|
|
|
|||||||
| المنتدى الإسلامي هنا نناقش قضايا العصر في منظور الشرع ونحاول تكوين مرجع ديني للمهتمين.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 97 | |||
|
﴿أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٤٤﴾ حول مضمون الآية: وعلى ضوء هذه الصورة، نستطيع فهم: ﴿أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ﴾؛ إذ إن الدين كان بالتلقي، دون أن يكون للمؤمنين أي حق في الاطلاع على مصادره. ويبقى حفظ النصوص الدينية وتعليمها حكراً على أفراد معدودين، يتحكمون في عقائد الناس، وليس على المؤمن إلا استقبال التعاليم وفق ما تملى عليه، دون أن تكون له قدرة على المناقشة أو الاعتراض. وكان هم العامة أن يعرفوا من الدين العبادات العامّة والاحتفالات الدينيّة ونحوها بالإجمال، ويرجع المستمسّك منهم بدينه في سائر أموره إلى الأحبار فيقلّدهم فيما يأمرونه به. وكانوا يأمرون بما يرونه صواباً فيما ليس لهم فيه هوىً، وإلاّ لجأوا إلى التأويل والتحريف والحيلة، ليأخذوا من الألفاظ ما يوافق الهوى ويصيب الغرض. لذلك كان توبيخ القرآن في هذه الآية موجهاً لأولئك الجالسين على مقاعد العظة والفتيا، الآمرين الناس بالبرّ، الداعين إلى الخير بكل أشكاله: ألا يوجد فيكم عقل يحبسكم عن هذا السفه؟ فإن من له مسكة من العقل لا يدّعي كمال العلم بالكتاب والإيمان اليقينيّ به، والقيام بالإرشاد إليه، ثمّ هو لا يعمل ولا يستمسك؟ مثلكم كمثل رجل أمامه طريق مضيء، نصبت فيه الأعلام، بحيث لا يضلّ سالكه، ثمّ هو يسلك طريقاً آخر، مظلماً طامس الأعلام، وكلّما لقي في طريقه شخصاً نصح له ألا يمشي معه، وأن يرجع إلى طريق الهدى الذي تركه. أو مثل رجل يتضور جوعاً، يدعو الناس إلى مائدة شهيّة، ويبيت في مخمصة. أو ظاميء يدلّ العطاش على مورد الماء ولا يرد معهم. |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 98 | |||
|
﴿أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٤٤﴾ حول مضمون الآية: ولا مجال للقول بأن أولئك الموصوفين في الآية جهلاء ليقال لهم: ﴿أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾، بل هم حكماء القوم وصفوتهم. وقد وجهتهم عقولهم لجمع المال، واكتساب الحظوة. لذلك جاءت الفاصلة: ﴿أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ لتظهر ضعف تمييز أولئك المخاطبين من بني إسرائيل في الآية، أو قِصَر نظرهم؛ فإنهم فقدوا التمييز حين أمروا بالحق مما يدل على إدراكهم لفضله، لكنهم لم يتبعوه، وفضلوا عليه الكسب السريع القليل مهما كثر إذا قورن بالفوز بالآخرة؛ فكانوا بذلك أضل من الجهلاء، وأخسر من السفهاء. |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 99 | |||
|
﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥﴾ ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ﴾: هذه جملة أمرية عطف على ما قبلها من الأوامر. ومن المفسرين من زعم أن الخطاب هنا للمسلمين على وجه الانتقال من خطاب إلى خطاب آخر، لكن وجود حرف العطف يأبى هذا الوهم. والذي غرهم بهذا التفسير توهم أن المستعين بالصلاة هو من آمن بالإسلام، إلا أنه سبق وقال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ 43، وهو خطاب لبني إسرائيل لا محالة. ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ﴾: تقدم ذكر الاستعانة في الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾، وقلنا إن الاستعانة: طلب العون، ونعرض مادة (العون) بعد بيان اللغة. الباء في: ﴿بِٱلصَّبۡرِ﴾ يجوز أن تكون للحال، أي: مُلْتَبِسِينَ بالصبر، مثل: استعنت بالله. والصّبر: الحبس على المكروه؛ ومنه: قُتِلَ فُلاَنٌ صَبْراً، وقول الشاعر: فَصَبْراً في مَجَالِ المَوْتِ صَبْراً ..... فَمَـا نَيْـلُ الخُلُـودِ بِمُسْـتَطَاعِ والصبر المأمور به هو الصَّبر على الطَّاعة، وعن المخالفة.وقد يصبر على المصيبة، نحو قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ 155 ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ 156﴾ البقرة. ﴿وَٱلصَّلَوٰةِۚ﴾: الصلاة المقصودة هنا هي الصلاة الحركية المألوفة، وإن قيل في رأي آخر أن المقصود بالصلاة في هذا الموضع هو الدعاء. |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 100 | |||||
|
﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥﴾ ما هو العون في الكتاب؟: الأصل الواحد في المادّة: (ع و ن) هو مطلق النصرة والنصر. والعَوْنُ صفة بمعنى: الظهير على الأمر. والواحد والاثنان والجمع والمؤنّث فيه سواء، وقد حكي في تكسيره: أعوان. ويقال: عان يعون، فهو عون وعوان، ورجل معوان: كثير المعونة من الناس. وتعاون القوم واعتونوا: أعان بعضهم بعضاً. والاسم: المعونة والمعانة. والعَوَانُ يدلّ على استمرار وامتداد بوجود الألف. وفي التنزيل: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا فَارِضٞ وَلَا بِكۡرٌ عَوَانُۢ بَيۡنَ ذَٰلِكَۖ﴾ البقرة 68، أي: في حدّ المتوسّط والاعتدال فيما بين مسنّ وفتى، وهو حدّ كونه عوناً لصاحبه. وفي التعبير بالعوان: إشارة الى حدّ توسّط السنّ، وإلى كون قيمته في نفسه من جهة كونه متّصفاً بالعونيّة في ذاته. وجمع العَوْن: أَعْوَانٌ، واسْتَعَانَ به فَأَعَانَهُ، وقد يتعدّى بنفسه فيقال: استعانه. والعانة: القطيع من الغنم أو الماشية، وأيضاً: منبت الشعر فوق القبل. أما الأول، فلأنه يعين الإنسان وعون له، وأما الثاني، فلأنه عون لحلم الإنسان وبلوغه، وأمارة لهما. وردت الإعانة والاستعانة في التنزيل العزيز؛ فمن الإعانة: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ الكهف 95، وقوله: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ المائدة 2، أي: وليتحقّق منكم إعانة بعضكم بعضاً على الاستمرار في سبيل البرّ والتقوى، ولا تديموا الإعانة في سبيل الخلاف والعصيان. وهذا من أهمّ التكاليف الاجتماعيّة الّتي يصلح به الاجتماع. ومن الاستعانة هذه الآية، ومثلها: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ الأعراف 128، فيقال استعنته فأعانني، أي: طلبت منه المعونة والإعانة فصار لي عوناً وقَوّاني.
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 101 | |||||
|
﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥﴾ وما هو الصبر؟: (ص ب ر): أصول ثلاثة: الأوّل: الحبس، والثاني: أعالي الشيء، والثالث: جنس من الحجارة. فالأوّل: صبرت نفسي على ذلك الأمر، أي: حبستها. والصبر: الحبس، ومنه قولهم: قتل صَبْراً، أي: حبس حتى قتل. والرجل مصبور: إذا كان محبوساً، والمصبورة: المحبوسة على الموت. ومن الباب: الصَّبْرُ :الدواء المرّ، والصبير، وهو الكفيل، وإنّما سمّي بذلك لأنّه يصبر على الغرم، وصبرت نفسي به أصبر صبراً: إذا كفلت به، فأنا به صبير. وصبّرت الإنسان، إذا حلّفته باللّه جهد القسم. وأمّا الثاني: صبر كلّ شيء أعلاه، وأصبار الإناء: نواحيه، والواحد صبر. والثالث: ما اشتدّ وغلظ من الحجارة، والجمع صبار. والصبّارة: قطعة من حديد أو حجر. ومنه: صَبَّارَةٌ وهي حرّة (أرض ذات حجارة سود) معروفة. والأصل الواحد في مادة الحبس: حفظ النفس عن الاضطراب والجزع بالسكون والطمأنينة. وبهذا اللحاظ تستعمل المادّة في موارد تحتاج إلى صبر وتحمّل، إمّا في تهيئته أو في تجمّعه أو في إدامة العمل به أو في أمثال تلك المعاني. فالصبر: ضدّ الجزع، والمعنى: حبس النفس عن الجزع. ورجل صَابِرٌ وصَبِيرٌ. وصبرت زيداً وصبّرته: حملته على الصبر.
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 102 | |||
|
﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥﴾ وما هو الصبر؟: ثمّ إنّ الصَّبْر على ثلاثة أنواع: الأوّل: الصبر على الطاعة، كما في: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾ مريم 65، فهو إعمال للصَّبْرِ في الاستقامة على العمل بالوظائف، وإتيان الصالحات من دون تسامح واضطراب. والِاصْطِبَارُ افتعال، فانّ العمل بالطاعة من الأمور الحادثة والمستقبلة، فيلزم التهيّؤ والتصميم للصبر عليه، وهذا هو معنى اختيار الصبر. والثاني: الصبر عن المعصية، كما في قوله: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا 69 قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسَۡٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا 70 فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيًۡٔا إِمۡرٗا 71 قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا 72 قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا 73﴾ الكهف، فلزم التثبّت في ترك ما يلزم تركه، وما هو منهيّ عن عمله، من المعاصي والمنكرات والمحرّمات، والتزام الصبر عند السؤال والاعتراض على ما يرى مخالف للعرف والشرع. والثالث: الصَّبْرُ في البلاء، وهو المواجهة بكلّ ما يلائم طبعه، من مصيبة تصيب بدنه أو مكروه يعذّبه، بلا اضطراب، كما في: ﴿وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ﴾ لقمان 17، يراد الصَّبْرُ في قبال ما يصيب من المكروهات والبلايا وحوادث السوء. |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 103 | |||
|
﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥﴾ وما هو الصبر؟: وأمّا درجات الصَّبْرُ فعلى أربع مراتب: الأولى: الصَّبْرُ بحيث لا يظهر منه جزع واضطراب، لأن معنى الصبر - كما بينَّا - هو حفظ النفس عن الجزع، ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا﴾ إبراهيم 21، وقوله: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا 69﴾ الكهف، فيراد مطلق الصبر. والثانية: الصَّبْرُ بحيث لا يرى منه جزع في الظاهر ولا في الباطن، وهذا كما في: ﴿لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ 186﴾ آل عمران، فانّ العزم لا بدّ من تحقّقه في الباطن. والثالثة: الصَّبْرُ منبعثاً عن المحبّة والشوق، كما في: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ الرعد 22، وهذا هو الصبر الجميل. والرابعة: الصَّبْرُ على جهة العبوديّة: فانّ العبد المخلص ليس له داع ولا هوى ولا نظر ولا مقصود إلّا الطاعة والعبوديّة، كما في: ﴿وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ النحل 127. وأيضا إنّ الصَّبْرَ تتفاوت مراتبه بحسب خصوصيّات الموارد والموضوعات، من جهة الشدّة والضعف، والصعوبة والسهولة، ومقدار التحمّل اللازم ولزوم صرف القوّة والطاقة، وغيرها؛ فإنّ الصبر بأعباء الرسالة، كما في: ﴿فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسۡتَعۡجِل لَّهُمۡۚ﴾ الأحقاف 35، ليس كالصبر على نقص من الأموال والأنفس والثمرات، في قوله: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ 155﴾ البقرة، والصبر على هذا ليس كالصبر والقناعة على طعام واحد، الوارد في: ﴿وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ﴾ البقرة 61. ولا يخفى أنّ الصبر هو المعيار في تشخيص مرتبة الإنسان من جهة الاستعداد الذاتيّ والوسع الباطنيّ والقدرة الروحيّة، ولا يبلغ الحدّ الأعلى منه إلّا من كملت نفسه وبلغت غايتها؛ فإنّ حقيقة الصَّبْرِ هو التحمّل، وكلما زاد تحمل المرء قويت روحه وشَفَّت. |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 104 | |||
|
﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥﴾ ما قيل في معنى الصبر في الآية: قيل: الصبر في هذه الآية الصَّوم، لأن الصائم صابر عن الطعام والشراب، ومن حبس نفسه عن قضاء شهوة البطن والفرج زالت عنه كدورات حب الدنيا، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة الله. ومنه قيل لرمضان: شهر الصَّبْرِ، فجاء الصَّوم والصَّلاة على هذا القول في الآية متناسباً في أن الصِّيَام يمنع من الشَّهَوَات، ويزهد في الدنيا، والصَّلاة تنهى عن الفَحْشَاء والمُنْكَرِ، ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر الآخرة. |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 105 | |||||
|
﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥﴾ لِمَ قَدَّمَ الصبر على الصلاة في الآية؟: قيل: - لأنه سبق ذكر تكاليف عظيمة شاق فراقها على من ألفها واعتادها من ذكر ما نسوه والإيفاء بما أخلفوه والإيمان بكتاب متجدد وترك أخذهم الرشا على آيات الله وتركهم إلباس الحق بالباطل وكتم الحق الذي لهم بذلك الرياسة في الدنيا والاستتباع لعوامهم وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وهذه أمور عظيمة، فكانت البداءة بالصبر لذلك. - الصبر أعم من الصلاة وأشمل، فعطف الخاص على العام. - الصبر والصلاة متلازمان، والصبر - بالضرورة - مقدمة للصلاة، سابق عليها. - يتعين على المرء أن يتحلى بالصبر ليصلي، ويواظب على صلاته. - أصل التدين والإيمان من ضروب الصبر فإن فيه مخالفة النفس هواها ومألوفها في التصديق بما هو مغيب عن الحس الذي اعتادته، وبوجوب طاعتها واحداً من جنسها لا تراه يفوقها في الخلقة وفي مخالفة عادة آبائها وأقوامها من الديانات السابقة. فإذا صار الصبر خلقاً لصاحبه هون عليه مخالفة ذلك كله لأجل الحق والبرهان فظهر وجه الأمر بالاستعانة على الإيمان وما يتفرع عنه بالصبر فإنه خلق يفتح أبواب النفوس لقبول ما أمروا به من ذلك. - الصبر يعين على الصلاة؛ فلتأديتها تصبر على كل ما يمكن أن يحول بينك وبينها، كالبرد والحر والنوم. - حالة الخشوع المرتجاة من الصلاة لا تأتي بين عشية وضحاها، بل تحتاج لمكابدة لا تتم إلا بالاستعانة بالصبر. - تأثير الصَّبر في إزالة ما لا ينبغي، وتأثير الصَّلاة في حصول ما ينبغي، والنفي مقدم على الإثبات.
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 106 | |||
|
﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥﴾ لِمَ خص الصلاة في هذا الموضع؟: قالوا: - خص الصلاة بالذكر من بين سائر العِبَادات تنويهاً بذكرها، باعتبار أن الصلاة المقصودة هنا هي الصلاة الشرعية. - هي الدعاء على عرفها في العربية، وتكون الآية على هذا التأويل مشبهة لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ﴾ الأنفال 45؛ لأن الثبات هو الصبر، والذكر هو الدعاء. |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 107 | |||||
|
﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥﴾ ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ﴾: ضَّمير الهاء في: ﴿وَإِنَّهَا﴾ قيل: يعود على "الصلاة"، وقيل: يعود على الاستعانة المفهومة من الفعل، وقيل: على العبادة المَدْلُول عليها بالصَّبر والصلاة، وقيل: على إجابة محمد - عليه صلوات الله - لأنَّ الصبر والصَّلاة مما كان يدعو إليه، وقيل: على الكَعْبَةِ؛ لأن الأمر بالصَّلاة إنما هو إليها. وقوله: ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾: لشاقّة ثقيلة من قولك: كَبُرَ هذا عليَّ؛ قال تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ الشورى 13. و ﴿إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ﴾: استثناء مُفَرّع، في قوة النفي، أي: لا تسهل ولا تخفّ إلا على هؤلاء. و ﴿عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ﴾ متعلّق بـ "كبيرة" نحو: "كَبُرَ عليّ هذا" أي: عظم وشق. والمراد ـ هاهنا ـ أنها لثقيلة على من لم يَخْشَعْ من حيث لا يعتقد في فعلها ثواباً، ولا في تركها عقاباً، فيصعب عليه فعلها؛ لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطَّبْعِ. والخشوع: الخضوع، وأصله: اللِّينُ والسُّهولة، ومنه "الخُشْعَةُ" للرَّمْلَةِ، وقيل: قطعة من الأرض رخوة، قال النابغة: رَمَادٌ كَكُحْلِ العَيْنِ لأْياً أُبَيِّنُهُ ..... ونُؤْيٌ كَجِذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ أي: عليه أثر الذُّل. وعلى معنى الذل قال جعفر بن عبلة الحارثي:فلا تَحْسَبِي أَنِّي تَخَشَّعْتُ بَعْدَكُم ..... لشَيءٍ ولا أَنيِّ من الموت أَفْرَقُ وفرق بعضهم بين الخضوع والخشوع، فقال: الخضوع في البدن خاصّة، والخشوع في البَدَن والصّوت والبَصَرِ، فهو أعم منه.
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 108 | |||
|
﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥﴾ أصل الخشوع: (خ ش ع): أصل واحد، يدلّ على التطامن، يقال: خَشَعَ إذا تطامن وطأطأ رأسه، يخشع خشوعاً، وهو قريب المعنى من الخضوع، الّا أنّ الخضوع في البدن والإقرار بالاستخذاء، والخشوع في الصوت والبصر، يقول تعالى: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ﴾ القلم 43، وخَشَعَ خُشُوعاً: إذا خضع، وخشع في صلاته ودعائه: أقبل بقلبه على ذلك، وهو مأخوذ من خَشَعْتُ الأرض إذا سكنت واطمأنّت. الْخُشُوعُ: الضراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب، ولذلك قيل: إذا ضرع القلب خشعت الجوارح، يقول: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ الإسراء 109، و ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ المؤمنون 2. |
|||
|