا مهما في السياسة الدولية ، رغم التباينات الدينية والثقافية والحضارية . بين سياسة الحروب الصليبية وسياسة التقارب ،كان التوازن صعب التحقيق ، ولكن تنافس القوى العظمى جعل بقاء " رجل أوروبا المريض " ضروريا لاستمرار التوازن الأوربي . وبهذا الخصوص يقول المؤرخ الكبير توينبي بأن "المسألة الشرقية المزعومة " هي في الواقع مسألة غريبة .
وقد وُلدت برأيه نتيجة الخلل الذي أصاب الحضارة الإسلامية . وهو يعتبر أن التعصب الطائفي هو الذي أملى على القوى العظمى مواقفها تجاه الإمبراطورية العثمانية بشكل عام . هذه المواقف التي استندت إلى ثلاث نقائض مزيفة أو خاطئة أو غير صحيحة : مسيحية _ إسلام ، أوروبا _ آسيا ، حضارة _ بربرية .
أما المفكر الفرنسي مكسيم رودنسون فكتب يقول : " من المدهش ملاحظة أن موقف العالم المسيحي تجاه العالم المسلم (ربما هو بناء سياسي _ أيديولوجي) شبيه بموقف العالم الرأسمالي الغربي تجاه العالم الشيوعي .
إن عالم الإسلام هو قبل أي شيء بناء سياسي أيديولوجي معاد .
ولكنه أيضا حضارة مختلفة وعالم اقتصادي مجهول " .
الحاضرة العثمانية
مقدمة :
مثل كل الإمبراطوريات المتعددة القوميات ، السابقة لظهور الدول القومية ، شكلت الإمبراطورية العثمانية كيانا مختلفا نوعيا عن كافة الأجزاء التي تتألف منها . ومن العبث فهم هذا الكيان من دون الدراسة الدقيقة لكل جزء من أجزائها . إن التاريخ التركي ، اليوناني ، الأرمني ، الكردي ، العربي، اليهودي ، البلقاني ، الشرق أوسطي ، المسلم والمسيحي ، أي منهم لا يعطينا إلا صورة جزئية لهذه الحاضرة _ الكيان .
إن الميثولوجيا التاريخية ومن أجل تأكيد الخصوصية القومية لكل شعب خرّبت عمل المؤرخين العرب والمؤرخين البلقان ، وشوّهت تماما تاريخ الإمبراطورية العثمانية .
ففي ذلك العصر كان تأثير المحيط الجغرافي وطرق العيش في تكوين شخصية الشعوب أهم بكثير من تأثير الأصول الإثنية والدينية . وبهذا الصدد يقول كمال الصليبي مثلا : ". . . فهناك الأساطير التي تتحدث عن انتفاضات "الشعب اللبناني" أو "الشعب العربي في لبنان" ضد جور المماليك وبني عثمان في العصور الإسلامية المتأخرة ، فتعزو ظهور أولى البوادر التاريخية للكيان اللبناني للبنانيتهم ، أو لعروبتهم ، في الزمن الذي كانت البلاد العربية خاضعة فيه لحكم الأتراك . وهو زمن لم يكن فيه بالحقيقة وعي في هذه البلاد لأي نوع من الانتماء القومي بالمفهوم الحديث ، وإن كان فيه قدر من الوعي (للفارق العنصري بين الأتراك والعرب)" .
فلنلاحظ أولا أن فكرة الخلافة ، كمؤسسة جامعة لكافة المسلمين ، لم يعد لها مقومات الاستمرار ابتداء من أوائل القرن السادس عشر ، عام 1501 بالذات ، أي منذ قيام الدولة الصفوية في إيران .
ذلك أنه منذ اعتماد الصفويين التشيع الإثني عشري مذهبا رسميا للدولة ، تحوّل العاهل الإيراني ، من وجهة النظر الدينية ، إلى رئيس روحي وزمني معا ، عليه أن يحكم بالاتفاق مع علماء الدين ومن واجبه حفظ الشريعة ونشر الإسلام .
إن ارتباط العاهل بالبنية الشيعية في إيران هو عنصر ملازم للتاريخ الإيراني منذ بداية عهد الصفويين .
وهذا ما يتناقض مع جوهر المؤسسة الخلافية . فالإسلام هو دين ودولة ، وليس هذا القول من ابتكارنا ، بل يقوله جميع علماء الإسلام ومؤرخيهم . والخلافة على ما يقول ابن خلدون هي "حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي ، في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشرع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة ، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به " .
وهذا ما دعاه إلى القول : "بأن الخلافة الخالصة كانت في الصدر الأول ، إلى آخر عهد علي ، ثم صارت إلى الملك" .
والفقيه الكبير الماوردي أعطى نفس التعريف للخلافة وذات الوظيفة ، ولكنه أكّد على وجوب إجماع أمة الإسلام لتحقيق الخلافة . حتى الشيخ علي عبد الرازق ، الذائع الصيت لقوله بعلمنة الإسلام ، لم يتردد في القول : " إن يكن الفقهاء أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومة ، كان صحيحا ما يقولون : من أن إقامة الشعائر الدينية وصلاح الرعية يتوقفان على الخلافة ، بمعنى الحكومة ، في أي صورة كانت الحكومة ومن أي نوع " .
بدأت الشيعية ومنذ انطلاقتها حركة سياسية أكثر منها حركة دينية . لقد ظهرت كتعبير عن المعارضة السياسية لقيام الدولة الأموية أساسا وفيما بعد لقيام الدولة العباسية . إلا أن الإسلام العربي استطاع أن يحافظ على وحدته وتجانسه وذلك بفضل التسامح الديني الذي ابتكره ، والنزعة الإنسانية غير محدودة التي اتسم بها والتي نجم عنها عدم وجود نظام كهنوتي ، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ، فقد لعب الشيعة العرب دورا مهما أيضا في الإبقاء على وحدة وانسجام الإسلام العربي : إن معضلة التوفيق بين معارضة الدولة الإسلامية من جهة وعدم الخروج من الإسلام من جهة أخرى أدت بالإسلام الشيعي إلى تبني تقليد سياسي راسخ يقوم على أساس تبرير الخضوع لسلطان الدولة . هذا التقليد يقوم على انتظار الإمام الغائب الذي سوف يظهر ليقيم "حكم الله" . فالحكم الوحيد الصحيح هو حكم إمام الزمان ، وكل الحكومات الأخرى قائمة على الغصب والباطل ، لذلك لا يمكن القبول بأية حكومة أو سلطة أخرى . ولا يجوز الإسهام في أي كفاح سياسي أو اجتماعي إلى أن يختار الإمام الغائب الظهور .
بناء على ذلك كان ظهور الدولة الصفوية في إيران تهديدا قويا لوحدة مؤسسة الخلافة الإسلامية ، وقد أحدث ذلك انقساما شبيها بالانقسام الذي عرفته الكنيسة المسيحية عام 1054 ، وأدى إلى انقسام العالم المسيحي إلى كنيسة شرقية وكنيسة غربية . وعلى غرار الدولة البيزنطية ، سوف يحدد العثمانيون عقيدة الدولة الرسمية : الإسلام السني التقليدي ، الذي سوف يستمر حتى نهاية أيام الإمبراطورية .
ولنلاحظ ثانيا ، أن القصة التي تقول بأن الخليفة العباسي المتوكل قد تخلى عن اللقب لسليم الأول وخلفائه هي قصة يعوزها الكثير من الدقة والموضوعية .
ولنلاحظ ثالثا أن العلماء المسلمين لم يعترفوا إلا فيما بعد بشرعية إضفاء لقب خليفة على السلاطين العثمانيين . إن أول وثيقة تاريخية تحدث عن السلطان العثماني باعتباره خليفة المسلمين هي معاهدة "كوجك كينارجه" مع روسيا سنة 1774 _ "وهو إدعاء أقره الروس وإن لم يقره الفقهاء المسلمون" .
في الواقع منذ بداية القرن السادس عشر ، تاريخ دخول آل عثمان إلى مصر، كان العثمانيون هم الجبهة الوحيدة القادرة على المطالبة بلقب الخلافة .
لكن أحدا من هؤلاء السلاطين لم يدّع هذا اللقب أو يلجأ إليه لتبرير سلطانه حتى مجيء السلطان عبد الحميد الثاني ، والذي فعل ذلك لأسباب سياسية بحتة . إذن ليس في التاريخ العثماني ما يبرر النظر إلى السلطنة كوريث لدولة الخلافة .
فقد كان هدف آل عثمان توسيع رقعة أراضيهم عن طريق القوة العسكرية . وأدى ذلك طبعا إلى نشر الإسلام أحيانا في البلدان المفتوحة كالبلقان مثلا ، ولكن ذلك كان نتيجة وليس سببا للفتوحات . كما أن تلك الفتوحات تشكلت في المناطق المسيحية ومن عناصر مسيحية ، سواء عن طريق تجنيد مباشر للمسيحيين أو عن طريق المعونة التي كان يقدمها الحلفاء المسيحيون في البلقان .

1 _ النطاق الجغرافي للحاضرة العثمانية
غطّت الإمبراطورية في أقصى اتساعها ، نحو نهاية القرن السابع عشر ، مساحة واسعة من غربي القارة الأفريقية . قبل بداية القرن السادس عشر ، كانت أراضي الإمبراطورية موزعة بالتساوي على شبه جزيرتين : شبه جزيرة البلقان وشبه جزيرة الأناضول . بعد هذا التاريخ توسعت أراضي الإمبراطورية أساسا نحو الجنوب وفي اتجاهين : نحو شبه الجزيرة العربية ونحو شمال أفريقيا .
المجال البحري للإمبراطورية شكل جزءا كبيرا من مجمل مساحة الإمبراطورية :
كامل الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط بما في ذلك الجزر اليونانية ، وكامل البحر الأسود ، الذي تحول إلى بحيرة عثمانية .
أما المجال القاري فكان يتكون من الآتي :
(أ‌) نحو الغرب ، كامل الجهة الجنوبية من الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط ، باستثناء المغرب .
(ب‌) نحو الشرق ، ثلثا القسم الغربي من بحر قزوين ، بما فيه ساحل داغستان .
(ت‌) نحو الجنوب الشرقي ، نصف الضفة الغربية من الخليج العربي .
(ث‌) وأخيرا نحو الجنوب ، الضفة اليمنية من المحيط الهندي وتقريبا مجمل ضفاف البحر الأحمر ، يعني كامل الشاطئ العربي حتى خليج عدن ، وكامل الساحل المصري والسوداني والقسم الشمالي من أثيوبيا .

إن المنطقة التي تضم الأناضول والبلقان كانت تشكل نقطة المركز للنطاق القاري للإمبراطورية ، أما أطراف الإمبراطورية فكانت موزعة دائريا على الشكل التالي حسب دوران عقارب الساعة : هنغاريا ، رومانيا ، بسارابيا ، أوكرانيا ، القرم ، القوقاز ، أرمينيا ، أذربيجان ، كردستان ، العراق ، سوريا ، سواحل شبه الجزيرة العربية ، مصر ، ليبيا ، تونس والجزائر .
قلب الإمبراطورية كان ينبض بين بحر إيجه والبحر الأسود ، ضمن المثلث المؤلف من المدن الثلاث الكبرى : سالونيك ، وأزمير ، واسطنبول التي كانت عاصمة الإمبراطورية العثمانية .

2 _ النطاق البشري أو الديموغرافي للإمبراطورية العثمانية
نكرر القول ، أن الإمبراطورية العثمانية كانت دولة ما قبل قومية ، والمفهوم الحديث لكلمة وطن لم تكن معروفة ، كل تنظيم المجتمع كان قائما على الأديان أو الملل ، مثلها في ذلك مثل جميع الإمبراطوريات السابقة .
إن تقسيم المجتمعات الماقبل قومية إلى طوائف دينية لم يكن صفة خاصة بالعثمانيين . جميع الإمبراطوريات السابقة اتبعت عادة إعطاء الجماعات الدينية المختلفة المنضوية تحت رايتها حكما إداريا ذاتيا . الجديد الذي أتى به العثمانيون هو إعطاء هذه العادة صفة القانون ، وابتكار قواعد محددة ومنظمة مما أعطى لهذا العرف صفة المؤسسة .
هذه المؤسسة ستصبح ركنا أساسيا من أركان النظام العثماني ، وجزءا لا يتجزأ من بنية الدولة . وهو ما سيعرف بنظام "الملة" الذي يختلف اختلافا كبيرا عن نظام (أهل الذمة) الذي كان يقتصر على تقنين الحقوق الدينية لغير المسلمين ، فيما يخضع لها المسلمون ، أي التشريع الإسلامي أو الشريعة الإسلامية .
.
.






 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 

اشترك في مجموعة أقلام البريدية
البريد الإلكتروني:
الساعة الآن 02:00 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط