الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديات الحوارية العامة > منتدى الحوار الفكري العام

منتدى الحوار الفكري العام الثقافة ديوان الأقلاميين..فلنتحاور هنا حول المعرفة..ولنفد المنتدى بكل ما هو جديد ومنوع.

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع التقييم: تقييم الموضوع: 1 تصويتات, المعدل 5.00. انواع عرض الموضوع
قديم 18-03-2010, 01:09 PM   رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

حكومة الديمقراطية منذ السويس حتى استقالتها :
لقد كانت حكومة الأستاذ سليمان النابلسي في سباق مع الزمن فيما يتعلق بالمعونة البديلة عن المعونة البريطانية، فهي لا تستطيع أن تذهب إلى المكان الوحيد بل والمصمم أن يكون الوحيد القادر أن يكون بديلاً عن بريطانيا وهي أمريكا، حينها لايمكن أن تسمى وطنية. لذلك ذهبت إلى المكان الوحيد الذي يعطيها هذه الهوية وهم العرب. ولهذا أرسلت وفداً إلى القاهرة من الأستاذين شفيق الرشيدات وعبد الله الريماوي، لبحث هذا الموضوع مع الرئيس عبد الناصر. وطبعاً أنا غير مطلع على ما طرح في المحادثات ولا على النتائج،إلا أنه قيل أن الوفد طالب بمعونة عربية قيمتها خمسة عشر مليون دينار، وأن مصر أبدت من طرفها استعداداً طيباً للمساهمة ضمن إمكاناتها في ذلك الحين، والصحيح أنه لم يكن هناك معضلة فيما يتعلق بالمصادر التي ستجمع منها المعونة العربية في ذلك الحين. إن المعضلة تكمن في طبيعة السلطة القائمة في الأردن. في مكان سابق من هذه الذكريات قلت أن ما كان يصرف من المعونة المالية البريطانية للجيش الأردني كان خمسة ملايين دينار في الحد الأعلى، وأن وضعاً سياسياً وطنياً ثابت الأركان قادراً أن يفرض على فقراء العرب حداً من العون، فكيف بأغنيائهم! هذا عدا عن أن نظاماً يحمل المواصفات التي ذكرت قادر على أن (يدبر) الجزء الأهم من موارده الذاتية. أما في ظل نظاماً يسكن سياسياً وواقعياً في حضن الأمريكان والإنكليز ولا يزال الملك فيه مصدر السلطات،فمن هو الحاكم العربي الأبله الذي سيساعد حكومة الأستاذ سليمان النابلسي رغم لونها الوطني ضد إرادة الملك حسين والقوى الدولية والإقليمية التي تسنده بمن فيهم الرئيس عبد الناصر والحكم الوطني في سوريه آنذاك؟ ومع ذلك ففي تقديري أن هذا الوفد ومباحثاته في القاهرة قد سرّعا من خطوات الملك حسين ومن يشيرون عليه باتجاه (كنس المرحلة)، خاصة وقد أعطت المردود المتوخى بالنسبة لشخص الملك، واستنفذت أغراضها حسب المخطط المعد مسبقاً، لأنه يستحيل على الملك حسين قبول مساعدة عربية بديلاً عن المعونات الأمريكية والبريطانية لحكومة وطنية تستند إلى برلمان وطني، الأمر الذي يعمق الالتزام العربي ويقويه، ويجعل بالتالي إمكانية سيطرة الملك حسين على مسار السياسة الأردنية داخلياً وخارجياً مع الزمن والتطور الإيجابي معدومة. هذا الأمر لا يمكن أن يحدث بالنسبة للملك حسين ولا بالنسبة لمن هم خلفه وفي معيته.
ومن هنا بدأت إذاعة الـ (b.b.c) والنابحين بالعربية فيها، بالتهويل بالخطر الشيوعي الذي يتهدد الأردن، فبعد وصول الشيوعيين إلى مجلس النواب أصبح اليساريون يهددون عرش الملك حسين. فالتحالف الذي أوصل الدكتور يعقوب زيادين،ابن محافظة الكرك إلى مجلس النواب عن مدينة القدس معروف، مما يدل على الإعداد المسبق للمرحلة (وأنا هنا لا أستهدف النيل من الدكتور زيادين ). وانطلاقة هذا النباح كانت إشارة البدء للعمل على تغيير الواقع السياسي في الأردن وكان ما سمي (برسالة الثلج ) في حينه هي الإطلاقة الأولى في هذا الاتجاه، سميت كذلك لأنها جاءت أثناء حملة قادها الملك حسين لفتح طريق عمان – صويلح الذي أغلقته الثلوج. وأنت حينما تقدر أن الوقت أصبح مناسباً وأن الظروف مهيأة لتحقيق أهدافك، فلا أسهل من اختلاق المناسبات وتدبير الأعذار من أجل ذلك. ولعل (رسالة الثلج) هذه كانت باكورة الرسائل التي استمر جلالته بإرسالها إلى رؤساء وزرائه كلما أراد أن يتنصل من أمر أو يشير إلى أخر. ولم أعد أتذكر مضمون هذه الرسالة ولكنها رغم الطقس البارد خلقت واقعاً حاراً في الجو السياسي في البلد، وخلال هذا الجو الحار التقيت الأستاذين شفيق الرشيدات وعبد الله الريماوي في فندق قصر الشتاء في أريحا،فقد اصطحبني محمود المعايطة وكان في حينها قد أصبح قائداً لسلاح المدفعية في رحلة تفقدية لكتيبة المدفعية الأولى التي كانت تعسكر على الجانب الغربي لالتقاء نهر الأردن بالبحر الميت، وبعد أن التقينا قائد الكتيبة الرائد في حينه منذر عناب وضباطه وتناولنا طعام الغذاء، وإياهم غادرنا إلى مدينة أريحا، وفي الفندق الذي ذكرت حيث التقينا الأستاذين. وتحدثنا في الوضع السياسي بعد رسالة الملك حسين إلى رئيس وزرائه، والحقيقة أنه لم يجر نقاش يعلق في الذهن، فهؤلاء السادة السياسيون يهتمون بالاستماع أكثر من أن يتحدثوا و هم لا يقولون كلاما (يفش الغل ) ويضع الإصبع على الجرح.
توجهت بالحديث إلى الأستاذ شفيق.وقلت له بالحرف:يا أبو صالح،إنكم تتركون الساحة مفتوحة لأعدائكم وأعداء الحرية والوطن وهم أقدر بمن وراءهم على الفعل، وأنت تعرف ذلك ،لأنك من أكثر الذين عانوا طغيانهم،لقد زوروا الانتخابات ضدك أكثر من مرة، وليس هذا فقط بل كانوا يجرونك إلى سجن الجفر بعد ذلك. لماذا تمنحوهم الفرصة لاستلاب هذه الحرية التي ناضل إنسان هذا الوطن طويلاً للوصول إليها وهم الآن يسعون لتحقيق ذلك؟ حينها قال الأستاذ شفيق: إن ما تقوله صحيح، وأنا سأعرض الأمر على رئيس مجلس الوزراء، وقد عرض الأستاذ شفيق على رئيس الوزراء الأمروقد رفض رئيس الوزراء اتخاذ أية إجراءات ضد القوى المناهضة والمتآمرة على الحكم الديمقراطي.
وكونها التجربة الأولى في تاريخ الأردن السياسي، كان لابد لحكومة السيد سليمان النابلسي أن تكون خطواتها مرتبكة وأقول (لابد) لأنها لا تملك برنامج عمل سياسي مسبق تنفذه حين وصولها للسلطة، بل أنها لا تملك رؤيا موحدة تجاه الواقع المتناقض في السلطة. وأنا لا أعي إنجازاً وطنياً متميزاً واحداً لهذه الحكومة الوطنية. إلا إذا اعتبر البعض إلغاء المعاهدة الأردنية البريطانية إنجازاً والحقيقة أنه لم يكن كذلك.
في فترة المفاوضات بين وفد الحكومة الأردنية وفد بريطاني وصل لهذه الغاية اصطحبني (أبو ساهر ) محمود المعايطة، إلى فندق فيلادليفا، وهناك التقينا بالأستاذ هزاع المجالي - رحمه الله- وكان يجلس وبصحبته اللواء محمد المعايطه، ومن جملة حديث الأستاذ هزاع، بل هي زبدة حديثه،قال: باستطاعتي أن أنهي المعاهدة الأردنية البريطانية دون عائق،ولعل هذا القول هو سبب اصطحاب محمود لي لهذا اللقاء، وما قاله الأستاذ هزاع حول إلغاء المعاهدة هو الصحيح وهو صادق فيما قاله. لقد ماتت المعاهدة الأردنية البريطانية لا أقول بعد عزل الفريق (كلوب ) ولكن بعد (معركة السويس ) وقد شيعها أهلها، وهم بانتظار المولود الجديد. فلم يعد لبريطانيا بعد ( إذلال السويس ) نفوذاً مستقلاً عن النفوذ الأمريكي في هذه المنطقة بل في العالم. وأنا في قولي هذا عن إنجازات الحكومة الوطنية،لا أقصد النيل منها كحكومة ولا من رئيسها ولا من أعضائها كشخصيات وطنية محترمة، وبعضهم مناضلون وأخص بالذكر المرحوم شفيق الرشيدات، ولكن ماذا تستطيع أية حكومة مهما كانت صفاتها الوطنية عالية أن تفعل في واقع متعارض ومتناقض مع رؤاها السياسية والاجتماعية وهي لا تملك القدرة على تصحيحه لأن مراكز القوى ليست تحت سيطرتها،ومنها القصر والجيش والحاشية؟ صحيح أنها كانت تمتلك الشارع السياسي الوطني ، وخاصة في الضفة الغربية، فمناخ الحرية الذي ساد قبل الانتخابات وما بعدها،وتوج بحكومة الديمقراطية، هذا الواقع الذي تطلع إليه الناس طويلاً وفي ذهنهم واقع سياسي وحياتي أفضل يخلو من القهر والفقر،عبروا عنه بالمسيرات والمظاهرات والمهرجانات والندوات السياسية. نعم يمكن للإنسان العادي وحتى للسياسي العادي، أن يقول،وقد قيل:إن هذه الجماهير هي مصدر قوة حقيقي للحكم الوطني الديمقراطي،سند لابد لأعداء الحرية أن يهابوه. إن هذا القول صحيح وسليم، لو أن هذا الكم الهائل لجماهير الديمقراطية، تحول إلى كيف؟ أي إلى فعل سياسي ملموس، أي أن تمتلك هذه الجماهير رؤية موحدة للحاضر وللمستقبل من خلال برنامج عمل وطني سياسي اجتماعي، محدد الأهداف، ممرحل حتى المدى الأبعد، أساسه الحفاظ على الديمقراطية ولها قيادة موحدة ملتزمة بجماهيرها الموحدة التي ستكون أداتها ضد أعداء الحرية وأعداء الوطن للدفاع عن هذا البرنامج وبالعمل على تحقيقه. إلا أنه بدلاً من ذلك ولسوء الحظ، ملأت هذه القوى والأحزاب،الساحة السياسية،بالتنافس والتمظهر بالقوة تجاه بعضها البعض، خالقه وضعاً سياسياً عكراً، يمكن لأعداء الديمقراطية والوطنية المتخندقين بخندق الاستعمارين القديم والجديد أن يستغلوه وقد فعلوا ذلك .
الجيش والدور غير الواضح لرئيس الأركان:
إن الجيش هو من مراكز القوى الأساسية بل لعله أهمها في كل بلدان العالم الثالث، وفي كل البلدان التي تنمو بها الديمقراطية نمواً تاريخياً، أي أن تصل إلى ما وصلت إليه (كما في بعض المجتمعات)، من خلال تطور تاريخي خلقته قوىً اجتماعية في كل مرحلة من مراحل هذا التطور. ولهذا فإن من يقود السلطة في أي بلد من بلدان العالم الثالث، إن كان حزباً أو ملكاً، أو فرداً قائداً، لابد له أن يتأكد أن الجيش يقف إلى جانبه، وأن ولاءه مضمون. ولهذا فحينما أسند الملك حسين رئاسة الأركان إلى كبير مرافقيه، المقدم علي أبو نوار، كانا صديقين وحليفين، ورؤياهم للمستقبل فيما يتعلق بالسياسة والحكم متفقة. لكن الصداقات بين الناس العاديين تموت في أغلب حالاتها، فكيف بالصداقة بين ملك يسعى أن تكون سلطاته مطلقة وبين من يمتلك من معاونيه سلطة وطموحاً. والسلطة مغرية ولا حدود لإغرائها،إن لم يكبح جماحها،إيمان مبدئي يستند إلى فهم عميق وصحيح وطني إنساني،أو دافع ديمقراطي ثابت الأركان، حددت المسؤوليات فيه، من خلال ممارسة تاريخية أصبحت تراثاً، وأكبر ميادين الفساد مساحةً، هو ميدان السلطة المطلقة التي لا تستند الى القيم التي ذكرت.
إن الأمر المؤكد أن رئيس الأركان ضابط طموح. لكن ما هي حدود طموحاته؟ فأنا مثلاً أستطيع أن أتبين بعض حدود وطموحات بعض القادة العسكريين في الجيش الأردني حينذاك، كالمشير حابس المجالي أو الفريق علي الحياري، أو اللواء صادق الشرع الذي حكم عليه بالإعدام. فقد التقيت هؤلاء السادة بعضهم مرة واحدة وبعضهم أكثر من مرة، وهي كافية إذا ما أضيفت إليها بعض المعلومات عن تاريخ كل منهم العسكري، أو بعض كفاءاتهم. ولكنني لم أستطع تحديد ماذا كان يستهدف اللواء علي أبو نوار؟ هل كان يستهدف السلطة؟ أم كان يلعب دوراً لحساب جهة ما؟ ضمن المخطط الذي كان قد أعد مسبقاً، وأولى صفحاته المعلنة إعفاء (الفريق كلوب ) من منصبه، وأنا هنا سأوضح قدر استطاعتي لماذا لم أتمكن من معرفة نوايا اللواء علي؟
بعد استلامه منصبه رئيساً للأركان، اتضح من الأسابيع الأولى أن خطواته مرتبكة، وليس لديه سلم أولويات للمهام التي يجب أن ينجزها تباعاً. وفي كثير من الأحيان كانت قراراته متعجلة، ولم يكن يتروى ويدرس ما يقدم إليه من آراء ومقترحات في شؤون الجيش، خاصة وهو يجلس على هرم من مخلفات سياسة (كلوب)، ومن ذوي العلاقات المشبوهة الذين لم يكونوا فقط يتصيدون الفرص، بل يخلقونها.وأول ما قام به بعد أن تسلم منصبه هو شراء سيارة (كاديلاك) سوداء، وكانت المفارقة محزنة بين هذه السيارة،وسيارة الفريق كلوب (الفورد القديمة)،الذي كان يملك معونة بريطانيا للأردن،وبين سيارة اللواء علي الذي اضطر إلى تخفيض علاوات بعض الفنيين من كادر الجيش. هذا السلوك يدل على أنه ليس هناك لدى اللواء علي تصور مسبق لأي نوع من الطموح الذاتي خارج ما يوفره له هذا الموقع من جاه ونفوذ. لم يقم بأي جهد لتقويم واقع الجيش الموروث، الذي به من العيوب ما لا يمكن أن نجعل منه جيشاً وطنياً مؤهلاً للقيام بواجباته. فالعمل الجاد لبناء جيش وطني هو وحده الذي سيغلق كل النوافذ التي تأتي منها رياح السموم التي تخدم أغراض القوى المعادية التي تستهدف خلخلة الواقع في الجيش، وفي الساحة السياسية. من الشائعات التي سرت في حينه أن رواتب الجيش ستخفض. وكلنا نعرف المدى الخطر الذي تتركه مثل هذه الإشاعة في وسط الجيش،خاصة أن هناك دليلاً ملموساً على هذه الإشاعة، وهو تخفيض علاوات بعض الفنيين بالجيش. وطبيعي أن يربط هذا الدليل بسبب إلغاء المعونة البريطانية. ومعروف من هي الجهات التي تخدمها هذه الإشاعة، هذا أولاً، وثانياً إن العناصر البدوية في الجيش من خارج الديرة سيستغنى عن خدماتهم وسيتم تسريحهم. وهذه الإشاعة لا تستهدف إشاعة حالة القلق في نفوس عناصر العشائر من خارج الأردن وهم نسبة مؤثرة في الجيش، بل تستهدف بث القلق في نفوس الأفراد من عشائر الأردن، لأن كلمة بدو تشمل الطرفين، وثالثاً، إن رئيس الأركان حجز الجيش في معسكراته لمدة 48 ساعة، لأن أحد الجنود على طريق عمان - الزرقاء لم يؤد له التحية، وهو يمر وعلم رئيس الأركان يرفرف على مقدمة السيارة. هذا غيض من فيض لذلك الواقع في حينه.زرناه،محمود المعايطة ونذير رشيد وأنا في منزله في معسكر العبدلي،بعد عودته من رحلة إلى المملكة العربية السعودية. وبعد أن تحدث إلينا عن نتائج رحلته تلك،التفت إلى نذير قائلاً دون مقدمات، (لم أعد أذكر صيغة القول،هل كان أمراً أم كان)، ما رأيك؟ وكان ما قاله لنذير يستهدف الإغارة على معسكر للقوات السعودية في منطقة (تبوك) على الحدود الأردنية السعودية. وكان نذير حينها يقود كتيبة المدرعات الأولى، فاستغربت الأمر واستهجنته، فقلت له لماذا السعودية؟ إن مشاكلنا ليست مع السعودية،فانتهى الأمر هنا. لا أعرف هل كان الأمر جدياً، أم كلمة للتصيّد. وبعد أن خرجنا، (صفنت) طويلاً في هذا الواقع. وأقول صادقاً أنني شعرت بالإحباط بعد هذه المقابلة، وبالنفق المسدود الذي دخلناه. وحاولت أن أبتعد بشكل مشروع، فلقد شعرت بالخطر ليس من مواجهة واقع مشخص، أو ذات مشخصة. ولكن من خلال واقع أحسسته،وهو أن علي أبو نوار يمثل أكبر خطر علينا نحن الضباط،كتنظيم وعلى اتجاهنا الوطني الذي كنا نتبناه ونؤمن به. وكذلك على الاتجاه الوطني في البلد،من حيث أنه أخذ موقعاً وواقعاً يجعل الرؤيا بيننا نحن الضباط غير موحدة. فحاولت جاهداً أن يرسلوني إلى كلية الأركان في بريطانيا، وقد فشلت في ذلك لأن الاثنين الذين أرسلا كانا، مرشح الملك زهير عمر مطر ومرشح رئيس الأركان قريبه أديب أبو نوار .
مرحلة ما بعد الديمقراطية :
في المجتمعات التي وصلت إلى الديمقراطية خلال صراع طويل مع الواقع التاريخي بهذه المجتمعات،وشيد بناؤه لبنة على لبنة،ورسخت قيمه قيمة إثر قيمة، وخلقت حقائق في وعي الإنسان في هذه المجتمعات، حاكمين ومحكومين، وكونت وعياً يعطي دلالات بديهية (كدلالة القمرا على القمر) على المعنى الصحيح للديمقراطية فهماً وممارسةً. في هذه المجتمعات لا يوجد بعد الديمقراطية، إلا الديمقراطية التي تمثل الواقع الموضوعي لقوى المجتمع الديمقراطي. (مع التنويه بالمحدودية التاريخية لكل الايديولوجيات). أما في بلد مثل الأردن فرض عليه كيانه فرضا،وأسياده كذلك وتمنح فيه الديمقراطية كما يمنح أحد ملوك الإقطاع إحدى محضياته ضيعة. فليس بعد الديمقراطية هذه إلا عبادة الاشخاص.
أنا لا أضع تاريخاً ولكنني أضع تجربة ذاتية، فأنا لا أعرف علاقات مراكز القوى بعضها ببعض مع أنني أعرف هذه المراكز. ولا أعرف الأفعال التي قامت بها أو افتعلتها، أو علاقات الأشخاص الرئيسين فيها، كيف بدأت وكيف تطورت أو بالقوى الداخلية والخارجية. ولا أعرف هذه القوى خارج نطاق المعلن منها،بما فيها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي كنت أنتمي إليه، وعضواً في لجنته العسكرية. ومركز القوة الوحيد الذي أعرف الهدف الذي يسعى إليه، هو الملك وأسرته، فهدفهم واضح، وهو المحافظة على ملكهم بأية وسيلة.
لقد ذكرت فيما سبق من هذه الذكريات، أن إنهاء خدمات (الفريق كلوب) وكل الضباط الإنكليز كان عملية (سياسية سايكولوجية) هادفة. هدفها بناء شخصية الملك حسين وطنياً لمواجهة المد القومي الذي كانت تدفعه بقوة ثورة 23 يوليو في مصر، وتستقطبه شخصية الرئيس عبد الناصر. وحتى تكتمل عملية بناء شخصية الملك حسين داخلياً، لابد من دعمها بفعل داخلي، يكون الأول من نوعه في تاريخ الأردن السياسي، وهو إعطاء الشرعية للأحزاب السياسية بما فيها حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي الذين لهما امتدادات خارج حدود الأردن. هذا الأمر الذي شكل على الدوام هدفاً للنخب، وللأحزاب السرية في الأردن. ومن بعد ذلك إجراء انتخابات نسبياً هي الأفضل في تاريخ الأردن، وتتويج هذا المسار بتكليف رئيس أكبر الأحزاب عدداً في مجلس النواب بتشكيل حكومة الديمقراطية.
هذه الحقائق الجديدة على التاريخ السياسي في الأردن، لابد وأن يرتد مردودها الإيجابي في مرحلة يتلقى تحقيقها صاحب العهد الجديد، أي الملك حسين، وبالتالي تعطيه صورة وواقعاً بين مواطنيه لم تكن قبل ذلك موجودة في أذهانهم. هذه العملية أي إبراز (صاحب العهد) من خلال أفعال وطنية وديمقراطية، كانت مطلباً حقيقياً للنخب المثقفة والقوى السياسية في حينه، وقبل ذلك الحين، إن تحقيق هذا لابد وأن يطبع في أذهان الناس ونفوسهم صورة إيجابية عن صاحب هذه الإنجازات حتى إذا ما جاء ظرف الارتداد عليها، المعد والمتصور مسبقاً والذي مهدت له إعلامياً وسياسياً ومخابراتياً قوى السيطرة الخارجية والداخلية المرتبطة بها، مستهدفة رمي مرحلة الديمقراطية ومن مثلها بكل القذارات التي يملكها عقل الاستعماريين ومنطقهم القديم والجديد. ويكون صاحب العهد حتى حينه قد كسب نوعين من الناس المهمين :
1. الذين ليس لديهم إطلاع على الواقع ويجهلون حقيقته، ولديهم صورة جديدة لا تزال حية في أذهانهم عن صاحب هذا العهد وهم الأكثرية .
2. الذين تختلط عليهم الأمور ولايتبينونها، إلا بعد أن لا ينفع وعيهم شيئاً.
وكانت خطة الارتداد هذه تستهدف القوى الوطنية في الساحة السياسية وفي الساحة العسكرية وهو الأهم، خاصة تنظيم الضباط الأحرار. وكان لا يمكن للأردن أن يقوم بالدور المطلوب منه من قوى الاستعمار والصهيونية إلا بقائد يكون مصدر القرار. وما كان يمكن أن يكون هذا القائد إلا الملك في حينه، لأن الواقع في الأردن حسب الرؤيا الإنكليزية (وهي رؤيا صحيحة في حينه)، لا يستقر بالتغير. فالأردن بلد لا يشكل قدرة على الاستقرار بذاته، فلابد له أن يكون بحضن أحد الاتجاهين، أما الإمبريالية والقوى المعادية للأمة العربية، أو بحضن القومية العربية. ولن يبقى الأردن في واقعه الذي انخلق، إلا نظاماً موروثاً ترسخ أسسه ويحافظ عليه إلى أن يكمل مهمته التي من أجلها وجد،وهي العون في تحقيق أهداف القوى المعادية في فلسطين والحفاظ على التجزئة ،والحقيقة أن هذا الامر لا ينطبق على الأردن وحده بل على كل كيانات التجزأه في الوطن العربي .
والارتداد هنا لم يستهدف عام الديمقراطية ومضمونه، وإنما استهدف ما قبل ذلك. استهدف مرحلة حكم الملك عبد لله. ففي زمن الملك عبد الله كانت السلطة ثنائية التركيب (الملك عبد الله - الإنكليز) وسلطة من هذا النوع لا يمكن أن تكون سلطة طغيان وقهر، فهي بطبيعتها سلطة تسويات، يشعر الناس خلالها براحة أكثر وانسجام اكبر مع واقع الحياة. وهي بالتأكيد وإن كانت ذات طبيعة مرحلية أفضل من سلطة القهر وعبادة الأصنام. والأخطر هو القفز من المرحلة التي ذكرت إلى مرحلة شديدة التعقيد تقودها الإمبريالية. قهر، غسل دماغ، تضليل سياسي وفكري، وعبادة أصنام. هذا مع الفارق الجوهري بين شخصية الملك عبد لله وشخصية الملك حسين. فالملك عبد الله رغم مطواعيته والواقع المفروض عليه (رغم أنفه) كما يقول، إلا أنه استمرارية طبيعية لما بعد الثورة العربية وإنكفاء الخلافة. والملك عبد الله على ما هو عليه (من هوان) إلا أنه فخور بانتمائه، فخور بتراث العرب وحضارتهم، فخور بإسلامه، أديب وفقيه. كان استمرارية لمطالبته العرب بالوحدة وسعى إلى ذلك ضمن منهجه وإمكاناته. أما الملك حسين فهو حال نقيض، هو انقطاع للاستمرارية وهو متطابق مع ما يطلبه الاستعمار الحديث من قائد مثل الملك حسين، وهو فخور بدوره الذي يسميه الدفاع عن العالم الحر. صحيح أنه يتحدث دوماً وباستمرار عن أجداده ودورهم في تاريخ الأمة، وعن الأمة والإسلام وعن جده (رسول الله). كل ذلك من أجل توظيفه كعوامل هامة لخدمة ذاته، وبالتالي المخطط السياسي الذي يرى بأنه يحقق أهدافه ومصالحه ويحافظ على كيانه وعرشه ، واريد ان اقول حقيقة أن كل القادة العرب مؤمنون بالتجزأة وانه ليس هنالك مصلحة عامة للعرب يجب العمل على تحقيقها ، إنما يحرص كل منهم على الحفاظ على واقعه وسلطته بكل الوسائل المشروعه وغير المشروعة .

الواقع المغشوش على الساحة الأردنية:
مما لا شك فيه أن أصحاب المخطط كان لديهم خطط مسبقة ووسائل لاستغلال هذه المرحلة. والتي صُممت بشكل يمكن الدخول اليها و العبث بها من جميع ثقوبها الواسعة العديدة، ومن المعروف بداهة أن أي مخطط يجري تطبيقه على الواقع، يخلق عوامل جديدة في جوانب متعددة من مكوناته، سلبية وإيجابية. من ينجح من طرفي المعادلة ( القوى الديمقراطية - والقوى المضادة للديمقراطية) ويستطيع فرض رؤياه، هو الذي ينجح أخيراً. ولسوء الحظ أن السلطان ومن والاه خارجياً وداخلياً كانوا في الموقع الأكثر فعلاً. لأنهم كانوا موحدي الصفوف، موحدي الرؤيا، لهم القيادة وحق استخدام السلطة. فالذي حدث في عام الديمقراطية هذا، أن المستور قد انكشف! خاصة فيما تعلق بالقوى السياسية التي كانت تعمل (تحت الأرض) في الحالتين المدنية والعسكرية، فهذه الأحزاب قد أعلنت عن نفسها ومنتسبيها وأنصارها وتناقضاتها والتقارب والتباعد بين شخصياتها. ونقاط ضعف وقوة قادتها. والتعارضات والتناقضات فيما بينها، وعلى وهذا ما حدث على الساحة العسكرية. فالضباط الأحرار انكشف سرهم لصاحب السلطان ومن والاه. وبانت عوراتهم إن كان على مستوى الطموح الذاتي أو على مستوى الطموح الشخصي، وبانت ضحالة وعيهم السياسي والفكري، وضعف التزاماتهم المبدئية. فبدلاً عن تمسكهم بتنظيمهم والالتزام التام بالنهج الذي قام عليه التنظيم، والمباديء التي من أجلها وجَد، أصبحوا جزءاً من هذا الواقع المغشوش تتوزعهم مراكز القوى،وأهمها القصر ورئاسة الأركان. فخلال هذا العام.
من عمر المرحلة،استخدمت القوى المعادية للحرية كل معاول الهدم من الدعاية المضللة والإشاعات الهدامة،ومحاولات خلق الفتن الطائفية. وهم الذين لا تنقصهم المعرفة ولا الخبرة، فمستودعات الإمبريالية مليئة بهذه البضاعة المسمومة. وسأعطي مثالين على نوعية هذه البضاعة التي يبيعها أعداء الحرية في السوق السياسي. ففي مدينة مأدبا والتي كانت مدينة مسيحية في وسط ريف مسلم جرت محاولة مشينة كان هدفها إثارة فتنة طائفية أثارها عملاء الإنكليز من كلا الجانبين (وأنا لا أرغب في تسمية الأشخاص الذين كانوا على رأس فريقي الفتنة). إلا أن المحاولة لم تنجح في أن تصبح فتنة طائفية. وبقيت في إطار العداء التقليدي بين الطرفين. لأن الناس العاديين في المدينة مسلمين ومسيحيين بعيدون كل البعد عن العداء الطائفي. وكان الهدف من هذه المحاولة هي أن تستغل إعلامياً على أوسع مدى وخاصة من نباحي إذاعة (لندن) ومن هم على شاكلتها من الإذاعات الغربية، المتخصصة بالتزوير والتزييف - ضد الواقع السياسي على ساحة الأردن. أما الواقعة الثانية، فكانت دسيسة فضيعة، استهدفت التجريح والتحريض ذات دلالة على المستوى الذي يمكن أن تذهب إليه بعض شخصيات بارزة في الدولة من أجل تحقيق ما تسعى إليه. روى لي هذه الواقعة النقيب عبد الله قاعد عضو قيادة تنظيم الضباط، الذي كان أحد المرافقين العسكريين للملك حسين. قال: كنا على مائدة العشاء في معية الملك، وكان من الموجودين على المائدة، رئيس الديوان الملكي السيد بهجت التلهوني والمرافقين العسكريين وبعض موظفي الديوان. فنادى على السيد بهجت التلهوني،قائلاً يا عبد الله بك،فلما وجهت نظري إليه،سأل قائلاً: هل لك معرفة يا عبد الله بك، أو عندك معلومات عن شخصية تاريخية تدعى (راسبوتين). قال: فصفنت، ثم قلت: والله يا باشا أنني لست متأكداً، ولكنني أعتقد أنه كان رئيساً لديوان القيصر. فضحك الملك حسين ومن في معيته ضحكاً من القلب. إلا بهجت باشا طبعاً. هذه الدسيسة تستهدف رمي أكثر من طرف بهذا الحجر. يستهدف رئيس الأركان صديق الملك آنذاك وكذلك الملكة دينا زوجة الملك. وكانت الملكة الوالدة تشن حملة شعواء على الملكة دينا حتى أقصتها عن العائلة، وتشن حملة على رئيس الأركان والضباط الذين كان دورهم واضحاً خلال إعفاء الفريق (كلوب) من مهامه .
بوادر الإفتراق بين الملك ورئيس أركانه:
إن على القارىء أن يعلم أن ما أذكره هنا يمثل قناعاتي حتى دخولي لسجن المزة عام 1971 في شهر حزيران. وهذه القناعات قد لا تمثل الحقيقة، لأن اللعبة السياسية التي جرت على ساحة الأردن في حينه شديدة التعقيد، مطبوخة في مطابخ المخابرات الغربية وخاصة الإنكليزية، وفيها خلط أوراق وتشويه وتزيين صور اللاعبين الأساسيين على الساحتين السياسية والعسكرية التي قد لا تمثل أدوارهم الحقيقية. لقد أثمر جو الدسائس والمؤامرات الهادف والمستند إلى تحقيق مخطط، بأن بدأ الخلاف بين الملك حسين وبين رئيس أركانه، يتسع وأصبح الملك يحتاط للأمر، وكون رئيس الأركان في تلك الفترة في المركز الأقوى، فهو في حينه لم يكن بحاجة إلى أخذ الحذر والحيطة .
مناورة هاشم:
في هذه الأجواء المشحونة بسوء الظن - جرت مناورة كتيبة المدرعات الأولى، والتي كان اسمها الرمزي (مناورة هاشم)، والتي لا أعرف من هي الجهة التي أمرت بها ووافقت على إجرائها، وهي حسب تقييمي كانت القشة التي قصمت ظهر الثقة بين الملك حسين ورئيس أركانه. أجرت كتيبة المدرعات الأولى التي كان يقودها النقيب نذير رشيد عضو قيادة تنظيم الضباط الأحرار تدريباً عملياً هدفه وضع مفارز مدرعات على الطرق الداخلة إلى مدينة عمان، وكذلك الخارجة منها. لقد قيل حول هذه المناورة الكثير، لكن التفسير الرسمي الذي أعطته الجهات المسؤولة عسكرياً، هو أن هدف هذه المناورة هو معرفة كثافة السير على الطرق المؤدية إلى العاصمة والطرق الخارجة منها،لتتمكن القيادات العسكرية المسؤولة، أي قيادة الجيش وقيادة الفرقة في حينه، في ظرف طاريء مع العدو، توجيه القطعات العسكرية إلى فلسطين من خلال الطرق الأقل كثافة بداية. (الأمر الذي يمكن لدائرة السير أن تقوم به على وجه أكمل) قامت الكتيبة بهذا التمرين في شهر تشرين ثاني عام 1956. وفي طريقها إلى أهدافها التقت طلائعها الملك حسين على (دوار - ماركا) أمام المستشفى العسكري آنذاك. هل كان اللقاء بالمصادفة؟ وما أن رآها مقبلة حتى أدار سيارته عائداً إلى القصر، وفوراً اتصل برئيس الأركان. لا أعرف ما الذي دار بينهما. ولكن لابد لرئيس الأركان أن يعطي سبباً لسير المدرعات باتجاه العاصمة، وطبعاً إذا كان الملك حسين خالي الذهن من أهداف العملية بالمطلق، فجواب رئيس الأركان لن يقنعه،وسيعرف المغزى الحقيقي لهذا،التمظهر بالقوة .







 
رد مع اقتباس
قديم 18-03-2010, 01:18 PM   رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

تقييمي الذاتي ( لمناورة - هاشم):
إنني لم أتحدث عن هذه المناورة خارج إطار أنني علمت بها. وأنني لم أدخل في تقييم معانيها مع أحد حتى مع رفيقيّ شاهر أبو شاحوت ومحمود المعايطة. لماذا لم أفعل ؟ الحقيقة أنني لم أعرف في حينه لماذا؟ لكني الآن أقول أن السبب الأساس ( لعدم مناقشتي لأي وضع أو حدث مثل هذا الحدث وغيره، مع رفيقيّ وصديقيّ، هو الاتجاه الذي اتخذته وقاد الى الانحراف عن الهدف الاساس لتنظيم الضباط ). ومن ثم الانفلات في واقع هذه القيادة الذي قاد إلى تشتتها. فلقد تيقنت بعد إقالة الفريق كلوب، أننا خسرنا المعركة،وأننا ننتظر مصيرنا. ومن هنا فقد كنت عديم الاهتمام بالأحداث وأشعر بأنها أحداث مطبوخة. وكان شاهر ومحمود يعرفان شعوري هذا خاصة بعد واقعة زيارة المباركة لرئيس الأركان.
لقد قلت أنني لم اعلم عن هذه المناورة إلا بعد حدوثها، وبطريقة (غير شرعية)، أي ليست عن طريق أي من رفيقيّ أو أي من الرفاق أعضاء قيادة التنظيم. وهل من المفترض أن أعلم بها؟ وأقول نعم، لأن مناورة الوحدة العسكرية التي يقودها أحد الأعضاء المؤسسين والقياديين في (تنظيم الضباط)، لم تكن مناورة عسكرية على الإطلاق، بل هي مناورة سياسية. الهدف منها إظهار القوة لمصلحة جهة ما! أياً كانت هذه الجهة التي ليس من أهداف التنظيم (أي تنظيم الضباط) دعمها. والأمر الأهم هو تنبيه الأذهان إلى أمر، كنا شديدي الحرص على أن لا يطرح لا من حيث النية ولا من حيث المظهر. وهنا بتقديري تكمن اللعبة،هل كان شاهر ومحمود يعرفان؟ (كنت أضنهما لا يعرفان،حتى قرأت مذكرات الرفيق شاهر الذي يذكر أنه ومحمود يعرفان،وحاولا ثني نذير عن القيام بها إلا أنهما لم يفلحا). وقد سألت محمود في شهر أيار عام 1998 على مائدة غداء، كان طاقمها محمود المعايطة وعزمي مهيار وأنا، سألته إن كان يعلم بهذه المناورة فنفى علمه بها في حينه.فلعبة المناورة هذه لا تستهدف فقط التمظهر بالقوة على الملك حسين ، إن كان هذا الأمر صحيحاً، ولكن مظهر القوة يستهدف إشعار أطراف أخرى في قيادة تنظيم (الضباط الأحرار) وهم الضباط (البعثيون) وخاصة ضباط المدفعية. ففي واقعة إقالة الفريق (كلوب)، كانت الوحدتان اللتان تحركتا حسب الأوامر في حينه هما كتيبتين في سلاح المدفعية يقودها ضباط بعثيون، ومن هنا راجت دعايات مفبركة في مصانع المخابرات الأجنبية وخاصة الإنكليزية. أن هذا الجيش هو جيش البعثيون، بل قالها أحدهم (أي أحد الضباط) قاصداً إسماعي إياها. أن هذا الجيش هو جيش عبد الله الريماوي. وقد أثبت بالفعل أنه كذلك. حينما لم يستطع البعثيين من الدفاع عن مبادئهم ومستقبل وطنهم، من الناحية الشكلية.
لا يمكن لهذه المناورة أن تقوم إلا بموافقة رئيس أركان الجيش، وقائد كتيبة المدرعات. وإذا كان هنالك أطراف أخرى فلا يمكن أن يعرفها إلا الاثنين، من هي هذه الأطراف، وفي أي واد تصب هذه العملية المرتبة؟ وأنا لا أتهم أحداً إلا من كانت له مقاصد واضحة وليس هناك حاجة لتحليل موقفه. أما من ينطبق عليهم القول المعروف (إن في جهنم الكثير من النوايا الحسنة) فهم معذورون. لقد كان رئيس أركان الجيش اللواء علي أبو نوار يتمتع بالمركز الأقوى في الدولة. إلا أن مقاصده لم تكن واضحة على الإطلاق. فهو صديق لرأس الدولة وحليف له، وفي الوقت عينه يعادي أكبر معاونيه، وكذلك يعادي الأقوياء في العائلة المالكة، وأخص بالذكر الملكة الوالدة. وهو ليس صديقاً للحكومة وإنما هو صديق لبعض أعضائها، وأخص بالذكر الأستاذ عبد الله الريماوي وهو على علاقة وثيقة ببعض قادة تنظيم الضباط وأخص بالذكر المقدم محمود المعايطه والنقيب نذير رشيد في حينه. ومع ذلك يعمل على تكتل خاص بالجيش. هذا الواقع المتعارض الذي يخلقه اللواء علي في البناء الفوقي للدولة، يجعل الإنسان يصفن طويلاً ويتساءل عن الأهداف الخفية لهذا السلوك. إنني لا أعرف اللواء علي في حينه معرفة تجعلني قادراً أن أعطي حكماً سليماً حول سلوكه هذا. نعم أعرف المحطات البارزة في تاريخه العسكري. فقد كان عضواً في الوفد العسكري في مفاوضات (رودس) المتهاونة ودوره في الوفد لم يكن ثانوياً. وأعرف أنه كان ملحقاً عسكرياً في السفارة الأردنية في باريس. وهذه المواقع الدبلوماسية تسمح وتعطي الإنسان ميداناً واسعاً للتعاطي مع السياسة خاصة الدولية. وفي تقيمي الذاتي أن سلوكه ذاك أثناء تسلمه قيادة الجيش، كان يستهدف تشتيت القوى والرؤى وخاصة في تنظيم الضباط. والسؤال الذي يطرح نفسه،هل كان يقوم بهذا الدور لمصلحته أم لمصلحة جهات أخرى ؟
الأزمة:
لقد بات واضحاً أن الملك حسين منذ (رسالة الثلج)، قد بيّت النية على إقالة حكومة الأستاذ سليمان النابلسي. وأن البلاد مقبلة على أزمة سياسية ودستورية حقيقية. فإقالة حكومة النابلسي لا تعني العودة إلى اسلوب الحكم في زمن الملك عبد الله، فالواقع قد تغير كثيراً. إنها تعني أسوأ من ذلك بكثير. إن إقالة حكومة الديمقراطية في أضيق نتائجه كان يعني، سلب الحريات القليلة التي تحققت. وتجميع السلطات كلها بيد الملك حسين، كقائد ورمز، ولا أقصد الملك حسين كذات، ولكن أقصد أي ملك أو رئيس يتمتع بنفس الصلاحيات. ويقود واقعنا مثل واقع الأردن في كل أبعاده في حينه، وبعد ذلك حتى اليوموينهج نهجاً سياسياً مطابقاً. قد ثبت بالخبرة والمعرفة خلال هذا المسار السياسي الطويل،أن الاستعمار المباشر هو على كل المستويات أوضح من الاستعمار غير المباشر، من حيث أن الناس عامتهم وخاصتهم يعرفون من يحكمهم، ومن هو المسؤول عن واقعهم المتردي. ويعرفون أن كرامتهم الوطنية مهانة. أما الاستعمار غير المباشر ( وهو الاستعمار الجديد) فهو حالة شديدة التعقيد حتى للإنسان الواعي، فكيف يمكن أن يميزه الإنسان العادي خاصة بعد السقوط في مصيدته. ويصبح بعدها كل وعي على الحقيقة غير ممكن، إلا بعد مرحلة طويلة (تتسم بالتاريخية)، حينها تكون أدوات القمع والإرهاب كفيلة بالسيطرة على هذا الوعي يسود بعدها في الواقع السياسي والاجتماعي الإفساد والفساد والتزوير وتزييف المعاني والقيم، وقلب مفاهيمها ويصبح الدعاة قادرين على أن يجعلوا من الأرانب أسوداً، ومن الاستبداد تقدماً ومن النهب والسلب ضريبة المعركة. هذا الخوف من الردة كان يسيطر على عقول الناس خاصة الجماهير الواعية في الأردن، وهم أكثر أناس الوطن العربي وعياً سياسياً من خلال تماسهم المباشر وعلاقتهم الصميمية بالمشكلة الفلسطينية، وكان التخلي عن حكومة الديمقراطية يعني التخلي عن الديمقراطية، وإدخال الأردن والقضية الفلسطينية ذات العلاقة المباشرة والمتفاعلة معه، إلى واقع أسوأ وأخطر. وكانت تجربة (مصدق في إيران) وانقلاب المخابرات المركزية عليه ما تزال حية في أذهان الناس .

تغيير في مسؤوليات بعض قادة تنظيم الضباط:
في أواخر عام 1956 تم تشكيل اللواء رابع مشاة وأسلحته المساندة. وطبقاً لذلك تم تشكيل كتيبة مدفعية الميدان الخامسة وتعييني قائداً لها، بتنسيب من شاهر الذي كان في حينه قائداً لسلاح المدفعية،كنت برتبة نقيب. وكانت مهمتي إعداد الكتيبة تجهيزاً وتدريباً، كي تصبح وحدة مقاتلة في أسرع وقت ممكن. ولأن الجيش لم يكن يملك من مدافع الميدان سوى إثني عشر مدفعاً هي قوام بطاريتي ميدان. أضيف للكتيبة 2،4 مورتر كانت وحدة مستقلة من ملاك قيادة الفرقة. عناصر هذه البطارية خليط من (البدو والحضر)، والغريب في الأمر أنه تمت إضافة هذا التشكيل لملاك الجيش في الوقت الذي كانت حكومة الأردن تبحث عن مصادر مالية من العرب بديلاً عن المعونة البريطانية.
بعد هذه الفترة بوقت قصير، جرى تغيير جدي في مواقع بعض قادة التنظيم المهمين. فقد تم نقل المقدم أحمد زعرور إلى رئاسة الأركان، ونقل المقدم قاسم الناصر من قائد لإحدى كتائب المشاة إلى مساعد رئيس الاستخبارات العسكرية. وتم نقل المقدم شاهر اليوسف من قائد لسلاح المدفعية إلى قائد اللواء الأول مشاة، وتعيين المقدم محمود موسى المعايطه قائداً لسلاح المدفعية والأهم من هذه التنقلات، هو نقل شاهر من سلاح المدفعية إلى اللواء الأول مشاة،لماذا هذا النقل؟ لم أطرح هذا السؤال على نفسي في حينه. بل سرني أن يقود كل من شاهر ومحمود لواءاً للمشاة وسلاح المدفعية الأقوى فعلاً ووطنية في الجيش. بل أن محمود كان يقود أربعة كتائب مدفعية ميدان مضمونة القاعدة والقيادة. وكتيبة مدفعية (بوفر40مم) ضد الجو. وكان في ذهني أن هذا النقل يجعلنا أكثر قوة،بل جدياً في الموقع الأقوى. ولكن عند تفحص الأمور بعد التطورات التي حدثت، تبين لي أن هذا النقل لا يدخل ضمن مسبباته، عامل تقوية امكانات (قيادة تنظيم الضباط)، فسلاح المدفعية سلاح مهم، بل هو أقوى معاقل الضباط الأحرار. وخاصة البعثيين منهم، وهو يتواجد في الساحة الأهم. وشاهر هو قائد هذا التنظيم، والأكثرية الهامة من قادة التنظيم تتواجد في معسكر الزرقاء. والأمر المؤكد أن أحداً لا يستطيع أن يفرض على شاهر هذا النقل، إن لم يكن متوافقاً مع رغبته. ومحمود كان أقدر من شاهر على قيادة لواء المشاة، لأنه كان مدرباً في الجناح الحربي لتدريب ضباط المشاة. إن شاهر ومحمود وأنا أصدقاء حقيقيون إضافة إلى التزامنا السياسي والعقائدي ورفاق سلاح. وطبعاً كما هو منهج الطبيعة،هناك فروق بين البشر،لقد كان محمود أشجعنا و أقلنا التزاماً. بل ربما لم يكن في تلك المرحلة يعير الفكر والمضمون الحقيقي للبعث اهتماماً بقدر ما يعير السياسة بشكل عام. وكان شاهر يقف في الوسط، وهو حريص على التزامه العقائدي. ولكن حينما يفرض عليه الواقع موقفاً متعارضاً مع فكر البعث متوافقاً مع مواقف قيادته، فهو مع القيادة. أما أنا فالتزامي بأهداف البعث مطلق وقد لا أكون في تلك المرحلة على معرفة بينة بهذا الفكر. ولكن شعار البعث الشهير (في الوحدة والحرية والاشتراكية) كان كافياً ليهبني الموقف السليم. وأنا أضعف رفيقي التزاماً بشخصيات البعث. لقد أوصيت جنودي عام 1954 أن ينتخبوا الأستاذ عبد الله الريماوي حين لم أكن بعثياً ملتزماً، لأنني كنت اقدر مواقفه السياسية قبل أن أتعرف إليه. ولما أصبحت عضواً في حزب البعث وتعرفت إليه ضعف تقديري له. وكنت أقدر الأستاذ ميشيل عفلق تقديراً كبيراً للطريق الذي شقه في واقع صلد، فكراً ونهجاً للإنسان العربي من أجل الوحدة والتحرر. لكن لأسباب عديدة عبر هذا المسار الطويل سأتي على ذكرها في سياق هذه الذكريات،اعتبرت قول ماركس عن نفسه لبعض مريديه (أنني لست ماركسياً،ينطبق على الأستاذ ميشيل عفلق). لقد كان شاهر ومحمود متوافقان في الرأي في تلك المرحلة أي (منذ تغيير الهدف الرئيس لتنظيم الضباط إلى هدف فرعي وحتى اعتقالنا) ولعل هذه الواقعة المهمة لها دلالتها التي تؤكد الحقائق تلك وهي: بعد مناورة كتيبة المدرعات الأولى سابقة الذكر، سيئة السمعة،وبعد سلسلة من التعارضات في الرأي والمواقف، قرر الملك حسين على ما يبدو، التخلص من رئيس أركانه اللواء على أبو نوار. وضمن واقع الجيش في حينه ومراكز القوى فيه، كان يصعب عليه تقدير النتائج. وما كان يستطيع ذلك، إلا إذا اختار شخصية عسكرية معروفة ومدعومة من موقع قوة في الجيش. واستقر رأيه على اللواء محمد المعايطه. القائد السابق لسلاح المدفعية. وكبير مرافقي الملك (على ما أعتقد في حينه). وكان خياره هذا صحيحاً. فهو يستطيع إصابة هدفين بهذا الاختيار، أولهما إمكانية إقصاء اللواء علي أبو نوار من رئاسة الأركان دون مضاعفات خطرة وثانيهما تقسيم الصف الوطني في الجيش وهو هدف مهم بحد ذاته للملك حسين (وحسب الرواية التي نقلت لي) فقد استدعى الملك حسين اللواء محمد المعايطة إلى مكتبه واستقبله وهو يحمل قرآنا كريماً، وبادره بالقول: اقسم على هذا القرآن أنك لن تقول أو تذكر لأحد ما سأطلبه منك. فأقسم اللواء محمد على القرآن،فأبلغه الملك قائلاً له،إنني أنوي أن أعينك رئيساً للأركان،ولكن قبل أن تجيبني على طلبي هذا، إذهب وشاور (هذه الإذهب وشاور تجلب الشبهة) في مدى جدية العرض. وكان المقصود هو إشاعة العرض لا تنفيذه. وطبعاً لا أحد يعرف مصداقية العرض إلا صاحبه. ومعروف من هي الجهة التي أشار إليها الملك حسين في قوله(اذهب وشاور). وكان المقصود في المشورة شقيقه المقدم محمود المعايطة قائد سلاح المدفعية. وقد فعل اللواء محمد ذلك واستشار شقيقه بهذا الأمر. كيف تم الأمر وما هي نتيجة التشاور ؟ أمر لا أعرفه. لكن الذي حدث بعد هذا التشاور،هو أن محمود ذهب لشاهر،وأبلغه الواقعة،فما كان من شاهر إلا أن نقل الواقعة فوراً إلى اللواء رئيس الأركان. الذي ما أن سمع ما قاله شاهر حتى طلب مقابلة الملك بصفة عاجلة، وحين التقاه بادره بالقول، إنك تتآمر علي. هكذا نقلت لي الرواية ولما سمعتها (طار صوابي كما يقال عندنا). قد يستغرب القاريء أنني أمضيت سنيناً في السجن مع محمود وشاهر لم أسألهما حقيقة هذه الواقعة، والسبب في ذلك أنه لدي تصور أخاف حقيقته في واقع مثل واقعنا في السجن آنذاك.هذه الحادثة لو تم التعامل معها باسلوب التحليل والتشاور وتم قبولها،ومن ثم تنفيذها لوفرت علينا الكثير من المتاعب. وبتقديري الشخصي أن الأحداث لن تجري حسب المسار التي سارت فيه.لماذا؟ تصرف محمود هذا التصرف، هل يكره محمود أن يعين اللواء محمد المعايطة رئيساً للأركان؟ أنني أعرف أنه لا يكره ذلك. وأعرف موقع اللواء محمد في نفس محمود. إذاً لماذا رفض محمود الفكرة، وهو قد رفضها بمجرد أن أبلغها لشاهر، ولم يضعها في إطارها السليم الذي سيعطيها أهميتها وبالتالي يكشف هويتها. أي في إطار قيادة تنظيم الضباط، أو اللجنة العسكرية في قيادة حزب البعث التي ستقرر أي المسارات تأخذ.وأنا حين أطلع على الواقعة فإنني لن أتردد في قبول الفكرة، ليس قبولها فقط بل الذهاب بها إلى أحد موقعين أو الموقعين معاً (اللجنة العسكرية وأمين سر القطر) وقيادة تنظيم الضباط. وكنا حينها قد تفحصنا الواقع برمته ووصلنا إلى تقدير حقيقته، والفروق أساسية بالنسبة للوطن ولنا - بين اللواء علي أبو نوار واللواء محمد المعايطة - فاللواء محمد المعايطة هادءى الطبع رتبته تتوافق مع عمره. لا (يلوص) ولا يناور ولا يفرق ولا يساعد في زيادة الطين بله. ولن يسهم في مسرح العرائس القائم في البلد، والذي لم نكن نعرف من يشد خيوطه. وكان سيجعل العدد ينقص (ممثلاً) هاماً على هذا المسرح. هل كان محمود يخاف أن يتهم أخاه بأنه إنسان غير وطني، كونه جاء بديلاً لشخص ظاهر الأمر يدل على وطنيته. لقد صدقت هذه المقولة في بادىء الأمر، لكن حينما نمعن النظر في الأمر تختلف معك المعطيات. فمحمود إنسان ملتزم بأكثر من جهة وطنية، فهو أولاً عضو هام في حزب البعث العربي الاشتراكي وأساسي في اللجنة العسكرية لهذا الحزب،وهو ثانياً عضو هام في قيادة تنظيم الضباط. وواقعة مثل هذه الواقعة، لا يمكن التعامل معها باستخفاف. فعلى الصعيد الشخصي لا يمكن لمحمود أن يعرّض اللواء محمد وقد فعل، لواقع مسيء وفيه حرج كبير بدون رابط مكين يجعله غير قادر على قبول هذه الفكرة. ليس هناك ما يؤخذ على محمود من أنه أبلغ شاهر. فشاهر هو رئيس اللجنة العسكرية للحزب وهو أيضاً رئيس قيادة تنظيم الضباط في الجيش. المأخذ يأتي من تجاوز المراكز التنظيمية المسؤولة عن بحث أمر هام مثل هذا. وفي تقديري الشخصي أن شاهر ما كان يبلغ اللواء علي، لو لم يكن على بينة من موقف قيادة الحزب، أو على الأقل موقف أمين سر القيادة الأستاذ عبد الله الريماوي في حينه.
في هذا الجو السياسي الشديد التعقيد راجت شائعات لا يعرف مصدرها ولا مدى جديتها،منها أن الجيش بقيادة رئيس الأركان سيقوم بانقلاب عسكري، يلغي من خلاله مرحلة الديمقراطية بشكل تام. هذا الاتجاه يتوافق مع توجيهات الملك حسين. لكن الأكيد أن الكثيرين من مستشاريه الداخليين والخارجيين وأهمهم الملكة الوالدة منعوه من الموافقة على هذه الخطوة التي ستجعل من رئيس الأركان صاحب الموقع الأقوى في حال تنفيذها.
أما الإشاعة الثانية والتي بتقديري يمكن وصولها بعد أن يئس رئيس الأركان من موافقة الملك حسين على الخطوة الأولى، وهي قيام رئيس الأركان بانقلاب عسكري بالاتفاق مع قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي الذي سيشكل الواجهة السياسية لهذا الانقلاب. وكان هذا الاتجاه بالنسبة إليّ شديد الخطورة ومتناقضاً تماماً مع فهمي لمعنى البعث. وأنا متأكد أن هذه الفكرة قد طرحت علي، ولكن ليس طرحاً مباشراً للفكرة، ومن بعد مناقشتها. ولكن باسلوب غير مباشر وباسلوب تصيّد الأفكار والمواقف فرفضت هذه الفكرة رفضاً قاطعاً. ما مدى جدية هذه الاشاعات؟ لا أعلم. ولكن من خلال العلاقة الطيبة بين الأستاذ عبد الله الريماوي أمين سر القيادة القطرية للحزب،والتي بقيت طيبة مع اللواء علي أبو نوار رئيس الأركان. لا أستغرب أن تطرح فكرة مثل هذه من بين الاطروحات المتداولة في حينه.
في هذا الجو المشحون بالمؤامرات والدسائس والطروحات غير الوطنية، عقدت قيادة تنظيم الضباط إجتماعها السياسي الثاني بعد إجتماع (السخنة). ناقشت فيه الوضع الخطير الذي يحيط بالبلد،وكان الهدف الأساسي والمتفق عليه (ظاهرياً) من قادة التنظيم، هو حماية الديمقراطية وهذا الموقف شكل عقبة جدية أمام محاولات الغائها. وكان الرفض لكل هذه المحاولات جماعياً (وهذا ما جعل التآمر هو الوسيلة الوحيدة من قبل القوى المضادة للديمقراطية للوصول إلى أهدافها). وحتى توضع الأمور في موقع التوثيق وتكون بينة، طلبت قيادة التنظيم الاجتماع برئيس الأركان. وقدمت له مذكرة تتظمن وجهة النظر التي اتفقت عليها. واجتمعنا في بيت الرائد أديب أبو نوار رئيس أركان اللواء المدرع في معسكر الزرقاء. فقال حين سلمناه المذكرة. أن تنظيم الضباط لم يعد قائماً بعد أن أدى واجبه في عملية إعفاء (الفريق كلوب) من مسؤولياته. لم يدم الاجتماع طويلاً. ما مضمون هذه المذكرة، إن الواقعة قد بعدت ولم أعد أتذكر هذا المضمون، لكنها بالتأكيد أبدت وجهة نظرها حول خطورة الارتداد على الديمقراطية. قد يسأل أحدهم، هل سيحظى رئيس الأركان بدعم دولي لو قام بانقلاب عسكري وتسلم السلطة؟ وأقول أن الملكية في الأردن كانت في اضعف حالاتها في حينه. ولم تكن عقبه يصعب تجاوزها. وقد حدثت إنقلابات عسكرية في العراق وسورية ومصر. فثورة يوليو كانت إنقلاباً عسكرياً وأداتها هذه هي التي منعت تجذرها. والذين يدفعون المساعدات هم الأمريكان،ولا يهم أمريكا في حينه كثيراً وجود الملكية في الأردن. وحتى بعد إثني عشر عاماً من ذلك التاريخ كان الأمريكان يظنون أن زوال الملكية في الأردن يسهل عملية التسوية في الإقليم. أما الذين كانوا وما زالوا حريصين على الملكية في الأردن فهي بريطانيا،أما الحاجز الذي كان ينتصب أمام رئيس الأركان في حينه لو كانت له نية حقيقية للوصول إلى كامل السلطة فهي العوامل التالية :
· تنظيم الضباط حتى وهو في أضعف مراحله. كان يعني وحدة الجيش.
· الشارع الوطني وقواه السياسية .
· النفوذ الإنكليزي المستتر والقوي في تلك المرحلة (وهو الأهم).
إن الخلاف بين القيادات السياسية أو العسكرية، الذي استطاع أن يخلق تعارضات وتناقضات على الساحة لسياسية والعسكرية بين مراكز القوى، جعل المبادرة ضد النظام. إن باتجاه تغييره، أو باتجاه الحفاظ على الديمقراطية وجعلها خياراً دائماً، أمراً بالغ الصعوبة .
إقالة حكومة الديمقراطية وهزيمة المرحلة:
في الأسبوع الأول من شهر نيسان على ما أذكر أرسل الملك حسين رئيس ديوانه السيد بهجت التلهوني إلى رئيس الوزراء السيد سليمان النابلسي-رحمه الله-. ليطلب إليه تقديم استقالة حكومته. فقام رئيس الوزراء بتقديم استقالة حكومته إلى الملك. الذي قبلها، وطلب الاستمرار في الحكم إلى أن يتم تشكيل الحكومة الجديدة. والأمر الأكيد أن القوى المضادة للديمقراطية المتخندقة في خندق الملك،قررت أنه حان الوقت لكنس هذه المرحلة وأنهم قد أكملوا استعداداتهم. وأن ما استهدفوه من مرحلة الديمقراطية قد أعطى مردوده المتوخى. على ماذا اعتمدوا في هذا التصور؟ اعتمدوا على العوامل التالية :-
‌أ. حقوق الملك الموجودة في الدستور .
‌ب. الضباط المنظمين لمصلحة الملك وهم كثيرون في الجيش الذي بقيت بنيته الموروثة من عهد (كلوب) سليمة .
‌ج. موقف رئيس الوزراء الذي يقر بحقوق الملك الدستورية، وعلى التناقض الموجود داخل الحكومة .
‌د. عدم وحدة القوى السياسية المستهدفة.
‌ه. الدور الذي قام به رئيس الأركان بعزل القوى الفاعلة بالجيش عن بعضها البعض ومن بينها تنظيم الضباط .
والأهم هو انحراف قيادة تنظيم الضباط عن هدفه الأساسي للتنظيم، وهو تغيير النظام إلى هدف فرعي هو تعريب الجيش. الأمر الذي قاد إلى تشتيت وحدة الرؤيا والالتزام. وإلى الاجتهاد ومن ثم التشتت بين مراكز القوى، وأهمها القصر ورئاسة الأركان. وأخيراً وقوف بعضهم في صف القوى المناهضة للديمقراطية، بل والدخول في صلب المؤامرة واقعياً،أما مظهرياً فهم في صف الحركة الوطنية.
الحكومة تقدم استقالتها :
فور الإعلان عن تقديم حكومة الأستاذ سليمان النابلسي استقالتها وقبول الملك هذه الاستقالة، التقى بعض قادة تنظيم الضباط في غرفة منعزلة في نادي ضباط الجبش في الزرقاء. ولم يكن النصاب مكتملاً،وقد تحادث المجتمعون في الوضع السياسي بعد استقالة الحكومة وكيفية مواجهة هذه الحالة. وتقرر في حينه أنه لابد من اجتماع يكتمل فيه النصاب في أقرب وقت ممكن. واختير أن يعقد الاجتماع المقبل للقيادة في منزلي بمساكن الضباط في معسكر الزرقاء. وفي أحد الأيام الثلاث التي تلت اجتماع نادي الضباط، عقد الاجتماع في منزلي. وكان النصاب مكتملاً والحضور هم:
1) المقدم شاهر اليوسف 2) المقدم أحمد زعرور 3) المقدم محمود المعايطة
4) الرائد تركي الهنداوي 5) الرائد شوكت السبول 6) النقيب نذير رشيد
7) النقيب جعفر الشامي 8) النقيب ضافي الجمعاني.

وكان الغياب هم المقدم:
1) قاسم الناصر معاون المخابرات العسكرية
2) النقيب غازي العربيات الذي كان في دورة في بريطانيا
3) النقيب عبد الله قاعد والنقيب مازن العجلوني (مرافقا للملك).
وكان المجتمعون يمتلكون القوة الكافية لمواجهة أي تحد لرؤياهم الوطنية، لو كان الالتزام بهذه الرؤيا صادقاً. وكان سلاح المدفعية الذي يقوده محمود، كافياً لوحده أن يفرض القرار الذي يتخذه هؤلاء القادة. وهو معد لهذه المهمة قاعدة وقيادة. وقد نوقش الوضع مناقشة حادة انحصر على ضوئها النقاش في موضوعين كانا حصيلة هذا النقاش الطويل،وهما :
أ‌) أخذ زمام المبادرة والعمل على تغيير النظام،أي العودة إلى المنطلق.
ب‌) اجبار الملك حسين على احترام إرادة الشعب وخياراته وإعادة الحكومة الوطنية إلى وضعها الطبيعي لتمارس مسؤولياتها.

وعند بحث الخيار الأول وهو الإطاحة به، انتصبت أمامنا المخاطر التالية: أ) دولة إسرائيل، وكان هذا الخطر هو العامل الحاسم الذي منعنا من الإقدام على الإطاحة بالنظام،خوفاً من استغلالها للواقع والاستيلاء على ما تبقى من فلسطين في يد الأردن (أي الضفة)، وحينها لن يوجد في هذا العالم وخاصة في الوطن العربي وشعب فلسطين الذي هو قاعدة الحركة الوطنية في الأردن في حينه، من لا يقول عنا أننا خونة مغامرون باعوا أنفسهم للصهيونية. هذا العامل الحاسم جعلنا نختار الطريق الأصعب، لأنك حينما تقرر الإطاحة بالنظام ووسيلتك لهذا الفعل تمسكها بيدك، كما تمسك عصاك، فما عليك بعد القرار إلا المبادرة، خاصةً وقد أعطاك صاحب السلطان المبرر، وأنت مجتمع لتقرير كيفية مواجهة هذا الأمر، وهو إقالة حكومة وطنية تستند إلى شرعية ديمقراطية.
والعامل الثاني الذي ورد خلال مناقشة موضوع الإطاحة بالنظام هو وجود العائلة الهاشمية في العراق، وعلى راس السلطة في حينه السيد نوري السعيد، وكان للجيش العراقي متواجداً على الحدود الأردنية العراقية، وهناك سابقة قد يأخذ نوري السعيد منها مبرراً لتدخله، وهي أن الجيش الأردني بقيادة (كلوب) قد تدخل ضد ثورة مايس 1941 التي أطاحت بعبد الإله ونوري السعيد إلى حين تدخل الإنكليز ضدها.
وهكذا فقد فرض علينا العامل الإسرائيلي الخيار الأصعب، لأنها حالة تفرض الانتظار. فالملك كان يعلن ويقول أنه لا يستهدف الديمقراطية. ويقول أيضاً أنه لا يستهدف حتى أعضاء الحكومة، ولكنه يستهدف رئيسها، لأنه غير منسجم في العمل معه. وحتى يسند القول بالفعل، كلف الأستاذ عبد الحليم النمر الحمود نائب رئيس الوزراء، نائب الحزب الوطني الاشتراكي بتشكيل الحكومة. وكنا نعي هذا الاسلوب (الباطني) (تعلن خلاف ما تنوي) في العمل السياسي، خاصة لدى الحكام الذين يسعون لتحقيق رغباتهم المتعارضة مع إرادة الناس.
وكانت مناورة الملك تهدف إلى إفراغ الشحنات في الواقع السياسي واطالة أمد المناورة لخلق الثغرات في واقع متراخٍ. وهكذا لم يبق أمامنا إلا الخيار الثاني، وهو فرض إعادة الحكومة لتمارس مسؤولياتها. وعند مناقشة الأمر وكيفية تحقيق هذا الهدف وجدنا أن لا مجال إلا باستعمال القوة أو على الأقل التهديد بها من واقع واضح. ولهذا تقرر اسلوب العمل التالي، تطويق القصر الملكي، وتوجيه إنذار إلى الملك يقضي بإعادة الحكومة كي تمارس مسؤولياتها في الحكم. وكان لدينا خارطة لمدينة عمان،درسنا خلالها الطرق التي تقود إلى محيط القصر، وكلف النقيب نذير رشيد قائد كتيبة المدرعات الأولى والنقيب ضافي الجمعاني قائد كتيبة مدفعية الميدان الخامسة، بوضع الترتيبات اللازمة وإعداد القوات التي ستنفذ هذه المهمة حين صدور الأمر. وقد قدمت اقتراحاً يقضي بحبس رئيس الأركان ضمن المهمات المعطاة لنذير ولي. ولم يكن هناك حماس لهذا الاقتراح، ولكن إصراري جعل المجتمعين يكلفون نذير بالمهمة، وكان نذير واضح الحرج. هذا ما قررته (قيادة تنظيم الضباط الأحرار). هذا هو الموقف الظاهري على الأقل، أما المواقف المستوره التي قادت إلى فشل تطبيق هذا القرار فعلمها عند أصحابها. وفي الدوائر المعادية للديمقراطية.
وبعد أن انتهينا من تقرير هذا الأمر الهام ومواجهة هذا الواقع الصعب. كان المجتمعون ضباطاً شباباً قليلي الخبرة السياسية، ولو أن تجارب بعضنا مع القضية الفلسطينية مباشرة وعميقة، وكان أكبرنا سناً المقدم محمود المعايطة. أما الباقون فكان أغلبهم لا يتجاوز الثلاثين عاماً، خبرتنا السياسية قليلة وحديثة. نحتاج إلى ناصحين وخبراء مخلصين عارفين. وفي كل ساحات العالم الثالث كانت الأحزاب السياسية ورجال السياسة دوماً يبحثون عن سند وحلفاء لهم في جيوش هذا العالم، إلا في تنظيم الضباط في الجيش الأردني،كان السياسيون يبتعدون عنا،حتى والأزمة على أشدها .







 
رد مع اقتباس
قديم 21-03-2010, 03:49 PM   رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

بعد أن انتهى اجتماعنا طلب شاهر مني أن أذهب معه إلى عمان. فركبت وإياه بسيارته التي قادها بنفسه واتجهنا إلى نادي عمان،وهو نزل كبير كان يملكه أحد أعضاء الحزب الوطني الاشتراكي من (آل المعشر). وهناك التقينا الأستاذ عبد الحليم النمر الحمود نائب رئيس الوزراء، نائب رئيس الحزب الوطني الاشتراكي، التقيناه في صالة الجلوس التي لم يكن بها أحد سوانا. وبعد أن شربنا القهوة بمعيته، تحدث الينا عن المحاولات الجارية لتفريق الصف الوطني. وقال ما معناه أننا في الحكومة متماسكين، أما الحكومة وعودتها برئيسها وممارسة مسؤولياتها وإما، وأشار بيديه الاثنتين إلى الأمام ودفعهما باتجاه الطاولة. الأمر الذي يعني وإما الطاولة وما عليها. بعد الحديث الجدي والواضح والواثق، ودعنا الأستاذ عبد الحليم -يرحمه الله- وخرجنا. والغريب أنني لم أناقش مع شاهر هذه الاشارة الواضحة التي صدرت عن الأستاذ عبد الحليم، لماذا ؟ لأن شاهر لم يصطحبني في هذا الوقت المتأخر من الليل للمقابلة هذه، إلا من أجل أن أسمع وأرى ما قاله، وما أشار إليه الأستاذ عبد الحليم. لماذا لم أناقش شاهر في هذا الامر؟ لأنني كنت أعلم أن الأمور تقرر خارج أطرها المسؤولة. وحديث الأستاذ عبد الحليم وإشارته يدلان دلالة بينة أن هناك جهة ما في الجيش، أقنعت هذا الرجل الوطني الطيب أنها (ستقوم بقلب الطاولة وما عليها)، إذا لم يعد الملك الحكومة لممارسة مسؤولياتها. من هي هذه الجهة؟ لا أدري، لكن هناك موقعين في الجيش يمكنهما تقرير موقف كالموقف الذي أبلغ للأستاذ عبد الحليم، وربما إلى رئيس الحكومة. والدفاع عنه، وهذان الموقفان هما ( قيادة تنظيم الضباط ). واللجنة العسكرية لحزب البعث العربي الاشتراكي. ولم يكن أي منهما قد قرر موقفا قبل اجتماع ( قيادة تنظيم الضباط ) الذي غادرناه شاهر وأنا مباشرة لمقابلة الأستاذ عبد الحليم الذي استمعنا إليه،ولم نسمعه أية كلمة حول ما قررناه. والسؤال حينها هل كان هناك حديث مسبق بين بعض الأعضاء البارزين في الحكومة، وبين بعض قيادتي تنظيم الضباط حول ما قررناه؟ لا أعرف، ولكن حدوث إمكانية مثل هذه ممكنة. هل كان شاهر بين القادة الذين أعطوا الأستاذ عبد الحليم الانطباع الذي بينه بإشارته الواضحة. وما قاله وأشار إليه الأستاذ عبد الحليم يتوافق تماماً مع قرار قيادة تنظيم الضباط؟ وجاء بي معه لمقابلة الأستاذ عبد الحليم ليقول له أننا إتخذنا قرارنا هذا منطقياً هذا ممكن أما اللجنة العسكرية للقيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، فإنها حتى حينه لم تجتمع رسمياً لا بالقيادة القطرية ولا بالأمين القطري لتقييم الواقع وتقرير الموقف منه، أو على الأقل، فأنني شخصياً لم أدع إلى مثل هذه الاجتماعات حتى ذاك الحين كما ذكرت.
المهمة الحاسمة:
بعد يومين أو ثلاثة أيام من اجتماع قيادة تنظيم الضباط،واتخاذ هذه القيادة قراراً بالتصدي لقرار الملك حسين بعزل الحكومة وكذلك بعد مقابلة شاهر وأنا للأستاذ عبد الحليم النمر، جرى لقاء أخر هام جداً. فمنذ التزامي رسمباً بحزب البعث العربي الاشتراكي في منتصف عام 1956 بعد إقالة الفريق ( كلوب ) وقسمي اليمين الحزبي أمام الأمين القطري الأستاذ عبد الله الريماوي في منزل الرفيق شاهر أبو شاحوت -يرحمه الله-. وبعدها تعييني عضواً في اللجنة العسكرية للقيادة القطرية لم تدع هذه اللجنة للاجتماع كما ذكرت. في ذلك اليوم أبلغني شاهر، قائلاً لي: أننا مدعوون أنا وأنت ومحمود للاجتماع بالقيادة القطرية في عمان، فهناك وفد من القيادة القومية، موفد لإطلاعنا على رأيها فيما يخص الواقع بالأردن. سألت شاهر حينها، هل لديك إطلاع على مضمون هذا الرأي؟ فقال لي أنهم ينصحوننا بعدم التعرض على نظام الملك حسين. فدهشت ولكني لم أعلق. سافرنا إلى عمان. وواضح أن شاهر كان لديه إطلاع مسبق على مهمة الوفد قبل اجتماعنا رسمياً بالوفد. فقد اصطحبني إلى فندق ( فيلادليفا )، وهناك التقينا الأستاذ عبد الفتاح الزلط أحد شخصيات الحزب، والعضو البارز في جناح الأستاذ أكرم الحوراني، والمقدم مصطفى حمدون الضابط المعروف في الجيش السوري، الذي قاد تمرده واستيلاؤه على إذاعة حلب، إلى سقوط نظام أديب الشيشكلي. وكان بصحبتهم الأستاذ أمين شقير عضو قيادة قطر الأردن. وكان واضحا أن الهدف من هذه الزيارة هو ما قاله شاهر (فوُسومها على إخشومها)، أي أن الوشم على الخشم. فشخصيتان مثل شخصيتي المقدم حمدون وبلباسه العسكري والأستاذ عبد الفتاح الزلط، يظهران علنا وفي ظرف مثل الظرف القائم آنذاك في الأردن. وينزلان فندق (فيلادليفيا). مزار عْلية القوم وكبار رجال الدولة وأجهزتها وأجهزة من هم خلفها.لابد وأن تكون مهمتهم معلومة ومعروفة وأنها تجري لمصلحة الملك ونهجه السياسي. من فندق (فيلادليفيا) انتقلنا فور وصولنا إلى منزل السيد أمين شقير، ووجدنا هناك الأستاذ عبد الله الريماوي أمين سر الحزب في الأردن، والأستاذين عبد الله نعواس وسليمان الحديدي، عضوي القيادة القطرية، والمقدم محمود المعايطة. وبعد أن أخذ كل مكانه في الجلسة، بدأ الأستاذ عبد الفتاح الزلط حديثه المطول، ولم يتحدث في هذه الجلسة غيره. وكان حديثه منصباً في معظمه عن البعث وأهدافه، وشعاره في الوحدة والحرية والاشتراكية، مستهدفاً تبرير أهداف مهمته بفكر البعث وعقيدته. ولم أنتبه كثيراً لهذه التبريرات. فأنا منذ عرفت مضمون مهمة الوفد من شاهر أصابني امتعاض شديد. وكرهت الاستماع لما كان يقوله. ولكنه وهو يتحدث عن مضمون شعار لبعث تجاوز الحرية في الشعار قافزاً من الوحدة إلى الاشتراكية. فقاطعته متسائلاً والحرية، فأجابني ( بقفا يده ) كما يقولون عندنا، ولم يعر مداخلتي أي اهتمام. وبعد أن أنهى الأستاذ الزلط حديثه. انتهى اللقاء. ولم تجر مناقشة أو سؤال أو تساؤل من أي نوع. مما يعني أن المهمة معروفة لأعضاء قيادة قطر الأردن ولأعضاء اللجنة العسكرية ما عداي. والاجتماع تبريري أمام الصقور (كما يقولون) من كوادر الحزب المدنية والعسكرية. والفارق بين موقف قيادة تنظيم الضباط (بغض النظر عن ما يظنه بعض القياديين ) وموقف قيادتي حزب البعث العربي الاشتراكي، القطرية والقومية. هو أن قيادة تنظيم الضباط تجنبت الإطاحة بالنظام للمخاطر التي ذكرت. لكنها قررت التصدي لمحاولة الملك حسين إلغاء النهج الديمقراطي. لأنها تعلم علم اليقين معنى هذا الإلغاء. فهي تعرف المخاطر التي تترتب عليه وطنياً وذاتياً. أما قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي،فإنها لم تعط البديل لكوادر الحزب السياسية والعسكرية عن الاستسلام لسلطةٍ لا أقول عنها، سوى أنها غير ديمقراطية. هل كانت قيادة تنظيم الضباط أكثر وعياً من قيادتي حزب البعث؟ وأقول (طبعاً لا). لقد حرض حزب البعث العربي الاشتراكي (في سورية) (وأقصد قيادته)، على العديد من الانقلابات العسكرية فيها. وشارك في سلطة أول انقلابين عسكريين بعد الاستقلال. صحيح أنه اختلف معهما بعد ذلك، ولكن بعد ماذا؟ بعد أن قام الانقلابيون بالمهمات التي من اجلها جاءوا. وكلنا يعرف الآن أن الانقلابات العسكرية في ذلك الحين وفي العالم الثالث خاصة، تأتي لتقوم بدور مرحلي على الصعد الداخلية والخارجية والاقتصادية. وهذا الطرف من الحزب الذي كان موغلاً في العمليات الانقلابية تلك. يتقدم إلينا بنصائحه (بل أوامره) أن لا نتعرض لنظام الملك حسين. ونحن لم نكن في واقع التعرض على النظام، بل كنا في حالة دفاع عن أنفسنا وعن وطننا وتطلعاتنا المشروعة. ألا يجعل هذا الواقع الإنسان يفكر طويلاً ويتساءل، إلى أين كانت تصل امتدادات بعض القادة الذين كانوا رموزاً كبيرة يتمثلها المناضلون المؤمنون؟!
هناك مفارقة لابد للقارىء المهتم أن (يصفن) بها تتعلق بالرفيق شاهر أبو شاحوت. فالرفيق شاهر الذي كان في حينه رئيساً ( لتنظيم الضباط ) ومن موقعه هذا ترأس الاجتماع الذي تقرر فيه التصدي لمحاولة الملك حسين في الارتداد عن الديمقراطية. وهو الذي اصطحبني بعد هذا الاجتماع لسماع رأي شخصية بارزة في الحكومة. هذا الرأي الذي يتوافق ومنطلق الضباط وقرارهم. والآن هو وكل أعضاء اللجنة العسكرية التي هو رئيسها ومعهم أمين سر قيادة الحزب يستمعون لوفد قيادة الحزب العليا. الذي يحرم على الحزب، بكادره المدني والعسكري الدفاع عن وطنه وذاته، أمام هجوم الملك حسين على الوطن وناسه. ويتساءل المرء عن المعنى الحقيقي لهذا الأمر، فالحزب جزء من واقع وطني، يشارك في مسؤولية الدفاع عنه، ودوره أساسي في هذه المسؤولية. كيف يمكن أن يتخلى عن مبادئه وشركائه وناسه بهذه البساطة؟ وما هي الكلمة الصحيحة والدقيقة التي يمكن أن تعبر عن المعنى الشامل لهذا الموقف. وهنا سيسأل أحد القراء، طالما أنك معارض ومتناقض تماماً مع كل هذا، لماذا لم تبادر إلى معارضة أو على الأقل كشفه ؟! وهذا سؤال مشروع،فأقول معارضته من،ومع من؟ وكشفه لمن؟ فالواقع تآمري،شللي،وقد عرفته منذ أن تغير الهدف الأساسي لتنظيم الضباط، خاصة بعد أن كشفنا أنفسنا كتنظيم في عملية إقالة الفريق (كلوب). فقد شعرت حينها أننا خسرنا المعركة، وأننا فقط ننتظر مصيرنا. وسأورد واقعة هي شاهد موثوق على قناعتي هذه. زرت والمقدم محمود المعايطة في القيادة العامة لجيش. والتقينا بعضو قيادة التنظيم النقيب غازي العربيات الذي كان في حينه يحتل موقعاً مهماً في الاستخبارات العسكرية (بعد خروجنا من السجن انتسب للمخابرات برتبة رائد،أصبح في أواخر السبعينات مديراً للمخابرات العسكرية،ومن ثم مديراً للأمن العام)، وكانت فترة أعياد الميلاد (1956 - 1957). لم نجلس ووقفنا نتحدث، وخلال هذا الحديث، قال غازي لنا:أن بين الزائرين لعوائلهم في الأردن من الأرض المحتلة بمناسبة الأعياد شخص بعمل لحسابنا. ولقد اجتمعت به. فأخبرني أن الإسرائيليين اتصلوا به قبل قدومه إلى هنا ( أي إلى الضفة الشرقية)،وطلبوا منه،قائلين له:إذا تعرفت على ضباط في الجيش الأردني، أو تعرف ضباطاً هناك. اعرض على من تلقاهم إقامة تنظيم عسكري من أجل القيام بانقلاب، وهم يوصون بالاهتمام بالضباط البارزين. وأكمل غازي إقصوصته هذه، بأن عرض على المقدم محمود القيام بهذا الدور. فراعني هذا العرض. ولكن كان ذهولي كاملاً عندما قبل محمود هذا العرض. فقلت له بالحرف الواحد: ( أما أنك واحد أبله حقيقي) بدلاً من أن تحاكم بتهمة الوطنية،تحاكم بتهمة العمل لصالح إسرائيل. وهذه كانت قناعتي لأنه لا مفر من ذلك، فجميع الطرق في حينه كانت مغلقة طبعاً. تبين لي من خلال تذكري الدائم لهذه الواقعة أن (الحدوثة) هذه مختلفة. وهدف خلقها وطرحها بهذا الاسلوب المشترك بين (محمود وغازي)، هو إقناعي أن أي انقلاب ضد نظام الملك حسين،يصب بالتالي في طاحونة إسرائيل.
إن الموقف الذي وقفته قيادة الحزب القومية (إن كان متوافقاً أو متعارضاً مع موقف قيادة قطر الأردن) تجاه الواقع السياسي في الأردن حينه. وما سبقه من مواقف سياسية لها في سوريه، وتجاه الواقع العربي وما تلاه بعد ذلك من مواقف. وصولاً إلى قيادة (صدام حسين). يدل دلالة لا لبس فيها ولا غموض، أن قيادة الحزب التاريخية لا تعلم كيف تطبق فكر البعث على الواقع. وكيف يمكن أن تحقق هدف البعث (في الوحدة والحرية والاشتراكية) بالممارسة. وكانت ممارستها متعارضة في كثير من المواقف الحاسمة مع فكر الحزب. إن الفكر وحده لا يوصل إلى الهدف، بل أنه قد يشكل مصيدة لكثير من المناضلين المؤمنين من كوادر الأداة وجماهير الناس، إذا تولته قيادة ليس لها علاقة بهذا الفكر. بل قد تكون عبئاً عليه. ولدينا أمثلة حية في هذا الميدان من هنا، من موقف قيادة الحزب هذا، والذي بالتأكيد كان معروفاً للملك حسين ومعاونيه. الأمر الذي جعله شديد الاطمئنان لأن البعثيين هم العقبة التي لا يمكن تجاوزها باتجاه لا وطني في الجيش في حينه. هو الذي جعله بموكبه غير المسلح إلا بصفته الملكية، يقتحم معسكرات الزرقاء، معقل تنظيم الضباط،والبعثيين خاصة الذين يسيطرون على أقوى أسلحة الجيش.
انفجار الأزمة:
إن الأحداث التي وقعت ليلة 12-13-4-1957 تدل أن الملك حسين ومن يعاونه ويؤيد اتجاهه السائر فيه من القوى الخارجية، وخاصة الإنكليز. فهم منذ مسرحية إعفاء الفريق كلوب، كانوا ينفذون برنامجاً معدة مراحله. يساعدهم في ذلك بنية الجيش التي لم يجر عليها أي تعديل جدي.
جاء في شهادة رئيس الوزراء الأسبق السيد سعيد المفتي، التي أدلى بها أمام المحكمة المنعقدة لمحاكمتنا. قال: اتصل بي اللواء رئيس الأركان. وقال لي: أن ضباطاً عندي يرغبون في مقابلتك. فتوجهت إلى منزله، ولما وصلت لم أجد ضباطاً. فسألته أين هم الضباط؟ فقال: أنهم لم يأتوا. ولكنهم طلبوا إليّ أن ألقاك. وأطلب منك مقابلة الملك حسين لتنصحه بإعادة الحكومة لممارسة مسؤولياتها. وأنا أورد الجزء الأهم من هذه الشهادة لأبين للقارىء نموذجاً من أساليب الفعل الذي يواجه به رئيس الأركان الأزمة. أما الواقعة الأهم فهي أن رئيس الأركان طلب مقابلة الملك، وحينما التقاه قال له: إنني انصح جلالتكم بإعادة الحكومة وتمكينها من ممارسة مسؤولياتها. فرد الملك حسين بالإنكليزية متسائلاً: (Is this an aultimatuem) (هل هذا إنذار)؟ فأجاب اللواء علي بالإنكليزية أيضاً ( I am afraid it is so )، وبعد أن انتهى اجتماع الملك ورئيس الأركان، بادر الملك حسين لتنفيذ ما أعده ليوم مثل هذا. فأرسل رسله إلى الوحدات العسكرية في معسكرات الزرقاء التي كانت ميداناً لنشاط دعاته وأهمها لواء المشاة الأول (لواء الأميرة عالية ) الذي يقوده المقدم معن أبو نوار، وكتيبة المدرعات الأولى التي كان يقودها النقيب نذير رشيد،عضو قيادة تنظيم الضباط الأحرار. إذا كان الملك حسين وصفه قد استعدوا ليوم مثل هذا. فما هي الاستعدادات التي قام بها رئيس الأركان لموقف هو اختاره سوى (التبجح والصلف)، (أما كان الأجدى باللواء علي إن كان موقفه هذا صادقاً) أن يلتقي الضباط القادرين في الجيش الذين يعرفهم جيداً،ويطلعهم على نواياه وخطواته باتجاه إعادة الحكومة والحفاظ على الديمقراطية. خاصة وأن هذا الموقف يتطابق تماماً وقرارات قيادة تنظيم الضباط. وهو حينها لن يجد صعوبة إطلاقاً في تحقيق ما يطلبه. إلا أناللواء رئيس الأركان،بعد أن ساهم هو رئيسياً في تشتيت الرؤيا الموحدة لتنظيم الضباط، وسيد روح الشك وأعتمد بعضهم لتنفيذ غاياته، كارهاً أن يربط نفسه بموقف جدي. ويلزم نفسه بنهج وفهم صحيح وواضح. كان يريد أن يلعب من خلال علاقات فردية وشخصية على حبال كل مراكز القوى. وحينما جد الجد لم يجد حبلاً يتعلق به. ففي (لواء الأميرة عالية ) حرض بعض الضباط جنودهم، وأشاعوا بينهم أن هناك انقلاباً عسكرياً على الملك يقوده علي أبو نوار. وأبرز هؤلاء الضباط إثنان من بني صخر أحدهما من اخضير وهو الملازم الثاني بادي عواد، والأخر من الغبين وهو الملازم فهد مقبول. وقاد هؤلاء الضباط جنودهم إلى مستودعات السلاح للاستيلاء عليها. إلا أن بعض الضباط ومن بينهم ضباط موالون للملك، وأذكر منهم في حينه النقيب عواد الخالدي. وقفوا حائلاً بينهم وبين ذلك. وبعد أن لم يستطيعوا الاستيلاء على السلاح، ساروا مشاة يحملون في أيديهم أية أداة يعثرون عليها حيث ساروا متظاهرين من منطقة ( خو ) باتجاه مدينة الزرقاء. وكان تعداد هؤلاء الجنود يتراوح بين ( 300-400). وكانت الحالة الأخطر والأكثر استدعاء للتساؤل هي حالة كتيبة المدرعات الأولى التي أعطيت الواجب الأهم في حالة تنفيذ قرار قيادة تنظيم الضباط، إجبار الملك حسين على إعادة الحكومة لممارسة مسؤولياتها.
بعد رحيل الضباط الإنكليز مباشرة، تسلم الشريف ناصر بن جميل، شقيق الملكة الوالدة. قيادة كتيبة المدرعات الأولى، وكان حينها برتبة رائد. وكان النقيب نذير رشيد مساعداً له. والشريف ناصر والنقيب نذير هما خريجا الكلية العسكرية في بغداد، ولا أعرف إن كانا قد التقيا هناك. وبعد عدة أشهر من قيادته للكتيبة ترك الشريف ناصر الكتيبة لواجبات أهم. فتسلم قيادة الكتيبة منه مساعده النقيب نذير رشيد (عضو قيادة تنظيم الضباط الأحرار). كان الشريف ناصر قدير على استمالة من هم في معيته، وخاصة إن كانوا غير محصنيين ضد الاغراءات، فهو قادر على بناء علاقات مع مختلف المستويات ضباطاً، وضباط صف، وجنود، فهو يغدق ويهدي من في معيته، ويتعامل مع جنوده باسلوب متواضع ومتهاون. ووحدة عسكرية مثل المدرعات الأولى، جميع منتسبيها من البدو - فلسطينيون وأردنيون - وبدو خارج الديرة. وكان ضباطها من صغار السن والرتبة. فأعلى رتبة في الكتيبة في حينه كانت رتبة نقيب، يساعده ملازم أول. وقد ظهر فيما بعد أن الشريف ناصر، لم يترك كتيبة المدرعات الأولى، إلا بعد أن تأكد أنها باقية في أمرته. هذه الحقيقة تدل على التقرير الذي يقول أن الملك حسين ومن يشيرون عليه، بدأوا العمل مباشرة بعد (إقالة الفريق كلوب) من أجل الاستئثار بالسلطة كان صحيحاً. ولا بد من التذكير هنا أن هذه الكتيبة (أي كتيبة المدرعات الأولى)، هي صاحبة المناورة الشهيرة (بمناورة هاشم ) سيئة الصيت، ذات الأهداف المتعددة الشبهة. ومع كل هذه المواصفات التي ذكرت، قام النقيب نذير رشيد قائد الكتيبة بعمل لا يمكن أن يقدم عليه ضابط متآمر، بغض النظر عن موقع هذا الضابط، إن كان مع الوطنية والديمقراطية أو مع الاستعمار والملكية المطلقة. فالمتآمرون حذرون إن كان فيما يتعلق بأهدافهم، أو وسيلة واسلوب تحقيق هذه الأهداف. فهم لا يعلنونها ولا يصدرونها كأوامر. فأنت كقائد وحدة لها مهمة تتعلق بواجبات غير مشروعة أو حتى ضابط في وحدة كما حدث مع محمود ومعي قبيل إعفاء الفريق (كلوب)، تبادر فوراً إلى جمع جنودك وتركبهم سياراتهم وتجعل ضباطك المؤيدين لخطك يقودونهم إلى هدفهم. إلا أن ما قام به النقيب (نذير رشيد) عضو قيادة تنظيم الضباط الأحرار كان أمراً شديد الغرابة، شديد الشذوذ عن منهج المتآمرين. بعد أن اتخذت قيادة تنظيم الضباط قرارها، وكلف النقيب نذير رشيد والنقيب ضافي الجمعاني. قائدي كتيبتي المدرعات الأولى وكتيبة مدفعية الميدان الخامسة. بالإعداد الواجب لتنفيذ هذا القرار، هذا التكليف. يضع علينا نحن الاثنين (أي نذير وضافي) مسؤولية تنفيذ القرار. حينما لم يعد هناك لبس في موقف الملك حسين تجاه الحكومة الوطنية، حينها من الطبيعي أن نجتمع نحن الاثنين، ونقرر كيفية العمل لتنفيذ هذا القرار، والذي أجريته أنا من استعداد لهذه المهمة، هو أنني كلفت أحد ضباطي الموثوقين وهو الملازم خالد أبو فرجه باستطلاع الطريق من جسر محطة عمان وحتى دارة السفير البريطاني القديمة والتي تقع إلى الشمال وقليلاً إلى الشرق من قصر بسمان، وهل هي صالحة لسير السيارات التي تجر المدافع. فأبلغني أنها صالحة ولقد قررت بناءً على معرفة سابقة أين الموقع الذي ستحتله الكتيبة وأية قوة مضافة تستدعي الظروف إشراكها. ومن المفترض أن يكون نذير قد فعل الشيء نفسه قبل اجتماعنا المرتقب لنضع الخطة اللازمة لقواتنا المشتركة. إلا أن نذير قام بفعل شيء مختلف تماماً مع أنه في حقيقته مكمّل (لمناورة هاشم). فقد أقدم على أمر لا يمكن قبوله بحسن نية من رفاقه في قيادة التنظيم إلا (من كان على بينة من هذا الأمر). جمع قسم آمر الكتيبة، مساعد الكتيبة وركن الكتيبة وقادة السرايا وأعطاهم أمراً كامل الوضوح حول المهمة التي ستقوم الكتيبة بتنفيذها. وقد جاء في أقوال الملازمين قادة السرايا الذين شهدوا في محاكمتنا، إن الأمر الذي أعطاهم إياه قائد الكتيبة. يقضي بتطويق القصر الملكي، وأن عليهم وهم في طريقهم إلى تنفيذ هذا الواجبالرد على أية طلقة ترمى باتجاههم بقذيفة (6 باوند)،عيار قذيفة مدفع المدرعة. والسؤال الذي يطرح نفسه هل هناك علاقة بين ما قام به النقيب نذير رشيد والانذار الذي وجهه اللواء علي إلى الملك حسين؟ وهناك معلومة، استدعت مني (صفنة طويلة) عرفتها بعد خروجي من سجن المزة في 30 تشرين ثاني عام 1994. عرفتها من صديقي عزمي مهيار، قال لقد أعطيت أمراً أن أحضر مجلس الحرب هذا، ممثلاً لسلاح المدفعية. وبرفقتي النقيب موسى محمود جنكات ممثلاً لسلاح الهندسة. ولما سألته من أعطاك هذا التوجيه قال، أبو ساهر – أي المقدم محمود المعايطة – وطبعاً الذي أعطى موسى محمود الامر هو المقدم أحمد زعرور (مباشرة،أو من خلال قائد سلاحه).هذه الواقعة لها دلالات خطيرة. إن المعضلة التي واجهها الوطنيون الصادقون في تلك المرحلة هي الأفعال والتحركات مقطوعة الصلة ببعضها ببعض (زمر تأمر تثير الشكوك). فلا أحد يعرف من ينسق مع من؟ ومن هو متفق أو مختلف مع من؟ والمفارقة الغريبة أن الأحزاب الوطنية المؤتلفة في الحكومة والمؤيدة لها، لم تستطع شق مجرى وطني. شعاره مثلاً (الموت أو الديمقراطية). لقد كان الحزب الوطني الاشتراكي وحزب البعث العربي الاشتراكي، والجبهة الوطنية القريبة من الحزب الشيوعي، وكذلك الحزب الشيوعي المؤيد بقوة لرئيس الوزراء وحكومته،قادرون على خلق هذا المجرى،الذي لو تحقق ما كان أحد قادراً على تجاوزه،لا رئيس الأركان،ولا الملك،ولا أية قوة أخرى،بما فيها قيادة تنظيم الضباط. وحينما لا يكون هناك طريق عام مشترك، وشعارالمرحلة مشترك ، تسير عليه وتحتهالجماهير يصبح لكل طريقه، وشعاره الذي لا يوصل إلاإلى الديكتاتورية







 
رد مع اقتباس
قديم 21-03-2010, 03:51 PM   رقم المشاركة : 16
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

كتيبة المدرعات الأولى تحمي القصر الملكي:
وهكذا ما أن جاء (الصايح(5)) للكتيبة ضمن رسل الملك لبعض الوحدات في الزرقاء،حتى ركب ضباط وجنود الكتيبة مدرعاتهم متجهين إلى عمان،عبر معسكرات سلاح المدفعية. الأمر الذي بدا أن مرورهم كان قبل أن يستنفر السلاح لمواجهة التمرد. وما أن وصلت الأخبار السارة إلى الملك حسين، وهي أن المدرعات الأولى قد وصلت،وأن لواء الأميرة عالية قد تمرد جنوده على ضباطهم، وأن سرية نقليات الفرقة،على طريق (الزرقاء - خو) قد وقفت إلى جانب الملك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
5. الصايح عند البدو الرحل هو الخيال الذي يبلغ أفخاذ القبيلة أن قبيلة ما قد غزتهم
ضد علي أبو نوار،حينها استدعى الملك حسين رئيس أركانه. الذي كانت الأخبارقد وصلته أيضاً. وعند وصول رئيس الأركان إلى القصر الملكي، أمره الملك أن يركب معه متجهين إلى معسكرات الجيش في الزرقاء. وما أن وصل هذا الموكب الملكي إلى مشارف بلدة الرصيفة، التي تبعد عن عمان أقل من عشرين كيلومتراً. حتى التقى بطلائع الجنود المتظاهرين، الذين ما أن رأوا الموكب الملكي حتى بدأوا بالهتاف، ( يعيش الملك حسين)، يسقط علي أبو نوار، وفي هذه اللحظة المناسبة (فش الملك حسين غله برئيس أركانه)،قائلاً له انزل. واخرج من البلد فإنني لا أستطيع أن أحميك. والمخرج هذا يدل على أن علي أبو نوار لم يكن متآمراً على النظام. ومنذ وصول المعلومات الأولية عن التمرد حتى وصول الملك إلى بلدة الرصيفة، كان تمرد الجنود المتظاهرين قد انتهى. فقد استلم قائد سلاح المدفعية أمراً من قائد الفرقة اللواء علي الحياري،بإخماد التمرد وحماية معسكرات الجيش،ومقر قيادة الفرقة في خو. فأعطى قائد سلاح المدفعية أوامره، لقائد كتيبة مدفعية الميدان الثالثة، الرائد في حينه إحسان الحلواني. بقطع طريق الزرقاء - خو - من نقطة اتصال طريق معسكرات سلاح المدفعية بالطريق العام الزرقاء - خو. فأمر قائد كتيبة مدفعية الميدان الأولى بحماية معسكر الزرقاء وساكنيه من عوائل العسكريين. وقطع طريق الزرقاء - خو من نقطة التقاء طريق معسكر الزرقاء بالطريق العام. وأرسل سرية من الجنود من كتيبة مدفعية الميدان الخامسة لحماية مقر قيادة الفرقة في خو، فقام قائد كتيبة مدفعية الميدان الثالثة بقطع طريق خو - الزرقاء،من نقطة التقاء طريق معسكر سلاح المدفعية بهذه الطريق. وأمر الجنود المتظاهرين أن يتفرقوا بمكبرات الصوت، وطالبهم بالعودة إلى معسكراتهم فوراً وإلا فإن النار ستطلق عليهم. ولما لم يستجب الجنود المتمرودن لهذا النداء واستمروا بالسير والهتاف،أطلق جنود المدفعية الثالثة النار عليهم. فقتل في هذه الواقعة اثنا عشر جندياً وجرح الكثيرون،ولما رأى الجنود المتظاهرون جدية المواجهة،صاروا يصيحون، إحنا ذبحنا بعضنا بعض (يلعن أبو فلان على ابو فلان). وحينما وصل جلالته وموكبه إلى منعطف الطريق الذي ينعطف باتجاه خو والمفرق، وأمام سينما النصر، واثقاً من موقفه، التقاه حاجز كتيبة مدفعية الميدان الأولى. يقف على هذا الحاجز النقيب عزمي مهيار،ولما لم ينفتح الحاجز تلقائياً أمام موكب جلالته،ترجل أحد مرافقيه وتقدم من ضابط المدفعية،قائلاً إن هذا موكب جلالة سيدنا،افتحوا الطريق،فقال له الضابط انتظر حتى أتصل. فأجابه المرافق الذي استهجن التصرف. إن جلالته موجود في السيارة فرد قائلاً: قلت لك انتظر حتى أتصل وأخذ أمراً بالسماح للموكب بالمرور. فما كان على موكب جلالته إلا أن انتظر مجبراً. ولما استلم الضابط أمراً بالسماح للموكب أن يمر موكب جلالته متوجها الى معسكرات سلاح المدفعية،وعلى بعد حوالي النصف كيلومتر من الحاجز الأول، إضطر موكب جلالته للوقوف على مدخل معسكرات سلاح المدفعية. وعلى هذا الحاجز، رأى وجوهاً غاضبة ودامية. فمنذ أقل من نصف ساعة كانوا قد أطلقوا النار على رفاق لهم،وقتلوا منهم أعداداً وجرحوا الكثيرين. وهم بلا شك كانوا في وضع لا يترددون فيه من القيام بأي فعل مهما عظم شأنه. والذي لا شك فيه أن الملك حسين كان ذا حظ كبير في تلك الليلة. وأمام قيادة مدفعية الميدان الثالثة التقى على الطريق اللواء علي الحياري قائد الفرقة والمقدم محمود المعايطة قائد سلاح المدفعية، والمقدم أحمد زعرور. لم ينتظر موكب الملك طويلاً، وغادر المكان بعد أن طلب الملك من المقدم أحمد زعرور أن يركب معه في الكرسي الخلفي،الأمر الذي جعل الملك حسين يجلس في الوسط بين اثنين يركبان معه،وأنا مقتنع أن جلالته وضع نفسه في الوسط،خوفاً واحتياطاً من رصاص قد يطلق من خارج السيارة، لأنه بعد وصوله إلى الطريق العام للزرقاء، عمان وخروجه من فم هذا الذئب،أمر جلالته المقدم أحمد زعرور بالنزول،لم يكن لديه واسطة نقل تعيده إلى منزله في معسكر الزرقاء. قال لي المقدم أحمد ركبنا ثلاثة في المقعد الخلفي. وكان جلالته يجلس في الوسط، وقد شعرت حينها أن الملك حسين بدأ مذعوراً وغاضباً ومتخوفاً لدرجة أن قدميه أصبحتا في حالة غير طبيعية وحركة لا إرادية، ولما أنزلني على الطريق العام الذي كانت تقف عليه إحدى المدرعات، جاء دوري حينها لتصطك ركبتاي، وضحك لأن أحد أفراد طاقم المدرعة قد أشار إلي قائلاً (هذا واحد منهم)، الذي لا شك فيه أن الملك حسين كان ذا حظ كبير. فالثقة الزائدة في النفس حد التهور وأسبابها إثبات الذات، وضعف الخبرة مع أنه لم يكن بحاجة إلى هذا التصرف. فقد أمنت له القوى التي تسنده دولياً وعربياً الساحة الأردنية تماماً. فرئيس الوزراء يقر بحق الملك الدستوري، وهو يرفض اتخاذ أية إجراءات أو قرارات تتعارض وهذا الحق. وقيادة تنظيم الضباط بعثياً وناصرياً وأطراف مستقلة، دخلت في دوامة الواقع المصمم، وفقدت هدفها بعد أن غيرت اتجاهها، وأصبحت (شللية) بعد أن كانت مؤسسيه، وفقد أعضاؤها المصداقية تجاه بعضهم بعضاً، وتجاه مؤسستهم. وحتى الاجتماع الأخير الذي انعقد في ظل الأزمة،والذي تقرر فيه مواجهة الأزمة وفرض حل لها، تبين من خلال النتائج أن بعض القادة الأساسين لم يكونوا صادقين بالتزامهم تجاه القرار الذي اتخذوه. وهكذا فتصرف الملك المتهور كان سيقود إلى نتائج عكسية تماماً، من خلال وضع قادة أساسين يملكون القدرة على الفعل، في موقع الدفاع عن النفس،الذي سيفرض عليهم (رد الفعل). في ليلة الأحداث هذه، كان في برنامج إحدى بطاريات الكتيبة التي أقودها مشروع (تدريب ليلي). سارت البطارية بعد حلول الظلام إلى ميدان التدريب إلى الشرق من معسكر المدفعية. وبعد نصف ساعة من مسير البطارية تبعتها بلباسي المدني، سرت مع التدريب حتى انتهى البرنامج المقرر، وبعدها عدت إلى الزرقاء، قاصداً نادي الضباط، ماراً بمعسكر الزرقاء، وكان المعسكر كامل الهدوء. خرجت من بوابة المعسكر الذي يقوم على حراسته الانضباط العسكري، وحينما وصلت إلى أول المنحدر باتجاه النادي على طريق الزرقاء - عمان - لحقت بمجموعة من البشر لا يمكن تصنيفهم. كانوا يسيرون بهدوء تام. حاولت المرور من بينهم، ولما أصبحت سيارتي في وسطهم وتبيونها أنها سيارة (قائد كتيبة)، أحاطوا بها. فتوقف السائق، وهبطت أنا حينها من السيارة، فتجمعوا حولي ولم أكن مسلحاً،وبدأوا بالهتاف. (يعيش الملك حسين،يسقط علي أبو نوار)، محاولين إجباري على ترديد هذا الهتاف. ولكن قبل أن يتطور الموقف إلى القبول أو الرفض،تقدم من بين الذين يحيطون بي،شاب أسمر،فعرفته، فأبعدهم عني وقادهم باتجاه هدفهم وهو عمان، هذا الشاب من عشيرتنا، اسمه (بركان سليمان العمارين)، وهكذا استفدت من إحدى مميزات العشائرية. وتبين أنهم من الجنود الذين تفرقوا حين إطلاق النار، ثم عادوا وتجمعوا وقرروا متابعة سيرهم إلى القصر الملكي. بعدها عدت بسرعة إلى المعسكر ومررت ببيت محمود وهو جار لي فلم أجده. ومررت ببيت المقدم أحمد زعرور ولم أجده. وسرت بعدها إلى نادي ضباط كتيبة المدرعات الأولى، وإلى غرفة نذير التي أعرفها، فوجدت النادي والغرفة في عتمة تامة. وحينها اتجهت إلى مقر قيادة الكتيبة التي أقودها،ولما وصلت وجدت جميع ضباط الكتيبة موجودين هناك. فسألتهم هل هناك شيء؟ فقالوا لي ما حدث. اتصلت فوراً،أسأل عن محمود فقالوا لي أنه استدعي إلى القصر.
هذا هو سلاح المدفعية في ليلة الثاني عشر على الثالث عشر من نيسان 1957. ثلاث كتائب مدفعية ميدان وكل بطارية مزودة بـ (20 مم، اورلكان) تستطيع بهذه القوة المضمونة قيادة وقاعدة تدمير المدرعات الأولى والثانية وأية قوة أخرى في طريقك. خاصة وقد هيأ لك الملك حسين الفرصة،فالجنود الذين قادهم ضباطهم إلى قتل رفاق لهم خارجين على الانضباط والتقاليد العسكرية. بالرغم من الهتافات العالية (عاش الملك حسين،يسقط علي أبو نوار) التي كانت تدوي في أسماعهم. مع ذلك لم يترددوا في إطلاق النار عليهم رشاً. إنهم مستعدون أن يتبعوك إلى حيث تقودهم،وضد من تقودهم،وهم قد خطوا الخطوة الأولى ولن تجد حينها من يتردد بالسير خلفك منهم. والسؤال المشروع الذي طرحته على نفسي،هل سيتغير مسار الأحداث،لو كنت موجوداً على رأس وحدتي في تلك الليلة؟ هو سؤال افتراضي، غير مقبولة استنتاجاته. لكن لابد من التذكير أنني الوحيد في قيادة تنظيم الضباط، الذي كان يقول بتغيير النظام، الهدف الأساسي لتنظيم الضباط. وكل زملائي في قيادة التنظيم يعرفون ذلك. وقد قلت ذلك لعلي أبو نوار شخصياً حينما زرناه للمباركة بمنصب رئاسة الأركان. هذا الوضوح في الموقف، جعل رفاقي في الحزب والسلاح أولاً، وزملائي في قيادة التنظيم يحاولون إبعادي عن أي واقع يتناقض وفهمي هذا الذي يعرفون. والشواهد التالية تشير إلى ذلك :
أولاً : إن موقفي المنفرد هذا في قيادة التنظيم، جعل أصحاب الرؤيا المغايرة يضعونني خارج إطار القرارات والأفعال الصميمية. إن شواهد عديدة بينت أن الرفيق محمود المعايطة قد أبعدني بتصميم عن التقرير في قضايا مصيرية أهمها، عرض الملك حسين على اللواء محمد المعايطة منصب رئيس الأركان، وكنت سأقبل وأدافع بقوة عن هذا العرض حتى ضمن الشروط التي وضعها الملك حسين، والتي أشك في صحتها، لأنني كنت مع أي بديل لعلي أبو نوار .
ثانياً : إن الرفيق أبو ساهر تجاوزني إلى من هم أدنى مني موقعاً تنظيما (عسكرياً أو حزبياً). فحينما تقرر إقالة الفريق كلوب، كان محمود على معرفة كاملة في كيفية تنفيذ العملية عسكرياً. وهو الذي أشرف على تنفيذها (أي أنه شكل القائد الميداني للعملية تحت إشراف الملك حسين) كما جاء في مداخلته الهامة في الندوة التي أقيمت حول سليمان النابلسي في منتصف عام 1998 والتي بين من خلالها شكلاً ومضموناً جديدين لتنظيم الضباط الأحرار، يتوافق تماماً والذي أورده علي أبو نوار في كتابه الرديء (حين تلاشت العرب).
ثالثاً :لقد أعطى محمود المعايطة مهمة السيطرة على كتيبة مدفعية الميدان الأولى لتنفيذ الواجب المسند إليها حسب الخطة، بما فيها بطارية الميدان الثالثة التي كنت أقودها إلى الرفيق النقيب عزمي مهيار. الأمر الذي يعني أنه تجاهل موقعي القيادي في تنظيم الضباط، وحزب البعث العربي الاشتراكي. لماذا؟ لرؤيتي المختلفة معه. وكأنه أيضاً لا يريد أن يعطيني شرف المشاركة. هذه الحقائق استنتجتها بعد خروجي من سجن المزة في شهر تشرين أول عام 1994. (خلال لقائي بمحمود وعزمي). ولكن حينما وجد الرفيق عزمي مهيار أن تنفيذ الواجب المعطى للكتيبة يحتاج إلى وجودي، استدعاني من إجازتي يوم الخميس الذي سبق تنفيذ الخطة العسكرية .
رابعاً : وهو الأخطر،إن الرفيق (أبو ساهر) قائد سلاح المدفعية، قد شارك في صنع القرار الذي اتخذته قيادة تنظيم الضباط في اجتماعها الذي انعقد في منزلي في معسكر الزرقاء، والذي يقضي بالتصدي لقرار الملك حسينتغيير الحكومة ومنعه من ذلك. ويعرف أن مهمة تنفيذ القرار قد أوكلت إلي وإلى نذير، ويعرف هذا الامر كذلك المقدم أحمد زعرور الذي شارك في صنع القرار. فما معنى أن يرسل المقدم محمود النقيب عزمي مهيار ممثلاً لسلاح المدفعية، وكذلك يرسل المقدم أحمد زعرور النقيب موسى خلف جنكان ممثلاً لسلاح الهندسة، لحضور مجلس الحرب؟ الأمر الذي يدل على أنهما كانا على معرفة مسبقة بانعقاد مجلس الحرب هذا. الأمر الذي يثير أخطر التساؤلات والدلالة على الشبهة الشديدة التي أحاطت بهذا المجلس . إن النقيب عزمي والنقيب موسى عندما رأيا هذه الحالة انسحبا قبل أن يشعر بهما أحد. ما هو المعنى الحقيقي لهذه الواقعة ؟ إن على القاريء أن يستنتجه. ومع ذلك يظل التساؤل مطروحاً، هل لو كنت موجوداً سيتغير مسار الأحداث ؟ فأقول مختصراً شواهد عديدة / أن قائد سلاح المدفعية (المقدم محمود المعايطة) هو قائد سياسي وأساسي في قيادة تنظيم الضباط، ويعرف تماماً قرار هذه القيادة. ومع ذلك لم يستثمر فرصة العمر التي سنحت له. هي الحالة التي كان عليها سلاح المدفعية في تلك الليلة، لأنه كان جزءاً من عملية التغيير المخططة التي جرت في الأردن. ومع ذلك وبالتأكيد فأنني لو كنت موجوداً لقلت بوضوح أننا ندافع عن أرواحنا. وأنا لست على استعداد أن أسلم رأسي دون مقابل. إن الشاهد الأثبت على أن المقدم محمود المعايطة كان شخصية رئيسية في عملية التغيير التي جرت في الأردن، هو نقل المقدم شاهر اليوسف إلى قيادة لواء المشاة الأول بعيداً إلى منطقة نابلس. وهو موقع أقل شأناً من قيادة سلاح المدفعية، وتسليم قيادة هذا السلاح المضمون وطنياً قاعدة وقيادة إلى المقدم محمود المعايطة.


المقدم شاهر اليوسف :
كان أبو جبار رفيقاً عزيزاً -يرحمه الله- . ومن المؤكد أنه صادق الوطنية حينما التزم بحزب البعث العربي الاشتراكي. وبعد ذلك عمل على خلق تنظيم الضباط الأحرار. ولكنه وجد نفسه في الثلث الأول من عقد الستينات (1952- 1954). في واقع فرض عليه الانحراف عن الهدف الأساس للتنظيم الضباط،إلى هدف فرعي هو (تعريب الجيش)،بتأثير كل عوامل الواقع العربية والدولية.ومن بينها المقابلة التي جرت بينه وبين الفريق (كلوب) في منزل الأخير. والتي على أثرها نقله مرافقاً له لفترة زمنية محددة،والتي قال له خلالها (الفريق كلوب)،أن الأردن يستند إلى ركيزتين: أولاهما الملكية وثانيهما المعاهدة البريطانية، كما وردت في مذكرات شاهر. وكان شاهر صادق الرواية. قاده هذا الالتزام بمقولة (كلوب) إلى الوقوع بشبكة المخطط. بدأ بلقائه بعلي أبو نوار، ثم بعد ذلك بالملك حسين في لندن. وحتى دخولنا سجن المحطة. والسؤال هو: هل كان بامكان شاهر أن يفلت من شبكة المخطط، وإن كانت لديه النية؟ فأقول لا. إلا في حالة الصدفة التي تتقاطع بها تحركات قوى متعارضة، تفرض عليه واقعاً ليس في باله. واقصد بذلك حالة سلاح المدفعية ليلة التمرد. والمخططون لا يتركون هكذا قضايا للصدف،ولذلك نقل من قيادة سلاح المدفعية بعيداً إلى منطقة نابلس.
محمود المعايطة يعود من القصر:
في الفترة التي انتظرت فيها عودة محمود، (صفنت) طويلاً وعرفت حينها (أن الفيلة لمن فالها) (وأن الطيور طارت بأرزاقها) كما يقال. ففي واقع غير مستقر كالواقع الذي كان عليه الأردن في حينه، سنحت لك فرصة العمر للتخلص من آثام هذا الواقع،فإن لم تستغلها ذهبت على الأقل إلى ما بعد ذهاب العمر. وما علينا الآن إلا مواجهة مصيرنا الذي تقرر بشجاعة وكبرياء.
التقيت المقدم محمود بعد عودته،فقص علي ما حدث معه.قال: حين وصولي إلى القصر، أدخلوني فوراً إلى مكتب الملك فحييته، فدعاني إلى الجلوس. واستدعى أحد الحجاب،وقال له ادعوا الملازم (فلان) ودخل علينا ملازم ثاني عليه شارة المدرعات الأولى،وطلب منه الملك،أن أذكر إلى المقدم محمود الأوامر التي أعطاكم إياها قائد الكتيبة في الاجتماع الذي عقده معكم . فسرد الملازم الأوامر التي أعطاها إليهم نذير. وجاءوا بالثاني والثالث وكرروا نفس الرواية، فقلت بانفعال أن هذه الأقوال هي من تدبير الشريف ناصر، فصاح الشريف ناصر وقد فوجىء بهذا الاتهام. فقال أقسم بالله أن لا علاقة لي بهذا الأمر، وبعدها خرجت من القصر عائداً مباشرة إلى الزرقاء. وكان الوقت قد صار بعد منتصف الليل. وتوجهت إلى قيادة كتيبة مدفعية الميدان الثالثة، وهناك وجدت نذير،فسألته عما قاله لي ضباط كتيبة المدرعات الأولى،فقال لي أنه صحيح، وطلبت من سائقي أن يوصل النقيب نذير إلى مقر قيادة القوات السورية في المفرق وهم هناك سيؤمنوا وصوله إلى دمشق. وكان أول ما قاله نذير حين وصوله إلى دمشق للصحفيين، هو الهجوم على الضباط البعثيين في الجيش الأردني. لماذا البعثيون؟ والصراع في الأردن لم يكن بين البعثيين والناصريين في حينه. بل بين الوطنية والديمقراطية، ومن جهة بين الملكية المطلقة والتدخل الأجنبي وسيطرته على الإرادة السياسية، الأداة المخلصة لأهداف القوى المعادية من جهة أخرى. إن هذا التصريح يدلك على الحقيقة التي كان غاطسها عميقاً. لم يظهر إلا بعد قرابة النصف قرن.
في صباح اليوم الثاني زارني محمود (وأبو سامي) المقدم أحمد زعرور في كتيبة مدفعية الميدان الخامسة التي كنت أقودها، التقيا بي في نادي ضباط الكتيبة وكان هناك عدد من ضباط الكتيبة متواجدين في هذه الجلسة. وجرى الحديث عن أحداث الليلة الماضية. وكان تركيز محمود وأحمد على الدور الأمريكي وأنه كان الأساس في انقلاب الملك حسين على الديمقراطية. وخاصة دور الملحق العسكري الأمريكي. نعم كان للأمريكان دور بارز في الأحداث، وخاصة دور ضابطين صغيرين من الصخور في لواء الأميرة عالية الذي حدث به التمرد. وكانا ملتزمين بالسيد عاكف الفايز. ومع ذلك فإن دور الأمريكان كان على السطح، ولم يكن هو الأساس في توجيه الأحداث. لقد كان الدور (الإنكليزي) هو الأهم والأكثر فعلاً. المستور والقوي في مفاصل ومراكز القرار، إن كان في القوى السياسية أو العسكرية. وبعدها قلت لمحمود وأحمد (و بعدين) أي ماذا بعد، هل نستسلم بهذه السهولة. لابد من عمل ندافع به على الأقل عن أنفسنا. وبالرغم من يقيني الذي ذكرت (بأن الطيور طارت بأرزاقها). وأن علينا أن نواجه مصيرنا بشجاعة. إلا أنني تناسيت كل ذلك في هذا اللقاء مع (أحمد ومحمود) بدافع المكابرة قلت لهما،إنني سأبادر ولو بكتيبتي لوحدها بالعمل. فقال أحمد إن كنت تستطيع ذلك فأفعل. ولم يقل محمود أي شيء.لأنه كان يدرك الواقع. وحاولت أن أنفذ ما قلته. فجمعت الكتيبة وتحدثت إليهم عن أحداث الليلة الماضية. وعن الإشاعات التي يطلقها عملاء الاستعمار الذين يستهدفون خراب وطننا بأن هناك انقلاباً ضد الملك حسين وهذا ليس صحيحاً على الإطلاق، ولكنني أقول لكم أننا لا نعبد أصناماً. ولما أنهيت حديثي، قلت للضابط المسؤول، كل بطارية إلى موقعها. وقبل أن يأمرهم الضابط المسؤول بالمسير، خرج من الصفوف صوت عال، يهتف،(عاش الملك حسين). صحيح أنه لم يكن هناك استجابه ولا من صوت ثان. لغرابة الواقعة في (طابور) رسمي، وشذوذها عن الانضباط، لكنها كانت كافية للإشارة إلى طبيعة أحداث الليلة الماضية والتذكير بها. وقد عرفت من هو صاحب هذا الهتاف. وهو جندي سائق من الأزرق ومن مهاجري جبل حوران. ومع ذلك فقد أمرت أن تستعد الكتيبة للخروج إلى المناورة . فأعترض أحد الضباط، فقلت أن الكتيبة ستخرج وأنا قائد هذه الكتيبة. وأعطيت الأوامر لقادة البطاريات للاستعداد. وحين خروجي تبعني مساعد قائد الكتيبة وكان أحد الحضور حين لقائي بالرفيقين المقدم محمود والمقدم أحمد، وسمع الحديث الذي قلته. فقال لي، أرجو أن تفهمني، إن القيام بأي عمل من هذا النوع الذي في ذهنك مستحيل. وحينها أصبح واجبي وواجب محمود هو المحافظة على ماء الوجه كقادة لهذه الوحدات إلى أن يتقرر مصيرنا، الذي لم يعد بعيداً، هو المحافظة عليها كوحدات عسكرية منضبطة،لأن كل وحدات الجيش في معسكرات (خو - الزرقاء)،فقدت كل ما يمت إلى الانضباط العسكري بصلة. فلم يعد هناك لا قادة ولا ضباط لهذه الوحدات، والجنود دائمي التظاهر والهتاف للملك حسين، ووفود ذاهبة ووفود راجعة منهم إلى القصر الملكي. وكان الملك يلتقيهم ويرحب بهم وأحياناً يطعمهم. وانهيار الانضباط العسكري هو ربيع النفس عند الجندي. والسلاح الوحيد الذي استمرت الأمور به طبيعية، لكنها متوترة هو سلاح المدفعية. إلى ما قبل ليلة واحدة من اعتقالنا. وكانت تتوافد على السلاح وفود من جنود الوحدات الأخرى. لماذا لا تتظاهرون تأييداً لجلالة سيدنا. إنكم لستم موالين لجلالة الملك، وضباطكم خونة،لماذا لا تتظاهرون تأييداً للملك؟! هذا التوافد والتحريض المستمر أثمرا في الليلة الأخيرة قبل اعتقالنا. ففي حوالي الساعة الثامنة مساءاً كنا،محمود وأنا (في نادي ضباط كتيبة المدفعية الأولى. هذه الكتيبة الأصيلة في وطنيتها والوحيدة في السلاح التي كان لها شرف القتال في فلسطين)، مشرفين على معسكرات السلاح. وكما ذكرت جرت أولى المحاولات في كتيبة مدفعية الميدان الثالثة التي تصدت للتمرد بقيادة الرائد احسان الحلواني قائد الكتيبة. وقد خرج من البلاد هو والعديد من ضباطه في نفس ليلة الأحداث بعد أن انتهت. وكذلك في كتيبة مدفعية الميدان الخامسة التي أقودها. وما أن سمعنا الهتافات ورأينا التظاهر، قمت ومحمود اتجه هو إلى كتيبة مدفعية الميدان الثالثة. وأنا إلى كتيبة مدفعية الميدان الخامسة التي أقودها. إنك تحتاج إلى إرادة وشجاعة نفس لتواجه جنوداً فقدوا الانضباط والاحترام. يتظاهرون ويهتفون للملك قاصدين إسماع قادتهم (الخونة) ذلك. ومع ذلك فإن الانضباط العسكري في نفس الجندي، هو أرسخ العوامل التي تقوم عليها الجندية. وحالما تمسه بإرادة غير مترددة يستيقظ فوراً. وهكذا عادت الأمور في سلاح المدفعية طبيعية قبل أن نغادره نهائياً إلى موقع العقاب .







 
رد مع اقتباس
قديم 21-03-2010, 04:00 PM   رقم المشاركة : 17
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

الملك حسين يستثمر انتصاره :
قام الملك حسين في الأيام التالية للأحداث بزيارات ومقابلات في الوحدات العسكرية. كان هدفها إثبات الوجود وتطمين الخواطر قبل أن يقوم بالخطوة التالية، وهي اعتقال قادة تنظيم الضباط. فقد عقد اجتماعاً لقادة الوحدات المتمركزة في الضفة الغربية، في قيادة لواء المشاة الرابع في غور الأردن الغربي. ولم يحضره الرفيق شاهر، مع أنه قائد لأحد الألوية. ولكنه عرف ما دار في هذا الاجتماع، وما قاله الملك حسين في هذا الاجتماع،هو تطمينات ووعود . فالتحول الذي طرأ على الواقع السياسي في الأردن، لا يسمح حتى للملك أن يقرر الطريقة التي ستسير عليها الأمور في البلاد.
استدعى الملك حسين اللواء علي الحياري في اليوم التالي لخروج اللواء علي أبو نوار من البلاد،وعينه رئيساً للأركان. وهي مفارقة تجلب الانتباه. فاللواء علي الحباري هو الذي أمر بالتصدي لتمرد التأييد للملك حسين، وهو بالتأكيد لا يصلح أن يقود جيشاً، حددت من الآن عوامل تكوينه ومهماته المستقبلية وهي بالتأكيد ليس لها علاقة بالمهمات التقليدية للجيوش الوطنية. فكيف يمكن تكليف اللواء علي بهذه المسؤولية؟ إنه أسلوب الاستعمار الجديد ، الخداع والتضليل. المظهر يناقض الحقيقة وهكذا ما أن أمضى اللواء علي الحياري بقية يومه رئيساً للأركان وتوجه قاصداً مقر سكناه، في معسكر الزرقاء، ورغم العلم الذي يرفرف على مقدمة سيارته،أوقفته مفرزة مدرعات ولما سئل اللواء علي لماذا توقفوني؟أجاب قائد المفرزة، أن لدينا أوامر بإيقاف جميع السيارات وتفتيشها. وبعد هذا استمر في سيره حتى الحدود السورية، دون أن يمر على أهله (كما قيل). فكيف يمكن لضابط شريف أن يقود جيشاً مهماته قطع الطريق وبتقديري أن العملية موحى بها من أعلى المستويات وذلك لإجبار اللواء علي أن يختار الخروج من البلد، لأن مهمات الجيش المقبلة لا يمكن أن يكون لها علاقة بالوطنية .
الفرار الكثيف:
في نفس الليلة التي خرج بها اللواء علي أبو نوار إلى دمشق،خرج كذلك الأستاذ عبد الله الريماوي أمين سر قيادة قطر الأردن لحزب البعث لعربي الاشتراكي وبعض أعضاء القيادة، منهم الأستاذ عبد الله نعواس والأستاذ سليمان الحديدي والأستاذ كمال ناصر، وأعداد من الكادر المتقدم للحزب. وكذلك بعض قادة وكوادر الحزب الشيوعي. وخرج من الحزب الوطني إلى دمشق الأستاذ شفيق الرشيدات. أما على الصعيد العسكري،قد خرج إلى دمشق اللواء علي الحياري رئيس الأركان،وفر جهاز المخابرات العسكرية بأكثريته. العقيد محمود الموسى مدير الجهاز، والمقدم قاسم الناصر معاون مدير الجهاز، والكثير من ضباطه الصغار وبعض ضباط الصف. وخرج من البلاد الرائد إحسان حلواني وعدد كبير من ضباطه وكانوا على حق في هذا الخروج. فهم قد تصدوا للمتمردين، وقتلوا وجرحوا العديد منهم. فمن يحميهم وقد تعرضوا لأنصار الملك. فما كان يحميهم إلا وضع لا يكون للملك حسين الباع الأطول فيه.
الاعتقال:
في اليوم الثالث أو الرابع للأحداث، استدعينا نحن التالية أسماؤهم لمقابلة قائد لفرقة،العميد راضي الهنداوي،الذي تسلم هذا الموقع بعد اللواء علي الحياري. والسادة هم 1- المقدم شاهر اليوسف 2- المقدم أحمد زعرور 3- المقدم محمود المعايطة 4- المقدم نايف الحديد 5- الرائد تركي الهنداوي 6- الرائد شوكت السبول 7- النقيب جعفر الشامي 8- النقيب عبد الله قاعد 9- النقيب توفيق الحياري 10- النقيب ضافي الجمعاني. وقد التقانا العميد راضي في نادي ضباط الفرقة. وكان تعاطفه معنا واضحاً. وتحدث إلينا حديثاً فيه تشجيع وليس فيه لوم. وذكرنا بما جرى في إيران. وأبلغنا الأوامر التي أعطيت إليه لتنفيذها. وهي أنه علينا التزام منازلنا. ولما عدنا إلى هذه المنازل،وجدنا أن تلفوناتنا قد قطعت. هذا الأسلوب الناعم السلس، والمتسلسل للسيطرة على الوضع، يدلك على اليد الخبيرة التي تسيطر على الأمور في هذا البلد. حاول محمود إقناعي بالخروج من البلد. وكان شاهر متفقاً معه في هذا التوجه. ولكنني رفضت بإصرار. وذلك قبل وبعد لقاءنا بقائد الفرقة. وقد سهلت السلطة لنا ذلك ولكل من يريد الخروج من البلد، فهو أمر يعفيها من الكثير من الاحراجات.
وإلى القارئ الواقعة الطريفة التالية التي تدل على هذا التوجه. عينت الجهات المسؤولة قادة للوحدات التي كنا نقودها. فقد عينت الرائد عامر خماش،قائداً لسلاح المدفعية. وما أن وصل الرائد خماش إلى قيادة السلاح،حتى امتطى سيارة قائد السلاح (الفورد البيضاء) متوجهاً إلى عمان وعلم قائد سلاح المدفعية يرفرف على مقدمة السيارة،ماراً من باب المعسكر الذي كان يحرسه الانضباط العسكري. ويقف هناك المقدم كامل عبد القادر قائد الانضباط العسكري. فلما رأى السيارة مقبلة وعلم قائد السلاح على مقدمتها، فتح الطريق ولم يعترضها. وما أن خرجت السيارة من باب المعسكر حتى أمسك بالهاتف فرحاً، طالباً شخصاً معيناً في القيادة العامة. ولما أجابه المطلوب، قال بأعلى صوته (محمود الموسى فتشح) أي أن محمود الموسى هرب. فرد عليه الصوت من الطرف الأخر أن محمود الموسى هرب من أمس. فقال كامل عبد القادر، لا (محمود الموسى المعايطه). لقد كان محمود شديد الرغبة في الخروج من الأردن،ولكن عنادي الشديد حول هذا الأمر فوت عليه الفرصة. والى القارئ الواقعتين التاليتين التي تدلان على جانب هام من شخصيته. في اليوم التالي لالتزامنا بيوتنا، جاء المقدم كامل عبد القادر قائد الانضباط العسكري،إلى بيتي وطلب مني أن اصطحبه. ولما صعدت إلى سيارة (اللاندروفر) وجدت محمود يجلس على الكرسي الخلفي. فجلست بجانبه، ولما خرجنا من بوابة المعسكر التفت إلي وقال همساً، إن مسدسي في يدي، سأضعه في عنق كامل عبد القادر وأجعله يتجه بالسيارة إلى المفرق، ولم يكن مع قائد الانضباط العسكري إلا السائق. فأجبته لقد قلت أكثر من مرة أنني لن أخرج. وبعد ثلاث أيام من ذلك التاريخ، وقد جمعنا في بناية في المطار العسكري مخصصة كمهاجع للجنود البريطانيين. وكنا جميعاً نسير على الممر الممتد امتداد العمارة.وكنت أسير واياه.قال لي اسمع، قلت ها، قال (إتشوف الخفير هذآك) قلت نعم، قال أنا سأطلق النار على الخفير وعليك فوراً التقاط بندقيته. وكان الخفير يقف على رأس الدرج الذي يوصل إلينا وهو في متناول اليد دون إطلاق نار. وأثنى قائلاً: بعد ذلك سأطلق النار على الخفير الذي يقف على أسفل الدرج. واستولي أنا على بندقيته. وكانا الجد والعزم واضحين على وجهه. وبعدها نهرب. وكانت العملية مستحيلة النجاح حتى لو كانت رغبتي في الهرب تساوي رغبته. فقلت لو افترضنا أننا نجحنا بقتل الخفيرين وأخذ سلاحهما، كيف سنواجه السرية التي تطوق مقرنا،وهي في اللحظة التي تسمع أول إطلاقة لن نصل إلى الخفير الذي في أخر الدرج، إلا وكل البنادق مصوبة نحونا. ولو افترضنا أننا تمكنا من الإفلات من طوق السرية واستطعنا الخروج من محيطها، فكيف سنواجه هذا الحشد، كتيبة المشاة الثالثة وإحدى سرايا كتيبة المدرعات الأولى، وعندها إن بقينا أحياء سنحاكم بتهمة القتل العمد لجنود ليس لهم ذنب سوى أنهم يؤدون واجباً أسند لهم.
لقد تبين لي بعد عام من هذا التاريخ أن رغبة محمود الشديدة للخروج من الأردن كانت لها مبرراتها الصحيحة. لقد كان محمود يخاف واقعة إطلاق النار على المتمردين ومسؤوليته المباشرة بإعطاء الأوامر التي تسببت بقتل أعداد وجرح أعداد أخرى. وفي مجتمع مثل مجتمع الأردن في حينه،لا تزال التقاليد العشائرية بأعرافها وتقاليدها مكينة، يمكن للسلطة أن تحرض أهالي القتلى والجرحى وتضع المسؤولية على محمود. لتمتد المسؤولية بعد ذلك إلى عشيرته. وكان محقاً في هذا التخوف. ولو ذكرني بهذا الأمر لتغير موقفي تماماً من الخروج من البلاد .
الانتقال إلى مقر اعتقال جديد:
وبعد يومين نقلونا الى مقر جديد يقع الى الغرب من طريق ( المحطة - ماركا) (عمان- الزرقاء). وكانت عمارات ذات طابقين. وكانت كل عمارة تحتوي على شقتين، بنيت لسكن عوائل ضباط الصف البريطانيين. وكان وضع البنايات على شكل مستطيل.
وضعوا كل واحد في الطابق العلوي من الشقة،وفي الطابق الارضي كان يسكن جنود الحراسة. وكان هناك ثمان بنايات تتكون من ستة عشر شقة .
يسكنها في داخل السلك الشائك ظافي الجمعاني، وشاهر اليوسف، في الشقة التي الى اليسار، محمود المعايطة ونايف الحديد في الشقة التي في الصدر أمام المدخل. وجعفر الشافعي و أحمد زعرور في الشقة التي الى اليمين، وبقية المعتقلين كانوا في البنايات مع امتداد الشارع،ويسكن اللواء محمد المعايطة في الشقة التي كانت خارج المربع.
هذه العمارات كان لها مدخل واحد. وعلى امتداد المدخل وضعوا سلكاً شائكاً له فتحة،تفتح وتغلق بحاجز. يقف عليه جندي مسلح. والبناية الوحيدة التي كانت خارج هذا السلك الشائك هي البناية المحتجز بها اللواء محمد المعايطه. وهناك واقعة تدل على جزء هام من شخصية محمود لابد من ذكرها هنا. كان الوحيد منا نحن الضباط المحتجزين الذي يحرسه حارسان مسلحان هو محمود. أحدهما يقف على رأس الدرج أي أمام غرفته والآخر في أخر السلم. وفي أحد الأيام جاءت عائلة اللواء محمد وعائلة محمود وهما أختان من أم واحدة للزيارة. توقفوا على باب المدخل ليؤذن لهما، وكان باب المدخل يواجه تماماً المكان الذي يعتقل فيه محمود. وكان ينظر إليهما من الشباك، ويظهر أن (نهى) وهي ابنته الكبرى رأته وهو ينظر إليهم وكان عمرها لا يتجاوز الخمسة أعوام. فانفلتت من يد أمها، وركضت مسرعة متجهة نحوه، فلحق بها الحارس في منتصف الساحة، وأمسك بها، مانعاً إياها من الاستمرار. كل ذلك رآه محمود من شباك غرفته، فخرج عن طوره، ففتح باب الغرفة ودفع الحارس الذي على رأس سلم الدرج، ونزل مسرعاً، ولما رآه الحارس الذي في أخر درج السلم على هذا الشكل الهائج، أخلى له الطريق. ورأيته حينها من شباك غرفتي المطل على الساحة، يسير مسرعاً، حاسر الرأس، يلبس بيجامه لها (دكه) تتدلى وروب تملؤه الريح كأنه مظله. فلما رآه الجندي الذي يمسك بالطفلة قادماً بسرعة على هذا الشكل ترك (نهى) وفر هارباً. أمسك بابنته إلى أن هدأ. قادها بيدها بعد ذلك إلى غرفته. هذا جانب مهم في شخصية محمود ولابد أن أتحدث عن الجوانب الأخرى في شخصيته، لأن محمود كان الشخص الوحيد القادر في ذلك الحين على تغيير اتجاه الأحداث لمصلحة الوطن. ومع ذلك لم يفعل، وقد قلت لماذا ؟ إن محمود من عشيرة المعايطه في الكرك. والمعايطه والمجالي ينتمون إلى أصل واحد. جده ساهر المعايطه، أعدم بثورة الكرك التي لم يعدم من أجلها زعيمها (قدر المجالي) وسجن فيها جدي مبارك الجمعاني في دمشق. ولكنه لم يبق طويلاً في السجن. لم تكن طفولة محمود مثل طفولتي أو طفولة شاهر. فوالدته توفيت وهو صغير. وحينما أنهى دراسته في مدينة الكرك لم يستطع الذهاب إلى مدينة السلط لعام واحد،ليكمل الثالث الثانوي الذي كان في حينها نهاية الثانوية في الأردن. دخل الجيش كجندي لاسلكي وترك الجيش بعد فترة. وعمل في قسم المساحة في دائرة الأراضي، وترك دائرة الأراضي ليعمل موظفاً في أحد البنوك. ثم ترك هذه الوظيفة وعاد إلى الجيش كمرشح ضابط. ساعده في ذلك شقيقه محمد الذي كان ضابطاً في الجيش في ذلك الحين. والعودة هذه بتقديري لم تكن بدون ثمن. إن محمود ذكي وشهم شديد الاعتزاز بنفسه. ثقافته الفكرية والسياسية في تلك الفترة غير بينة. العشائرية لها أساس في تكوينه. قادر على بناء علاقات مع شخصيات متعارضة وحتى متناقضة في الفكر والمواقف السياسية. عداوته متطرفة وصداقته حميمة،بسيط حتى التساهل في بعض الأحيان. إذا طار مع غير سربه يسهل اصطياده. إن أبو ساهر رفيق عزيز، والحقيقة أنه رفيق عمر. فمرحلتنا المشتركة منذ عام 1951 وحتى عام 1971 حين اعتقالي،وما تخلل هذه المدة من أحداث ومواقف صعبة،لم يجر بيني وبينه أي خلاف يؤدي إلى القطيعة. حتى ونحن على طريق الافتراق في منتصف عام 1971. لم يفرق رفعت أسد بين موقفينا في ذلك الحين. فأرسل ناقلة جنود من سرايا الدفاع التي كان يقودها، وحال خروجنا نحن الاثنين من قيادة الصاعقة إلى (اوتوستراد المزة) تبعتنا سيارة. وحين وصلنا الى نهاية الطريق، أدار محمود السيارة قاصداً العودة. وفي لحظة دورانه بالسيارة إلى اليسار، صدمت السيارة صدمة قوية في جانبها الأيسر الخلفي. فدارت السيارة على نفسها أكثر من مرة وحطت واقفة. ولم اصب أنا وجرح محمود في وجهه. إن افتراقنا عام 1970 بعد حركة تشرين التي تسلم خلالها الرئيس الأسد السلطة في سوريا. كان هذا الافتراق طبيعياً. فلقد كنا مختلفين فكرياً وسياسياً منذ أن تحول تنظيم الضباط عن الهدف الأساس الذي من أجله أقيم هذا التنظيم، إلى هدف فرعي هو (تعريب الجيش). ولكن ظروف المرحلة وطبيعة القوى الفاعلة فيها عربياً ودولياً، وكذلك العلاقات التاريخية بيننا جعلتنا قادرين على السير معاً حتى منتصف عام 1971 حين دخولي سجن المزة.
والصحيح أن الافتراق حدث بعد انقلاب الرئيس الأسد في 16 تشرين عام 1970. فقد وقف محمود إلى جانب الانقلابيين، ولم يكن بعيدا عن الحقيقة. حينما قال لي محاولاً تفسير موقفه. إنهم كلهم مثل بعضهم. الذين ذهبوا إلى السجن. أو الذين تولوا السلطة. وهذا تعميم تبريري وفيه الكثير من التجني. لأنه لا يمكن أن يكون كل الذين ذهبوا إلى السجن مثل الذين تولوا السلطة. وإلا لما كان هناك مبرر للانقسام. نعم كان هناك بين الذين ذهبوا إلى السجن من ساهم بفعل جاد وعامد بإيصال السياسة السورية إلى نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة. ولكن كان بينهم قوميون شرفاء شكلوا عائقاً جدياً أمام هذا الهدف المقصود وأخص بالذكر (محمد عيد عشاوي ويوسف زعين وفوزي رضا).
إن الذين تولوا السلطة هم التصفية لمرحلة آذار وحتى "الحركة التصحيحية". فتسلم الفريق الأسد السلطة هو نهاية مرحلة تاريخية في سورية والإقليم. وبداية مرحلة جديدة تتوافق تماماً وسياسة المعسكرين. وهي من أهم الصفقات التي جرت في تلك المرحلة بين الـ (k. G. B) وال (c. I. A).
لقد قال بعضهم أن محمود استغلني، وهذا قول مردود. إن محمود لا يستطيع أن يستغل أحداً، وكان موضع لاستغلال بشع وحقير، من أقرب الناس ومن أبعدهم. من عمران المعايطه وحتى الملك حسين وما بينهما. أما أنا فموقفي منذ التزامي واضح. صحيح أنني لم استطع إقناع رفاقي بمن فيهم محمود وشاهر. ولكن لا شاهر ولا محمود كانا سبب ذلك.
في إحدى دورات المجلس الوطني الفلسطيني التي كانت تعقد في القاهرة، دعانا الأستاذ عبد الله الريماوي على الغداء أنا ورفاقي ممثلي منظمة الصاعقة في المجلس الوطني، ودعوناه نحن بعد ذلك إلى الغداء في فندق سمير أميس، حيث كنت أسكن. وفي المرتين سأله الرفيق حسن الخطيب،عن أحداث عام 1957 في الأردن. وفي المرتين كان جواب الأستاذ عبد الله واحداً (اسأل محمود) لماذا محمود؟ وهو لم يكن أميناً لقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي في الأردن. ولا رئيساً للجنة العسكرية. لماذا لم يقل الأستاذ عبد الله اسأل قيادة الحزب القومية؟ وقد افترق عنها منذ زمن، لماذا لم يقل إن موقف قيادة قطر الأردن للحزب كان (كذا وكذا)؟ لماذا لا يوضح أحداثاً مصيرية جرت على ساحة الأردن في مرحلة – نضالية سابقة؟ وكان دوره رئيسياً فيها، لرفيق مناضل يخوض تجربة جديدة. لماذا يختزل كل قول حول هذه التجربة وهو قول كثير، بكلمتين ( اسأل محمود)؟ (لأنه دين مستور). إن الجهة الوحيدة المسؤولة عن تقييم الواقع السياسي في كل مناحيه ومن ثم تقدير الموقف في حينه (هي قيادة قطر الأردن). لتأتي بعد ذلك كيفية مواجهة هذا الموقف. لنحدد بعد ذلك واجبات الجهاز الحزبي ومسؤوليات الأشخاص المسؤولين عن تنفيذ هذه الواجبات. ومن الجهاز الحزبي بالطبع اللجنة العسكرية التابعة لقيادة القطر، والتي كان على القيادة القطرية مجتمعة أو بواسطة أمين سرها الأستاذ عبد الله. إعطاءها واجباتها ومسؤولياتها المحددة والمبنية على قرارات القيادة، لأنها الأداة الأساسية في حينه لمواجهة الواقع المضاد للديمقراطية المتجه للسيطرة على الأردن آنذاك. وحينها لن يكون أمام شاهر ولا محمود ولا ضافي إلا واحد من اثنين، أما الالتزام أو عدمه، ويتحمل المسؤولية حينها كما يحملها إياه الأستاذ عبد الله عسفاً. إنني لا أدافع عن محمود، فلمحمود زلاته الكبيرة،ولكن ما كان لمحمود أو شاهر أو لغيرهما من أعضاء اللجنة العسكرية أن يتعاملوا مع الواقع الخطر بهذا الأسلوب التآمري،الذي قاد إلى التعارض بين مراكز القوى الوطنية، لو أن هناك قراراً واضحاً في قيادة الحزب بغض النظر عن مضمون هذا القرار، إن كان بالتصدي أو الاستسلام، يكون شاهد للتاريخ على مدى الالتزام أو عكس ذلك. أما حينما تترك الأمور في واقع مثل واقع الأردن السياسي في ذلك الحين دون وضوح ودون تقدير للواجبات والمسؤوليات، تصبح الساحة ميداناً لكل ذي حيلة مضادة للوطن. حينها لا يجوز القول (اسأل فلان واسأل علان). والحقيقة الموضوعية أنك لا تستطيع توجيه اللوم إلى أحد. فنحن أمة انفصلت عن حقيقتها منذ قرون عديدة،وأصبحنا مطمحاً ومطمعاً لكل طامع في هذا العالم،شرقه وغربه. فمنذ سقوط بغداد - حتى سقوط خلافة بني عثمان صرنا (تركة رجل أوروبا المريض)، الذي ما أن مات حتى تقاسمنا الذين ورثوه (الإنكليز والفرنسيون). فجزأو بلادنا إلى دويلات، واقتطعوا جزءاً حياً من جسمنا، من لحمنا ودمنا، وجثموا من خلاله على صدورنا، ونصبوا مواليهم علينا قادة، وزرعوا في واقعنا تحت كل حجر صغير (عقرباً) (وفي كل حجر كبير أفعى)، وصاروا يخلقون لنا من الشبه أربعين. هذا هو واقعنا كعرب في تلك المرحلة. لقد قال صدام حسين وهو لم يكن في قمة السلطة: إن على ظهر العراق من الجواسيس والمشبوهين، بقدر ما على سطحه وجوفه من خيرات. فإذا كان هذا هو واقع العراق، الباني للحضارات والقادر على بناء القوة من ذاته، فكيف ببلد صغير فقير كالأردن، غير مؤهل أصلاً أن يكون قوة من ذاته. ومن هنا فإن اللوم باطل، وإن هي إلا مرحلة لابد من السير خلالها إلى مراحل أخرى، تتراكم خلالها الخبرات والمعارف ثمناً للتضحيات التي سيقدمها شعب هذه الأمة .
هيئة التحقيق:
بعد إيداعنا المعتقل، تشكلت هيئة تحقيق عسكرية برئاسة العميد (عزت حسن غندور)، وعضوية عقيدين أحدهما كان العقيد (محمد توفيق الروسان) الشهير (بأبي الحكم). وقد زاد في تعقيد القضية خروج نذير إلى دمشق. هذا الخروج قطع الخيط الذي يربط السلسلة حتى نهايتها. ومن هنا كانت مهمة هيئة التحقيق العسكرية صعبة وشديدة التعقيد. فهم يريدون أن يثبتوا أنه كان هناك مؤامرة على النظام، والنظام ومن وراءه، هو الذي حرك الأحداث في كل اتجاهاتها المتناسقة والمتعارضة. فهو الذي أخرج رئيس الأركان اللواء علي أبو نوار من البلاد. ودوره أساسي في خلق الحالة التي كانت عليها البلاد. وبالتأكيد أنه هو الذي أخرج النقيب نذير رشيد قائد المدرعات الأولى من البلاد، (فالنظام لا تنقصه الحيلة وفي صفه كل هذه القوى القادرة). ودور النقيب نذير رشيد، هو الأساس الذي ستبنى عليه المؤامرة منطقياً وقانونياً. ولكن النظام كان معنياً أولاً بنتيجة الصراع. وحينما ينتهي الصراع لصالحه، حينها يستطيع أن يخلق المؤامرة التي يريد ويضع أركانها، بل وأشخاصها على هواه وقد فعل.
ولما لم تستطع هيئة التحقيق العسكرية ترتيب قضية المؤامرة هذه ووضعها في قالب منطقي وقانوني، دعموها بشخصيتين قانونيتين، أحدهما قاض في إحدى محاكم البداية، اختاره الأستاذ بهجت التلهوني لهذه المهمة، والثاني كان مدعياً عاماً في مدينة القدس، لم أعد أذكر أسمه.
استدعيت إلى التحقيق والمقدم معن أبو نوار (قائد لواء الأميرة عالية) الذي جرت فيه حالة الشغب والتمرد. وكانت هيئة التحقيق في مركز تدريب العبدلي في غرفتين على صف واحد وأمامهما ممر. فور وصولنا استدعى المقدم معن أبو نوار إلى التحقيق وانتظرت في الغرفة المجاورة. وبعد أقل من عشرة دقائق، سمعت المقدم معن يصيح بصوت عال،) الله أكبر،الله أكبر) وهو يقف في الممر مباشرة بعد هذه التكبيرة استدعوني إلى غرفة التحقيق. واستقبلوني بوجوه باسمة، وأخص بذلك العميد عزت، وعندما أصبحت في مواجهتهم قال العميد عزت بالحرف قاصداً إسماعي هذا القول: إنني أعرف أن هذا (الجبان)، لا علاقة له بالمؤامرة، وإنما قصدي أن أخيفه. ثم قام بتوجيه الأسئلة إلي وإفادتي موثقة. وكان السؤال الأول هو: ماذا تعرف عن المؤامرة،أو ما هي معلوماتك عن المؤامرة؟ فكان جوابي، إنني لا أعلم إن كان هنالك مؤامرة. وذكرت لهم أين كنت في ليلة الأحداث. وقلت لهم، إن إنساناً مشتركاً في مؤامرة أو على اطلاع إن كان هناك مؤامرة يجري تنفيذها، لا يمكن أن يكون في المكان الذي كنت فيه أثناء تنفيذ المؤامرة، فسألني العقيد محمد توفيق الروسان السؤال التالي: ما هي معرفتك بتنظيم الضباط الأحرار، وهل هناك تنظيم بهذا الاسم؟ قلت نعم، هناك تنظيم باسم تنظيم الضباط الأحرار في الجيش كان قائماً قبل إقالة الفريق كلوب. واستمر قائماً بعد ذلك. ثم سألني عن قولي أمام الكتيبة (نحن لا نعبد أصناماً) فارتبكت.ثم سألني عن واقعة رفض أحد الضباط للأمر الذي أعطيته بخروج الكتيبة (لمشروع تدريبي) وردي عليه. فأجبته بأنها صحيحة. وسألني السلوادي مدعي عام القدس وعضو هيئة التحقيق،سؤالاً تبين لي فيما بعد أنه سؤال خبيث وخطير، قال: هل تحسبتم واستعديتم للدفاع عن أنفسكم. وكوننا لم نفعل ذلك. أجبته بالنفي. هذه الأسئلة، تدل على أنهم على معرفة دقيقة بالذي جرى في اليوم التالي، حين التقيت بمحمود وأحمد بكتيبة مدفعية الميدان الخامسة، وبعد أن انتهى التحقيق. دعونا لتناول الشاي معهم وعلى وجبة الشاي هذه،قال العميد عزت رئيس هيئة التحقيق،إنكم لستم أنتم المتآمرين، المتآمرون هم الذين فروا. فارتاحت نفسي بهذا القول. هذا هو الذي أتذكره من ذلك التحقيق. ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد بالنسبة إلي، فهناك واقعة غريبة لابد من ذكرها، لا أعرف ما هي الأسباب والمعطيات التي كانت لدى اللواء (في حينه) حابس المجالي رئيس الأركان ، أن يستدعي بعض شيوخ بني حميدة العشيرة التي أنتمي إليها، إلى القيادة العامة للجيش؟ ومن ثم يأتوا بي من مكان الاعتقال ويجمعوني بهم في مكتب رئيس الأركان وبحضوره، وهم الشيخ الشراري الرواحنه، النائب في البرلمان في ذلك الحين، والشيخ كساب الشخانبه الذي أنتمي وإياه إلى فرع عشائري واحد، والشيخ مسلم أبو قعود). ولما جلست دون أن أصافحهم. خاطبني (أخو خضرا) اللواء حابس،قائلاً:يا ضافي هؤلاء شيوخ بني حميده،طلبت حضورهم حتى يكونوا شهوداً على ما سأقوله لك، وأيضاً (اكفلا و ضامنين لما سأعرضه عليك)، والعرض هو أن تكون شاهد ملك على المؤامرة والمتآمرين. ولن يجري عليك أي أمر، وتعود للجيش مكرماً. فنظرت إلى الرجال الجالسين أمامي واحداً واحداً (نظرة عتب) ولما وصلت بنظري إلى كساب الشخانبة،رفع حاجبيه إلى الأعلى،الإشارة التي تعني،إياك. فأكبرت ذلك فيه. طبعاً كان تحقيق ما طلبه حابس أمراً مستحيلاً بالنسبة إلي قبل التحقيق، فكيف والتحقيق قد انتهى. فأجبته أنني لا أعرف إن كان هناك مؤامرة، ولذلك لا أعرف المتآمرين. ولابد أنك تعرف أين كنت في ليلة الأحداث. ولا يعقل لرجل يعلم عن مؤامرة ومشترك فيها، أن يكون في الوضع الذي كنت عليه تلك الليلة وبعد هذا القول خرجت من اللقاء .
الاتهام:
سلم إلينا الادعاء العام لائحة الاتهام،والتي نصت في فقرتها الأولى على الشروع في قلب نظام الحكم. وعقوبتها الإعدام. وكان بين المعتقلين الرائد عبد الله الصعوب، المستشار القانوني في رئاسة الأركان سابقا. فسألناه رأيه في لائحة الاتهام هذه، وكان رأيه طريفاً، ولهذا أذكره هنا. قال: إن لائحة الاتهام هذه لا تصلح أساساً لواقعة سطو على (مقثاه). وكان المعتقلون هم السادة
1- اللواء محمد المعايطة 2- المقدم شاهر اليوسف 3- المقدم أحمد زعرور 4- المقدم محمود المعايطه 5- المقدم نايف الحديد 6- الرائد تركي الهنداوي 7- الرائد شوكت السبول 8- الرائد عصمت رمزي 9- الرائد عبد الله الصعوب 10- النقيب ضافي الجمعاني 11- النقيب توفيق الحياري
12- النقيب عبد الله قاعد 13- النقيب جعفر الشامي
14- الملازم الأول كريم عقله 15- المقدم معن أبو نوار.
لم يقدم إلى هذه المحكمة كل من: (الرائد عصمت رمزي والرائد عبد الله الصعوب وكذلك المقدم معن أبو نوار)
المحكمة والمحاكمة:
تشكّلت المحكمة برئاسة العقيد (عكاش الزبن) وعضوية ثلاث عقداء. أحدهم العقيد عبد الكريم البرغوثي (مدير الأمن العام فيما بعد)، وهو حقوقي، وعقيد من العريقات، أما الرابع فلا أذكره. كلفت (الجهات العليا) العميد فواز ماهر برئاسة هذه المحكمة، ولكنه رفض تحمل تبعات هذه المحاكمة. وتحملها العقيد عكاش الزبن. إن الذين اختاروا العقيد (عكاش) لهذه المهمة، اختاروه لسببين، الأول أنه مطواع لأمريه والثاني لأنه من عشيرة قوية في الأردن، وهي عشيرة بني صخر، (وتنقصه صلابة أهله). نقول عندنا (ثلثين الولد لخاله). إن والد عكاش هو حتمل أبن زبن،من أبرز وجوه بني صخر. وأبرز شخصية في حينه، في فرع الزبن من الصخور. وكان قاضياً عشائرياً ومتمكناً. أما والدته فأصلها غير معروف. جاء بها حتمل أبن زبن في إحدى غزواته،اسمها (بدرا). ويطلق الصخور عادة والزبن خاصة عليه وعلى أخيه (هويمل) وهو اسم على مسمى. (اعيال بدرا). هذا هو رئيس المحكمة. ولذلك فلا المحكمة ولا المحاكمة كانت ذات قيمة تراثية. ولكنهما كانتا ذات دلالة على طبيعة الأمور ونوعية القائمين عليها. إن أسماء أعضاء المحكمة والادعاء العام والمحامون والشهود ووثائق المحكمة كلها موجودة في القيادة العامة للقوات المسلحة. وأنا في وضعي الحالي (في سجن المزة)، لا أستطيع أن أتذكر إلا جزءاً يسيراً. ومن هنا لابد من الرجوع إلى هذه الوثائق، حتى تكتمل الصورة من القضاة والادعاء العام والمحامين والشهود، وهذه الصورة تعطيك دلالات واضحة على النهج الجديد للسلطة. إرهاب،تزوير،إفساد لمصلحة الرؤية المستقبلية للواقع كما ينوون خلقه.
وهناك مفارقتان،لابد أن أذكرهما هنا،أولهما أن جميع الضباط الذين قدموا إلى المحاكمة هم من شرقي الأردن. والثانية أن جميع المحامين الذين تطوعوا للدفاع عنهم هم من فلسطين. ولم يكن بينهم محام واحد من شرقي الأردن. أما المفارقة الأولى فأسبابها معروفة وهي أن العنصر الفلسطيني بين رتبة نقيب، إلى رتبة مقدم كانت تقريباً غير موجودة في القوات المسلحة. فأكثرهم في الرتب العليا التي التحقت بالجيش بعد حل قوة حدود شرقي الأردن والبوليس الفلسطيني. ولم يكن المدى الزمني كافياً لمن التحق بالجيش من الفلسطينيين بعد وحدة الضفتين الوصول إلى أعلى من رتبة ملازم أول. أما المفارقة الثانية فهي أنه لم يكن بين المحامين الذين تطوعوا عنا ولا محام من أصل شرق أردني فهي غير مفهومة. (إلا إذا اعتبرنا أهل شرقي الأردن هم (رعية سيدنا) في حينه، فمن غضب عليه، غضبوا عليه) وقد تطوع للدفاع عنا أربعة محامين،هم: الأستاذ أنور نسيبه وزير الدفاع الأسبق والوزير لأكثر من مرة، والأستاذ عزيز شجاوه والأستاذ حوا. وكان أبرزهم الأستاذ نسيبه. كان دفاعه قوياً ويتمتع بكفاءة عالية على مناقشة الشهود،من خلال فضح النوايا المبيتة التي لا تستند إلى القانون. وأجبرتهم أجهزة أمن الدولة على التخلي عن الدفاع عن المتهمين،بعد أن أيقنوا أن لا جدوى من الدفاع عن المتهمين أمام هكذا محكمة، إذا كانوا يريدون أن يبقوا أمناء على شرف المهنة ولهذا أعلنوا انسحابهم.
الشاهد الذي أسقط تهمة الشروع في قلب نظام الحكم:
لقد وجه الادعاء العام تهمة الشروع في قلب نظام الحكم إلى المتهمين. وعقوبتها الإعدام. وفي أول شهادة أدلى بها أحد قادة سرايا كتيبة المدرعات الأولى، وهو شاب برتبة ملازم ثاني من بني خالد في شمال الأردن. انصبت شهادته على الأوامر الصريحة التي أعطاها إياهم قائد كتيبة المدرعات الأولى النقيب نذير رشيد، حول تطويق القصر الملكي. وبعد أن أنهى شهادته، وجه إليه عضو المحكمة العقيد عبد الكريم البرغوثي سؤالاً، مضمونه من هي الجهة التي أعطتكم الأمر بالتحرك إلى القصر الملكي ليلة 13-14/4/1957، ولماذا كان هذا التحرك؟ فأجاب الشاهد بزهو، تحركنا نحن من أنفسنا لحماية الملك من المؤامرة. وهو صادق في الجانب الأهم بالنسبة لنا (أي أنه لم يتحرك بناء على أوامر قائد الكتيبة). إلا أنه كان كاذباً في الجانب الثاني من الإجابة، لأنه لم يتحرك من ذاته ولكن بناءاً على إيعاز. وعلى هذه الشهادة كانت كل شهادات ضباط وقادة وسرايا المدرعات الأولى.







 
رد مع اقتباس
قديم 21-03-2010, 04:01 PM   رقم المشاركة : 18
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

وكان أبرز الشهود المدنيين رئيس الوزراء الأسبق السيد سعيد المفتي، والذي ذكرت مبرر شهادته، والسيد عاكف الفايز الذي لا أتذكر سبب شهادته ولا مضمونها. ولكني أعرف أن أبرز ضابطين حرصا على التمرد في لواء الأميرة عالية، كانوا من بني صخر، أما الشاهد المدني الثالث فكان الأستاذ مدحت جمعة، مدير الإذاعة الأردنية، وشهادته كانت كلها ضد الأستاذ عبد الله الريماوي، وحزب البعث العربي الاشتراكي. أما أبرز الشهود العسكريين، فكانا العميد صادق الشرع مديرهيئة الاركان سابقا في حينه والنقيب بطرس حمارنة، و أهم ما ورد في شهادة العميد. هو أن اللواء علي أبو نوار رئيس الاركان السابق، حاول القيام بانقلاب عسكري، والاثبات الأهم هو العلم الموجود أمامكم على الطاولة،كدليل مادي على ذلك .
حينما سأله العقيد عبد الكريم البرغوثي عضو المحكمة،أليس هذا العلم،هو علم المملكة الأردنية الهاشمية ؟ أجاب العميد صادق بصلافة بـِ "لا"، ولما أصر عضو المحكمة على سؤاله، قائلاً أليس هذا التاج الذي في رأس العلم هو التاج الملكي. فرد العميد صادق بصيغة يكفيك أسئلة، قائلاً: لا، إن علم المملكة الأردنية الهاشمية لا يحيط به هدب مذهب. أما شهادة النقيب بطرس حمارنه، فقد انصبت ضد حزب البعث العربي الاشتراكي والنشاط البعثي في الجيش. وبعد أن انتهى الشهود من الادلاء بشهاداتهم طلب رئيس المحكمة من المتهمين إن كان هناك ما يريدون قوله،ومع أننا كنا قد قررنا الامتناع عن الدفاع عن أنفسنا. إلا أن محمود قال كلمته. ومن بعده قال الكثير من المتهمين كلماتهم ومنهم أنا. وكان دفاع محمود هو الأهم.
وملخص ما قاله، أن إفادات الشهود ملفقة وانصب هذا النقد، على شهادة جندي من مدينة المزار في محافظة الكرك. هذا الجندي كان من ملاك الكتيبة التي كنت أقودها،حكمته أربعين يوماً سجن قبل اعتقالي بيومين، لأنه كان يتجول في الكتيبة محتزماً (شبرية)، يحرض الجنود على التظاهر تأييداً للملك. وكانت شهادة هذا الجندي، هي الوحيدة التي تضمنت إشارة إلى الحقيقة. ومضمون الشهادة أنه من على شجرة عالية، تطل على منزلي الذي جرى فيه الاجتماع، رأى المتهمين وهم مجتمعين. لكنه نسج حول هذه الدلالة نسيجاً خيالياً حول المؤامرة والمتآمرين. وروايتين يستحيل إثباتها. من أين جاء بها لا أعرف، ولكن الأمر الأكيد أن جهة معينة في السلطة تعرف الحقيقة. ولا تريد أن تكشف مصدرها. فالاجتماع بحد ذاته لا يشكل إثباتاً على المؤامرة، أما الأمر الأهم فهو استحالة رؤية المجتمعين وهم مجتمعون أو سماع ما يقولون من الجهات الأربع، حتى لو تواجد هذا الجندي في ساحة منزلي وارتقى أعلى الأشجار. فالاجتماع في صالون منزلي ومكان الاجتماع هذا يفصله عن باقي المنزل ممر عرضه متران - يحيط بالصالون من الجهات الثلاثة (الشرق والشمال والغرب). أما من الجنوب فلابد لك أن تدخل إلى باب الحديقة الذي يبعد أكثر من عشرة أمتار إلى درج يوصل إلى (برندا) عرضها ثلاثة أمتار، تغطي ثلاثة أرباع واجهة البيت. مغطاة كاملاً بنبات المديدة، وهو حتى لو وجد في أي موقع إن كان على أسوار أو أشجار جيراني كما قال، أو حتى في ساحة منزلي فهو لا يستطيع أن يرى المجتمعين أو يسمعهم. من هنا جاء قول محمود لو أن هذا الشاهد كان لديه منظار (جاليلو) لما استطاع أن يكشف ما قاله. والعجيب في الأمر، أنه حينما جاء دوري في الكلام لم يرد في ذهني أنني يجب أن أرد على شهادة هذا الجندي،فأنا لم أعر شهادته ومضمونها أي اهتمام. بل نسيتها كلياً. لماذا؟ لا أعرف. ولو مرت ببالي واستنتجت بأنني يحب أن أرد عليها، لالتزمت بقرار (عدم الدفاع). فأنا ذو طبيعة ضعيفة أمام الحقيقة. وبهذا بعد أن جلست بعد كلمتي التي لم يكن فيها ما يفيد، بل على العكس، نظر محمود إلى الخلف إلي مباشرة، نظرة استهجان ولوم. وفي ذهنه أن عدم تكذيبي لشهادة الشاهد، تعني أنني أعترف أن شهادته صحيحة. ولكن تبين له فيما بعد أن هذا الشاهد ولا غيره من الشهود هم سبب هذا الحكم الجائر. إنها السياسة المستقبلية للأردن .
الحكم:
إن الحكم الذي صدر علينا لم يكن حكم محكمة تعتمد القانون أساساً للأحكام. بل هو حكم سياسي مبني على معرفة ذاتية للسلطان وأسياده ومن يلوذ بهم. خلال مرحلة طويلة من التعامل والتعارف. استمرت منذ تعيين المقدم علي أبو نوار كبيراً لمرافقي الملك، حتى ليلة 12-13/4/1957 وما بينهما. وكان على محمود وغيره أن يعوا هذه الحقيقة. حقيقة الواقع ومسار الأحداث. لا يكفي أن تقطع أحد الخيوط لطمس الحقيقة. فالملك وعلي أبو نوار وغيرهم يعرفون أن نذير هو جزء من قيادة معروفة بالجيش. وما قام به بغض النظر لمصلحة من، لابد وأن يكون له صلة بهذه القيادة، وخط هذه القيادة السياسي واضح، وهو مضاد لتوجه الملك حسين في الحكم. ولهذا جاء حكم المحكمة ذو شقين. الحكم بالمؤبد على المتآمرين الذين هم خارج البلاد، اللواء علي أبو نوار والأستاذ عبد الله الريماوي والنقيب نذير رشيد. أما الشق الثاني وهو الحكم المصمم الذي استهدف قياديي تنظيم الضباط الأحرار، ولا أحد غيرهم. وأقول لا أحد غيرهم، لأن المقدم نايف الحديد قائد السلاح المدرع الذي كان له موقف متميز أثناء الأزمة بوقوفه إلى جانب حكومة الديمقراطية. برأته المحكمة لكونه لم يكن عضواً في قيادة تنظيم الضباط. وللسبب نفسه برأت المحكمة النقيب توفيق الحياري قائد إحدى كتائب الدبابات. وكان من المقربين للواء علي أبو نوار. والضابط الوحيد الذي حكمته المحكمة مع قياديي تنظيم الضباط هو الملازم الأول (كريم عقله) مساعد قائد كتيبة المدرعات الأولى، وهو من عرب السردية، شجاع وشهم. رفض الشهادة ضد قائد وحدته. لقد قررت المحكمة استناداً إلى مادة في قانون العقوبات، اعتبرتها تنطبق علينا. إن وجودنا على رأس وحداتنا قد شجع المتآمرين على التآمر، عقوبة هذه المادة هي من (3-10) سنوات اعتقال. فوضعتنا محكمة (ولد بدرا) في كيس واحد وأعطتنا أقصى العقوبة،عشر سنوات اعتقال. وقد برأت المحكمة اللواء محمد المعايطة والذي ليس له ذنب سوى أن أطراف اللعبة السياسية قرروا استغلاله. وهكذا أسدل ستار الزمن على مرحلة طلاؤها وطني ديمقراطي، كان يمكن أن تكون ذات مضمون وطني ديمقراطي، لنبدأ مرحلة قمع وإرهاب، فساد وإفساد وعبادة أصنام قادت إلى هزيمة عام 1967.
في منفردات سجن المزة بدمشق، كانت مرحلة ما بعد عزل الفريق (كلوب) وحتى انقلاب الملك حسين على الديمقراطية، من أكثر المراحل السياسية وروداً على ذهني. وأنت حينما تكون منفرداً وتستعيد الأحداث،يرد على ذهنك أدق التفاصيل، وأكثرها وضوحاً. وقد ورد إلى ذهني سؤال طرحته على نفسي وهو طبعاً (سؤال افتراضي)، لا يجوز أن تؤخذ نتائجه التحليلية موضوعياً، لكن معطيات الواقع العربي منذ عام (1957-1993)، تغري إنساناً مثلي كان أحد ضحايا معايشتها أن يقول لو افترضنا أن النظام في الأردن قد أطيح به عام 1957. ما هي النتائج التي ستترتب على هذا الحدث،ومردوده على الواقع العربي سلباً وإيجاباً؟ وأعود وأكرر أنني لست عدواً للملك حسين كإنسان بغض النظر عن اسلوب حكمه، والخط السياسي الذي انتهجه عربياً – ودولياً. لأنه ماذا يستطيع من يحكم الأردن، إن كان الملك حسين أو غيره. يؤمن بالأردن ككيان مستقل ويؤمن لذلك (بأنه جزء من العالم الحر). كما يعلن الملك دوماً ويعمل من أجله، سوى أن يكون أسيراً هذه الاستراتيجية المعادية لطموح العرب؟ أنا عدو للكيان الأردني ككيان مستقل، فالأردن جزء من نسيج واقع جغرافي وديمغرافي أريد له أن يتشظى، وتطمس حقيقته، ويستحيل عليه أن يكون وطناً مستقلاً خارج هذا النسيج، وخير من عبر عن هذه الحقيقة شاعر الأردن الكبير السيد مصطفى وهبي التل (عرار) الذي قال:
يا هبر استقلالنا الكرتون وربك أخرجني من ديني
فرحت بين الناس كالمجنون أسألهم عنهم فما دلوني
إلا على قعوار والخمارة

أي على اليأس في خمارة السيد
أ - أن الأردن عقدة جغرافية في المشرق العربي بدون حلها أو قطعها، لا يمكن أن يأخذ هذا الواقع امتداده الطبيعي. فهذا الكيان اقتطع من سورية الطبيعية (كما أقتطع غيره، ولكنه أكبرها خطراً). فهو يمنع سوريا من الوصول إلى البحر الأحمر. ويفصل الجزيرة العربية والعراق عن فلسطين. ويفصل سوريه عن الجزيرة العربية. وهذا الكيان الذي هو وفلسطين جزء من حقيقة جغرافية أكبر بفصل الأردن عن فلسطين.
ب - إن الأردن ككيان صغير وفقير ليس لديه مقومات الدولة وليس كالكيانات الصغيرة الموجودة في الوطن العربي، كلبنان والبحرين وقطر وغيرها، فهذه جميعها على الأطراف. أما هو، فهو في الصدر المواجه لأكبر الأخطار على الإنسان العربي ووطنه وكونه لا يملك مادياً مقومات الدولة، فهو دوماً في حضن أخطر أعداء الأمة العربية مقاومة لنهوضها من عرب وغير عرب. ولا يلغي هذه الحقيقة آنذاك نداءات (جلالة سيدنا) المتكررة طلباً للعون المادي، لأنه يقف على أطول وأخطر الخطوط في مواجهة أعداء العرب. هذه المناداة اللحوحة والمتكررة لا تلغي حقيقة الأردن الجغرافية (الجيوبوليتكية) والمهمة الاستراتيجية للكيان الأردني. فمهما قدم من عون مادي وسياسي، فهو لن يستخدم إطلاقا من أجل تقوية واقع الأردن، وجعله يمتلك القوة من ذاته. خاصة وهي تأتي من الجهات الأجنبية والعربية التي تعرف الأسباب الاستراتيجية لخلق واستمرار وجود هذا الكيان. كما أن هذه الندآآت المستندة إلى نشاط سياسي واسع كان يقوم به الملك حسين ومن يعينه على ذلك يستهدف طمس حقيقة أهم، وهي أن الأردن، إنساناً وأرضاً جزء من حقيقة أكبر. إن إزالة النظام في الأردن، تعني ببساطة إزالة الهدف الاستراتيجي الذي من أجله وجد الكيان في شرقي الأردن، وتعني إزالة حاجز سياسي وأمني مدعوم بقوة من كل أعداء العرب ونهوضهم. ومن أهم هؤلاء الأعداء أو أهمهم الصهيونية العالمية، والبديل الوحيد لازالة هذا الكيان هو أن يمتلك الاردنيون ارادتهم الحرة ليقرروا مصيرهم و مصير الأجيال القادمة من أبنائهم .
ومن هنا من هذه النقطة المركزية جرى الصراع بين قوى الحرية و بين أعدائها في تلك المرحلة. ونكون بذلك قد هدمنا سداً مهماً من السدود الموجودة التي تمنع حركة انسياب التواصل العربي. إن إزالة النظام سيسقط أكثر من عامل مهم ومؤثر في لعبه الأردن ككيان، من خلال موقعه وواقعه ضد طموح شعب فلسطين في استعادة حقه في أرضه وعليها، وسيفرض هذا الأمر سياسات دولية وعربية أكثر قبولاً ودعماً لحقوق شعب فلسطين. إن تغيير النظام في الأردن سيعطي دعماً أعمق وليس سطحياً لتوجيهات ثورة يوليو العروبية في مصر. ولن تكون الوحدة التي قامت بين مصر وسورية على نفس الأسس التي قادت إلى الانفصال، لأن الديمقراطية التي ستكون بديلاً عن الملكية المطلقة في الأردن ستتعزز، وستجد الديمقراطية التي كانت قائمة آنذاك في سورية، سنداً قوياً لمعارضة فهم الرئيس عبد الناصر لبناء الوحدة، والأهم أن حركة (فتح) التي لم توجد بعد في حينه،لا يمكن أن تتواجد في الأردن،لأنها لن تجد ساحة خالية من الفعل الوطني باتجاه فلسطين. ولا آذاناً صاغية لمقولات تقسيمية،ولا نظاماً كان من العوامل الاساسية للهزائم المتكررة أمام الصهيونية، وسيكون الطريق قد سد نهائياً في وجه الأنظمة والمنظمات التي قامت وقادت بتخطيط إلى هزيمة عام 1967. وهذا الواقع لو كان قائما، لقاد إلى تضامن عربي أكثر جدية، ولكان الواقع المحيط "بإسرائيل" متصل الحلقات، متوافق الدوافع. أما السلبيات التي يخافها الإنسان خارج الصورة (أي خارج الواقع). فهي أن تجري تدخلات أجنبية دولية وإقليمية، تحاول إثارة الفوضى والاضطراب لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه. هذا الأمر تقف ضد وقوعه عوامل عديدة هي:
1) أن التغيير لم يأتِ نتيجة انقلاب عسكري قام به عسكريون لهم أهداف سياسية لا يعلم امتداداتها إلا الله، والجهة الدولية صاحبة العلاقة. ولكنه نتج عن الصراع بين ملك يريد أن يكون سلطانه مطلقاً، وبين حكومة ديمقراطية تستند إلى أغلبية شرعية في مجلس نواب يمثل إرادة الناخبين وحقوق الملك الدستورية، في دستور المملكة الأردنية الهاشمية، (المفصل على المقاس). لن يكون لها قيمة في الصراع بين السلطة المطلقة والديمقراطية، حتى لو(وقفت) مع الملك كل إذاعات المستعمرين والصهاينة في حينه.
2) إن أغلبية الشعب مع الديمقراطية، إن كان في فلسطين (الضفة الغربية ) أو شرقي الأردن، والأغلبية الساحقة من الفلسطينيين، إن كانوا في فلسطين أو شرقي الأردن هم مع التغيير. وإذا ما استمرت الحكومة بإدارة شؤون البلاد مستندة إلى الأغلبية في مجلس النواب، فلن يكون هناك مشكلة داخلية يمكن أن تستغلها القوى المعادية. وإذا ما أراد أحد ما الدخول في مغامرة (لعل وعسى)، فسيجد شعباً موحداً عركته المحن مستعداً لملاقاته.
3) أن العامل الأخطر الذي كانت تخافه قيادة (تنظيم الضباط)، هو أن تستولي "إسرائيل" على ما تبقى من فلسطين، هذا الاستيلاء لو تم في ذلك الحين، ستخلق واقعاً في الساحة العربية يلغي كل المسار الذي قاد إلى هزيمة عام 1967،وفي عام 1957 لم تكن "إسرائيل" بقوة عام 1967 - ولا مصر بضعف عام 1967، وكانت قد خرجت من حرب السويس شاعرة بشعور المنتصر. ولم تكن أمريكا في حينه تقف بالقوة نفسها خلف "إسرائيل". وموقف الاتحاد السوفيتي من العرب سيكون أقرب إلى موقعه القوي عام 1957 في حرب السويس، من موقفه الضعيف عام 1967، عام هزيمة حزيران. أما الخوف من تدخل العراق في ظل حكم نوري السعيد، فقد تبين بعد عام أن لا أحد يستطيع استخدام جيش العراق ضد الطموحات الوطنية لأي شعب عربي.
إلى سجن عمان المركزي:
بعد صدور الحكم مباشرة، أعادونا إلى مكان اعتقالنا. وفوجئنا أن جميع شبابيك الغرف التي كنا نسكنها قد وضع عليها شبك حديد مطرز بأسلاك شائكة، مع أننا لم نمكث بها بعد صدور الحكم إلا الوقت الذي تمكنا خلاله من لملمة متاعنا، لننقل من هناك إلى سجن عمان المركزي، ( وهنا تفارق محمود مع مسدسه) وسلمه إلى رقيب أول من الحجابا كان رئيس فريق الحراسة عليه. وكون المحكمة كانت على عجلة من أمرها، وغير قادرة على التصرف، خارج الأوامر المعطاة لها. فإنها لم تخبرنا كيف نتصرف تجاه الرتب العسكرية التي كنا نحملها. ولهذا أنزلناها نحن من على أكتافنا أمام باب سجن عمان المركزي دون أن يشير علينا أحد بذلك. إنني واقعاً لا أستطيع وصف الحالة النفسية والشعور العام الذي كان عليه المحكومون، حينما أعلن رئيس المحكمة، الحكم ونحن وقوف،ولكنه بالتأكيد لم يكن شعور جزع أو إهتزاز - وسأكتفي بالتعليق الذي قاله الملك حسين، وهو ينظر إلى الصور المنتقاة خصيصاً من بين عشرات الصور التي التقطت لنا ونحن وقوف نستمع إلى قرار المحكمة. هذه الصور المنتقاة لم تدخل السرور إلى نفس جلالته حينما لم ير في صور هؤلاء الرجال جزعاً ولا ما شابه، بل رجالاً شديدي التماسك. قال قولته (على من يعتمد هؤلاء الناس ). طبعاً لم يدخل في ذهن الملك حسين وهو بعد صغير السن،قليل الخبرة ،أن هؤلاء الرجال الذين وفَروه،ليغدر بهم،كانوا معدين نفسياً ومعنوياً لما هو أسوأ من ذلك، ومن هذا فإن دخولهم السجن كان أهون الشرور.
العيش في غرفة انتظار الإعدام:
بعد الإجراءات العادية التي يجرونها مع كل سجين يدخل السجن، قادونا إلى غرفة هي الخامسة في هذا الصف الطويل، الواقع إلى يمينك وأنت تدخل من بوابة السجن الرئيسية. فكانت هذه الغرفة التي سكناها أسبوعا، هي غرفة انتظار للذين سينفذ بهم حكم الإعدام شنقا،فلها باب يفتح على غرفة المشنقة، وكانت ألواح هذا الباب الخشبية التي لم يبق منها الكثير ترينا المشنقة،وخندقها تحتها بوضوح .
طبعا هذا الوضع السخيف كان مقصود به إرهابنا، وبهذا يكون قد انتهى واقع أمني ونفسي، عانيناه منذ أحداث 12-13-1957 .
هذا الواقع الجديد هو نهاية مرحلة عاصفة،استقرت في نهايته الأمور بالنسبة لنا. في اليوم التالي زارتني (أم موسى) أم أبنائي،و كانت في شهر حملها الأخير بإبنتنا (كفاح)،وقد هالني الأسى البيّن على وجهها، فقد كان وجهها الأبيض شديد القتامة، مغطى بكثافة بالكلف الأسود الناتج عن الحزن الشديد والخوف من المستقبل .
وقفت و إياها متقابلين في المكان المخصص للزيارات العامة،يفصل بيني و بينها حائط يرتفع حتى أدنى الصدر،يعلوه فاصل من الحديد المبرومأفقيا وعاموديا،يمتد على امتداد المكان يفصل أفقيا بين القضيبوالآخرمسافة(عشر سم)، ولهذا فالرؤيا بين السجين و زائره واضحة، والمسافة قريبة والحديث مسموع و منغصات الزيارة معدومة، (هذا قبل أن تزحف علينا حقوق الانسان الأمريكية ). لم نتبادل الكثير من الحديث فليس لدى أي منا ما يقوله للآخر، والزيارة فقط للاطمئنان. إننا وصلنا إلى مقرنا الجديد .
الانتقال إلى مكان سكن جديد:
بعد أسبوع من دخولنا السجن نقلنا إلى مكان أفضل، إلى غرفة من أصل ثلاث غرف، مستقلات يقعن إلى يسار بوابة السجن الرئيسية مباشرة، مسورات بصور خاص. أنزلونا في الغرفة الأبعد و هي بمساحة الغرفة التي كنا نسكنها، بجانبها غرفة صغيره كان بها ثلاثة أشخاص، منهم الأستاذ حسن النابلسي، وهم متهمون بالشيوعية، و ظهر أنه كان هناك نية في إخلاء سبيلهم مستقبلاً حينما تتهيأ الظروف .
و بهذا لم يرسلوا إلى الجفر. و الغرفة الأقرب إلى بوابة السجن، كان سكانها خمسة معتقلين بينهم الدكتور ( منيف الرزاز)، والصيدلي (نزار جردانه). لقد حاولت القيادة العامة للجيش أن تفرض علينا أن نلبس لباس السجناء، إلا أن مدير السجن في حينه النقيب محمد العمري، رفض ذلك الأمر فتحجج بحجة قانونية، قائلاً: إنني لا أستطيع أن أفرض عليهم ذلك، فالحكم الصادر بحقهم هو (الاعتقال) وهذا الحكم يمنحهم إمتياز اللباس والمعاملة، وقيل حينها أن الذي طلب ذلك، هو مدير هيئة الأركان،اللواء صادق الشرع،فأستغرب الكثير منا ذلك، لأنه لم يكن بين أي منا و بين اللواء صادق، لا عداء و لا إحتكاك إساءة.
منذ اجتماعنا في سجن المحطة لم نتحدث حول ما جرى من احداث قادت إلى ما نحن فيه الآن، لأن هذا الموضوع حساس جداً وسيقود إلى خلافات حادة وحتى إلى عداوات، ولذلك اكتفينا بمناقشة مستقبل الضباط، لقد كنا قياده هذا التنظيم. وهناك ضباط في الجيش لا زالوا ملتزمين بهذا التنظيم،فهل لا نزال نعتبر أنفسنا قياده له. قال شاهر أنا أعتبر تنظيم الضباط منتهياً ومستقيلاً. نشاطي السياسـي سيكون في صفوف حزب البعث، فقلت أنا: إن تنظيم الضباط، يجب أن يبقى قائماّ، وهو لا يمنع الحزبين في البقاء في صفوف أحزابهم، خاصة وأن هذا الأمر كان معمولاً به منذ ولادة (تنظيم الضباط ). وتبين فيما بعد، أن رأي شاهر هو الأصح، لأنه لم يبق في صفوف جيش الملك حسين أي هامش، مهما كان ضيقاّ للعمل الوطني، وأن التصفيات المتلاحقة التي جرت ووصلت في نهايتها إلى رأس اللواء صادق الشرع، أفرغت الجيش ليس فقط من أي عمل وطني، بل من أي فهم وطني .
لقد كان مكان سكنانا الجديد أكثر راحه، فهذا المكان منعزل عن بقية السجن. وسكانه قليلي العدد وبيننا وبينهم معرفة. والأهم أن الممر الذي كان يمتد أمام الغرف وبعرض ثلاثة أمتار، كان مكانا صالحا للتنفس والمسير، وخلف هذا الممر كان هناك ممر آخر يقف فيه السجناء للقاء زوارهم وكنا نحن نلتقي زوارنا في هذا المكان لفترة قصيرة قبل أن يسمحوا لنا بلقاء أهلنا في أحد مكاتب إدارة السجن.
وهنا لابد أن أشير إلى واقعة يمكن تجاوزها لولا أنها ذات دلالة. زارتني والدتي مع (أم موسى) وكانت والدتي تلبس اللباس التقليدي للنساء عندنا في ذلك الحين، وتضع فوقه عباءة سوداء. ولما وقفت أمامي لم تصمد وانهارت إلى الأرض خلف الحاجز وحينها سمعت ضحكة من داخل الغرفة فالتفت فرأيت الدكتور منيف وكان صاحب هذه الضحكة فحزنت.
في سجن عمان المركزي كان يسمح في ذلك الحين بزيارة السجين من قبل أهله ومعارفه وأصدقائه، ولهذا زارني الشيخ (مسلم أبو قعود) بعد أقل من شهر من دخولنا هذا السجن. كانت هذه الزيارة التي استغربتها قصيرة جدا. صافحني وبعد أن جلسنا سألني عن أحوالي فقلت له: لا بأس ثم قال قولآ مادحا (جلالة سيدنا). فأجبته إجابة، نهض بعدها واقفا ثم ولى خارجا. لأنه سمع ما جاء من أجله.
سارت بنا الحياة. في و قعها الجديد. بعد أن رتبنا كيفية سيرها، وصرنا نطبخ طعامنا بأنفسنا فالذين لا يعرفون الطبخ تعلموا والذين لم يكن لديهم قابلية التعلم (مثلي) استمروا (يجلون الصحون)، وكانت إدارة السجن تعطينا مخصصاتنا التموينيه ونشتري ما نحتاج إليه إضافة إلى هذه المخصصات، وكان برنامجنا اليومي الذي لم يتغير منذ دخولنا السجن حتى خروجنا إلى معتقل الجفر هو التالي: تفتح علينا الأبواب الساعة السابعة صباحا، لنخرج إلى المكان العام الذي يقضي به الإنسان إحدى حاجاته الطبيعية, ويسمونها (فوره ) ونزور هذا المكان مرتين في اليوم صباحا ومساء. وبعد أن نعود إلى غرفنا نحلق لحانا ونغسل وجوهنا. ومن ثم نفطر وبعد الإفطار نخرج إلى (التنفس) في الممر الذي هو أمام غرفنا لمدة ساعة صباحاً ومساءً. وبعد هذا التنفس نعود إلى غرفنا وكان البعض منا يطالع والبعض يلعب الورق والبعض يتحادث مع رفيقة همساً. والمسؤولون عن إعداد الطعام في ذلك اليوم يقومون بذلك. وكنا محمود وأنا نقضي وقتنا حينما لا تكون علينا مسؤوليات الإطعام، في غرفة الدكتور منيف -رحمه الله- نلعب (لعبة البريدج) وكنت ألعب شريكاً (لأبي مؤنس ) ويلعب الأستاذ نزار مع شريك آخر - وكنت مبتدئاً في هذه اللعبة التي علمني إياها الدكتور منيف. وأن تكون شريكاً للدكتور منيف في لعبة (بريدج) لهي مهمة صعبة. فهو لا يغفر لك حتى وهو يعرف أنك مبتدىء في لعبة ورق صعبة، تحتاج إلى ممارسة طويلة وتفاهم مشترك مع شريكك في اللعبة وطبعاً لم تتوفر هذه الشروط بعد لدي. ولذلك كان صوته دائم الارتفاع (يا أخي). في هذه الفترة استطاع أبو نبيل (جعفر الشامي) أن يدخل راديو صغير في إحدى زياراته،كان صلتنا الوحيدة في عالم السياسة. في ذلك الحين تعرضنا إلى حملة تفتيش مفاجئه. قادها العقيد في حينه (محمد هاشم أبو هاشم) قائد منطقة البادية وفي معيتة العقيد محمد السحيمات مدير المخابرات العسكرية، وكان من حسن حظنا أن أبو هاشم (لواء فيما بعد ومديراً للأمن العام) وهو رجل بسيط وعاطفي ويعرف الكثير منا معرفة جيده وحين دخل غرفتنا (بكى) وأدار وجهة إلى أن سيطر على مشاعره ولهذا كان التفتيش عاجلاً، فلم يصل التفتيش للراديو.
الآمال والأوهام بعد دخولنا السجن:
لم يكن لدينا أوهام حول قدرة الحركة الشعبية والوطنية في الجيش لتغيير الواقع في الأردن، فلم يعد الجيش في الأردن يشكل تهديداً من أي نوع لأمن النظام، ليس لأنه لم يكن في الجيش ضباط وطنيون . فقد بقي الكثير من الضباط الوطنيين في الجيش، ولكن الظرف لا يسمح بالعمل التنظيمي، لأن هجوم السلطة الأمني ظل مستمراً وبقوة على أي نفس وطني في الجيش. والمعروف أن الجيش الأردني كما ذكرت في سياق هذه الذكريات، مكون تكويناَ متوافقاً تماماً والهدف الذي من أجله أنشىء، وهي خدمة أهداف بريطانيا في شرق الأردن وما يحيط بها وكان أسمه الحقيقي حتى عزل الفريق (غلوب) هو (Arab Liegon )، وهذه التسمية تساوي في معناها ومضمونها التسمية الفرنسية للفرقة الأجنبية في الجيش الفرنسي. ولكن فرقة الأنجليز هذه خصصت للعرب وخاصة عرب المشرق والأخص البدو منهم عشائر العراق - وسوريه. ونجد والحجاز والأردن طبعاً وكانت هذه الفرقة تستخدم في مهمات أمنية إن كانت في فلسطين أو كما حدث حين التدخل ضد ثورة (مايس) في العراق 1941، أو حين نفذ هذا الجيش الرؤية البريطانية حول ما يجب أن يكون عليه الواقع في فلسطين عام 1948 .
وجيش هذه مهماته، لابد أن تشكيله ومضمونه المعرفي في حدود هذه المهمات، أما هذه الفئة من الضباط الوطنيين الواعين، فهي نتاج مرحلة طويلة من التطور بدأت أثناء الحرب العالمية الثانية، فأثناء هذه الحرب خاصة وهي على أشدها في شمال أفريقيا، حينما كان الأنجليز يتراجعون بسرعة أمام الألمان، فكر (كلوب باشا) وبعض الإداريين البريطانيين بإشراك وحدات من (الجيش العربي)، بالقتال في شمال أفريقيا. ومن هنا بدأ بتكوين كتائب في الجيش الأردني. وحينما انتهت الحرب ومن خلال الرؤية البريطانية للحفاظ على مصالحها، قامت بريطانيا بتشكيل حلف في المنطقة يظم دولاً عربية وإسلامية. ومن هذه النظرة (ولد حلف بغداد ) وكانت الأردن مرشحه بقوة للدخول فيه. ومن هنا بنى البريطانيون فرقه مقاتله في الجيش الأردني لتكون جزءاً من قوة هذا الحلف. وهذا التطور في واقع المجتمع إضافة إلى التطور في نوعية السلاح والتسليح فالأسلحة المساندة كالمدفعية والهندسة والدروع و الاتصالات كلها تحتاج إلى عقل وثقافة قادرين على المعرفة، ومن هنا كانت عملية إبقاء الواقع في الجيش على ما هو عليه مستحيلة، وكانت العوامل الأهم في تطور الوعي الوطني في الجيش هو وضوح دور الاستعمار البريطاني بالنسبة للجندي، بدوياً أو حضرياً، أمياً أو مثقفاً. من خلال الاحتكاك المباشر، تعايشاً ومن بعد قتالاً في فلسطين.
أن دور المستعمرين الأنجلييز كان الأساس في إعطاء فلسطين لليهود. وإنه لولا الإنجليز في الجيش وإدارة الأردن لاحتل الجيش الأردني مدينة القدس كل مدينة القدس، أما العامل الثاني فكان دخول عرب فلسطين إلى الجيش بعد وحدة الأردن مع ما تبقى من فلسطين (الضفة الغربية)، ومن هنا كانت الأسلحة المساندة كالمدفعية، والهندسة. تشكل قاعدة وطنية مضمونه. أما الحركة الشعبية الأردنية وقواها السياسية، عدا عن كونها لم تكن تستهدف النظام. فهي لم تكن موحدة الهدف في الحدود الدنيا للعمل السياسي. فهي لم تلتق على برنامج عمل نضالي يعمل بجدية للحفاظ على الديمقراطية، فلم يكن في برنامج أي حزب من الأحزاب الموجودة السرية والعلنية مهمة الإطاحة بالنظام. ومهمته الإطاحة بالنظام، أمر لا يستطيعه إلا الجيش وتنظيم الضباط بالذات. ولكن بدلاً من أن يقود هذا التنظيم القوى السياسية إلى موقفه الداعي للحفاظ على الديمقراطية قادته هي إلى (اللاموقف) الموقف التي كانت عليه. وبتقديري الشخصي لو أن أحداً من قادة تنظيم الضباط لم يكن منتمياً إلى الأحزاب، لكانوا طليقي التقدير والمبادرة وأخص بذلك البعثيين منهم ليس لأن مبادئ البعث كانت عقبة، ولكن القوامين على البعث كانوا هم العقبة.







 
رد مع اقتباس
قديم 21-03-2010, 04:04 PM   رقم المشاركة : 19
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

ومن هنا فإن أمانينا كانت معلقة في حينه على مصر وعلى الرئيس جمال عبد الناصر، خاصة بعد خروج مصر سالمة من العدوان (الثلاثي) والموقع البارز الذي أخذته ثورة (23يوليو) في ذلك الحين والشعارات التي رفعتها والأهداف التي تسعى إليها، وقد أعطى الصراع الذي خاضته مصر في حينه ضد ممثلي الاستعمار القديم (البريطاني والفرنسي) وضد الصهيونية موقعاً متميزاً لمصر في علاقاتها مع المعسكر الاشتراكي وفي تأسيس حركة عدم الانحياز، وموقفاً قيادياً في حركة التحرر العالمي وكذلك على الحكم الوطني الديمقراطي في سوريه آنذاك، كون سورية تقف إلى جانب مصر وتدعم خطها السياسي عربياً ودولياً.
ولم يخيّب سير الأحداث أمانينا، فبعد أقل من عام من الانقلاب على الديمقراطية في الأردن، قامت الجمهورية العربية المتحدة وهذا الحدث كان الأهم والأبرز في تاريخ العرب الحديث. منذ ثورة الحسين بن علي في عام 1916 وكانت فرحتنا فيها لا تساويها فرحة. وكانت ردة فعل الملك حسين على قيام الجمهورية العربية المتحدة فورية، فقد أصر على وحدة الأردن والعراق تحت مسمى (الاتحاد الهاشمي)، وحتى هذا الاتحاد الذي يعتبرونه وكأن الأردن قد دخل حلف بغداد. مع أن الحلف لم يعد له قيمه بعد (إذلال السويس)، ولذلك سقط حين تحرش نوري السعيد بالكويت. فأصرار نوري السعيد على أن تصبح الكويت جزءاً من هذا الحلف. أودى بنوري السعيد وبهذا الاتحاد وبحلف بغداد ومعهما هذا الهامه إبراهيم هاشم وسليمان طوقان إلى الآخرة. لقد قامت ثورة 14تموز 1958 بعد عام وشهر من دخولنا سجن عمان، وأطاحت بالرموز وبالعهود التي ذكرت. ومعهم إبراهيم هاشمرئيس وزراء الأردن. هذا الهامه الذي تجاوز الثمانين عاماً والذي شاء سوء حظه أن يكون في بغداد يوم الثورة. فقضي عليه مع عبد الإله ورهطه - وهو يستحق ذلك، لأنه أحد الجناة الرئيسين في تنفيذ الدور الذي رسمه الأنجليز لإمارة شرق الأردن. وكانت الضربة موجعة للنظام، إلا أن استراتيجية المستعمرين كانت تقضي حتى ذلك الحين بقاء النظام في الأردن لأسباب تتعلق بمستقبل إسرائيل وفلسطين والتسوية. فهب الأمريكان و الأنجليز لنجدته، فأنزل الأمريكيون قواتهم في لبنان وأنزل الأنجليز قواتهم في الأردن مارة في الأجواء الأسرائيلية من قواعدها في قبرص، من أجل حماية نظام الملك حسين وغرسه. وهكذا يتضح أن الوحدة بين قطرين عربيين يحكمهما عملاء الاستعمار غير مسموح بها، وأن حدثت عليها أن تنتظر القضم إن استطاعت الصهيونية والاستعمار إلى ذلك سبيلا .
إلى معتقل الجفر الصحراوي:
بعد قرابة الأسبوع من ثورة 14 تموز في العراق وبعد أن دخل الاطمئنان إلى نفوس أهل النظام، التفتوا إلى داخل البيت لترتيب حاله، فصدرت التعليمات بنقل جميع المعتقلين السياسيين والمحكومين إلى سجن الجفر، وذلك لإيجاد أماكن للذين سيعتقلون إثر انهيار( الاتحاد الهاشمي).
يقع معتقل الجفر الصحراوي في جنوب الأردن على مسافة ثلاثمائة كيلوا متر إلى جنوب من عمان وعلى مسافة خمسين كيلو متراً إلى الشرق من مدينة معان، وهو معتقل أسسه كلوب، وقرر موقعة حينما كان قائداً لمنطقة البادية قبل أن يتولى قيادة الجيش العربي، وكلوب باشا هو أيضاً مؤسس معتقل (نقرة السلمان) الشهير جنوب العراق على الحدود ( العراقية ،السعودية، الكويتية).
ففي مساء أحد الأيام حوالي الساعة الثامنة مساءً، أبلغت إدارة السجن جميع المعتقلين السياسيين والمحكومين الاستعداد للرحيل، وإثر ذلك علت ضجة شديدة في السجن، وكانت معنويات المعتقلين عالية ومعنويات أهل النظام في أدني مستويات الانحطاط، بدأنا بترتيب وتوضيب متاعنا وبعد أن هيأنا أنفسنا للرحيل واجهتنا مشكلة ( الراديو) الذي ما كان يمكن تركة أو التهاون في الحفاظ عليه وإيصاله معنا إلى الجفر في هذه الظروف المهمة. اقترح أبو ساهر ونحن في جو من الحيرة هذا، أن نضعه بين كتفية فأعترضنا على ذلك لأننا كأشخاص سنتعرض للتفتيش الدقيق واهتدينا أخيراً إلى حل مناسب لقد كان لدينا علبة (tofee) طولها يساوي عشرين سنتمتر وقاعدتها تتسع لحجم الراديو. فوضعنا الراديو في كيس ووضعناه في قاع العلبة وملأناها بالسكر وبهذه الطريقة وصل الراديو إلى الجفر سالماً. أخرجوا متاعنا ووضعوه في السيارات. ومن بعد أخذونا اثنين - اثنين. وكنت أنا ومحمود كالعادة وحين أخرجونا أوقفونا خارج بوابة السجن و بدأوا بتقييدنا بقيود حديدية. اليد اليمنى باليد اليسرى للآخر والقدم اليمنى باليسرى كذلك. وفتشونا بعد ذلك تفتيشاً دقيقاً وأفرغوا جيوبنا من كل ما فيها (ومع كل هذا التفتيش ما كان للراديو أن يمر)، ثم أركبونا سيارات عسكرية لنقل الجنود. وبعد الساعة الحادية عشرة ليلاً سارت القافلة بحراسة عناصر من كتيبة المدرعات الأولى، سرنا طوال الليل على طريق صحراوي ترابي، وتوقفنا ربع ساعة قبيل الفجر لقضاء بعض حاجاتنا الطبيعية. ثم تابعنا مسيرنا ووصلنا الجفر حول الساعة الثامنة صباحاً، وبعد أن أنزلوا متاعنا أوقفونا في صف طويل على بوابة المعتقل تحرسنا (سرية مشاة) وأمرونا أن نجلس (القرفصاء)، فلما جلس جميع من كانوا أمامي جلست إلا أن رفيقي (المحدد) معي وهو محمود لم يجلس، فمسكت يده وقلت له لماذا لا تجلس فرد علي بغضب (ما ودي أجلس). فمسكت يده وقلت له اجلس هؤلاء الناس فقدو ملكاً وملكهم مهدد، أتظنهم يترددون في إهانة أي أنسان وحتى ذبحه إن هو تمرد على أوامرهم.
معتقل الجفر الصحراوي:
يقع المعتقل على أرض جرداء تعود إلى عشيرة (أبو تايه) من قبيلة الحويطات شيخها محمد أبو تايه والده الشيخ (عودة أبو تايه)، من أشهر شخصيات (أعمدة الحكمة السبعة) الذي ألفه (لورنس) عن الثورة العربية، وعشيرة الحويطات من أكبر عشائر الأردن تقع ديارها بين جبال الشراه شمالاً وحتى العقبة جنوباً وتمتد شرقاً حتى الحدود السعودية، ولها امتدادات إلى نقب فلسطين وصحراء سيناء ومحافظة الشرقية في مصر شيخها هو (حمد بن جازي).
أقيم المعتقل بالقرب من مخفر للبادية يقودة آنذاك النقيب (حماد القميزه)، والقميزه هو أسم أمه وهو من بني صخر(الهقيش)، يقع المخفر على رابية ليست مرتفعة تبعد عن المعتقل حوالي مائة وخمسين متراً وإلى الجنوب الغربي منه بئر ارتوازي يزود المخفر والمعتقل بالماء. وكان المعتقل يمتد طولياً من الغرب إلى الشرق حوالي مائتي متر ويقسم إلى قسمين. أصغرهما القسم الغربي يفصل بينهما حائط عال علو السور المحيط بالمعتقل وعلى التقاء كل ضلعين من أضلاع الصور يقوم برج للمراقبة والحراسة، أنزلونا بعد التفتيش إلى الأماكن التي خصصوها لكل فئة من القوى السياسية، وقد أنزلونا القسم الشرقي من المعتقل وكانت الأبنية الموجودة داخل هذا القسم من المعتقل. أربعة براكيات كبيرة وبراكيتين صغيرتين، وبناء للحمام وآخر للمراحيض والبراكيات كانت من النوع الذي يستخدمه الجيش البريطاني في معسكراتة غير الدائمة، وهو على شكل الأقبية التراثية المعهودة تساوي مساحة الكبير منه (7.5× 4) متر والصغير (5×4) متر وفرق المساحة لأن الكبير يحتوي مغسلة وحماماً ومرحاضاً هيكلة العام مبني من ألواح (الزينكو) مغطى سطحه باللباد المنقوع بالقار يتماسك على الواح الزينكو، قائم على أساس مبني من الأسمنت يعلو نصف متر عن سطح الأرض، وهو في الصيف حار وفي الشتاء برده قارص ليلاً كما هو حال مناخ منطقة صحراء الجفر، أسكنونا نحن الضباط التسعة في (براكيه) صغيرة واحده وأسكنوا الفئات السياسية الأخرى البراكيات الكبيرة، وكان يوجد في هذا المعتقل قبل وصولنا عدد قليل من المحكومين بالتجسس لحساب "إسرائيل". وبعد أن تعرفت عليهم وجدت أن الأكثرية أناس بسطاء فقراء وأميون، هم ضحية الاستغلال والعوز، كان أكثرهم يقوم بنشاط تهريب بين فلسطين المحتلة والضفة الغربية. وهم من الناس الذين يقعون بسهولة في مصيدة منظمة كجهاز المخابرات "الإسرائيلي". وبالتأكيد أن مساهماتهم في ضياع فلسطين غير موجودة. فالجواسيس الذين قاموا بذلك معروفة مواقعهم.
العيش في معتقل الجفر :
إن الفارق بين العيش في معتقل الجفر وبين العيش في سجن المحطة أو أي سجن آخر (ليس بينهما بالتأكيد سجن المزه)، هو كالفارق بين العيش منفرداً (في منفردة) طولها متران وعرضها متر ونصف وما يترتب على هذا الواقع من عيش صعب ووضع غير إنساني، وبين مهجع به عشيرتين من رفاقك، وصور له ممرات عرضها متران على جهاته الثلاث وأمامه ساحة يمكن المسير بها والجلوس ولعب الورق مساحته الداخلية (15×4) متر له منافع حديثة وحمام هذه مواصفات (المهجع) الذي كنا نسكنه في الجفر. في معتقل الجفر تشعر أنك تملك هامشاً من الحرية تفتقده مجتمعاتنا في ظل الأحكام العرفية وأنظمة الطوارئ. فأنت تملك حريتك في مساحة اثنين كيلو متر مربع، هذا المجتمع الصغير كأي مجتمع آخر له واقع وبه مضمون حياتي يجب أن ينظم وتتواجد فيه أنظمه وأساليب للعيش والمعايشة، ومن هنا كان علينا ونحن نعيش في هذا المجتمع (النخبة الصغير)، أن تخلق أنظمة وأساليب معايشه ولكن ليس قوانين تحكم علاقاتنا ببعضنا البعض. وهذا ما فعلناه فعلاً ومع ذلك بقي المجتمع النخبة كأي مجتمع آخر. الخروج فيه على الأنظمة وأعراف المعايشة وحتى الأخلاق أمرا موضوعيا وطبيعياً. لقد كانت العلاقة مع إدارة المعتقل التي تمثل السلطة في حدودها الدنيا و كان على المعتقلين أن يهتموا بإدارة شؤونهم بأنفسهم وكانت القضايا الأبرز هي :-
أ‌- الأمن: إن كان بين المعتقلين أنفسهم على اختلاف إنتماءاتهم السياسية وأخلاقهم وطباعهم الذاتية، أو بين المعتقلين وإدارة المعتقل. وهذه كانت مسؤولية إدارة المعتقل .
ب‌- إطعام المعتقلين وتأمين صلاتهم بأهلهم. وقد عهدت السلطة إلى متعهد يقوم بهاتين المهمتين مرتين في الأسبوع وكان لكل فئة من الفئات السياسية مندوب يستلم مخصصاتها من التموين ويأتي ببريد رفاقه. ويسلم رسائل رفاقه إلى ذويهم. إلى المتعهد الذي بدوره يضعها في بريد مدينة معان .

في هذا المعتقل ميزتان. الأولى بأنك أراحت زوجتك وأطفالك من تكرار الزيارة أسبوعياً لسجن المحطة. وهذه الزيارة عدا عن كونها مرهقة ومكلفة لهم تضطرك بإرادتك أو بغيرها في أحيان كثيرة أن تبدي أراء وتعطي نصائح وأحياناً تنهي وتأمر زوجتك وأطفالك، وواقعك لا يؤهلك لفعل ذلك، فبعدك هذا عنهم ألزمهم أن يكونوا مسؤولين عن حياتهم وأسلوب عيشهم الذي عليهم أن يتدبروه. وأنقذ الإنسان من إعطاء صورة لإطفاله عن نفسه، وهي بالتأكيد ليست صحيحة. وهذا البعد فرض عليك الأتصال بهم كتابة، تكتب رسالة وتضع بها لكل منهم تحية ونصيحة أو لوماً على تقصير، وأنت حينما تكتب تٌقل ولذلك تهتدي إلى القول السليم والنصيحة الصحيحة. أما الميزة الثانية فكلما يقول (نهرو) إن السجن يمنحك فرصة الرفاه الفكري. وهذا صحيح تماماً لمن يهتمون بالتفكير طبعاً مع الفارق النوعي بين واقع (نهرو) كزعيم سياسي في ظل الإدارة البريطانية وبيننا نحن في ظل إدارة المملكة الأردنية الهاشمية. ومع ذلك تبقى هذه المقولة صحيحة لمن لديه الاهتمام بذلك. ولو أن المعرفة والفكر ضمن التطور اللاحق تخضع لرؤية أجهزة الأمن التي تنفذ إستراتيجية الاستعمار الجديد في الثقافة والفكر. هذه الرؤية الشاملة لمناحي الحياة. ففي الأردن مثلاً،لم يكن هناك سجون خاصة بالسياسيين ولم يكن هناك منفردات (cells) قبل الأنقلاب على الديمقراطية عام 1957 وماتلا ذلك. فالانقلاب الذي حدث بالأردن كان ذا أهداف بعيدة، لها علاقة برؤية المستعمرين والصهيونية لما يجب أن تكون عليه الحالة السياسية والاقتصادية مستقبلاً بين الأردن وفلسطين المحتلة. من هنا فقد بدأوا وبسرعة بعد سيطرة الملك حسين على السلطة في الأردن وبعد أن أصبحت المخابرات والأمن تابعة لمخابرات وأمن العالم (الحر) كما يسميه الملك حسين. تقوده طبعأ المخابرات المركزية الأمريكية. باشرت إدارة الأمن والمخابرات تبني السجون حسب المواصفات التي أعدتها المخابرات المركزية الأمريكية الخاصة بالسياسيين والقسم الأعظم من هذه السجون هو زنزانات منفردة متنوعة متدرجة الحجم تبدأ من غرفة تتسع لأربعة أشخاص إلى منفردة تعيش بها واقفاً بها (كوة) صغيرة في السقف يضيق صدرك نظراً لحاجتك الدائمة للتنفس والضوء. وجيء بخبراء أجانب مهمتهم الأساسية ليس الوصول إلى معلومات كاملة عن نشاطات هذا الإنسان كعضو في تنظيم سياسي أو عن التنظيم الذي هو فيه أو عن كل من يعرف من مسؤولي وقياديي منظمته، أو عن كل إنسان له صلة سياسية أو حتى غير سياسية به فقط، وأنما من أجل غسل عقل هذا الإنسان ومحاولة ترويضه وتدجينه وخلقه ذهنياً خلقاً جديداً بعد إفراغ ذاته من معاني الكرامة وطبعاً الوطنية، ومن بعد إيصاله إلى الهاوية بربطه بجهاز المخابرات. هذا هو الخط الأساسي للاستعمار الجديد. الإمساك بالسلطة من خلال الإمساك بزمام من يقودونها كعملاء مباشرين أو المغفلين الطامعين في الحكم و مغرياته الذين لا يشعرون إلا وهم في المصيدة. ومن بعد تفكيك هذا المجتمع وإفراغه من تقاليده وتراثه الموروث وإعادة صياغته وبناءة حسب المواصفات المطلوبة التي تخدم مصالح الإمبريالية وحلفائها، هذه هي إستراتيجية الاستعمار الجديد.
في مرحلة هجوم الاستعمار الجديد هذه كان هناك عدد من الأقطار العربية لم تزل خارج هذه الشبكة، فالجمهورية العربية المتحدة في حينه، والجزائر في بداية الاستقلال وخاصة في عهد الرئيس ( بن بيلا) القصير، وبعد ذلك في عهد الرئيس (بومدين) في بداية عهده وكذلك العراق بعد الإطاحة (بحلف بغداد) والقائمين عليه كانت هذه الدول لا تزال خارج نفوذ الاستعمار الجديد. أما جنوب اليمن فكان موقعه وواقعه في مكان آخر ومع هذا فقد أدى النهج الذي سارت عليه هاتان الدولتان –الجزائر والجمهورية العربية المتحدة- إن كان في البناء السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، إلى الوقوع في النهاية في هذه المصيدة. أن العراق هو البلد العربي الوحيد الذي لم يقع جدياً في مصيدة المستعمرين. مع أن الخط السياسي لعبد الكريم قاسم خدم إستراتيجية الاستعماريين. بتقسيمه للصف الوطني العربي. وكان الواقع السياسي والبناء الاقتصادي وكذلك التركيب الاجتماعي مختلفاً في كل قطر من هذه الأقطار عن القطر الآخر وكذلك المسار الذي سار فيه إلى مصيدة الاستعمار مختلفاً. ومع هذا فجميعها كانت تشترك في السمة الأساسية التي قادتها إلى مصيدة المستعمرين، وهي أنها جميعاً خلقت واقعاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً في أقطارها خارج إطار المسار الطبيعي الموضوعي الذي يقود إلى شاطىء السلامة. وشاطىء السلامة هذا هو الإنسان الحر الملتزم وعياً، المحددة أهدافه مرحلياً، الواعي للهدف السوقي الاستراتيجي،أي العمل العربي المشترك الملتزم بجدية بمصالح العرب وبمستقبل صيرورتهم ووحدة كيانهم السياسي والحضاري واستعاده مشروعهم القومي. ولن يقوم هذا البناء الا على الأنسان الحر والمجتمع الديمقراطي المتكافىء موضوعياً مع واقع المجتمع إجتماعياً واقتصادياً وسياسياً .
التعايش في معتقل الجفر :
في معتقل الجفر كان المجال مفتوحاً أمام كل القوى السياسية للاحتكاك والاختلاط وحتى التفاعل، وهو المكان الوحيد الذي توفرت فيه شروط لم تتوفر حتى في الحياة العامة خارج السجون للقاء مثل هذا اللقاء. ولتعايش مكاناً وزماناً مثل هذا التعايش. ومع ذلك فإن هذه القوى السياسية التي شاركت في مرحلة الاضطهاد ومن بعد في مرحلة النهوض الديمقراطي، ومن ثم في مرحلة هزيمة الديمقراطية. وبعد ذلك في ظل الأحكام العرفية والإرهاب. بقيت على حالها سلبية في مواقفها تجاه بعضها البعض عدائية النظرة إلى المضمون (الايدولوجي) لكل منها. الأمر الذي يعني أن جميع هذه القوى السياسية لا تملك الحركة العضوية والأرادة الجماعية المستقلة عن ارتباطاتها وعلاقاتها الخارجية. كانا أبرز تنظيمين سياسيين موجودين في معتقل الجفر آنذاك هما - الحزب الشيوعي الأردني وكان الأكثر تعداداً في المعتقل يتلوهم حزب البعث العربي الاشتراكي. ومن بعد تنظيم الضباط الأحرار . وكان من أبرز البعثيين المعتقلين هم الدكتور منيف الرزاز - والأستاذ أمين شقير - والدكتور حافظ عبد الهادي - والأستاذ علي الخصاونه - والأستاذ فايز مبيضين - والمحامي إسماعيل محادين . أما الشيوعيون فكان من أبرزهم الأستاذ فايق وراد عضو مجلس النواب في حينه والأستاذ عيسى مدانات وفايز الروسان وغيرهم من الشخصيات البارزة في الحرب الشيوعي وخاصة من الضفة الغربية. ولم يكن الدكتور يعقوب زيادين قد وصل بعد إلى معتقل الجفر. كان الدكتور منيف الرزاز يقيم جلسات فكرية يجري فيها حوارات ونقاشات فكرية وكان حضوري لهذه الجلسات دائماً. وكان يحضر هذه الجلسات معتقلون غير بعثيين. أذكر أحدهم وهو شاب من الناصرة في الأرض المحتلة. وهو شيوعي ملتزم. كيف ولماذا أعتقل؟ لا أعرف. سأل هذا الشاب الدكتور منيف الرزاز سؤلاً لم أعد أذكر صيغته ومضمونه ولكنني أتذكر الإجابة. قال (أبو مؤنس). إن (نيرفانا)، ماركس مستحيلة فالوصول إلى إلغاء الدولة ليعمل المجتمع بعد ذلك عملاً ذاتياّ أي (بحركة ذاتية متطورة ومستديمة)، أمر لا يمكن تصديقه. ولم أكن أعرف معنى (نيرفانا). فسألته عنها ومن حضوري الدائم لهذه الجلسات تكون الأساس الفكري الذي التزمته ولم أزل. والدكتور منيف مثقف كبير ونهجه الفكري قريب من النهج (ألفابي) (f. A. B. I) وهو ينحى فكرياً منحى (هارولد لاسكي) و من أبرز الشخصيات في الكادر المتقدم في الحزب الشيوعي. الأستاذ (منير شفيق ). المفكر والكاتب الماركسي المعروف الذي ترك صفوف الحزب الشيوعي الأردني وعمل في صفوف الثورة الفلسطينية (حركة فتح). قاده توجهه الفكري المتعرج إلى أن يصبح من أشد المؤيدين والمنظرين لثورة (الخميني) أليس هذا غريباً؟ والحقيقه أن هذا لم يكن غريباً لقد حوت المرحله ما هو أشد غرابه (لقد وقف حزب البعث العربي الاشتراكي وأمينة العام الفريق حافظ الأسد وبالتالي سوريا ضد العراق وفي صف الخميني بكل ما استطاعت سوريه أن تقدمه. وهو كثير وكذلك وقف القذافي الذي ورث أمانة القومية العربية عن عبد الناصر مع الخميني بكل قواه وضد العراق. وكذلك جميع فصائل الثورة الفلسطينية)، هذه عجائب المرحلة التزام سياسي متناقض مع الايدولوجيا. والايدولوجيا للتمويه. لماذا ؟ لأن كل هذه القوى مرتبطة (بوتد) لا يمكنها أن تفلت منه.
لم تستمر فترة (التعايش السلمي) بين هذه القوى السياسية فترة طويلة. وهذا أمر طبيعي فالخلاف بين البعث والشيوعي خلاف جذري. لا يمكن جسره في المرحلة الستالينيه القائمة آنذاك، أيقظ سكون الخلاف هذا كان موقف الحزب الشيوعي (السليم آنذاك) في الوحدة الإندماجية بين مصر وسورية محركاً للخلاف، وزاد في الخلاف الانقسام في قيادة ثورة تموز 1958 في العراق. ووقوف الشيوعيين وحلفائهم (الجادرجين) بعزم وراء عبد الكريم قاسم. هذا الخلاف قاد إلى الاحتكاك، وأصبح الأمر يستوجب تدخل السلطة، بعد أن قام محمود رشيد القريوتي بضرب أحد الشيوعيين فنقلت إدارة المعتقل أعضاء الحزب الشيوعي إلى القسم الغربي في المعتقل. واعتقد أن للسلطة لها يداً في هذا التفريق .
مؤامرة محمود الروسان:
هذه العناوين التي تضعها أجهزة الأعلام الغربية والدوائر الرسمية لتلك للمحاولات الوطنية، أن كانت عسكرية أو مدنية، وذلك للانفكاك من الاختناق القاتل. في ظل دول البيادق، فمن مؤامرة (علي أبو نوار) إلى مؤامرة محمود الروسان وأخيراً مؤامرة صادق الشرع. والهدف من هذه العناوين هو إضفاء صفة الطموح الشخصي على هذه المحاولات. لقد كان المقدم محمود الروسان على علاقة واهية في تنظيم الضباط. انقطع خيطها الواهن حينما انتقل إلى الملحقيه العسكرية في (واشنطن)، إنني شخصياً لا أعرف المقدم محمود الروسان معرفة جدية ولا أستطيع أن أقول بحقه رأياً أن كان سلبياً أم إيجابياً، إلا إن أسلوبه في محاولة تحقيق طموحات شخصيه بالسرعة القصوى بعد عزل (الفريق كلوب ) مباشرة، لا يجعل من هو مثلي ينظر بارتياح إلى تلك المحاولات. من هي الجهة التي كانت تدفع به وتؤثر على رؤياه لا أعرفها. مع أنني أعرف منذ الأزمه الأولى مع قيادة تنظيم الضباط. أن الملحقيه العسكرية المصرية كان لها باع طويل في هذه النشاطات. لقد كان المقدم محمود الروسان على إتصال بجهة ما في الجمهورية العربية المتحدة. وكانت طبعاً جميع اتصالاته موضوعه تحت المراقبة، وكان هذا التنظيم يضم بعض الضباط الوطنين الأكفاء، منهم المقدم خالد الطراونه قائد سلاح الهندسة وكان هناك عيوب كثيرة في هذا التنظيم أهمها الإختراقات.
لقد هيأ قيام الجمهورية العربية المتحدة ومن بعد قيام ثورة تموز في العراق 1958، المناخ أمام القوى الوطنية في الجيش. لكن تبين فيما بعد أن أجهزة المخابرات الأمريكية والمحلية الملحقة بها تدخل الصف الوطني في صفوف جيوش العالم الثالث، إما لخلق بديل للنظام وإما لإجهاض حالة وطنية. وقضيتا محمود الروسان وصادق الشرع تدخلان ضمن حالة عملية الإجهاض في صفوف الجيش الأردني. فبعد أن استقر اتجاه ثورة 14تموز 1958 وانفرد عبد الكريم قاسم في الحكم مدعوماً من الشيوعيين وأخذ اتجاهاً مناقضاً لاتجاه عبد الناصر. اطمأن النظام في الأردن إلى أن الأمور تسير لصالح استقراره. أفرج عن بعض السياسيين غير المحكومين فخرج من السجن أكثر قادة البعثيين والقوميين العرب والأشخاص غير المحكومين ولم يستثن من ذلك إلا الشيوعيين. حيث كان على كل إنسان يحاول الخروج من السجن الاستنكار والإدلاء بأدق التفاصيل عن كل ما يعرف عن الحزب الشيوعي. سارت بنا الحياة بعد ذلك سيراً عادياً ضمن طبيعة المعتقل والمعتقلين، إلى أن تقرر بناء (مهاجع) جديدة في المعتقل الأمر الذي فرض حركة إنشاء واسعة في المعتقل -من عمال - وحفر ومواد بناء وكل مستلزمات بناء هذه المهاجع للمعتقلين والتي أصبحت بعد بنائها فعلاً مهاجع مريحة بها حمامات ماء بارد ودورات مياه داخلية حديثة.

الخنـدق:
في القسم الشرقي للمعتقل – كان البناء يقوم في النصف الشرقي منه وأما النصف الغربي فكانت ساحة خالية، وفي هذا الساحة نفذ بناء هذه المهاجع هذه الورشة الكبيرة هي التي أوحت لنا فكرة حفر خندق من داخل المعتقل خارج سوره لأنها سهلت علينا أموراً ما كان تدبيرها ممكناً لولا ورشة البناء هذه. وفكرة الهرب لم تكن جديدة على ذهن بعضنا. فقد مرت على ذهني شخصياً ونحن في سجن (محطة-عمان) كانت الغرفة التي نسكنها على الشارع وأي خرق للحائط (وهو سهل) يوصلك مباشرة إلى هذا الشارع. قد يتساءل القارئ بالنسبة إلى شخصي أنا. فقد كنت شديد الرفض لمبدأ الخروج من البلاد بعد الأحداث وقبل اعتقالنا – وأنا الآن متشجع وأعمل لتسهيل الهروب من السجن. أن الأمر الخاص بي شخصياً يعود أساساً إلى الظروف التي أحاطت بطبيعة الصراع والأطراف المشاركة فيه. فحينما كانت السلطة تدفع بنا للهرب كانت تستهدف تسهيل سبل الاتهام والراحة من الإحراجات التي تسببها المحاكمة أما الآن وأنت محكوم والحكم سياسي ومحاولة الهروب، هي استمرار في النضال السياسي ضد سلطة مطلقه . ثم أنها عند الذين لا يرقى وعيهم إلى مستوى ما ذكرت إشباع الرغبة المغامرة.
كيف أوحت ورشة البناء فكرة حفر الخندق كوسيلة للهرب:
من الذي طرح الفكرة بداية؟ لم أعد أذكر إنما استوحيت من قصة قرأناها هنا في الجفر عن ضابط بريطاني كان أسيراً في أحد معتقلات الأسر في الحرب العالمية الثانية. فر من معتقلة بواسطة حفر خندق أوصله إلى خارج سور المعتقل ولما كنا ضباطاً لا نزال شباباً أعجبتنا واستهوتنا القصة، فكرة و أسلوباً. ما كان يمكن أن نقوم بحفر هذا الخندق كوسيلة للهرب. لولا عملية البناء التي قامت في حينه لأن حفر خندق يتراوح طوله بين سبعة عشر متراً وثمانية عشر وبقطر 80سم. تخرج منه كمية من التراب لا يمكن سترها لولا ورشة البناء الكبيرة هذه لأننا كنا ننقل كميات التراب الذي نستخرجه كل ليلة ونضعه فوق التراب المستخرج من أساس الأبنية المحفور أو فوق التراب الموضوع في المهاجع للتسوية، وما أن وجدنا حلاً لمشكلة التراب حتى واجهتنا مشكلة معدات الحفر و الإضاءه والمستلزمات الضرورية الأخرى. كان الدكتور وديع حداد (يرحمة الله) هذا الشاب الوسيم الخلوق الهادئ الطباع والذي يمثل تكوينه الجسماني عود خيزران مرن ولكنه لا يكسر المتميز بالود تجاه كل من يعرفه. إن كلمة (ياخوي) التي يقولها لكل من يخاطبه تمنحه ثقة كل من يتعرف عليه. كان الدكتور وديع يخرج يومياً تقريباً يقوم بعيادة المرضى في مضارب التوايهه القريبة من مخفر البادية المجاور للمعتقل بصحبة أحد عناصر البادية. فطلبنا منه إن كان باستطاعته تأمين اللوازم التالية :- ا- راس فأس صغير ب- منكاش ج- بربيش ماء (نصف أنش) د- ضوء و بطاريات للضوء. فأمن لنا جميع هذه اللوازم. وحين أصبحت لوازم الحفر متوفرة. بقي علينا أن نختار المكان الذي سنبدأ منه. والاتجاه ونقطة النهاية. والرسم التالي يعطي صورة عن وضع المعتقل على الأرض.

( الشمال)
برح حراسة

برح حراسة

برح حراسة

برح حراسة

بوابــه






والرسم يوضح أن هناك جهتين يمكن للخندق أن يخترقهما. الجهة الشرقية والجهة الشمالية وكانت نسبة مخاطر الاكتشاف باتجاه الشرق عالية جداً لأن هناك برجي مراقبة يفصل بينهما مائة متر والبراكيات التي قرب السور الشرقي يسكنها سجناء قضائيون لا يمكن ستر الأمر عنهم. وكان لابد أن يجري استطلاع هاتين الجهتين من خارج سور المعتقل. فقام بهذه المهمة الدكتور وديع حداد (يرحمه الله) لا أحد يعرف ما هو المبرر الذي قدمه لإدارة المعتقل كي تسمح له باصطحاب (أبو صخر) شوكت السبول في جولة حول المعتقل. ولما عاد شوكت قدم لنا مطالعاته، وبناءً على هذه المطالعات قررنا أن تكون الجهة الشمالية هي اتجاه الخندق. والمعلومات التي قدمها أبو صخر هي: أنه خارج السور وعلى بعد أربعة أمتار منه هناك سلك شائك حول جهات المعتقل الثلاث - الشمال -والشرق- والغرب وعرض هذا السلك بحدود المترين وبعد السلك الشائك وبحدود الأربعة أمتار هناك منخفض طبيعي. بشكل (غدير ماء) جاف، عمقه بين الخمسين والسبعين سم. هذا المنخفض قادر على ستر مخرج الخندق والذين يخرجون منه ويقع تقريباً على حد أول الثلث الأخير من سور المعتقل قبل التقائه بالسور العازل بين المعتقلين الشرقي والغربي ووجدنا بعد الاستطلاع الداخلي. أن هذا المنخفض يقع مباشرة باتجاه دورة المياه العامة. والميزة الأهم في هذا الاتجاه أن برجي الحراسة يبعدان عن بعضهما بعض مائتي متر. لأنه لا يوجد برج مراقبة على نقطة التقاء السور الفاصل بين المعتقلين مع سور المعتقل الرئيسي. وبعد أن أخذنا نقطة البداية. عين آخر مرحاض إلى الغرب وعطلناه ليعتبره الذين يستخدمون دورة المياه هذه (غير صالح للاستعمال) حسبنا حينها كم سيكون طول الخندق وتبين أنه سيكون بطول سبعة عشر متراً وكان على المهندسين أن يجيبوا على السؤال الفني الخاص بالعمق الذي سنحفره عامودياً. ثم نحفر بعد ذلك أفقياً. حتى لا ينهار علينا أثناء الحفر فقالوا متر واحد يكفي وحينها شكلنا ورديتين تتولى مسؤولية الحفر وردية واحدة كل ليلة. وكنت مسؤولاً عن إحدى هاتين الورديتين. وكان في هذه الوردية (أبو ساهر) محمود وداوود عبد الهادي ومنذر عناب ومحمود القريوتي. وكنا نحفر قرابة الساعة من العاشرة ليلاً وحتى الحادية عشرة. وبعد أن ننهي العمل ننقل كل التراب المستخرج ونضعه في الأماكن المعينة. ونعيد موقع العمل إلى حالته الطبيعية وكانت الأرض التي نحفر بها أرضاً رملية مضغوطة. بمجرد أن نضع عليها الماء رشاً تجرفها بسهولة متناهية وأستطيع القول أنه كان بإمكان الحفارين في المراحل الأولى من العمل أن يحفروا في كل ساعة متراً إلا أنه كلما تعمقت في الحفر وأصبحت المسافة أطول أصبح العمل أكثر مشقة وأكثر بطءً بسبب إخراج التربة إلى خارج الخندق وبسبب رش الماء بأكثر مما يلزم يجعل الممر في الخندق (مطينه)، وأنت مضطر أن ترش الماء بواقع أكبر كلما تعمقت وإلا اختنق الحفارون من كثافة الغبار. كنا نستطيع الانتهاء من حفر الخندق بعد الأمتار الأربعة الأولى وهي المسافة حتى صور المعتقل بعشرة أيام إلا أننا لأسباب تتعلق بالترتيبات لكيفية الهرب وإلى أين؟ تباطأنا وصرنا نحفر أقل من ساعة ليلياً.
الخفير الهامل الذي اكتشف الخندق:
في الأسبوع الأول من العمل خرجنا بالخندق من تحت سور المعتقل وأصبحنا على حدود السلك الشائك. ولم يبق علينا حينه إلا المسافة من حد السلك وحتى المنخفض وتقدر بحدود ستة أمتار وحين خرج الخندق خارج سور المعتقل. كان من يقوم بالحفر داخل الخندق يسمع خطوات الحارس الليلي وهي قادمة ثم وهي ذاهبة، فيتوقف عن الحفر حتى تغيب فيعاود عمله ثانية وفي تلك الليلة التي أكتشف فيها أمرنا كانت الوردية التي تعمل هي ورديتي وكان من يقوم بالحفر هو داود عبد الهادي. وحينما سمع خطوات الحارس قادمة توقف عن الحفر إلى أن تخطاه ذهاباً. ثم عاد وتخطاه إياباً وحين غاب صوت خطاه عاد داود إلى الحفر لكنه بعد فترة قصيرة عاد وسمع خطوات عديدة مسرعة فتوقف عن الحفر وانتظر إلى أن سمع الخطى تغادر ويغيب صداها فعاود الحفر وبعد ما يقارب ربع ساعة وفي غياب سماع أي صدى لأي خطوات. فاجأنا صوت على السور قائلاً (قفوا) ارفعوا أيديكم . فما كان منا إلا أن تركنا كل شيء وهربنا، بعد ذلك دخلت قوة من سرية الحراسة إلى مكان الحفر فوجدوا الخندق وأدوات الحفر، (الجريمة) ماثلة فقاموا بتفتيشنا وأخذوا كل لباس عليه طين وتراب ومن ثم غادرونا. وبعد مغادرتهم قررنا نحن الضباط التسعة (قادة تنظيم الضباط الأحرار ) تحمل المسؤولية الكاملة عن هذا العمل. ولا أحد غيرنا.






 
رد مع اقتباس
قديم 21-03-2010, 04:08 PM   رقم المشاركة : 20
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

كيف أكتشف الخفير الخندق:
حينما لم يعد يسمع من يقوم بالحفر خطوات الخفير عاود الحفر ولكن الخفير لم يكن قد سار بعيداً بل جلس وأركى ظهره إلى السور كي يستريح، حينها سمع صوت الحفر وحين تأكد أن الحفر يأتي من تحت الأرض التي يجلس عليها، قام مسرعاً وأبلغ ضابط الصف المسؤول عن الحراسة عن الواقعة وجاء برفقته مسرعين إلى المكان الذي يسمع منه الصوت. طبعًا سمع الحفار في الخندق خطواتهم وهم قادمون مسرعين فتوقف عن الحفر وعندها لم يسمع ضابط الصف المسؤول أي شيء يدل على ما قاله الخفير له، وبالتأكيد أنه وجه للخفير نقداً لاذعاً -من مثل يظهر أنك (خايف) وهكذا بعد أن غابت خطوات رئيس الحرس والحارس، عاد من في الخندق إلى الحفر وهذه المرة فرح الحارس الذي كان ينتظر بلهفة عودة هذا الصوت فخلع حذاءه وسار على رؤوس أصابعه ثم راكضاً بعد أن ابتعد وأبلغ ضابط الصف المسؤول الذي بدوره خلع حذاؤه وسارا بحذر وهدوء وعلى رؤوس أصابع أقدامهم حتى وصلوا المكان وسمعا الحفر فجاءوا والضابط المسؤول ومعهم سلم وأطلوا علينا ليكتشفوا العملية.
التحقيــق :
شُكلت هيئة التحقيق برئاسة اللواء (محمد هاشم) قائد منطقة البادية آنذاك. استدعونا نحن الضباط التسعة المحكومين ووضعونا في أماكن متفرقة وبدأوا بالتحقيق معنا كل على حده، وكنا قد اتفقنا أن نعترف بأننا قمنا بهذا العمل من أجل الهروب من السجن، وحين استدعوني لم أنس ما اتفقنا عليه ولكن كوني لم أر أحداً من زملائي يدخل التحقيق قبلي أصبت بحالة ارتباك فقد كنت أكره أن أكون أول من يعترف وهو سلوك تفرضه طبيعة الإنسان. وحينما تفرض عليك طبيعتك موقفاً فأنت غير مدع. ولذلك حينما بادرني أبو هاشم قائلاً ياضافي تحدث لنا عن ما تعرفه عن الخندق ومساهمتك في العمل فيه. أجبت لا شعورياً أي خندق فبهت أبو هاشم واستشاط غضباً لكون كل من سبقوني قالوا ما اتفقنا عليه، ومنها مساهمتي في العمل، فارتفع صوت أبو هاشم عالياً (جاي تسويلي فتوه )، والله أضربك حتى أطلع الصحيح منك. فأجبته أنا بغضب أيضاً (والله بالضرب ما أتشوف صحيح ) وفجأه وقف العقيد سليم كرادشه (أبو وليم ) مدير السجون وعضو لجنة التحقيق قائلاً لأبي هاشم: يا سيدي يا سيدي أرجوك تسمح لي أتحدث مع ضافي على انفراد. فأخذني (أبو وليم) -رحمه الله- إلى خارج الغرفة وقال لي: يا عمي لماذا هذا الموقف كل الذين حققنا معهم وأنت آخرهم قالوا واعترفوا بمسؤوليتهم عن العملية فقلت له طيب وعدت إلى هيئة التحقيق واعترفت أمامهم عما أعرفه. لقد كنت ووليم ابن العقيد سليم كرادشه في صف واحد وأصدقاء وكنت أزورهم باستمرار وأتناول الطعام في منزلهم وكان منزلهم قريباً من منزل (الفريق كلوب ) في ذلك الحين في جبل عمان وبعد أن انتهى التحقيق تحدث إلينا (أبو هاشم ) وبطبيعته السمحة قال لنا: لكم الحق أن تحاولوا الهرب من السجن وعلينا نحن أن لا نسهل ذلك لكم ولم يتخذوا ضدنا أي نوع من العقوبة.وهدموا الخندق وملأوه بالاسمنت.

الأيديولوجية الماركسية والتوجه النضالي للأحزاب الشيوعية العربية:

تتحمل الأحزاب الشيوعية العربية مسؤولية كبيرة عن الواقع المتردي الذي صارت إليه الأمة العربية، فقد تم استقلالها (لم تستقل فعلا ولكنها فصلت) عن تركيا ووقوعها فريسة للاستعمارين الإنكليزي والفرنسي لماذا؟ لأن الأحزاب الشيوعية العربية كانت أقدم الأحزاب التي تكونت في الواقع العربي بعد الحرب العالمية الأولى وثورة أكتوبر الاشتراكية، وفي واقع العرب المتخلف معرفياً في كل مناحي الحياة. قادهم الجهل إلى الاستجارة من الرمضاء بالنار. فمن هي النخب السياسية التي تعرف معنى الاستعمار وحقيقة المستعمرين؟ هي الأحزاب الماركسية. أي الشيوعيون إنهم يعرفون معنى الاستعمار ومضمونه، ومن هم المستعمرون وكذلك يعرفون معنى وعد بلفور ومضمونه وأهدافه، وليس هناك من بيّن حقيقة الاستعمار والإمبريالية مثل (لينين). وكانت ثورة أكتوبر هي أول من نشر (اتفاقية سايكس – بيكو) وفضحت الإنكليز والفرنسيين والغدر الذي مارسوه ضد حلفاءهم العرب. لقد كان لينين يعي مصادر قوة المستعمرين الناتجة عن نهب ثروات الشعوب واستغلالها. ولذلك كان يقوم بدعم حركات التحرر ضد الاستعمار بغض النظر عن توجهها الإيديولوجي، ولكن بعد موت لينين، وتسلم ستالين السلطة، واعتماد نظرية (بناء الاشتراكية في بلد واحد). وحلول الستالينية مكان (اللينية) صارت مهمة الأحزاب الشيوعية في العالم ومنها الأحزاب العربية:
أ‌. الدفاع والتأكيد المطلق بأن الاتحاد السوفيتي هو (قلعة الاشتراكية) حتى لو كانت مواقفه تتناقض ومصالح الوطن الذين هم جزء منه.
ب‌. الدعاية لقلعة الاشتراكية أمل الشعوب المستضعفة وتصوير واقعها بأنه هو الأفضل والأمثل.
ت‌. اتهام القومية (بالمطلق) بالشوفينة والعنصرية حسب الخط (الستاليني بالماركسية) ومن هذا كانوا ضد الوحدة العربية، ومن هنا أيضا فلا علاقة بين أي حزبين عربيين إلا كعلاقة الحزب الشيوعي البلغاري بالحزب الشيوعي بالإكوادور. وعلينا أن نتذكر أن الحزب الشيوعي السوري – اللبناني الذي كان حزباً واحداً انقسم إلى حزبين شيوعي سوري، وشيوعي لبناني. وأن الحزب الشيوعي الأردني انقسم كذلك إلى حزبين شيوعي أردني (شيوعي، فلسطيني. الأمر الذي يعني أن الأحزاب الشيوعية العربية. ليست أحزاباً قطرية فقط. وإنما تعترف بالتقسيم السياسي القسري الذي ينتج عن مخططات استعمارية ودولية حتى في البلاد التي كانت أصلاً موحدة في زمن خلافة بني عثمان كبلاد الشام حصراً.
ث‌. إن تكتيك الأحزاب الشيوعية والذي كان مضمونه الغاية تبرر الوسيلة). كان أسلوباً مدمراً. وخاصة في استقطاب شخصيات لها وزن اجتماعي ولديها عدم اتزان في تكوينها الفكري والسياسي والاستراتيجي، وذلك لاستخدامهم كوجهات سياسية تخدم الأهداف المرحلية سياسياً.
ج‌. إن تجربة عام 1957م في الأردن تعطي مثالاً حياً على حقيقة ارتباط هذه القوى السياسية في تلك المرحلة ومنها الحزب الشيوعي الأردني. فالحزب الشيوعي الأردني كأي حزب شيوعي آخر يفترض أنه يملك رؤيا علمية وموضوعية ويناضل في واقع سياسي له تماس وتأثير مباشر على قضية عادلة هي قضية فلسطين وحقوق شعبها، والحزب الشيوعي الأردني لم يكن كغيره من الأحزاب الشيوعية العربية تتكون بنيته من الأقليات كالحزب الشيوعي المصري والعراقي والسوري في حينه. وهو الأكثر حاجة لأن يحتمي بتجميع القوى، ومع ذلك لم يحاول جمع هذه القوى قاعدة للحكومة الوطنية على برنامج عمل مرحلي سياسي وطني شعاره (الموت أو الديمقراطية). وخلق تيار وطني مقاوم يصعب على أعداء الديمقراطية تجاوزه لم يحذ أي من الأحزاب الشيوعية العربية حذو الحزب الشيوعي الصيني أو الفيتنامي، وإنما حذوا جميعهم حذو الأحزاب الشيوعية الأوروبية. ولذلك فشلت جميعا أوروبياً وعربياً. ولم نقدم عوناً صادقاً للاتحاد السوفيتي وللأمة العربية.
الإنفصـال الـذي قـاد إلى عفـو عـام 1962 في الأردن:

بعد ثلاثة أشهر من انفصال الوحدة بين مصر وسوريه أصدرت حكومة المملكة الأردنية الهاشمية التي يرأسها في حينه السيد وصفي التل عفواً عاماً عن السجناء السياسيين ،باستثناء أعضاء الحزب الشيوعي المحكومين. لماذا تم ذلك بعد الانفصال ؟
من المعروف بداهة وبالتجربة، أن أي تغيير جذري في أي قطر عربي سلباً أو إيجاباً، يكون له تأثير ويكون هذا التأثير بالغاً إن جرى في أحد الأقطار (الاستراتيجية)، أي الأقطار التي تملك القوة من ذاتها كمصر والعراق أو المملكة العربية السعودية، وهكذا تأثر الواقع العربي بانقلاب (23) يوليو في مصر ولكنه بقى انقلاباً عسكرياً مثله في ذلك مثل الانقلابات العسكرية التي حصلت قبله في كل من العراق وسوريه. أفرح الجماهير كونه عاقب نظاماً فاسداً في مصر كان له دور أساسي فيما آلت إليه الحالة الكارثية في فلسطين، وحتى بعد أن استقر الحال في مصر لصالح زعيم الضباط الأحرار ورفاقه وباتت ملامح نظرته إلى الديمقراطية من خلال تعامله مع الأحزاب السياسية وخاصة (حزب الوفد) واضحة، بهذا الأسلوب غير الديمقراطي، مما جعل قيادة حزب البعثالعربي الاشتراكي تنتقد أسلوب التعامل هذا وموقفه العام من الديمقراطية وتقول بالتوجه الدكتاتوري لجمال عبد الناصر.
لكن حينما حقق عبد الناصر اتفاقية الجلاء عن أرض مصر مع المستعمرين، وبعد ذلك قام بتأميم (قناة السويس) وخرج سالماً من صراع مسلح مع قوى الاستعمار القديم بريطانيا وفرنسا، ومخلوقته "إسرائيل"، برز من خلال هذا الصراع بطلاً قومياً (قولاً وفعلاً) من خلال هذا المنعطف الزمني والتاريخي، وهي المرة الأولى في تاريخ العرب الحديث الذي يظهر بها قائد عربي وفي أكبر دولة عربية، ويأخذ مدى زمنياً مقبولاً، ويحقق في هذا المدى إنجازين هامين لوطنه، يعنيان استقلالاً وطنياً ناجزا.ً وهذين الإنجازين، هما جلاء القوات البريطانية عن أرض مصر بعد قرابة الثمانية عقود من التواجد العسكري البريطاني على أرضها أولاً، وعودة السويس الهامة استراتيجياً والهامة اقتصاديا لأهلها.
ثانياً كان إعلام مصر الرسمي وهو الإعلام المسموع عربياً، يشن حملة لا هوادة فيها على الاستعمار البريطاني وفضحه في موقعين من خلال تواجده على أرض مصر، ودوره التاريخي في القضية الفلسطينية، ومحاولة تقسيم العرب من خلال (حلف بغداد) جاعلاً هذا الإعلام من هذا الأمر، نقطة مركزية لتضامن العرب والابتعاد عن النفوذ الأجنبي، وكذلك تصدّت مصر واقعياً وإعلامياً للاستعمار الفرنسي بالجزائر، من خلال دعمها لثورة الجزائر مادياً وسياسياً وإعلامياً، هذا الموقف المتصدي للاستعماريين الإنجليزي والفرنسي في هذا المرحلة قولاً وفعلاً استنهض الجماهير العربية، وانكسر الطوق الذي كان يحاصر هذا النهوض، ووصل النهوض ذروته بعد عملية تأميم قناة السويس، وخروج عبد الناصر ووطنه سالمين منالهجوم الثلاثي، وكان لا بد أن يحوّل هذا النهوض إلى كيف. ومن هذا المنطلق دفع التيارالوحدوي في الجيشوالشعب في سوريا وفي طليعتهم حزب البعث العربي الاشتراكي باتجاه مصر، قاصدين علاقة استراتيجية تهدم الركن الأخطر في الواقع العربي ألا وهو التجزئة.
إن مصر قضية مركزية في عقيدة البعث فكرياً وسياسياً ونضالياً، وجعل مصر أرضاً وتاريخاً تتحمل مع أمتها الهموم الثقيلة، وهذا الالتزام من البعث تجاه مصر لا يساويه سوى الفعل المضاد الذي تقوم به القوى المضادة وعلى رأسها الصهيونية العالمية المعادية لنهوض العرب، التي تسعى سعياً جاداً لسلخها وتوجيهها الاتجاه المغاير لحقيقتها ومصلحة شعبها.
إلا أن قيادة البعث ذهبت بعيداً في هذا الاندفاع، حتى وصلت إلى حد التناقض بالفعل مع فكر البعث وعقيدته، بتسليمها الكامل بالصيغة التي أصر عليها الرئيس عبد الناصر، متجاهلة المرتكزات الأساسية التي اشترطها فكر البعث ونهجه السياسي لأي حالة وحدوية، وأنا هنا أتساءل، هل كان اندفاع قيادة الحزب إلى هذه الحدود المتعارضة مع فكر البعث في سلوكها مع الوحدة، ومضافاً لذلك، هل كان هذا المد الجماهيري واندفاعه هو الذي دفع بقيادة الحزب أمامه وجعلها تتناسى نقدها السليم لموقف الرئيس عبد الناصر من الأحزاب والديمقراطية، مأخوذة كما يؤخذ بسطاء الناس بالجموع الذي أثارته معركة السويس؟؟
حينما يفكر الإنسان في سلوك قيادة الحزب بجدية أكثر من حالة مشابهة في مسارها السياسي قبل الوحدة وكذلك بعد الوحدة، يقول (طبعاً لا). لقد كان موقف قيادة الحزب موقفاً
سياسياً وليس عقائدياً مبنياً على اعتبارات دولية تبين أنها مرحلية، وكانت الوحدة حلقة الوصل الأولى ثم تبعها عدد من الحلقات (كنهج حكم) قاد إلى هزيمة عام (1967)، واستمر بعد ذلك وحتى يومنا هذا.
لقد كانت الوحدة بين مصر وسورية عملاً استراتيجياً لا سابق له منذ عهد صلاح الدين، وهي حدث إقليمي ودولي بالغ الأهمية والتأثير، وقد استنفر هذا العمل الهام أعداء نهوض العرب الداخليين والإقليمين والدوليين بما هم عليه من قوة وقدر، وكان يجب أن تستنفر قيادة الوحدة همة شعبها وجماهير أمة العرب بالفعل لا بالإعلام، وتضع التصور المطلوب للحفاظ على هذا الإنجاز الكبير وتكبيره، هذا الإنجاز الذي لا مثيل له في تاريخ العرب الحديث، والذي لو دام، لشكل الضمانة الأكيدة لمسيرتهم نحو النهوض، والذي لو تهيأ له التحصّن ذاتياً بصيغة وحدودية تتناسب والواقع الموضوعي لكلا القطرين، وببناء داخلي حر يتناسب ويتوافق مع واقع التطور الاجتماعي والسياسي لكلا القطرين، وبتنمية اقتصادية تعي أهدافها وتساهم بها الأكثرية من مواطنيها، وبسياسة صد للأعداء وليس خلقهم وببناء سياسيواجتماعي واقتصادي، يستند إلى مؤسسات مضمونة الكفاءت، مضمونة الولاء الوطني، وتتمتع بحرية الرأي وبتنظيمات نقابية ومهنية أساس بنائها ديمقراطي، تعي دورها ومهامها في إيصال دولة الوحدة إلى (بر الأمان) في حينها لانهارت قلاع أعدائها من العرب الذين كان لهم الباع الأطول في تدميرها، هؤلاء الأعداء الذين لا يعيشون إلا على فشل مشروع نهوض العرب.
ما كان لهذا الأمر أن يتم إلا بالتزاوج بين زعامة عبد الناصر وفكر البعث، وأعني فكر البعث الذي بني على (الحرية) (أي الديمقراطية)، لكن الشعوب كالإنسان تتعلم من تجاربها وتضحياتها التي تقودها إلى الفهم الأصح والأسلوب الأمثل أيضاً، والتضحيات هي التي تنير طريق الفهم والأسلوب إلى الهدف.
لقد قامت الوحدة واستمرت ما يقارب ثلاث سنين ونصف، وكل من عمل في السياسة من الجيل الذي انتمى إليه يعرف الحدث، ولكن الاختلاف أنصب على الأسباب التي قادت إليه، ويدلّك على هشاشة بناء الوحدة….. أن لواء هجّانة مسلح بمدرعات خفيفة ،هو الذي قام بهدم هذاالبناء!! وبوجود عبد الحكيم عامر في دمشق، ولن أنس قولاً للأستاذ بهجت أبو غربية وهو من قيادة حزب البعث في الأردنالتي اتخذت اتجاهاً ناصرياً وانشقت عن الحزب في حينها، قال: لو كان في دمشق خمسمائة بعثي منظم لما نجح الانفصال، هذا القولالصحيح ذو الدلالة العميقة يثبت أنه ما كان للوحدة أن تنفصل لو استندت إلى فكر البعث وزعامة عبد الناصر.
وقد أنصب غضب الناس على البعثيين حينما وقع الانفصال، بينما لا أحد كان يشعر في حينه بجدية الخطر المحدق بالوحدة إلا أعداء الوحدة، ففي فلسطين وخاصة في الضفة الغربية تعرض البعثيون إلى إساءات بالغة والفلسطينيون في حينها كانوا معذورين، لأن آمالهم كانت معقودة على عبد الناصر وعلى الوحدة، واعتبرت أكثريتهم أن البعثيين مسؤولين عن الانفصال بعد أن تخلو عن المسؤولية في دولة الوحدة. وأنصب الإعلام المعادي للحقيقة (ومنه إعلام مصر) على البعثيين اتهاماً وتجريحاً، وساهم بعض قادة الحزب التاريخيين كالأستاذين أكرم الحوراني وصلاح الدين البيطار ومريديهما بإعطاء المبررات من خلال توقيعهما على بيان يؤيد الانفصال. ولم يتحدث أحد عن الأسباب الموضوعية التي قادت إلى الانفصال. وهكذا عاد التيار القومي، الذي يشكل ركيزته حزب البعث العربي الاشتراكي إلى الانحسار مرة أخرى، وبقي الباكون والمتباكون وهم الناصريون (والمتلفعون لأهداف لئيمة بثياب الناصرية)، لأن التيار الناصري الذي انضم إليه الكثير من البعثيين قادة وقواعد، كان يمثل الأكثرية في صفوف الجماهير العربية.
لقد أرادت القوى المعادية لتقدم العرب خلق تناقض بين التيار الناصري وحزب البعث العربي الاشتراكي، وقد تحقق لها ذلك ولعبت هذه القوى المعادية في صفوف التيار الناصري أدواراً شديدة التخريب، سواء أكانوا أفراداً بارزين في المجتمع أو تنظيمات ، فهؤلاء هم المتباكون، أما الباكون فهم بسطاء الناس والوطنيون الشرفاء الذين آمنوا بعبد الناصر وبالوحدة ورأوا آمالهم وأمانيهم تنهار.
إن التيار الناصري الذي لم يشكل حزباً منظماً ولا تياراً منظماً على الإطلاق لا قبل الوحدة ولا بعدها مما يضع علامة استفهام كبيرة, بقيت حتى الآن بدون إجابة. إلا إذا كانت مقولة القذافي الشهيرة (من تحزب خان) هي الإجابة الفكرية على عدم وجود حزب ناصري فيالماضي وفي الحاضر وإذا صح ذلك فإنه لمدلول خطير.
لم يكن التيار الناصري على كثرة جماهيره، قادراً على حماية الوحدة، لأن الجماهير لا تقوم بدور بارز في حماية مصالحها إلا حينما تقودها طليعة مكونة فكرياً ونضالياً تعرف مهماتها وواجباتها في كل مرحلة من مراحل برنامج عملها السياسي والاجتماعي المتوافق مع مصالح الجماهير وطموحاتها، وكان دور حركة القوميين العرب في شق وحدة القوى الداعمة للوحدة معروفاً، فهذه الحركة التي كانت لصيقة بعبد الحميد السراج ومن بعده بالرئيس الراحل عبد الناصر وبقيت لصيقة به حتى هزيمة عام 1967 حينما غادرته وغادرت القومية غير آسفة إلى الماركسية اللينينية، بادئة بعد ذلك التنظير لأسباب الهزيمة ماركسياً، آخذه بالنظرية الماركسية اللينينية حول البرجوازية الصغيرة، وهي تقصد (مصر وسورية)، قائلة بأن أنظمة البرجوازية الصغيرة هذه، لا يمكنها تفادي الهزيمة، وكأن الدولة التي هزمت العرب عام 1967 دولة شيوعية يقودها حزب الطبقة العاملة.
بعد ذلك قامت بمسيرة إلى الجزائر لتعرض على الرئيس (بومدين) يرحمه الله قيادة حركة التحرر العربية، أنها محاولات خلق التنافس والعداوة بدلاً من التضامن. لماذا هذا الموقف للقوميين العرب؟
من المعروف أن المسار المتذبذب عقائدياً للحركات السياسية التي تلبس لكل مرحلة لباساً مصمماً لها، لا يمكن أن تكون صادقةً في سعيها للوصول للهدف المعلن (وهو الوحدة وتحرير فلسطين).
إن قفز حركة القوميين العرب من الأيدلوجية القومية اليمينية، أي من (دم حديد نار ووحدة تحرر ثأر)، إلى الماركسية اللينينية، أي (من القفّة إلى آذانها) كما يقال في المثل الشعبي، هو من أجل إخفاء الحقيقة الهامة، وهي لماذا كانت الهزيمة وما هي أسبابها الحقيقية؟ ويريد القوميونَ العرب أن يوهموا الناس، أن أسباب الهزيمة هو عدم (تبنّي الماركسية)، فحين يطرح السؤال هذا ويناقش بحرية على الساحة السياسية في كل قطر عربي سيصل الناس إلى الحقيقة، وهي أن الهزيمة محصلة واقع تغيب فيه الحرية ويحكم بالقمع والإرهاب، ويقاد إلى الهزيمة، أما القفز إلى الماركسية اللينينة، وإدخال المجتمع العربي في ثوبها البعيد عن مقاسها كما حدث في جنوب اليمن، فماهو إلا تكريس للواقع الذي قاد إلى الهزائم المستمرة، وهكذا حدث فعلاً، لقد ملأ القوميينالعرب الساحة السياسية التي تحيط بفلسطين، بالعديد من التنظيمات بعد أن تشظت، وأكثرها يقول بالماركسية لماذا هذا التشظي فإذا كانت الأداة أصلاً موحدة تنظيماً وأيديولوجياً، فلماذا هذه الانقسامات التي توالدت؟
من المعروف أن كثرة التنظيمات في ساحة ليس بها حرية تعبير ولا ديمقراطية سليمة، هي لأسباب عديدة مضادة لطموحات الجماهير، أهمها منع خلق تيار رئيس في هذه الساحة، يكون قادراً على فضح الواقع المريض ومسبّباته، وتوعية كافة الجماهير على حقيقته، ومن بعد قيادتها إلى النضال الدؤوب من أجل تصحيحه تصحيحاً يقود إلى الطريق الذي يوصلها إلى أهدافها المشروعة، وأصدق مثال على هذا الحقيقة، هي ديمقراطية الملك حسين، قبل أن تبدأ وتملأ الساحة السياسية في الأردن الصغير، التنظيمات السياسية التي تُسمى أحزاباً ويختمها بقانون انتخابي يسمى قانون ( one man one vote) (لكل ناخب صوت واحد لمرشح واحد)، وهو قانون لا مثيل له في الديمقراطية، ولقد أوجدوه للتحايل على ذهن المواطن، والعودة به إلى ديمقراطية (توفيق أبو الهدى) من أحد شقوق هذا البنيان المتآكل .
وحتى يطال التساؤل كل القوى والشخصيات التي ساهمت في هذا المسار المتعثر، وساهمت في إيصاله إلى هذا الواقع المأساوي، لا بد أن أجيب على تساؤل مشروع حول قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي في تلك المرحلة، أي منذ تأسيسه وحتى الانفصال، وما بعده، أي المحطات البارزة في هذا المسار الطويل.
البعـــث :

تأسس حزب البعث العربي الاشتراكي كحزب (البعث العربي) أولاً على يد الأستاذين ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وعقد مؤتمره التأسيسي في السابع من نيسان عام 1947، واكتمل اسمه (كحزب بعث عربي اشتراكي) بعد الاندماج بين حزب البعث العربي والحزب العربي الاشتراكي، الذي أسسه الأستاذ أكرم الحوراني في عام 1952، ويمكن اعتباره الوريث لكل الحركات والتيارات الفكرية التي سبقته منذ الكواكبي الذي قال بتميز العرب في خلافة بني عثمان ومروراً بالمنظمات العربية المدنية والعسكرية، والقوميين العرب اللبنانيين، وكل من دعا إلى وحدة العرب ونهوضهم حتى عصبة العمل القومي، وقد حقق الذين أسسوا الحزب للأجيال العربية المتطلعة إلى الوحدة والتحرر فكراً موضوعياً وأداة لتحقيق أهداف هذا الفكر الذي صمد في ساحة الصراع الجبار بين الأيدلوجيات الكبرى (الرأسمالية والماركسية) والقوتين العالميتين اللتين تقفان خلف هاتين الأيديولوجيتين وأدواتهما في هذه المنطقة الداخلية خاصة تلك التي تملك ريع النفط .
وأعتبر البعث نفسه استمراراً وامتداداً لثورة العرب الكبرى التي أعلنها وقادها الحسين بن علي شريف مكة آنذاك، واغتالها المستعمرون الإنجليز والفرنسيون، وتسلم رايتها واعتبرها رايته، وقد صمد البعث أمام أكثر من هجوم شرس، قام به الأقربون والأبعدون، من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى أم المعارك الخالدة وما بينهما من أحداث جسام، وأمام عمليات الاختراق من داخله ومن أطرافه الخطيرة والقاتلة التي قامت بها القوى الدولية ومخابراتها مدعومة بأموال النفط وحراسه، محاولة أن تخلق له أكثر من شبيه، ولكن يكفي البعث إثباتاً على أصالته، أنه مثل بطولة القرن على امتداد أكثر من ربع قرن على ساحة العراق، أمام المؤامرات الداخلية والخارجية اللئيمة والخبيثة، من قوى قلما تخيب مخططاتها، وفي واقع متعدد الأعراق، متعدد الأديان والطوائف، وفي موقع جغرافي لا يماثله موقع محاط بالأعداء من جميع اتجاهاته، ويهزم دولة تقودها (ثورة)، في قمة هياجها واندفاعها، قيادة وجماهيراً، والأكثر تعقيداً أنها ترفع راية الإسلام (تراث العرب وسبب خلودهم) وتكبره بأربعة أضعاف مساحة وسكاناً واقتصاداً، وتمتلك جيشاً مسلحاً بأحدث الأسلحة وأوفرها، ومع ذلك قاتلها ثماني سنين ضواري حتى هزمها، ويتوج صراعه المشروع من أجل البقاء في واقعة ليس لها مثيل في التاريخ (أم المعارك الخالدة).
إن شعار البعث الذي يمثل عصارة فكره والمعبر بعلم وموضوعية عن الطريق الأسلم والأصح لتحقيق أهدافه، كان يجب عليه أن يكون العاصم من الانحراف، إن كان إلى اليمين أو إلى اليسار، لأن الحرية المتوسطة شعار البعث والتي تمسك الوحدة بيسارها، والعدالة بيمينها، هي التي تجعل من هذا الشعار مضموناً موحداً. يستند تحقيقه إلى النضال من أجل تحقيق حرية الإنسان العربي والتي إن تحققت، ستقود إلى الهدف الذي سعى ويسعى إليه هذا الإنسان، إلا أن قيادة البعث إما لأنها لم تلتزم بهذا الفكر الذي قالت به لأسباب أهمها أنها قالت بفكر لم تستطعتحقيقه بأساليب عمل ترمي إلى مستوى تحقيق مضمون هذا الفكر، أو أنها قالت بفكر وخلقت أداة لتحقيق أهداف هذا الفكر، وهي لا تملك المقومات النضالية المعروفة لتحقيق أهداف هذا الفكر، مع أنها سلكت في البداية الطريق القويم حينما دعمت النهج الديمقراطي في سوريه، وتضاعف عدد ممثلي الحزب في البرلمان السوري في الدورة التالية للانتخابات البرلمانية في الخمسينات، وكانت كتلة الحزب والمتحالفين معها في مجلس النواب في سوريه ذات تأثير كبير في توجهات البرلمان السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكان يجب الثبات على هذا النهج، ومقاومة كل انحراف والنضال ضده.
إلا أنها بديلاً عن هذا الثبات الاستراتيجي المبدئي، استخدمت التكتيك السياسي ضد من اعتبرتهم خصوماً، وهم ليسوا كذلك، وتحالفت مع قوى عسكرية مشبوهة ضدهم، فقد شجعت قيادة الحزب التاريخية انقلاب حسني الزعيم وشاركت في أول حكومة شكلها، ثم اختلفت معه بعد أن ألغى الديمقراطية، وقام بالدور المطلوب والمرسوم له إقليمياً ودوليا،ً والتي كان في طليعتها الدخول في مفاوضات الهدنة التي كانت سوريه في ذلك العهد ترفض الدخول فيها وثانيهما (مد خط أنبوب التاب لاين) عبر سوريه إلى لبنان، والتي كانت مطالب للعهد السابق لانقلاب الزعيم سقفها عالياً، وشجعت بعد ذلك على انقلاب أديب الشيشكلي ضد النظام البرلماني القائم آنذاك، وكانت في ذلك الحين ديمقراطية مقبولة في حدود الواقع، والديمقراطية لا تولد راشدة، وذلك من أجل منع اتجاه حزب الشعب من بناء علاقة جوار حسنة مع العراق، وكذلك اختلفت مع نظام الشيشكلي بعد أن قام بدوره بإلغاء الديمقراطية ومنع أية علاقة طيبة مع العراق، وكان موقفها من أحداث الأردن عام 1957 بعيداً جداً عن معنى البعث وأسباب وجوده، وكان موقفهما من الملك حسين قد حسم الأمر لصالحه ضد الديمقراطية، ومن خلال هذا الموقف السياسي سلمت الحزب مدنياً وعسكرياً إلى سلطة الملك حسين الانقلابية المطلقة، التي قادت بعد عشر سنوات من هذا التاريخ إلى هزيمة عام 1967، وإذا كان القول أن المؤمن لا يلدغ من الجحر الواحد مرتين صحيحاً، وأن الإنسان يتعلم من أخطائه صحيحاً أيضاً، يتضح حينها أن هذين القولين لا ينطبقان على قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي التاريخية، لذلك فقد أدمنت على اللدغ من جحر اللاديمقراطية ولم تتعلم من هذه الأخطاء، مع أن لديها عاصم من ذلك وهو فكر البعث وشعاره المعبر الذي صاغته في (وحدة، حرية، اشتراكية). وختمت مطافها كقيادة موحدة بلقائها السياسي بالرئيس عبد الناصر، والتسليم له بصيغته الوحدوية، التي ألغت الديمقراطية القائمة آنذاك في سوريه لمصلحة وحدة (لا ديمقراطية) قادت إلى الانفصال في ما بعد.







 
رد مع اقتباس
قديم 21-03-2010, 04:10 PM   رقم المشاركة : 21
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

الأردن عام 1962 وما بعـده :

بعد خروجي من السجن في عام 1962، وبعد خمسة أشهر من ذلك التاريخ عينت في وظيفة مساعد للإدارة، في قسم المشاريع في مجلس الأعمار، عُدت للتنظيم في الحزب كعضو عادي في فرقة مأدبا الحزبية، وكان عدد أعضائها الأصليين لا يتجاوزا أصابع اليدين، يتولى أمانة سر الفرقة الرفيق وليد نويران وكانت جزءاً من تنظيم شعبة الأطراف، التي كانت تقود تنظيم الحزب في محافظة العاصمة (أي خارج العاصمة عمان)، لا أذكر أي نشاط حزبي يعلق في الذهن للفرقة في تلك المرحلة ولا حتى للحزب، فأنا لم أقرأ أي نشرة للحزب، سياسية أو تنظيمية أو فكرية، والظاهر أن الهدف الأساسي في تلك المرحلة هو الحفاظ على البنية التنظيمية للحزب كي تبقى قائمة.
بعد أشهر قليلة من إعادة تنظيمي في صفوف الحزب، جرت انتخابات في شعبة الأطراف فانتخبت عضواً في مؤتمر الشعبة، وفي مؤتمر الشعبة انتخبت عضواً في قيادة الشعبة، والغريب أنني لم أعرف ولم أسأل أيضاً إن كانت هذه الانتخابات خاصة فقط في شعبة الأطراف أم أنها تجري في صفوف الحزب عامة، وهذا السلوك ناتج عن سلطان أجهزة الأمن الذي ظله على كل مواطن، حتى إذا اعتقلت وسئلت أقول صادقاً أنني لا أعرف. وكان لقاء قيادة الشعبة الأول في منزل الرفيق سامي بطشون، وفي هذا الاجتماع جرى توزيع مسؤوليات الرفاق أعضاء قيادة الشعبة، ولنفس الأسباب الأمنية لم أحاول التعرف على مسؤولية الرفيق سامي بطشون آنذاك.
لقد استمرت حكومة السيد وصفي التل في الحكم حتى نهاية الثلث الأول من عام 1963، وكان أمن الأردن في ذلك الحين مستتباً داخلياً وخارجياً، إلا أن هذا الواقع لم يستمر طويلاً، فلا يمكن ان يكون هناك استقرار دائم خارج النظرة الدولية (وخاصة الأطلسية) لمستقبل الإقليم، ففي العراق كان عبد الكريم قاسم يدفع بالعراق خارج سربه، مثله في ذلك مثل نوري السعيد، وإن باستراتيجية مختلفة، كانت أكثر صعوبة، صحيح أن سياسته كانت تحظى بدعم دولي في المرحلة الأولى من حكمه، ولكن هذا الدعم لسياسته انتهى بانتهاء الوحدة بين سوريه ومصر، والمد الناصري، خاصة وقد فتح (طاقة الكويت)، التي تهب منها رياح السموم على العراق، كلما استدعت سياسة المستعمرين ذلك. وهذا النوع من الأنظمة هو مرحلي مهما طال به العمر، يأتي للسلطة من أجل تغييرات محددة داخلياً وخارجياً تخدم أهداف القوى الدولية، يذهب ويزول بعد تحقيقها، خاصة الأنظمة التي تصل إلى السلطة من خلال الانقلابات العسكرية التي ليس لديها برنامج إصلاح هدفها تحقيق ما يفتقده إنسان هذا الواقع، وبالتأكيد أن نظام عبد الكريم قاسم قام بمهمتين وطنيتين:

1- إلغاء النظام الملكي التابع وإقامة الجمهورية.
2- المرسوم (81)، الذي سحب من الشركات النفطية أكثر من 90% من الأراضي التي يشملها حق الامتياز في التنقيب عن النفط في العراق.

ومع ذلك فقد وصل النظام في العراق إلى سقفه، بعدما يقرب من خمسة أعوام في الحكم، وفي أواخر هذه السنين فقد تأييد شعب العراق له، فأنت لا تستطيع أن تلعب إلى الأبد على حبال السياسة الدولية، فأساس الحكم هو تأييد الشعب لك (أي للسياسة التي يسير عليها النظام)، وكل حاكم يفقد تأييد الشعب له، لن يبقى في الحكم إلا بواسطة القمع والإرهاب، ودعم القوى الدولية ذات المصلحة، (وأنا هنا أعني البلدان التي لديها القدرة على البناء الذاتي، ولا أعني شرقي الأردن والبحرين ومن هم على هذه الشاكلة بمن فيهم "اسرائيل".

ثورة الرابع عشر من رمضان في العراق :

في صبيحة الرابع عشر من رمضان، الثامن من شباط 1963 قام حزب البعث العربي الاشتراكي الذي تتوافق مبادؤه تماماً مع طموحات عرب العراق، قام بثورة شعبية مسلحة مخططة ومنظمة، مدعومة بقوة من بعض قطاعات الجيش، وبعض الطيارين في القوة الجوية، ثورة لم يجر لها مثيل ضد أي نظام عربي منذ الاستقلال، دام الصراع حول وزارة الدفاع مقر عبد الكريم قاسم أكثر من 24 ساعة، بعدها حسم الصراع لصالح الثوار.
تسلم حزب البعث العربي الاشتراكي السلطة، وحوكم عبد الكريم قاسم، والمهداوي محاكمة سريعة، أعدما بعدها، وجرت تصفيات دموية في صفوف مؤيدي عبد الكريم قاسم، وخاصة في صفوف الحزب الشيوعي، الذي كان يشكل هو ومؤيديه القاعدة الشعبية لنظام عبد الكريم قاسم ويضم في صفوفه كل العناصر المناهضة لقومية العراق، وأنا طبعاً كنت وما أزال ضد ما جرى، ولكنني أتفهم ظروفه وأسبابه، وعلينا أن نعي أنه منذ حمورابي وشريعة موسى ، وصولاً إلى الإسلام وشريعة القصاص قائمة (وإن تطورت في هذه الأيام بتطور الواقع) والبادئ دوماً هو الأظلم، وعلينا أن نتذكر أن قاعدة عبد الكريم قاسم الشعبية التقدمية هذه هي أول من ابتدع أساليب للقتل لا سابق لها في الوطن العربي، فهم الذين كانوا يسحلون ضحاياهم حتى الموت، وهم الذين كانوا يعلقون جثث ضحاياهم على أعمدة الكهرباء، وهم الذين ابتدعوا أسلوباً للعدالة لا يشابهه أسلوب، في محكمة المهداوي ذائعة الصيت سيئة السمعة، وعلينا أن نكون عادلين من خلال تقييم الواقع تقييماً غير منحاز، أوله التعبئة النفسية في صفوف هؤلاء الشباب الذين قاموا بالثورة، والواقع الذي عايشوه قبل قيامها في ظل إرهاب تنظيمات الحزب الشيوعي، ويجب أن نتذكر أن كل العراقيين الذين كانوا في هذا الجانب السياسي يتذكرون بمرارة مذبحة (أم الطبول) السوداء، وعلينا أن لا نسقط من تقييمنا العناصر تحت لواء الثورة، إن كان لأغراض خاصة (ومنها الثأر الشخصي) أو لحساب أجهزة دولية، فكل من عمل بالسياسة وعايش الأحداث في هذه المنطقة المهمة عالمياً، يعلم أنه ومنذ انقلاب بكر صدقي في العراق وحتى ما سمي "بالحركة التصحيحية" في سوريه، إلا وبها إمتدادات دولية.

انقـلاب 8 آذار في سورية 1963:

بعد شهر واحد من ثورة الثامن من شباط في العراق، قام تحالف بين العسكريين السوريين، لحمته الأساسية الضباط البعثيون الصغار الذين لم يطلهم التسريح لا في زمن الوحدة ولا في زمن الانفصال، وقائد الجبهة السورية في حينه العميد زياد الحريري والضباط الموالون له، وأعلن الانقلابيون الجدد في بياناتهم أن مهمتهم الأساسية هي القضاء على الانفصال، وتبين فيما بعد، بعد أن (ذاب الثلج)، عمق زيف هذا القول، وأن الصفة باطلة، لأن كل من جاء بعد حكم الانفصال كان أبعد عن الوحدة من الذين قاموا بالانفصال، فهؤلاء الذين قلبوا نظام الانفصاليين لم يكونواانفصاليين فقط، بل كانوا قطريين، وما الزيف الكثيف الذي كان يصاحب أقوالهم عن الانفصال والانفصاليين إلا من أجل تغطية حقيقتهم، إن الذين قاموا بالانفصال أرادوا العودة بسورية إلى ما قبل الوحدة أما القطريون فهم حالة مختلفة تماماً، أساسها العداء للعروبة وبالتالي للوحدة، مهما قالوا ووضعت في أقوالهم مخابر الإمبريالية مقولات وأفكاراً مدعومة من قوى إعلامية عاتية، فحقيقتهم هي كذلك، لقد كان المخطط، أن يصبح الحكم في سوريه قطرياً معادياً للعروبة ومعادياً بالتالي للوحدة وهو كذلك في نهاية القرن العشرين، هذا الواقع الجديد في العراق وسوريه آنذاك، مع علاقات مأزومة مع مصر، وضع الحكم في الأردن في وضعٍ قلق، وقد أقدم الملك حسين على خطوة (وقائية)، فبالاتفاق مع مدير مخابراته آنذاك اللواء (محمد رسول) تم اعتقال البعثيين القياديين والكادر المتقدم في الحزب، وكذلك قادة تنظيم الضباط الذين أفرج عنهم قبل عام وشهرين من هذا التاريخ، وقد انقسم الحكم على نفسه حول هذه الاعتقالات، فرئيس الوزراء آنذاك السيد وصفي التل رفض الموافقة على هذه الاعتقالات، التي تمت بدون موافقته واستشارته.
وقد تم اعتقالي من منزلي في مأدبا بواسطة (قائد درك) مادبا، وكنت أعرف أن هذا الأمر سيتم، وقد أعددت لوازم هذا الأمر، ولم أنم أنا ولا زوجتي إلى أن قرع الباب في الساعة الثانية عشر ليلاً، حينها أخذت حقيبتي وخرجت (فمن يقرع أبواب البيوت في مثل هذه الساعة إلا هؤلاء ....)، فلما رآني قائد الدرك أفتح الباب وحقيبتي في يدي، استهجن الأمر، وأوصلني إلى قيادة منطقة البادية أمام مخيم الوحدات في عمان، وهناك وجدت محمود المعايطة ينتظرني، وفي نفس الليلة نقلونا إلى الجفر، وكان قد سبقنا إلى هناك الكثير من المعتقلين، وبعد وصولنا إلى المعتقل عاد كل منا إلى مكان سكناه في المعتقل، أمضينا في المعتقل تسعة وثلاثون يوماً، اضطر الملك الحسين -على ما يظهر - أن يأمر بإطلاق سراحنا، بعد أن أصر رئيس الوزراء السيد وصفي التل على موقفه بأنه لن يوافق على هذه الاعتقالات، ولهذا بعد أن أطلق سراحنا قدّم السيد وصفي التل استقالة حكومته، وكلف الملك حسين السيد سمير الرفاعي بتشكيل الحكومة الجديدة، وما أشبه اليوم بالبارحة، فبعد استقالة المرحوم هزاع المجالي أثر مظاهرات حلف بغداد، خلفه حينها السيد سمير الرفاعي برئاسة الورزاء، وأول فعل قام به رئيس الوزراء الجديد بعد تشكيل حكومته هو إعادة اعتقال من أفرج عنهم من المعتقلين وإضافة أعدادٍ جديدة من جميع الاتجاهات السياسية والعسكرية، وقد تبين فيما بعد أن الملك حسين بالرغم من إسناده رئاسة الوزراء إلى السيد سمير الرفاعي، إلا أنه على ضوء الواقع المحيط بمملكته كان حريصاً على أن لا يقيد مبادراته الذاتية ورؤاه السياسة الخاصة برئيس وزراء مدعوم من دول كبرى، وقد قرر على ما يبدو أن يكون رئيس الوزراء في هذه المرحلة شخصية مطلقة الولاء له ولملكه، لأنه ما كان يعلم الغاطس من سياسات الدول الكبرى، التي لها تأثيرها في الواقع المحيط به، ومن هنا فإن رئيس الوزراء الخبير والمتمرس في شؤون الحكم والسياسة، ما كان ينوي أن يتقدم بطلب الثقة لحكومته من مجلس نواب كان يسمى في حينه (مجلس نواب وصفي التل)، إلا أن الملك حسين لم يكن ينوي أن يبقى السيد الرفاعي رئيساً للوزراء في الظرف المحيط بالأردن في حينه، ولذلك طلب إليه أن يأخذ ثقة مجلس النواب، وهو يعلم أن مجلس نواب (وصفي التل) لن يعطي الثقة لسمير الرفاعي.
وهكذا اضطر رئيس الوزراء أن يتقدم إلى مجلس النواب طالباً ثقته بالحكومة، وما أن فعل ذلك حتى ووجه بهجوم شرس من النواب، هجوم لا سابق له في تاريخ المجلس على رئيس الوزراء، وفي أوساط الشعب في الأردن قول مشهور يقولونه (في سنة سمير لا قمح ولا شعير)، وقد قاله أحد النواب له في هذه الجلسة، وطبعاً كانت نتيجة الاقتراع حجب الثقة عن حكومة السيد سمير الرفاعي، وعلى ضوء هذه النتيجة طلب رئيس الوزراء من الملك حل مجلس النواب، فاستجاب الملك حسين لهذا الطلب ولكنه بعد ذلك طلب من رئيس الوزراء تقديم استقالة حكومته، وحينها تخلص الملك حسين من برلمان وصفي التل ومن حكومة السيد الرفاعي، وبهذا ودع السيد الرفاعي المسرح السياسي، كما ودعه قبل ذلك السيد توفيق أبو الهدى، كلف بعدها الملك الشريف حسين بن ناصر رئيس الديوان الملكي بتشكيل الحكومة الجديدة، والشريف حسين بن ناصر هو ابن الشريف ناصر شقيق الشريف الحسين بن علي شريف مكة وصاحب الثورة العربية، وهو عم الملكة الوالدة، ومتزوج من إحدى عمات الملك، ومن هنا فلا يوجد من هو أوثق منه في الأردن لتولي رئاسة الوزراء في هذه المرحلة الدقيقة.

واقع حزب البعث العربي الاشتراكي في الأردن ونشاطاته:
في ذلك الحين، لم يكن في برنامج الحزب والذي هو جزء من الحزب في الوطن العربي وخاصة في سوريه والعراق، أي مخطط أو برنامج عمل من أي نوع يستهدف زعزعة الأمن والاستقرار في الأردن، والحزب في تلك المرحلة لم يكن قادراً بعد انحسار مدهِ نتيجة الخلاف مع الرئيس عبد الناصر، وانقسام قيادته في الأردن، بعد الانشقاق الذي قاده الأستذان عبد الله الريماوي وبهجت أبو غربية في صفوفه، لم يكن قادراً على تهديد أمن النظام في الأردن، ومن هنا لم تكن الاعتقالات التي تمت في صفوفه سوى مبادرة من الملك حسين الهدف منها إثبات وجود النظام، والتمظهر بالقوة.
والنشاط السياسي الوحيد الذي حضرته بعد الإفراج عنا بعد الاعتقال الذي حدث وحكومة السيد وصفي التل في الحكم، كان اجتماعاً برئاسة أمين سر قيادة القطر الدكتور منيف الرزاز في حينه في منزل الرفيق شاهر أبو شاحوت في محطة عمان، وقد ضم هذا الاجتماع الذي ترأسه الرفيق الدكتور منيف الرزاز العسكريين القدامى ومنهم أعضاء اللجنة العسكرية السابقة في القيادة القطرية، والهدف من الاجتماع كان واضحاً وهو أن الحزب في الأردن يحرص على استقرار الأردن ومن هنا نوقشت في الاجتماع نوايا بعض القوى السياسية التي قد تستغل الظرف محاولة الاستيلاء على السلطة، أو تهديد الأمن في الأردن لمصلحة قوى دولية.
مباحثـات الوحـدة :

أثناء وجودنا في معتقل الجفر، بعيد الاعتقالات التي جرت والسيد وصفي التل رئيساً للوزراء جرت مباحثات الوحدة بين كل من مصر وسوريه والعراق، وطبعاً فشلت هذه المفاوضات، وأنا أقول طبعاً بعد ان تعرفت خلال هذا الزمن الطويل على المواقف الحقيقية لكل الأطراف:-

أولاً : لم يكن هناك أرضية مشتركة لا في الأيديولوجية ولا حتى في السياسة للوقوف عليها، فالرئيس عبد الناصر كان يريدها وحدة ثنائية كما كانت بين مصر وسورية، (أي إعادة الجمهورية العربية المتحدة أولاً)، ومن ثم يجري البحث في كيفية انضمام العراق إليها.
ثانياً: إن العراق لديه تحفظ شديد على ذلك، فالعراق تهمه علاقته بسوريه أولاً وقبل كل شيء.

ثالثاً: إن الشكوك كانت عميقة بين الأطراف المتفاوضة، والتجربة السابقة لا تساعد في تجربة مماثلة.
رابعاً: كل الأطراف المتفاوضة كانت تخاف مخاطر الخطوات الجدية باتجاه التوحيد، إقليمياً ودولياً، فالأمر والواقع مختلفان عن ظروف وحدة عام 1958 بين مصر وسوريه.
خامساً: كل الأطراف في صفوفها قوى أساسية لها توجهات أثبتت الأيام سيرها.

وبعد أن فشلت المفاوضات وسار كل في طريقه الحقيقي، فتحت مصر كل ما تملك من فوهات إذاعية على البعث والبعثيين وإعلام مصر في مرحلة عبد الناصر إعلام مسموع، ومكرر عربياً ودولياً، وخاصة حين يكون الهجوم من عبد الناصر على البعث، فكل الحكام العرب وأكثرية الناس يصبحون ناصريين، حتى ال B.B.C تصبح ناصرية أما البعث فلا يستطيع إلا أن يكون في موقف الدفاع غير المبادر، ليس لأنه ليس لديه ما يقوله، بل لأنه ملتزم بفهم وسلوك تجاه الرئيس عبد الناصر، بينما أجهزة الإعلام في مصر والقائمون عليها لا يوجد ما يمنعهم من الذهاب بعيداً حتى حدود التشهير (والردح) ، فلا ضابط فكري ولا رادع أخلاقي، وفي أحد المقالات الشهيرة التي كان يكتبها كل يوم جمعة الأستاذ محمد حسنين هيكل، في جريدة الأهرام، والتي كان يعاد نشرها في الكثير من الصحف العربية، وتذيع أهم فقراتها إذاعة أل BBC (العدو اللدود لعبد الناصر)، وقد انصبت هذه المقالة على البعث قيادة ونهجاً (وهيكل قدير على إدغام الحقائق الموضوعية بالأدب الرفيع)، وقد كانت هذه المقالة مغضبة للبعثيين، ومهيجة ضد البعث وكنا جميع البعثيين نستمع إليها، فأفرغ (محمود) غضبنا حين صاح بأعلى صوته (Escaleton) اشتراكية أي (هيكل اشتراكية) الكلمة تعبير عسكري إنجليزي تعني (مناورة تدريب بهيكل الوحدة).

في سجـن عمـان المركـزي:

في الاعتقالات التي تمت في ظل حكومة السيد سمير الرفاعي، كنت الوحيد بين البعثيين الذي أودع سجن عمان المركزي، أما الباقون أودعوا سجن الجفر، وقد سكنت وتعايشت مع الأخوة حمد الفرحان، جعفر الشامي، وتوفيق الحياري، وكلهم في تلك المرحلة الخلافية بينالرئيس عبد الناصر والبعث، كانوا ناصريين، ولذلك لم يكن هذا التعايش مريحاً بالنسبة لي، ولذلك كنت أمضي معظم أوقاتي مع بعض الرفاق البعثيين الذين تعرفت عليهم في السجن، ومع داود عبد الهادي الذي كان معتقلاً آنذاك في سجن عمان المركزي.
في أيلول 1963 جرت محاولة انقلابية في دمشق، قام بها الناصريون بقيادة العقيد المتقاعد جاسم علوان، هدفها الاستيلاء على السلطة، التقاني داود عبد الهادي في الصباح، قال لي إن انقلاباً عسكرياً حدث في دمشق، استولى فيه الناصريون على السلطة، وقد انقطع البث الإذاعي من إذاعة دمشق قبل دقائق، وكانت إجابتي على الخبر الذي لم يثرني، إذا كان البعثيون في دمشق لا يستطيعون الاحتفاظ بالسلطة، حق حينها أن يذهبوا، وفي لحظتها سمعت السيد توفيق الحياري (يقصد):
(والثأر ثار لنا ياثارنا بثأرين)، وهي قصيدة على الربابة للنوري الذي كان يعمل في الإذاعة الأردنية، ومطلعها :

حيهم جنود الوطن


حيهم جنود حسين


ربع الكفاف الحمر


والعقل ميالة


مثلت أدب مرحلة الانحطاط تلك، وهو قول لا ينطبق على فعل، وطبعاً كان المقصود إسماعي أنهم أخذوا بثأرهم، فحزنت وأسفت أسفاً بالغاً، واعتبرت ذلك دلالة على الضحالة في الفهم السياسي.

وقبل أن ينجلي الموقف في دمشق في ذلك اليوم، زارني في السجن الرفيق حاكم الفايز وأبلغني خبر الانقلاب، وحاكم في حينه كان مع الانقلابيين، لأنه ما زال في خط عبد الله الريماوي، فقلت له نفس القول الذي قلته لداود.
وبعد أن غادرني التقى الرفيق منصور الجمعاني(أبو سليمان)، وقال له أنني كنت في زيارة أبو موسى، وأبلغته خبر الانقلاب في دمشق وقلت له أنه لم يبق مع هؤلاء الناس في دمشق أحد، ومع ذلك لم يغير رأيه.

إلى منفردات المخابرات العامة المنفردة :

بعد هذه الأحداث بفترة وجيزة، نقلوني إلى منفردات المخابرات العامة، ووضعوني منفرداً لمدة أسبوع، دون أن يتحدث إلي أحد، ولم أشعر حينها بأي توجس، أو تحسب، لم يكن هناك ما أخافه، يدلل على ذلك أنني نسيت نفسي وأين أنا، وأنا متمدد على فراشي بدأت (أقصد) بصوت خفيض لكنه بدا مسموعاً، فدق الحارس على باب المنفردة (أنت أسكت) فسكت، وفي المساء فتح باب المنفردة، ودخل علي (ضابط صف) قائلاً لي تفضل، قادني إلى مكتب صغير، وهناك وجدت اللواء محمد رسول يجلس على مكتبة وأمامه يجلس على كرسي الرفيق عبد الرحمن العرموطي، وكنت لأول مرة التقي فيها الرفيق عبد الرحمن منذ اعتقالنا، فسلمت عليه وجلست بجانبه وكانت المرة الأولى التي التقي بها (أبو رسول) في حال تحقيق.
بقي أبو رسول صامتاً لفترة يشغل نفسه بحركات قاصداً التأثير من خلالها في الجالسين وبعدها كسرالصمت موجهاً الحديث إلى عبد الرحمن قائلاً : لدي معلومات أنك المسؤول العسكري عن تنظيم حزب البعث العربي الاشتراكي في الجيش، وأن ضافي مساعدٌ لك في هذه المهمة، وأجبت أنا فوراً على هذا القول دون أن أعطي عبد الرحمن فرصة الرد، قلت لا يمكن أن تكون هذه المعلومات صحيحة، لأن موقعي في الحزب أرفع من موقع عبد الرحمن الحزبي، ولهذا لا يمكن أن أكون مساعداً له. صمت (أبو رسول) فترة، وبعدها أنها اللقاء، وأعادونا في اليوم التالي إلى سجن عمان المركزي، لم أتحدث مع عبد الرحمن في الموضوع فيما بعد، واعتبرت الموضوع كله اختلافاً من مدير المخابرات العامة الهدف منه، التعرف علي وعلى نوعيتي، خاصة أن عنده فكرة أراد أن يتثبت منها.
وفي سجن عمان المركزي حين عودتنا إلى السجن المركزي وجدنا شاهر وهاجم الهنداوي، فسكنت معهم أنا وعبد الرحمن العرموطي، أمضينا في هذا الاعتقال مدة عام وشهرين جرت خلالها التغيرات والأحداث التــالية:
أ- فشل محادثات الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريه والعراق فشلاً نهائياً.
ب- فشل محاولة الانقلاب التي قام بها الناصريون في دمشق.
ج- سقوط حكم حزب البعث العربي الاشتراكي في بغداد واستيلاء عبد السلام عارف على السلطة في 18 تشرين الثاني 1963.
حينما عُيّن عبد السلام عارف رئيساً للجمهورية، ورفّع إلى رتبة مشير، بعد انتصار ثورة شباط شعرت بعدم الارتياح لهذا التعيين، وقلت لأحد الرفاق ونحن في السجن، أن البعثيين يحيون الأموات، لأن عبد السلام عارف كان قد مات كسمعة في محكمة المهداوي، لقد كان موقفه ذليلاً أثناء المحاكمة وكان الفرق شاسعاً بين موقفه الذليل ذلك، وموقف شهداء أم الطبول، وأخص بالذكر منهم (رفعت الحاج سري وناظم الطبقجلي) رحمهما الله فهو لا يستحق إطلاقاً هذا التكريم.
وأنا طبعاً لم أعرف كيفية حدوث الثورة بالتفصيل ولا كيفية الإعداد المسبق لها، ولا الأسباب والعوامل التي سببت سقوطها، لأنه لم يتح لي الإطلاع على بحث أو دراسة حول هذا الموضوع، ولم يقم الحزب بأي جهد أعرفه في ذلك الحين يبين ذلك، ولكنني على ضوء تجربتي أستطيع أن أتبين العوامل الرئيسية التي سببت سقوط الثورة، وهي :

1- إن الثورة على عبد الكريم قاسم كانت ثورة التيار القومي ضد اتجاه عبد الكريم قاسم ونهجه السياسي، صحيح أن الذين قاموا بالثورة وسقط منهم الكثير من الشهداء هم البعثيون في الحرس القومي والجيش، لكن الحكم مثل الاتجاه القومي خاصة بعد وضع عبد السلام عارف على رأس الدولة، والكل يعرف أن التيار القومي لم يكن موحد الفكر، موحد النهج السياسي، وكان فيه تعارضات كبيرة وتناقضات بين بعض فصائله وأفراده وامتداداته لا يعرف إلى أين تنتهي إلا الله وأصحاب العلاقة.
2- كان هناك تداخل وتعارض في المواقع والمسؤوليات، فعبد السلام عارف الذي لم يكن ينتمي إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، أصبح رئيساً للجمهورية ولا أحد قادر في ذلك الحين على تقرير حدود مسؤولياته.
3 - إن أمين سر القيادة القطرية والذي هو أعلى منصب قيادي في الحزب في العراق، والمفترض به أن يقود السلطة عن أحد الموقعين، أمانة سر القطر، أو الرئاسة التنفيذية، كان وزيراً في وزارة يرأسها أحد أعضاء قيادته. هذا التعارض في الواقع القيادية المسؤولة جعل المسؤوليات متعارضة، والواجبات في تصادم مستمر.
4- والأمر الأكثر تعقيداً هو الحيز الواسع الذي ملأه الحرس القومي، فقد ملأ الساحات والشوارع والمنعطفات، بفرض إرادته وسلطته غير المحدودة على الناس يفتشهم ويعتقلهم، وبين هؤلاء الناس ضابط الجيش العراقي.
إن الذين قاموا بالثورة وقاتلوا من أجل نجاحها واستشهد منهم الكثير هم الحرس القومي، وكلهم في حينه ينتمون لحزب البعث العربي الاشتراكي، وبعض ضباط الجيش ممن كانوا في الخدمة أو خارجها وهؤلاء هم الذين يستحقون الثناء والتمجيد، والذين قاموا بهذا العمل المجيد لم يكونوا بهذا العدد الذي ملأ كل فراغ في مدينة بغداد، لأنهم لو كانوا بهذا العدد لما احتاجوا إلى ثورة لإسقاط عبد الكريم، وكان يكفيهم أن يقوموا بمظاهرة مسلحة، وهذه الأعداد الكبيرة التحقت بالحرس القومي بعد نجاح الثورة، ومعروف دوماً أن الملتزمين بالمبادئ المقاتلين من أجل تحقيقها هم أكثر حياء وتواضعاً، أما التطرف في السلوك فهو سمة الانتهازيين والمشبوهين، الذين لم يقاتلوا والذين هم في الواقع غير شجعان، وأهم هذه الأبعاد التي سببها تمتع هؤلاء الشبان بالسطوة، هو الفتق الذي حدث في العلاقة بين الحرس والجيش ليصبح مع الزمن شرخاً يصعب إصلاحه، وكان في مقدمة الساخطين الضباط البعثيون صغاراً وكباراً، وإذا ما أخذنا بالاعتبار الميزة التي يتمتع بها جيش العراق كجيش ذو تراث وطني لا يساويه تراث أي جيش آخر من جيوش الأمة العربية بعد الاستقلال. عرفنا أسباب السخط .
5 - إن الثورة ضد عبد الكريم قاسم كانت ثورة التيار القومي، ومن طبيعة الأمور أن تظهر وجهات نظر كانت مطوية في مرحلة مواجهة الهدف الأساس، الذي هو إسقاط النظام (خاصة وأنه لا يوجد برنامج عمل سياسي متفق عليه بعد سقوط النظام)، وأذكر
بالتحديد سبباً رئيسياً قاد إلى فشل الثورة وهو فشل مباحثات الوحدة بين مصر وسورية والعراق.

دور قيادة الحزب القومية خلال الأزمة :

قام وفد من القيادة القومية للحزب بناء على دعوة وجهها في حينه اللواء المرحوم أحمد حسن البكر، عضو القيادة القومية رئيس مجلس الوزراء بزيارة إلى بغداد، تألف الوفد من الأمين العام للحزب الأستاذ ميشل عفلق، وعضوية الفريق أمين الحفاظ واللواء صلاح جديد، عضو القيادة القومية، وبعض أعضاء القيادة من أقطار عربية أخرى، أثر انقلاب (عبد السلام عارف وحردان عبد الغفار التكريتي)، وبعد عودة الوفد إلى دمشق صرح أحد أعضاء القيادة القومية في حينه وأظنه الأستاذ (نسيم مجدلاني) صرح قائلاً أن الحزب سيبقى مشاركاً في السلطة، هذا التصريح أعطاني انطباعاً ليس عن وضع الحزب في العراق ومشاركته في الحكم، فهذا الأمر كان واضحاً لي، فقد قام انقلاب ضد سلطة الحزب، شارك فيه بعض حسني النية من البعثيين، وطبعاً بعض سيئي النية، واحتجزت قيادته الشرعية، وسفرت (بغض النظر عن حقيقة هذه القيادة)، وانتهى دوره كحزب حاكم، أو حتى شريك، والانطباع الذي أعطاني إياه هذا التصريح هو عن حقيقة واقع هذه القيادة والتي لم يكن لها دور في تلك المرحلة، إلا تلطيف صيغ النعي لمنجزات الحزب.

إن القيادة القومية تتحمل مسؤولية كبيرة في النتائج التي وصلت إليها ثورة شباط في العراق، وهي التي تمتلك سيف الشرعية، وهي التي لها الحق في تقرير الخطأ والصواب في التطبيق الفعلي في أي موقع يقود الحزب فيه السلطة، فإذا لم تكن القيادة القومية هي المسؤول، فمن هو المسؤول إذاً؟ إن عدم اليقين يأتي من واقع آخر وهو هل كانت القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي في حينه تمتلك القدرة والكفاءة والمعرفة لإدارة هذا الصراع؟ وأقول أن مسار مسؤولياتها والنتائج أثبتت أنها لم تكن قادرة على ذلك، ومن هنا أقول أن تكون صاحب فكر صحيح، وخلق أداة لتحقيق طموحات هذا الفكر في الواقع لا يعني أبداً بأنك قادر على قيادة هذا الأداة لتحقيق طموحات هذا الفكر السياسي، وقليلون أولئك الذين انتخبوا فكراً، وخلقوا أداة ووضعوا نهجاً لمهمة إنسانية صعبة كمهمة تحرير وتوحيد الأمة، وأية أمة ؟أنها الأمة العربية، المستلبة، والمجزأة والتي تتناوشها الذئاب من العمق والأطراف.
الإضراب عن الطعـام:

بعد اثني عشر شهراً من الاعتقال غير المبرر، قاد البعثيون في معتقل الجفر وعلى رأسهم الأمين القطري الدكتور منيف الرزاز وأعضاء القيادة المعتقلون إضراباً عن الطعام مطالبين بإطلاق سراحهم، وبعد الأسبوع الأول من الإضراب نقلوا إلى سجن عمان المركزي، ولم نكن نعلم نحن السياسيين المعتقلين في سجن عمان عن هذا الإضراب، إلا بعد أن دخلوا علينا السجن ولقد قاد هذا الإضراب عن الطعام الذي قام به سجناء سياسيون، لا يوجد مبرر من أي نوع لبقائهم في المعتقل قاد إلى نشاط سياسي، لم يشهد الأردن له مثيلاً منذ انقلاب الملك الحسين على الديمقراطية في نيسان عام 1957.
فقد قامت نساء المعتقلين وعوائلهم، تساندهم التنظيمات النسوية المهنية بدور بارز في هذا النشاط، فقد قمن بتجمعات ومسيرات احتجاجية إلى رئاسة مجلس الوزراء، وإلى مجلس النواب حيث اعتصمن هناك، وتحدثنَ إلى النواب بأصوات عالية وغاضبة، مما أحرج الكثيرين منهم وخاصة رئيس المجلس آنذاك السيد عاكف الفايز، الذي جعلهم يأخذون الأمر بجدية أكبر ونشاط أكثر من أجل إطلاق سراح المعتقلين، وقد قام الشيخ (عبد الباقي جمو) نائب مدينة الزرقاء بدور بارز في هذا النشاط، وكذلك العين علي الهنداوي، الذين زارا المعتقلين المضربين، وكان (هاجم) من بين الذين ساءت حالتهم الصحية جداً، فبنيته (رحمه الله) كانت ضعيفة، فلما رأه الأستاذ علي بكى.
ولقد زار الكثير من النواب السجن وتحدثوا إلى المضربين عن الطعام محملين بوعود الإفراج طالبين منهم فك الإضراب، قبل الإفراج، إلا أن المعتقلين رفضوا فك الإضراب دون وعد من الجهة صاحبة القرار أي من الملك، وقد قام النائب الشيخ عبد الباقي بهذه المهمة، فاتصل بالملك حسين الذي كان حينها بمدينة الخليل ضيفاً على (الشيخ الجعبري) فأوضح الشيخ جمو للملك حسين حالة المعتقلين المضربين عن الطعام، ومطلبهم قبل أن يفكوا الإضراب، فقال الملك للشيخ عبد البـاقي ، أبلغهم أنه سيطلق سراحهم ، وحينها أوقف المضربون الإضراب وأُطلـِقسراحنا في أيار عام 1964 أي بعد قرابة أربعة عشر شهراً من الاعتقال.






 
رد مع اقتباس
قديم 21-03-2010, 04:13 PM   رقم المشاركة : 22
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

العودة للعمل في مجلس الأعمار :

بعد أسبوع من خروجنا من المعتقل ذهبت إلى مجلس الأعمار، لأستطلع الوضع بالنسبة إلى عملي، فأبلغوني أنني أستطيع العودة إلى العمل، وأبلغوني أن لي حقوقاً ترتبت نتيجة غيابي القسري، والذي أدى إلى فصلي من العمل، وعدت إلى عملي السابق في المجلس، مساعداً للإدارة في مديرية المشاريع، وأعطوني تعويضاً مالياً قيمته سبعمائة وخمسون ديناراً، منحة لم أتوقعها، أسست بها منزلي الذي ما زلت أسكنه في مدينة مأدبا ومن حسن الحظ أنني عملت في هذا القسم الهام من مجلس الأعمار، فقد شغلت هذه الوظيفة جل وقتي وكنت مفيداً كما أنني قد استفدت، فقد حدث أن اقرض الصندوق الكويتي للتنمية الحكومة الأردنية من أجل استكشاف الإمكانات الحقيقية للفوسفات في منطقة الحسا، جنوب الأردن، وقد تولت مديرية المشاريع في مجلس الأعمار، مسؤولية تنفيذ هذا المشروع، وكان في هذا القسم خبير أمريكي، منتدب من هيئة الأمم (ينتمي إلى الماسونية)، فتعاونت معه من أجل إعداد الدراسات اللازمة لطرح هذا العطاء على الشركات العالمية، وفي أوائل عام 1965 وبعد شهرين من طرح العطاء وردت إلينا عروض الشركات العالمية التي تجاوزت الإثنتي عشرة شركة عالمية، حينها تقرر إرسالي لتقديم أسماء هذه الشركات إلى مكتب المقاطعة، حتى إذا كان بينها من شملته المقاطعة العربية "لإسرائيل" والشركات المتعاونة معها، يجري إسقاطها من قائمة المتنافسين، (أذكر هذه المرحلة هنا لأن لها علاقة بواقعة غريبة حزبية سنأتي على لذكرها فيما بعد).
النشاط الحزبي منذ أن انتخبت عضواً في قيادة شعبة الأطراف :

لقد انتخبت عضواً في قيادة شعبية الأطراف في أواخر عام 1962، ومنذ هذا التاريخ حتى دخولنا السجن عام 1963 في آذار، وخروجنا منه في أيار عام 1964، لم يجري معي أي اتصال لا تنظيمي ولا نضالي، لا من قيادة الشعبة التي انتخبت عضواً فيها، ولا من أي جهة حزبية أخرى، ولم يطلب مني أن أدفع الاشتراك، المفترض أن يدفعه كل رفيق في الحزب.
في أواسط عام 1965 انعقد المؤتمر القومي للحزب، وفي هذا المؤتمر القومي الثامن، انتخب الدكتور منيف الرزاز عضواً في القيادة القومية والتي بدورها انتخبته أميناً عاماً للحزب بديلاً عن الأستاذ ميشيل عفلق مؤسس الحزب، الذي احتفظ بهذا المنصب منذ تأسيس الحزب عام 1947.
قام الأمين العام الجديد الدكتور منيف الرزاز، وبناء على تجربته الحزبية الطويلة، ومعرفته بمعضلة الحزب في الأردن، بمبادرة كان يعي مبرراتها بناء على تجربته، وهذه المعضلة هي أن هناك حزبين مدنيين وعسكريين، كانوا في الكادر المتقدم للحزب فقدوا مواقعهم الحزبية خلال فترة الحبس الطويلة والمتكررة، لأن نظرية التنظيم القائمة والمعمول بها في الحزب آنذاك تعوّض بملء الفراغات الحزبية الناتجة عن الاعتقال برفاق حزبيين يتم تعيينهم إلى أن يثبتوا في هذه المواقع بالانتخاب، وبهذا يصبح الكثير من الكادر المتقدم في الحزب بدون مواقع في الهيكل التنظيمي حين خروجهم من السجن، ولا مكان لهم إلا في القاعدة وكنت واحداً من هؤلاء ولكن الكثيرين لا يستطيعون فعل ذلك لأسباب أهمها (عمرهم) ومواقعهم الحزبية السابقة، وحتى يجد الأمين العام مكاناً لهؤلاء المناضلين ذوي التجربة، في هيكل الحزب التنظيمي، خلق مكتباً سماه المكتب (الاستشاري للقيادة القطرية) وعين فيه بعض الأسماء، أذكر منهم الأستاذ صبحي القطب، الأستاذ فايز مبيضين، وغيره ومن العسكريين: شاهر اليوسف، ومحمود المعايطة (والذي لم يكن موجوداً في الأردن في حينه) ، وضافي الجمعاني، وعبد الرحمن العرموطي.
اجتمعنا اجتماعيين في منزل الرفيق فايز المبيضين في جبل الحسين في ذلك الحين، في الاجتماع الأول لم يكتمل نصابنا، وفي الاجتماع الثاني ناقشنا مهمتنا ومسؤوليات هذا المكتب، وكيفية الارتباط بالقيادة القطرية ولم نجتمع بعد هذا الاجتماع، لأن قيادة قطر الأردن للحزب اعترضت على تشكيل هذا المكتب، واعتبرت وجودة تعدياً على صلاحياتها ومسؤولياتها، خاصة وأنه لا يوجد في النظام الداخلي للحزب ما يجيز إيجاد هذا المكتب. انظروا إلى هذه القيادة التي تقود حزباً مهمته الأساسية إجراء تغيير في الواقع السياسي في الأردن لصالح الأهداف المشروعة للأمة العربية، ترفض أن يكون لرفاق مناضلين موقع في الهيكل التنظيمي الذي تقوده وهي تعلم أن ليس هناك غنائم يجري من أجلها السباق، وليس هناك إلا المصابرة والتضحيات، كنت أزورالرفيق المحامي إسماعيل محادين في مكتبه باستمرار وفي إحدى هذه الزيارات، ناولني رسالة صغيرة ملفوفة بحذر وقال لي أنها من قيادة الحزب، وحين فتحتها لم أجد عليها ما يدل أنها موجهة لي، فهي لا تحمل لا أسمي ولا صفتي كرفيق حزبي، ولا توقيعاً ولا تاريخاً، ولا دلالة على الجهة التي أرسلتها، ومع ذلك يمكن تبرير ذلك من الناحية الأمنية ومضمون الرسالة هو، لقد أجريت عدد من اللقاءات والاجتماعات في منزل الدكتور جمال الشاعر، معه ومع آخرين وجرى في هذه الاجتماعات أحاديث ونقاشات سياسية تطلب منك كتابة تقرير عن هذه الاجتماعات، وما دار فيها من آراء مع بيان الأسباب التي دعتك إلى ذلك، فأغضبني مضمون هذه الرسالة غضباً شديداً، إن كان من ناحية الأسلوب أو الموضوع.
لقد تعرفت على الدكتور جمال الشاعر في سجن عمان المركزي، خلال اعتقالات عام 1963، وكان في حينها على ما اعتقد عضواً في القيادة القطرية، وبعد خروجه من السجن خرج من الحزب لأسباب أجهلها، لكن العلاقة بيني وبينه بقيت قائمة، ولم اجتمع به لوحدي فقد كان يلتقي معنا الرفيقان حاكم الفايز، وهاجم الهنداوي (رحمه الله)، ومرة واحدة اجتمع معنا شاهر وأعلن بعد هذا اللقاء أنه لن يعود إلى هذه اللقاءات، وأنا أعرف السبب الذي دعا شاهر لذلك، فلا علاقة لهذا بالحزب، وعلاقة الدكتور جمال بالرفيقين حاكم وهاجم أقدم من علاقتي به بزمن، والأحاديث التي جرت كان بينها لماذا لا يصبح الحزب علنياً، وينادي ويناضل علناً من أجل واقع سياسي ديمقراطي، وهذا العنوان كان جدياً يستهويني، لماذا لا يكافح الحزب علناً بطرح شعاراته وآرائه السياسية والاجتماعية على رؤوس الأشهاد لمعرفة الناس، كل الناس؟ لماذا يدخل البعثيون السجون مع معرفتي أن شق العلنية في النضال مستحيل، ضمن نهج النظام الاستراتيجي ورؤياه المستقبلية للواقع في الإقليم؟ أما شق النضال من أجل الديمقراطية فهو جوهر فكر البعث بالنسبة لفهمي، وقناعتي، وعلينا أن نعرف أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع كما حدث في أوروبا، فالملك حسين قام بانقلابه على الديمقراطية عام 1957 في مغامرة كان من الممكن أن تكلفه عرشه، لأنه لا يمكن بالديمقراطية (الحرية) أن تقاد إلى أهداف الأعداء معصوبي الأعين مكمّمي الأفواه مكتوفي الأيدي، أما الأسلوب السري في تنظيم الحزب المفتوح للمخابرات المستور عن الجماهير، والذي كان يحوي في طياته الكثير من المصايد، فلم يكن له لا هدف مرحلي ولا هدف استراتيجي ولا حتى مهام يومية، خارج النظرة التقليدية للتنظيم والوجود والشعار، لأنه لو كان له غير ذلك،
لدافع عن الديمقراطية عام 1957، وكان قادراً على حمايتها، والدكتور جمال الشاعر كان صديقاً في تلك المرحلة، مع الاختلاف الجذري في النظرة الفكرية والسياسية بيننا، وكنت أعي وعياً تاماً ما يستهدفه من هذه الاجتماعات، أضف إلى حبه الذاتي أن يكون له مريدون، هذه القيادة التي تعتبرني حزبياً ملتزماً لتوجه إلى رسالة يكتبها (محام)، بأسلوب بوليسي مخابراتي، تدل على المستوى المتدني للفهم الرقابي، ومعنى المسؤولية القيادية، بدلاً من أن يلتقي بي أحد أعضاء هذه القيادة، أو أي رفيق حزبي ذو مسؤولية، ويسألني مباشرة: يا رفيق أنت تجتمع مع الدكتور جمال الشاعر، أنت وآخرين وهو لم يعد في الحزب، هل لديك مانع من أن تجعل القيادة على بيّنة ومعرفة بمضمون هذه الاجتماعات، وهو أمر هام بالنسبة للقيادة، وكنت حينها سأجيبه إجابة وافية ودقيقة عن هدف هذه الاجتماعات، هذه القيادة التي تعتبرني عضواً في الحزب، من أجل أن توجه إلي مثل هذه الرسالة، لم تتصل بي ولو مرة واحدة منذ أن انتخبت عضواً في قيادة شعبة الأطراف، في منتصف 1962 ولم يوجه إلي أمين هذه الشعبة لا دعوة لاجتماع ولا نشرة حزبية، بل لم يطلب مني أن أدفع اشتراكاتي الحزبية، وكأنه قد وصل إلى قيادة هذه الشعبة أمر بعدم الاتصال بي، وكانت إجابتي على هذه الرسالة كالتالي : أنا لست كاتب تقارير للقيادة القطرية، وأنا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن أكتب تقريراً إلى أية جهة حتى لو كانت القيادة القطرية عن اجتماعات بين رفاق وأصدقاء لا يقال فيها ما يسيء للحزب.
في هذه الفترة من العلاقات المتوترة بيني وبين قيادة الحزب في القطر، مر علي رفيق صديق في مجلس الأعمار، وقال لي أنه ذاهب إلى دمشق وسألني إذا كان لدي ما أوصى به، فأطرقت، وكنت أعرف من خلال متابعاتي للواقع السياسي في سوريه أن هناك خلافات بين قيادة سوريه للحزب وبين قيادة الحزب القومية مما جعل حالة الحكم غير مستقرة، فقلت له إن التقيت (أبو مؤنس) الدكتور منيف الرزاز الأمين العام للقيادة القومية في حينه، وكنت أعرف أنه سيلتقيه قل له رأيي هذا، أن يعطي قيادة قطر سوريه للحزب أطول مدى من الوقت في المسؤولية، حتى يتبين للحزبيين أولاً، والناس ثانياً مدى قدرتها على الحكم وفعلها في تحقيق أهداف الحزب، فإن نجحت، فهذا هو المطلوب وإن فشلت يصبح حلها جزاء وفاقاً (وقد تبين لي فيما بعد أن الرفيق الذي مر علي ليطلب إن كان لدي ما أوصي به لم يمر علي مصادفة).
بعد هذا اللقاء بفترة ذهبت إلى دمشق أحمل رسالة إلى مكتب المقاطعة العربية "لإسرائيل"، للحصول من هذا المكتب على أسماء الشركات العالمية المقاطعة عربياً، وبعد أن أنهيت مهمتي مع مكتب المقاطعة، واستلمت الكتاب المطلوب، توجهت من هناك إلى مبنى القيادة القومية لألتقي الدكتور منيف الأمين العام للحزب، - فلا يعقل أن أصل دمشق ولا أزوره-، وصلت إلى القيادة وطلبت من الحرس الذي يقف على باب القيادة أن يتصل بالأمين العام ويبلغه طلبي، وطبعاً أعطيته أسمي، جاء الرد سريعاً أن الأمين العام غير موجود وهو في جولة حزبية، وسيغيب لفترة من الزمن هذه الجملة الأخيرة جلبت انتباهي، وهي تعني أن لا تنتظر، ركبت سيارتي وعدت إلى الأردن، وبعد أيام من وصولي إلى الأردن، زرت الأستاذ إسماعيل محادين في مكتبه، فسلمني رسالة موجهة إلي من قيادة الحزب في الأردن، طبعاً لا يوجد عليها ما يثبت ذلك ولا لمن هي موجهة، وليس عليها توقيع ولا تاريخ وأسلوب هذه الرسالة مماثل تماماً للرسالة التي سبقتها، مما يدل على أن المنشأ واحد، تقول الرسالة أنك ذهبت إلى دمشق للقاء الأمين العام للحزب، الدكتور منيف الرزاز، نطلب إليك أن تبلغنا لماذا قمت بذلك، وأنت تعلم أن ذلك تجاوزاً للمرجع، وقد أزعجتني هذه الملاحقة إزعاجاً شديداً، وقد شعرت أنني لست فقط ملاحقاً من قبل هذه القيادة (أو أفراداً متنفذين فيها) ولكن هناك تشويها وتزويراً متعمداً للحقائق، فأنا لم أذهب إلى دمشق لمقابلة الأمين العام لحزب، ولم أقابل الأمين العام، وكما إن هذا الأسلوب في التخاطب مع رفيق لا يماثله إلا أكثر أساليب (العسكرتاريا) انحطاطاً، فقررت أن أضع بنفسي حداً لهذه الملاحقة المقصودة، التي تستهدف الوصول بالنهاية إلى النيل مني كحزبي ملتزم، لحساب قوى معادية للحزب، فكتبت ردي وأعطيته للأستاذ إسماعيل محادين، والرد حسب ما اذكر هو التالي : أنا مناضل يعتز بنفسه وبنضاله، وأنا أجمد انتمائي للحزب في هذه المرحلة، وأي إصرار على متابعة سلوككم هذا اتجاهي يعني خروجي من الحزب.
وهنا لا بد من التذكير بحقيقة وهي أن الإنسان حينما يكتب ذكرياته، يصفن طويلاً، ويستعيد كثيراً من تفاصيلها، وأنا هنا أقول: هل كان مرور الرفيق الصديق علي في مجلس الأعمار والطلب إليّ إن كان لديّ ما أقوله له وهو ذاهب إلى دمشق والوصية التي حملّته إياها، وإرسالي أنا إلى دمشق، والنتائج التي قادت إليها هذه الزيارة على الصعيد الحزبي بالنسبة إلي، هل كانت مجرد مصادفات؟ وأقول لا، أنها لم تكن مجرد مصادفات! وإثباتاً على ذلك، أذكر أنه في لقاء مع الدكتور منيف في منزله في أواسط عام 1970، وضمن حديث طويل قال لي أنت كنت معاهم (أي مع حركة 23 شباط قبل أن تحدث)، ورأي الدكتور منيف هذا مبني على التوصية التي حملتها للرفيق، والحقيقة أن رأي (أبو مؤنس) لم يكن صحيحاً، فأنا كنت ضد القيادة التاريخية، ومع أية حركة من داخل الحزب تطيح بها، ولم يكن لدي أي معلومة أو فكرة عن 23 شباط قبل وقوعها (وواضح من هذه الواقعة أن هناك أواني مستطرقة تدفع بالمياه حيث مصلحتها)، لقد فكرت طويلاً في موضوعة الحزب في الأردن، والتي أهمها تساقط المناضلين من بين صفوفه، لا لسبب إلا لكونهم سجنوا لفترات طويلة، أو تعددت المرات التي اعتقلوا بها وحل في مسؤولياتهم الحزبية رفاق آخرون، ولم توجد القيادات القطرية المتتالية لهم مهام أو مسؤوليات حسب إمكاناتهم في الحزب، بحجة أن المخابرات تعرف هؤلاء الرفاق، وأي تنظيم يعيدهم إلى مسؤولياتهم السابقة أو إلى أي موقع في الهيكل التنظيمي سيقود بالتالي إلى كشف التنظيم أو فتح ثغرات فيه، ولهذا ابتُدِعَت صيغة ما يسمي بعناصر الاتصال بهؤلاء المناضلين، مهمتهم أن يبقوا على هذه الصلة الواهية، وأن يجمع الاشتراك الحزبي من هؤلاء الرفاق، وأنا مقتنع أن هذه النظرية نتجت عن عاملين في ذلك الحين:
1- عدم القدرة على استنباط الطرق والوسائل النضالية لتحقيق المهمات المرحلية إن وجدت هناك مهمات.
2- إن هذه النظرة لم تكن عقوبة هدفها الأساسي أن يدفع بالمناضلين ذوي الخبرة والمعرفة خارج صفوف الحزب (أي على هامشه).
3- لأنهم إن تواجدوا داخل صفوفه وفي كادره المتقدم يعطوه معرفة ومناعة إن كان في الفكر السياسي، أو في الأسلوب النضالي، والهدف من ذلك هو إبقاء الحزب هزيلاً قليل المبادرة، مهما تكاثرت أعداد المنتمين إليه، لأن من هم في صفوفه وفي قياداته تنقصهم خبرة وتجربة المناضلين، وقد أثبت المسار صحة ذلك في اعتقالات عام 1966، وقبل أن أغادر هذا الموضوع، أقول أنه لا يجوز أن يفقد رفيق في الحزب قيادي من الصف الأمامي موقعه بسبب الاعتقال بل العكس هو الصحيح، إذا لم يكن قد ضعف وتجاوز المحرمات، إلا في حالات منها تخليه هو شخصياً عن العمل أو الفصل لأسباب النظام الداخلي، أو فقدان الموقع نتيجة للانتخاب الحر ولا بد أن أقول حقيقة، خبرتُها خلال التجربة الطويلة حول النظرية التنظيمية لحزب البعث العربي الاشتراكي، الذي تميز عن غيره من الأحزاب (خاصة الثورية)، أنه يعطي حيزاً مهماً للانتخاب الحر في صفوفه (بغض النظر عن الأساليب والممارسات والتكتلات، وهي أمور غير مشروعة ولكنها مورست في تاريخ الحزب)، ويتخذ من أسلوب الخلايا والفرق والشعب والفروع أساساً لهيكله التنظيمي، نظرية التنظيم هذه وجدت نفسها عاجزة عن حماية أمن الحزب في المرحلة التي أتحدث عنها، ففي هذه المرحلة كانت مخابرات النظام وأجهزة أمن السلطة في أوج سطوتها وخبرتها بعد أن تتلمذت على يد المخابرات المركزية الأمريكية وأصبحت تابعاً لها ، فمنذ عام 1957 (عام الانقلاب على الديمقراطية)، عام إعلان الأحكام العرفية، وإلغاء قانون الأحزاب، وصولاً إلى عام الهزيمة في حرب حزيران عام 1967، كانت المخابرات الأردنية وأجهزة حزب النظام، قد غربلت كل القوى السياسية في المجتمع الأردني، فلم تجد في صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي أو الحزب الشيوعي الأردني قيادياً من الصفوف الأولى أو من الأعضاء العاملين أو الأنصار بل وحتى الأصدقاء الشخصيين لأفراد في هذه الأحزاب، إلا ودخلوا السجون والمعتقلات، وفي أضعف الحالات حقق معهم، إلا الذين كان لهم صلة بأجهزة الأمن، ومن مصلحة النظام غض النظر عنهم، وقد وضعت أجهزة الأمن في الأردن منهاج عمل يستهدف الأجيال القادمة، في الثانويات والجامعات في الأردن وفي الخارج، بهدف ليس فقط من أجل منع أي نشاط سياسي أو نشر أي فكر سياسي متعارض ونهج النظام السياسي، أو رداً لأي مخاطر أمنية، ولكن من أجل الإحاطة الكاملة بالفعل الجماعي لإنسان الأردن والسيطرة عليه لمصلحة النهج السياسي الاستراتيجي في الإقليم (ولا أقول أن هذا كان نهج النظام الأردني فقط بل الكثير من الأنظمة العربية في الإقليم)، ومع كل ذلك لم يتطور أسلوب التنظيم ولا النظرية التنظيمية للحزب، الأمر الذي قاد إلى الإساءة البالغة للحزب في الاعتقالات التي جرت عام 1966، على أثر (حركة 23 شباط في سورية).
لكل واقع سبيل للتحرك من خلاله، إن الحزب هو (فكر، أداة، ونهج سياسي)، والأساس في وجود هذه الأداة هو تحقيق المهام الموكولة إليها، من خلال نشرها بين الناس وإعدادهم في داخل أطر معينة لتثبيتها والدفاع عنها.
في حزب مثل حزب البعث العربي الاشتراكي، انتشرت مبادؤه التي تخدم مصالح أوسع الجماهير في الأمة العربية، فما على هذه الأداة إلا تثبيت إيمانها وجدارتها بإصرارها الدائم على تذكير الناس بهذه المبادئ، وإثبات صحتها من خلال فضح سلطان الإفساد والهزيمة والتجزئة، ومن خلال التواجد الدائم في أعقد الظروف وأصعبها في ساحة النضال كمدافع حقيقي عن حق الناس في الحرية، وأنت لا تحتاج في هذه الظروف الصعبة إلا إلى قائد سياسي مُكوّن نضالياً وفكرياً، ومطبعة بدائية وعدد لا يتجاوز عدة عشرات من المناضلين، ذوي الخبرة واسعي الحيلة في اختراع وسائل العمل لإيصال ألف منشور بطرق متنوعة ومتعددة إلى ألف جهة كل شهرين أو ثلاثة شهور، يتضمن هذا المنشور آراء وأفكار وحقائق تعبر عن الواقع، وتؤشر دوماً طريق الخلاص، وأن يكون هذا النضال من أجل الهدف الاستراتيجي الثابت، والإصرار عليه والتذكير به، إلى أن يصل الناس إلى القناعة التامة أنه هو سارية النجاة، حينها تكون سلّمت الجماهير قضيتها وتكون أنت أداتها لتحقيق هذا الهدف (النجاة)، ولسوء الحظ أن القيادات الحزبية المتتالية لم تجر أية دراسات للواقع السياسي أو الأمني الذي يعيش الحزب في ظله وذلك لإيجاد وسائل وأساليب عمل لاختراقه، والعمل على إسقاط نهجه.
لا بد من الاعتراف هنا، أن الذي جرى بيني وبين قيادة الحزب في الأردن من قطيعة قد أقلقني، فأنا مناضل يؤُمن بمبررات هذا النضال، وينوي أن يستمر فيه، ولا يوجد هناك خيار آخر لهذا الاستمرار إلا في صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي، ومن هذا الفهم، قررت أن أسوي وأصحح العلاقة بالحزب من خلال قيادته، فبدأت أسأل الرفاق الذين أعرفهم أن يدلّوني على رفيق عضو في قيادة الحزب القطرية حتى ألقاه وأتحدث إليه، فقال لي رفيق حزبي كان يعمل رئيساً لديوان مجلس الأعمار: أن أمين سر قيادة القطر هو المهندس (فايز السحيمات) الذي يعمل في دائرة الأشغال العامة على مثلث وادي السير، وفي صباح اليوم التالي، وأنا في طريقي حيث أسكن من مأدبا إلى مقر عملي في مجلس الأعمار وصلت باب مكتب المهندس السحيمات ولما سألت الحاجب هل المهندس السحيمات موجود في مكتبه؟ قال لي: أنه لم يأت اليوم إلى الدوام. فتابعت سيري إلى مقر عملي في مجلس الأعمار، وهناك علمت أنه جرى اعتقالات واسعة في صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي، وحينها علمت لماذا لم يكن المهندس السحيمات في مكتبه، وهكذا فقدت الفرصة الأخيرة لتصحيح علاقتي بقيادة الحزب في الأردن.
مشروع فوسفات الحسا :

في أواخر عام 1965 أحالت مديرية المشاريع في مجلس الأعمار، عطاء فوسفات الحسا على شركة (Parson's) الأمريكية، وقد تكونت إدارة مستقلة للمشروع كان يرأسها المهندس عوني الساكت وهو شاب ممتاز نظيف خلوق، وعيّنوني حينها مديراً للإدارة في مشروع الحسا، وبقيت أعمل في هذا المشروع حتى أكتمل إنجازه. ويتكون هذا المشروع من المصنع ومكاتب الإدارة وقرية سكنية للمهندسين والفنيين، وطرق وآبار ارتوازية وقد افتتحه ولي العهد في حينه الأمير حسن، وطبعاً لم أحضر الاحتفال، بعد ذلك بعدة أشهر، قررت الحكومة التي تملك المشروع، دمجه في شركة الفوسفات الأردنية التي تمتلك الدولة 51% من أسهمها، وحينها أصبحت موظفاً في ملاك شركة مناجم الفوسفات، عينت حيينها مديراً لمشتريات الشركة الداخلية، وبعد عدة أشهر من هذا التعيين عُيّنت مديراً لمشتريات الشركة الخارجية وكان هذا الموقع الوظيفي في الشركة موقعاً مهماً، خاصة (لمن كانت يده طويلة)، قدمت إستقالتي من الشركة في نهاية عام 1968 لأتفرغ للعمل الحزبي والعمل الفدائي .

سورية من 8 آذار إلى 23 شباط 1966:

قبل الحديث عن 8 آذار، علينا أن نعود للخلف إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية. ظلت استراتيجية الاستعمار الفرنسي والبريطاني ثابتة حيال الوطن العربي وخاصة في مشرقة وهي الإبقاء على التجزئة وتقوية العوامل التي تحافظ عليها وتعطيها منعة، فمنذ الوهن الذي دب في جسد الإمبراطورية العثمانية، والإنجليز قادة وسادة الأقليات في المشرق العربي عامة وفي بلاد الشام ومصر خاصة، وحينما تضع هذه الدول الاستعمارية (العتيقة) إستراتيجية ما فإنها ستحافظ عليها وتخلق الوسائل المحلية والدولية من أجل دعمها وإستمرارها بل وتقويتها، وأحد هذه الوسائل المؤثرة على واقع المنطقة المجزأ، تحقق بإدارة هاتين الدولتين من خلال عملهم الرئيسي على إصدار وعد بلفور ، وبالرغم من عدم مشروعيته فلقد قاد وعد بلفور إلى خلق الكيان الصهيوني بعد الحرب العالمية الثانية وبهذا أضافوا عاملين من العوامل التي حافظت على واقع التجزئة وجعلته أكثر ديمومة وهما "إسرائيل" كدولة لها قوة الغرب، والصهيونية العالمية كتنظيم عالمي داعم لها.
إن هذه الاستراتيجية اصطدمت بواقع جديد، أفرزته الحرب العالمية الثانية. حينما أصبحت الولايات المتحدة هي القوى الأولى المهيمنة في عالم الغرب الرأسمالي. فأولويات أميركا في حينه إضافة إلى البحث عن مواقع النفوذ في العالم، هو إغلاق كل منفذ أمام امتداد النفوذ الشيوعي خارج حدوده ومن هنا خابت محاولة احتلال قناة السويس وتغيير النظام في مصر، وبعد ذلك قامت الجمهورية العربية المتحدة بعد خوف أمريكا على سورية من النفوذ الشيوعي كما كان يقال حينها (وطبعاً لم يكن هذا هو السبب)، ولكن بعد (إذلال السويس) عرف الإنجليز والفرنسيون وكذلك الصهيونية حجمهم الحقيقي، فلاذوا حينها بالنفوذ الأمريكي، وخاصة بريطانيا والصهيونية العالمية، وأصبحت استراتيجية هذين الطرفين تقوم على التأثير على رؤية الولايات المتحدة تجاه المنطقة العربية، ولهذا نرى أنه بعد عهود أيزنهاور وكندي أصبح رؤساء الولايات المتحدة يتبنون في هذه المنطقة وجهات نظر مؤيدة للدولة الصهيونية، خاصة بعد أن لم تستطع الولايات المتحدة إقناع عبد الناصر (لا بالحسنى ولا بالدبوس(1)) كما يقال بالتنازل عن أساسياته الوطنية، إن كان فيما يتعلق بالأحلاف أو المشاريع الاستعمارية كمشروع (أيزنهاور)، وما هو أهم (الاعتراف "بإسرائيل") والصلح معها، وحقوق شعب فلسطين حينها بدأت العمل ضد طموحاته المشروعة. وكانت أبرز الأهداف التي تصيب هذا الطموح (وحدة مصر وسورية) ولما كان البناء الوحدوي ضعيف الأُسس، لا يستند إلا إلى عواطف الجماهير، استطاع أعداء الوحدة (المؤتلفون مع أمريكا وأهمهم الحكام العرب)…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1. الدبوس _ العصا


استطاعوا فعلاً إصابة عبد الناصر إصابة قاتلة من خلال فصل سوريه عنالوحدة مع مصر، وهكذا عادت سوريه إلى ما قبل الوحدة كواقع للأضطراب السياسي والإنقلابات العسكرية، إلا أن الذين فصلوا الوحدة صمموا هذه المرة أن تستقر سوريه في نهاية المطاف ولو (مرحلياً).
في زمن الوحدة بين مصر وسورية قامت نواة تنظيم عسكري بين الضباط السوريين الذين نقلوا إلى العمل في مصر (تحسباً)، من المعروف أنه حينما يتحقق واقع سياسي نتيجة دعوة وتبشير ونضال وعناء طويل وقناعة، بأن الوصول إلى هذا الهدف. يعني العيش الكريم والأمن والتقدم والاستقلال الوطني.
والأهم أنه الخطوة الأولى على الطريق السليم لاستعادة أرضنا في فلسطين، ويتبين بعد فترة من الزمن أن المردود كان أقل بكثير من الطموح، حينها يبدأ الفتور وبعد حين تبدأ التساؤلات الهادفة ومن بعد يبدأ النقد وبعدها يبدأ كل من لديه سنارة ويقوم بإلقائها ليصطاد، وطبيعي أن يستشعر المهتمون بالواقع السياسي وهم القوى الخارجية والداخلية المرتبطة بهم، والميدان الأهم لهذا الاستشعار دوماً كان ضباط الجيش السوري ذوو التقاليد الراسخة في السطو على السلطة.
هذه النواة التنظيمية كان أساسها الضباط البعثيون الصغار، الذين كان انتماؤهم السياسي غير معروف أو محمي، ومع ذلك فليس كل من انتمى إلى البعث في تلك المرحلة ملتزماً بأهداف البعث، هذه النواة التنظيمية لم يكن لها دور من أي نوع في عملية الانفصال التي تمت، ولكنها لعبت الدور الأهم في انقلاب 8 آذار والمسار الذي سارت عليه سورية حتى يومنا هذا، والضباط المؤسسون لهذا التنظيم هم : محمد عمران - صلاح جديد - حافظ الأسد - أحمد الأمير - عبد الكريم الجندي - وكان الثلاث الأول من طائفة العلويين والرابع من الطائفة الإسماعيلية. أما عبد الكريم الجندي فقد ترك والده الطائفة الإسماعيلية واتبع طريقة السنة، ومع ذلك كان يحسب دوماً على الإسماعيلية وهو بالتأكيد أصدقهم وطنية، إلا أنه لم يكن يستطيع تحديد الحدود بين التقدم والعروبة، هذه النواة الصلبة للجنة العسكرية التي حصلت على شرعيتها كقيادة التنظيم العسكري لحزب البعث العربي الاشتراكي في القطر السوري في مؤتمر بيروت للحزب الذي انعقد بعد خروج الحزب من السلطة والحكم في الجمهورية العربية المتحدة.
ومثّل اللجنة العسكرية في هذا المؤتمر صلاح جديد، الذي انتقد قيادة الحزب لموافقتها على حل الحزب في القطر السوري (كشرط لقيام الوحدة). كان إنقلاب الثامن آذار 1963 حصيلة تحالف عسكري أساسه الضباط البعثيون والعميد زياد الحريري قائد الجبهة ومؤيدوه من الضباط، ومن أبرز الضباط البعثيين الصغار الذين نفذوا الانقلاب: الملازم الأول (سليم حاطوم) الذي قاد سريته في الجبهة، واستولى على الإذاعة في دمشق يسانده في تلك المهمة الملازم الأول (محمود حمرا)، الذي قاد سرية دبابات في حوران إلى دمشق لتحقيق هذا الهدف.

كان أول إجراء قام به الانقلابيون، إعادة جميع الضباط البعثيين الذين سرحوا إن كان أثناء الوحدة أو حكم الانفصال إلى الجيش، والذين كان بعضهم في زنازين سجن المزة، ينتظر تنفيذ حكم الإعدام بالملازم (محمد إبراهيم العلي)، ومن بين الموجودين في السجن آنذاك العميد لؤي الأتاسي والعقيد محمد عمران اللذين سُجنا أثر المحاولة الانقلابية الفاشلة التي جرت في حلب قبل انقلاب آذار، وكان العميد الأتاسي قريباً وصديقاً للبعثيين، ومن أبرز الذين أعيدوا للخدمة مباشرة بعد نجاح 8 آذار المقدم صلاح جديد وحافظ الأسد، ومحمد عمران ومصطفى طلاس ومحمد رباح الطويل وغيرهم، وهؤلاء سرّحوا من الجيش في عهد الانفصال وسجنوا لفترات أطولها أربعة أشهر.
وبعد أن استقر الوضع لمصلحة الانقلابيين، تشكل تحالف عسكري وسياسي بين البعثيين والناصريين كأساس، عين على أثرهِ العميد لؤي الأتاسي رئيساً للدولة وقائداً للجيش بعد أن رفع إلى رتبه فريق، بعد ذلك بدأت مباحثات الوحدة الثلاثية التي ذكرت بين مصر وسورية والعراق، وتبين فيما بعد أن هذا الهدف لم يكن الهدف الرئيسي في أولويات كل الأطراف، وأن الحواجز المنصوبة أمام تحقيقه يستحيل تجاوزها في هذه المرحلة، وأن الطريق مسدود لأسباب عديدة أهمها :

أ- الإرادة الدوليــة.
ب- لم يعد هناك أرضية مشتركة يقف عليها المتفاوضون الثلاثة، بل الحقيقة أنه لم يكن هناك أرضية مشتركة يقف عليها طرفان من الأطراف الثلاثة، بعد التجربة الوحدوية الفاشلة بين مصر وسورية.
ج- أن المباحثات التي كانت تجري تمويهاً على الرأي العام في الدول التي كانت تجري المباحثات خاصة، وفي الوطن العربي عامة، والحقيقة هي أن أطرافاً خاصة في الجانبين المصري والسوري، لها استراتيجيات مختلفة، وهي تناور لكسب الوقت لتهيئة الواقع لحالة مغايرة كلياً، بيّن الزمن اللاحق أبعادها.

وهكذا بعد أن وصلت مباحثات الوحدة إلى حائط الإعدام، أطلق عليها رصاصة الرحمة الانقلاب الفاشل الذي قاده العقيد (جاسم علوان) في أيلول عام 1963 من أجل تحقيق فهم عبد الناصر للوحدة، وهو إعادة الجمهورية العربية المتحدة بإقليمها المصري والسوري ومن بعد التفاوض مع العراق. وكانت عملية منظمة وجدية، والناصريون في حينه لا ينقصهم التأييد لا في الجيش ولا في صفوف الشعب في سوريه، إلا أن العملية كانت مرصودة ومخترقة، فلما قامت وجدت استعداداً لمواجهتها، فأحبطت وعُومل الذين ألقي القبض عليهم من المنفذين لها بقسوة، فقد جرت محاكمات (ميدانية) سريعة وإعدامات فورية لأكثر من عشرة عناصر من كتيبة مغاوير كان اكثر عناصرها من الفلسطينيين، جرت محاولة الانقلاب هذه والفريق الأتاسي في مصر، يحاول مع الرئيس عبد الناصر إعادة الحياة إلى مباحثات الوحدة، وكان الإحراج الذي وجد نفسه فيه كبيراً، خاصة بعد أن أجرى اتصالات عديدة بدمشق حاول خلالها منع تفاقم الأمور بين دمشق والقاهرة، إلا أنه لم يجد في دمشق آذاناً صاغية، ولما عاد إلى دمشق لم يجد أمامه إلا الاستقالة مخرجاً، وكان البديل له جاهزاً، تسلم منصبه الفريق أمين الحافظ وزير الداخلية والحاكم العسكري آنذاك.
وهكذا أنُزل تابوت الوحدة إلى القبر، وانفرد حزب البعث العربي الاشتراكي بالسلطة، بأجنحته المتناحرة وبتركيبه الطائفي، البعيد عن الفهم الموحد والانسجام العقائدي فكراً ونضالاً. وكان الخاسر الأكبر بين الأطراف الثلاثة هو سوريا. (وأيدلوجية الوحدة العربية)، التي لم تأت 8آذار إلا من أجل حالة ديماغوجية تلغى تحت ضجيجها الديمقراطية، وخلق بدائل وهمية عنها في كل مرة تلغى فيها، وهناك تساؤل يفرض نفسه فإذا كانت الوحدة هي الهدف من انقلاب 8 آذار وليس إلغاء الديمقراطية (لأنه بالديمقراطية لا يمكن أن تقاد سوريه إلى الواقع الذي مرت به وتقف فيه الآن في عام 1994 وحتى الآن في عام 1999.







 
رد مع اقتباس
قديم 21-03-2010, 04:15 PM   رقم المشاركة : 23
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

أقول إذا كانت الوحدة هي الهدف، لماذا لم يبادر الأمين العام لحزب البعث الاشتراكي الأستاذ ميشيل عفلق وهو الذي قال حين قام انقلاب 8آذار في سوريه انها شقيقة ثورة 8شباط في العراق وصنوها (وهي طبعاً لم تكن كذلك)، إلى الوحدة بين القطرين؟ ولماذا لم يقرن القول بالفعل؟ ولماذا لم تبادر قيادة الحزب القومية وهي تقود الحزب في العراق وسوريا إلى الوحدة بين القطرين، فوراً طالما إن مفاوضات الوحدة الثلاثية قد فشلت؟ وبدء محادثات جدية من أجل إيجاد واقع يجعل العلاقات بين القطرين نامية ومتطورة، وأن هذا الفعل ليس عملاً محورياً، وأن مصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر ستبقى هي الهدف الذي تسعى للوصول إليه، من خلال
الصيغ الجادة ومن خلال بناء وحدوي موضوعي نستطيع مجتمعين بناء القدرة لهزيمة الوهن. لماذا لم يحدث ذلك خاصة وأنه لم يعد هناك عوائق؟ فقد ذهب النظام الملكي وغاب نوري السعيد ومعه (حلف بغداد)، واصبح كل من العراق وسورية نظامين جمهوريين متحررين من الأحلاف، والنفوذ الأجنبي المباشر، والأهم من كل ذلك أنه يحكمها حزب واحد له قيادة قومية واحدة، وهما قطران متجاوران ماؤهما واحد وأرضهما واحدة وشعبهما واحد، عرب وأكراد وأقليات، عشائرهما على الحدود مشتركة تسمى جبور، عقيدان، عنزة، وغيرهم الكثير، محاطين بالأعداء من الجهات الأربع، إمكاناتهم الاقتصادية متقاربة، لماذا لم تبادر قيادة الحزب القومية إلى هذا الفعل الصحيح؟ هل كانت تخاف غضب الرئيس عبد الناصر كما كان يقال ويشاع في حينه، لو كان الأمر كذلك لما جرت مذبحة الناصريين، وهل هو الخوف من القوى الدولية والإقليمية المنضوية تحت لوائها، هو الذي منع القيادة من أن تُقدم على هذا الفعل الصحيح؟ إذا كانت قيادة الحزب تخاف ذلك، فلماذا صاغت فكراً وخلقت أداة من أجل تحقيق هذا الهدف؟ وهي التي تعرف أن العالم كله ضد الوحدة العربية!!.

إن واقعاً متطوراً بين العراق وسورية يبقي الباب مفتوحاً، بصدق وطني أمام مصر، ويحافظ باستمرار على كرامة الرئيس عبد الناصر وشخصه والاتصال الدائم به، وإطلاعه باستمرار على الواقع بصدق وبنيّة حسنة، سيجعل الرئيس عبد الناصر يندفع إليه بقوه ، ومن المؤكد أن أي واقع سياسي في الأمة العربية يعطي الرئيس عبد الناصر إعتزازاً أكبر وقدرة أكثر يدفع الرئيس عبد الناصر لأن يكون جزءاً منه رغم أنف كل معاونيه المعادين لتطلعاته. ولكن كيف يمكن أن يحدث هذا واحد مؤسسي الحزب الأستاذ صلاح البيطار وزير خارجية سورية، أو رئيس وزارتها يقول في تصريح حينذاك بأن أي لقاء ثنائي بين العراق وسورية (هو عمل محوري)! انظروا إلى هذا القول السياسي الذي يتناقض تماماً مع كل (البعث)، والذي لا يعلم أحد من هم الذين يراد تطمينهم؟ هل هم الكويتيون أم "الإسرائيليون" أم كل المعادين للوحدة العربية؟ لماذا لم تكن وحدة مصر وسورية عملاً محورياً في حينه؟ هل لأن أمريكا كانت تؤيد هذه الوحدة (مرحلياً) لأسباب ظاهرها معروف؟ أما باطنها فخاضع للتحليل!! أما لقاء العراق وسورية فإنه لن يرضى عنه أحد، لأنه يخلق واقعاً يشكل سداً منيعاً أمام طموح الطامعين في نهبنا وسلبنا وإحتلال أرضنا.
إذاً،على ضوء مقولة الأستاذ البيطار هذه، يكون خلق البعث فكراً وأداة، هو من أجل خلق مركز قيادي للأساتذة ومريديهم يمارسون من خلاله السياسة في الواقع العربي والدولي حسب رؤاهم وأهوائهم ومصالحهم.

البعث وسورية بعد سقوط حكم حزب البعث في العراق :
بعد حوالي شهرين من موت مباحثات الوحدة، وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة في سوريه التي قادها (العقيد جاسم علوان)، قاد المشير عبد السلام عارف الذي عينته ثورة شباط رئيساً للجمهورية انقلاباً على حكم الحزب في العراق، وبهذا أصبحت ظروف الحزب والحكم في سورية في غاية الصعوبة بعد أن انفرد بالسلطة هناك، وفي الواقع لم يكن الحزب موجوداً حين قيام انقلاب 8 آذار في سوريه، فالحزب قد أصبح شظايا بعد أن حل نفسه في القطر السوري لحساب الصيغة الوحدوية بين مصر وسوريه، وكان لا بد من إيجاد شكل لأداة تحمل هذه اللافتة المرفوعة في واقع سياسي شديد التعقيد والاضطراب، إن الذين سعوا إلى انفراد الحزب بالسلطة وخلقوا عداوات في ساحة سوريا لم يسبق لها أن كانت بهذا العمق منذ الاستقلال، ودون أن يكون هذا الخوف موجوداً (إنما خلقوا واقعاً) أن كان بقصد أو بدونه، يضع البعثيين في واقع الخوف من المستقبل ليتم بعد ذلك خلق الحزب بالأسلوب الذي يخدم وصول الأمور إلى غاياتها، ولهذا فتحت أبواب الحزب على مصراعيها ليدخلوا زرافات ولكن من الأقليات والطوائف. والطائفية كالعشائرية في ذروة تماسكها، والفرق أن العشائرية، تكوْن تاريخي في عملية التطور الإنساني بينما الطائفية نتاج واقع اجتماعي وسياسي، سمته البارزة الاضطهاد والقهر والفقر. ومن هنا فهي أشد تماسكاً وأساس قيادة، وبهذا الأسلوب الذي تم يكون الحزب قد ركب تركيباً طائفياً تتمتع به طائفة العلويين بالباع الأطول والنفوذ الأقوى المستند إلى النفوذ في اللجنة العسكرية.

( وهل أنا إلا من غزية إن غوت
غويت وإن ترشد غزية ارشد )

ولما كان الجيش في سوريه يضم النسبة الأكبر من العلويين منذ زمن الانتداب الفرنسي، لأنه كان أهم مصادر رزقهم الشحيحة، ولما لم يبق في صفوفه من الضباط وضباط الصف سوى البعثيين ومن والاهم بعد أن صفي من العناصر الناصرية والانفصالية، والأكثرية السكانية الساحقة من هؤلاء هم من الأكثرية السُّنية.


تتماسك الأداة إن كانت حزباً أو غيره من الأشكال التنظيمية، أو طائفة ما عندما يكون لها أعداء خارج تكوينها وعندما يزول هذا العامل ولم يعد ملموساً، تبدأ التعارضات في داخل هذا التكوين غير المتجانس بالبروز على السطح، ويكون بروزها أسرع حينما يكون هناك من يحركها في داخلها. وفي حزب كان غير موجود قبل 8 آذار وتناثرت زعامته، وأتّخذ كل من قادته البارزين مواقف فكرية وسياسية صارخة التعارض، يكون من المستحيل اعتباره أداة قادرة وصالحة لتحقق حكماً مستقراً صالحاً وعادلاً في القطر السوري. دعك من الأهداف القومية التي من أجلها خلق هذا الحزب. هل كان القيّمون على هذا الحزب يتوقعون من هذا التكوين أن يحقق فكر البعث ونهجه السياسي؟على الأقل في المجتمع الذي يقوده، إن كانوا يظنون ذلك، فذلك أمر خطير ينطبق عليهم (الحديث) ولكل مجتهد نصيب. أما إذا كان المنشود هو هدف لا يمكن لغير هذه الأداة تحقيقه، فهذا صحيح، من المعروف بداهة، أنه في الأحزاب التي تتكون من خلال الدعوة إلى إعتناق فكر مطروح لتحقيق أهداف مشروعة لأية أمة من الأمم (مثل الأمة العربية) تتعلق بصيرورتها، ومبنية على حقائق تاريخية تراثية وحضارية، يلمسها الإنسان العادي ويؤمن بها لأنها تحقق له الواقع الذي يطمح إليه، أمناً معاشياً واجتماعياً، فإنك لا يمكن أن تخلق حزباً بالطريقة التي خلق بها حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريه آنذاك.
إنك لا تستطيع بناء حزبٍ حقيقيٍ، إلا عبر مسار طويل، يتناسب والأهداف التي ينشد تحقيقها، والواقع الذي يتفاعل فيه، وحزب مثل حزب البعث العربي الاشتراكي، أهدافه في الأفق وطريقهُ شديد الوعورة، يحتاج إلى زمن وأساليب عمل، قادرة على اختراق هذا الواقع الصعب،الذي تكثر فيه مسالك التيه، يتدرّب فيه مناضلوه ويختبرون… يسقط من يسقط، ويستمر في التقدم الصابرون المؤمنون، وتتوحد خلال هذا المسار الصعب والشاق الفهم وأساليب العمل والرؤى المستقبلية وحتى السلوك الإنساني، تتكون حينه عبر هذه المعاناة أداة متجانسة. وكيف يمكن لحزب كان واقعه كما ذكرت أن يصبح أداة لتحقيق أهداف البعث في القطر السوري من خلال دفع أعداد كبيرة إلى جوفه بأناس مختلفي المشارب والاعتقادات والمطامح والمطامع والسلوك والمواقع الاجتماعية؟ وحتى الأهداف، فكل أمراض المجتمع المتخلّف، والواقع الذي يعيشه منتسبوا هذه الأداة، من طائفية وتطلع غير مشروع، وجوع إلى ملذات الحياة، وعداء تقليدي موروث تعيشه هذه الأقليات في واقع قهر وعوز لم تتساو فيه الحقوق والواجبات لقرون عديدة، وطبعاً فإن أداة مثل هذه لن تحقق إلا ما حققته. والخوف من الأخطر لا يزال قائماً طوال هذه الفترة أي منذ 8 آذار عام 1963 وحتى إنعقاد المؤتمر القطري الأول، والسلطة بيد أعضاء اللجنة العسكرية التي كان يرأسها الفريق أمين الحافظ، من موقعه كرئيس للدولة وقائداً عاماً للجيش. إلا أن التحكم في مسارها كان بيد الأعضاء الخمسة المؤسسين وهم محمد عمران – صلاح جديد – حافظ الأسد – أحمد الأمير – وعبد الكريم الجندي -. وكان يضاف إليها ويخرج منها الكثير من الأسماء العسكرية بينهم سليم حاطوم محمد رباح الطويل مصطفى الحاج علي أحمد سويداني حمد عبيد وغيرهم. يضافون إليها حسب مواقعهم العسكرية. ويخرجون منها، إما لفقدانهم هذه المواقع وإما لحساب مراكز القوى في اللجنة. وكان أقدر وأكفأ أعضاء اللجنة على الاحتفاظ بالموقع الأكثر تأثيراً هو اللواء صلاح جديد في تلك المرحلة. وكان لا بد أن يتم تكوين الحزب. ولو بالطريقة التي ذكرت، وإعطاء هذا الحزب دوره حسب نظامه، خاصة والنظام يستظل بلافتته البعث ساريتها وعنوانها ولو مظهرياً.
وهكذا انعقد المؤتمر القطري الأول في القطر السوري الذي انتخب بدوره قيادة قطرية. انتخبت أميناً لها الأستاذ (حمود الشوفي) وأنا لم التق الأستاذ الشوفي، ولكن الرفاق الذين يعرفونه وتعايشوا معه في سجن المزة قالوا عنه أنه شاب ذكي وذو معرفة ومقدرة، ولم يكن في هذه القيادة أي من أعضاء الجنة العسكرية، ولا من الحزبيين الكبار أعضاء القيادة القومية. والواضح أن هذه القيادة قد مثّلت المؤتمر، ولم تمثل اللجنة العسكرية أو القيادة القومية للحزب في حينه. ولذلك بقيت أسيرة مكاتبها لا حول لها ولا قوة، لأن الحكم والسلطة بيد اللجنة العسكرية المغطاة من قبل القيادة القومية. وبقيت قيادة الحزب في القطر السوري على هذا الواقع إلى أن إتفق الأستاذ ميشيل عفلق، الأمين العام للحزب مع اللجنة العسكرية على إسقاط هذه القيادة. حينها دعت القيادة القومية للحزب، المؤتمر القطري في سورية إلى الانعقاد في دورة استثنائية، وتلت على هذا المؤتمر قرارها بحل القيادة القطرية، وطلبت منه إنتخاب قيادة قطرية جديدة، وهذا حق مشروع للقيادة القومية، حسب النظام الداخلي للحزب. وتم في حينها إنتخاب قيادة قطرية جديدة تمثل نسبياً واقع الحزب والسلطة. ومن أبرز العسكريين الذين تمثلوا بها الفريق أمين الحافظ - اللواء صلاح جديد ومن المدنيين - الدكتور نور الدين الأتاسي والدكتور يوسف زعين والدكتور إبراهيم ماخوس. هذا التحالف مع العسكريين دفع الأستاذ الأمين العام ثمناً غالياً له، من قيمته الاعتبارية :-

1- لقد ثبت بالملموس أنه يناور ويتكتل ومع من؟ مع العسكريين!
2- أنه غير ديمقراطي حتى في المؤسسة التي يقودها.
3- سقط جزء هام من إعتباره الذاتي أمام الحزبيين المدنيين، والأهم من ذلك العسكريين.
4- وهو الأهم، دفع الأمور خطوتين إلى الإمام باتجاه ما حصل في 23 شباط.
المؤتمر القومي الثامن للحزب :
بعد كل مؤتمر قطري عادي في القطر الذي يحكمه الحزب، يجري على أثره عادة (مؤتمر قومي) يمثل كافة الأقطار العربية التي يتواجد بها الحزب. وطبيعي أن يكون أكثرية أعضاء المؤتمر من القطر الذي يحكمه الحزب. انعقد المؤتمر في جو مشحون بالخلافات الفكرية. فقد كان الحزب في سورية يتجه إلى اليسار. ويقترب من الماركسية. (وتبين فيما بعد أن هذا التوجه كان تكتيكاً من بعض قادة التكتلات لأنه سرعان ما انقلب الحزب إلى اليمين بعد الحركة التصحيحية). وفي هذا المؤتمر جرت اتهامات بين المتصارعين من كل نوع. وأبرز نتائج المؤتمر هي انتخاب قيادة قومية جديدة للحزب. أبعدت عن أمانتها. الأستاذ ميشيل عفلق. لأول مرة في تاريخ وجود الحزب. وكان البديل له الدكتور منيف الرزاز. وبذلك أصبح الدكتور الرزاز أميناً عاماً لقيادة الحزب القومية. لكن القيادة القومية وباقتراح من الدكتور الرزاز قررت التعويض على الأستاذ ميشيل بأن منحته لقب (القائد المؤسس). واضح من هذا السرد العجول. أنني لا استهدف التاريخ بهذه المرحلة وإنما أقصد الوصول إلى المحطات البارزة، في أسباب الفشل تحت قيادة الأستاذ ميشيل عفلق ورفاقه أعضاء قيادة الحزب التاريخيين. فبعد المؤتمر القطري الأول في سوريه، والمؤتمر القومي الثامن بأقل من عام، جرت حركة الثالث والعشرين من شباط. لماذا؟ إن الأسباب الظاهرية التي يقول بها المختلفون، عديدة ومتنوعة، منها اليمين واليسار، ومنها الطائفية، ومنها الذاتية وحتى المسلكية لكن واقع الأمور هو غير ذلك. إن جميع هذه الأسباب التي هي أكثر تنوعاً مما ذكرت، كانت أسباباً مظهرية للصراع. أما السبب الحقيقي فهو مستقبل سورية السياسي ودورها الإقليمي والقومي، ضمن الرؤيا الدولية لمستقبل الواقع في الإقليم، والذي كان مستوراً لا يعرفه إلا الساعون إليه.
والواقعة الهامة التي قادت إلى بروز الانشقاق على السطح ومن بعد الاقتتال، هو قيام القيادة القومية للحزب، وبتأثير مباشر من الأستاذ ميشيل عفلق (الذي انتقل إلى لبنان بعد فقدانه أمانة الحزب) بحل قيادة الحزب في القطر السوري. ولكن هذا الحل لم يكن أمام مؤتمرها القطري، ليتسنى للمؤتمرين انتخاب قيادة بديلة حسب ما ينص عليه نظام الحزب. ولما طلبت القيادة القطرية للحزب في سورية من القيادة القومية دعوة المؤتمر القطري للانعقاد لانتخاب قيادة بديلة حتى يكون الحل مشروعاً، رفضت القيادة القومية هذا الطلب، الأمر الذي يعني أن الحل تناول القيادة ومؤتمرها القطري، والذي يعني أن القيادة القومية للحزب قد قامت بانقلاب على نظام الحزب. وأنها تنوي بناء حزب جديد في سوريه يتوافق مع مقاييسها الفكرية والسياسية تماماً كما يفعل عادة الانقلابيون العسكريون في دول العالم الثالث. وقد تولت القيادة القومية المسؤولية المباشرة للحزب والسلطة في القطر السوري، وكلفت الأستاذ صلاح الدين البيطار أن يرأس حكومة (القفزة النوعية)، وهو الوصف الذي أطلقه الدكتور منيف الرزاز على هذا الانقلاب. والأستاذ البيطار (وهو أحد اثنين كونا حزب البعث هو والأستاذ ميشيل عفلق) الذي كلف برئاسة حكومة (القفزة النوعية) هذه، لا يتمتع بأي تأييد في صفوف الحزب، فهو لم ينجح في الانتخابات التي جرت للمؤتمر القطري الأول، فقد فشل في الوصول إلى مؤتمر الشعبة لأسباب عديدة، فالأستاذ البيطار سلك طريقاً كثير التعرّج في تاريخه السياسي، لماذا هذه القفزة النوعية؟ والجواب هو كيف يمكن أن تسير الأمور إلى أهدافها، إذا لم تحدث قفزات نوعية، في هذا المستوى؟ فالانفصال قفزة نوعية و8 آذار قفزة نوعية و23 شباط قفزة نوعية وأخيراً "الحركة التصحيحية" القفزة الأخيرة من هذا النوع من القفزات.
التزمت قيادة قطر سورية قولاً ومظهراً. ولكنها اعتبرت نفسها هي القيادة الشرعية للحزب في القطر السوري، وأن حلها غير شرعي، وبدأت تعد نفسها للمواجهة حتمية. فخارج الأهداف الاستراتيجية المتحالفة بين من يقود في كلا الطرفين، والمتوافقة كذلك بين أطراف أساسيين في الموقعين. (وحتى أكون أوضح)، فالصراع كان بين أمين الحافظ وصلاح جديد كل من موقعه ومن يسانده، على استراتيجيتين مختلفتين. وكانت مهمة العديد من الشخصيات الحزبية في قمة القيادة في كلا الموقعين، هو إيصال الصراع إلى نقطة الأنفجار، وكان الحزب وأجهزة الأمن، ووحدات عسكرية أساسية في يد القيادة القطرية (أي بيد الأمين القطري المساعد اللواء صلاح جديد). ففي الجيش كان اللواء صلاح جديد، الذي أعيد إلى الجيش بعد انقلاب 8 آذار برتبة مقدم، يتسلّم موقع مدير شؤون الضباط في رئاسة الأركان. وهذا الموقع في تلك المرحلة، كان له الباع الأطول في تقرير مصير الضباط ( تسريحهم، ترفيعهم، تنقلاتهم، مواقعهم الخ). واللواء صلاح جديد ذو قدرة هائلة على معرفة نوعية الرجال، نقاط ضعفهم، نقاط قوتهم طموحاتهم وانتماءاتهم السياسية. وكانت هناك وحدات جاهزة للعمل بيد القيادة القطرية. أما الوحدات الموالية للفريق أمين الحافظ، والقيادة القومية، وهي أكثر وحدات الجيش، فقد تم تحييدها.
وكانت مشكلة الفريق أمين الحافظ، أن المبادرة والقرار لم تكن بيده ، وإنما بيد القيادة القومية، وخاصة أمينها العام الدكتور منيف الرزاز. ومن هنا كان من السهل على الصف المنظم (أي القيادة القطرية) بقيادة اللواء صلاح جديد. الذي فوضته القيادة، وأعطته حرية العمل على المبادرة. ومن هنا لم يكن هناك من يقاتل مع الفريق الحافظ صباح الثالث والعشرين من شباط. سوى شجاعته وأربعين عنصراً من عناصر الحراسة. أمام هجوم كتيبة مغاوير يقودها سليم حاطوم، وسرية دبابات يقودها عزت جديد (وهو ليس قريباً بالدم من صلاح جديد) ورفعت الأسد. ولم يستسلم الفريق الحافظ، إلا بعد أن أصيب أكبر أبنائه، وفرضت عليه زوجته وأطفاله ذلك. بعد أن داهمهم الخطر. أما اللواء محمد عمران والذي استدعته (القفزة النوعية) من إسبانيا ليكون سنداً لها ضد صلاح جديد كونه من الطائفة العلوية وله أنصار في الجيش، فقد اعتقل من مقره في وزارة الدفاع دون أدنى مقاومة. أما الأمين العام للحزب الدكتور منيف الرزاز والقائد المؤسس الأستاذ ميشيل عفلق فقد اختفيا إلى أن تمكنا من الخروج من سورية. وهنا يرد إلى الذهن سؤال مشروع هو: أن قادة في هذا المستوى من المسؤولية يأخذون الاحتياطات المسبقة للتخفي والهرب، ولديهم شك في نجاح انقلابهما غير المشروع. إذاً لماذا قاموا به؟

حركة الثالث والعشرين من شباط :
لقد كنت مع حركة الثالث والعشرين من شباط فور حصولها، قبل أن أستمع إلى أي رأي آخر، إن كان في داخل الحزب أو من خارجه. والقارئ يستطيع أن يعرف لماذا؟ ولكن هل كنت سأعمل في صفوفها؟ أقول بصدق. لا على الأقل لفترة من الزمن. لقد أتعبني السجن، وشعرت في هذه الفترة، أن أطفالي وزوجتي بحاجة إلى أكثر من أي وقت مضى. فقد كان لدي في حينه ولدان وإبنتان عزيزتان أكبرهم سناً كان عمره ثلاثة عشر عاماً. وتوفيت لي طفلة في السنة الأولى من عمرها، وُلدت بعد خروجي من الجفر عام 1962. وقد أحزنني موتها، واعتبرت نفسي مسؤولاً عنه (والمسؤول الحقيقي عن ذلك هو النظام الذي قام باعتقالي لمدة أربعة عشر شهراً دون مبرر ودون تهمة)، توفيت نهاية عام 1963، وأنا في سجن عمان المركزي وكنت أعرف أن موتها كان سببه الحبس، لأن والدتها لم تستطع الاعتناء بها كعادتها بالاعتناء بأطفالها، وكانت (ترضع غلاً) ، كما نقولمرة أخرى لماذا كنت مع حركة 23 شباط؟ لقد بيّنت في هذه الذكريات بعض الأسباب التي أوهنت ثقتي بقيادة الحزب التاريخية، ولا ضرر في تكرارها. وكوني لم أكن قادراً، لا من موقعي ولا واقعي الحزبي في حينه ومن مجمل الظروف في تلك المرحلة أن أمارس العمل ضدها بمشروعية، فمن الطبيعي أن التقي مع أي تيار من داخل الحزب يعمل ضدها ويسعى جدياً إلى تغييرها، وكان البعض من الرفاق الحزبيين الذين تناقشت وإياهم يسألونني باستهجان (ولو باستخدام السلاح) فأجبت نعم حتى باستخدام السلاح. طالما لم يعد هناك وسيلة أخرى، بعد أن أغلقت هذه القيادة كل الطرق إلى أي بديل سلمي؟ إن أهم المواقف التي وقفتها القيادة التاريخية. وجعلتني في موقف المعارض لوجودها كقيادة هي موقفها من أحداث الأردن عام 1957 الذي لا يمكن تبريره لا عقائدياً ولا سياسياً ولا أخلاقياً فعقائدياً على البعث دوماً أن يكون مع الحرية، أي مع الديمقراطية وضد الحكم المطلق ملكياً كان أم جمهورياً، وكذلك ضد النفوذ الأجنبي في أي مكان في الوطن العربي ومسلكياً سلمت قيادة الحزب التاريخية حزبها في الأردن مدنيين وعسكريين من خلال موفديْها (الأستاذ عبد الفتاح الزلط والمقدم مصطفى حمدون) إلى سلطة انقلابية قادت الأردن من نير الاستعمار القديم إلى نير الاستعمار الجديد ولكليهما معاً. وهذه لم تكن المرة الأولى التي تقف فيها هذه القيادة مواقف صارخة التناقض مع كل الحزب ونهجه السياسي، فهذه القيادة شجعت وأيدت بل وشاركت في سلطة انقلابين عسكريين ديكتاتوريين على الديمقراطية في سورية. وبالتأكيد أن هذه الديمقراطية مهما كانت هزيلة، فهي حتماً أكثر وطنية وأخلاقية وشرفاً من إنقلاب حسني الزعيم سيئ السمعة، وبعده انقلاب أديب الشيشكلي الذي قام بانقلابه ضد حزب الشعب وأكثريته في مجلس النواب، من أجل منع أي تقارب بين سورية والعراق. ومن الطبيعي أن يكون دورها في الأردن منسجماً مع توجهها اللاديمقراطي عبر تاريخها الطويل.
لقد ساهم الأستاذ أكرم الحوراني مساهمة جادة في شق طريق الانقلابات العسكرية في سورية، وكلنا يعرف الآن لماذا هذه الانقلابات العسكرية، التي أجبرته هو شخصياً، وكل قادة البعث على التشرد حتى الموت خارج وطنهم؟… هذه الحقائق التي سكنت نفسي منذ أن طَلبت هذه القيادة من الحزب أن يستسلم لسلطة انقلابية وقمعية في الأردن، في نيسان عام 1957، كانت تستيقظ كلما جرّت الحزب إلى مطبّ حديد. وأهم هذه المطبات هي :
1- الصيغة التي قبلت بها وحدة مصر وسورية، وأخطر ما في هذه الصيغة هو التسليم الكامل بصيغة الرئيس عبد الناصر، وهي أن لا أحزاب في جمهورية الوحدة (أي لا ديمقراطية ولا حرية) فإذا كان الحزب الذي (هو الفكر والأداة) التي وجدت من أجل تحقيق مضمون وأهداف هذا الفكر، فالمعادلة (الفكر والأداة)، وحدة لا تتجزأ أي أنه يستحيل تحقيق أهداف هذا الفكر بدون أداته، وحينما توافق قيادة هذا الحزب على حل الأداة في قطر من الأقطار لصالح صيغة وحدوية اعتبرتها محققة للأهداف التي من أجلها قام الحزب، ولم يعد هناك مبرراً لوجوده في هاتين الساحتين، فالأمر حينها خاصة بعد النتائج المفجعة، يعطي دلالات صحيحة على تكوين هذه القيادة وهؤلاء القادة، وأهم هذه الدلالات أن إيمانها واستيعابها والتزامها بهذا الفكر وصحته وبمهمات وقدرات أداته ضعيف. وهي لم تكن قادرة على التفريق بين ما هو ظاهر وبين ما هو غاطس، وواضح أن فعلها هذا كان هروباً إلى الأمام، أي أنه فعل سياسي مبني على الوهم.
2- الامتهان الكامل لكل من هو دونها في الحزب، فهذا الحزب حزب قومي في صفوفه مناضلون قوميون مؤمنون، لذا كان عليها في حينه وضع رؤاها أمام مؤتمر قومي يقرر في هذا الأمر.
3- إن القيادة القومية مسؤولة مسؤولية مباشرة ، عن النتائج التي صارت إليها ثورة رمضان في العراق، وهي التي تمتلك شرعية القرار في الحزب وهي التي لها الحق بتقرير ما هو خطأ وما هو صواب في التطبيق الفعلي لفكر الحزب في أي قطر يقود الحزب فيه السلطة.
4- إن القيادة القومية (وبالأخص أمينها العام الأستاذ ميشيل عفلق) مسؤول مسؤولية كاملة، عن إضفاء الشرعية (شرعية حزب البعث العربي الاشتراكي) على انقلاب 8 آذار وما ترتب على هذا الانقلاب من نتائج خطيرة على سوريه وعلى الأمة العربية.
في صفوف حركة الثالث والعشرين من شباط :
بعد قيام الحركة مباشرة، أرسل القائمون عليها موفدين حزبين إلى كل الأقطار العربية التي يتواجد فيها الحزب، وذلك من أجل توضيح الأسباب والمبررات التي قادت إلى هذا الفعل ضد القيادة الشرعية للحزب، والأهم أنها محاولة كسب مؤيدين للحركة إن كانوا كتنظيمات، أو على الأقل أفراداً في هذه التنظيمات، وقد وصل إلى الأردن موفدين من أجل هذه الغاية، ومن بين الحزبين الذين اتصل بهم هؤلاء الموفدين الرفيق حاكم الفايز… على ماذا اعتمدت قيادة الحركة في هذا الاختيار؟ لا أعرف. وكان الرفيق حاكم عضواً قديماً في الحزب، ولكنه انشق عن الحزب مع الأستاذ عبد الله الريماوي، وبقي كذلك حتى فشل محاولة الانقلاب التي قام بها العقيد جاسم علوان. إلا أنه عاد بعد ذلك إلى الحزب في الأردن. أعيد الرفيق حاكم الفايز بتزكيه مني الى الدكتور منيف الرزاز. وسبب الصلة الدائمة بيني وبين الرفيق حاكم هو أنه متزوج من ابنة عمي شقيقة زوجتي (أم موسى)، وقد اهتم بأطفالي أثناء وجودي في السجن وقد أشار حاكم على أحد هؤلاء الموفدين بالاتصال بي، وزارني هذا الموفد في منزلي في مأدبا وتحدث معي في الأمر فأبلغته الموقف النابع من قناعتي بوضوح، قلت له:- أنني مع 23 شباط منذ وقوعها وأنا مع الخلاص من القيادة التاريخية، ولكنني في هذه المرحلة غير قادر على الالتزام الحزبي ولا النشاط السياسي، ولا أنوي أن أقوم بذلك في هذه المرحلة.
وكان هؤلاء الموفدون ينشطون ويعودون إلى بيت الرفيق حاكم، ويظهر أن الرفيق (أبو فهد) أبلغهم أن موضوع الالتزام في موقف الرفيق ضافي، يمكن تغييره وقد عاد حاكم يلح علي في موضوع الالتزام، ولكنني وقلت له: عليك أن لا تدفعني إلى الاستعجال في هذا الأمر، فأنا غير قادر على النضال في هذه المرحلة فأنا غبت عن أطفالي طويلاً وهم بحاجة الى وجودي في هذا السن، وأنا حينما التزم، أعطي هذا الالتزام كل جهدي، وهذا الأمر لا أستطيعه الآن.
لكن بعد أقل من أسبوع من هذا القول واجهني (أبو فهد) بالأمر الواقع قائلاً أن لجنة تنظيمية للقطر، قد تشكلت من ثلاثة أشخاص هم الرفيق مجلي نصراوين الذي ولي مسؤولية أمانة اللجنة وأنت مساعداً له وأنا، وقال لي أنه في اليوم (الفلاني) سيعقد أول اجتماع في منزلي (في أم العمد).
وهكذا جُوبهت بالأمر الواقع الذي لا بد من قبوله، فرفضي يعني أنني لا أنوي النضال أبداً وهذا لم يكن في نيتي، وفي اليوم المحدد للاجتماع ذهبت إلى بيت الرفيق حاكم في أم العمد،وهناك التقيت بالرفيق (مجلي نصراوين) لأول مرة الذي لم أكن أعرفه حتى حينه، وهناك واقعه ذات دلالة في سجن المزة في دمشق في حالة صفاء واستعادة ذكريات، قال الرفيق مجلي قولاً أثار ظنوناً كامنة قال: في الزمان الماضي بعد خروجكم من السجن (سجن الجفر) كلفتني القيادة القطرية في الأردن أن أكون عضو اتصال بك، لم أعقب على هذا الأمر واكتفيت بمعرفة هذه الحقيقة الهامة، لم أسأله إذاً لماذا لم يجر هذا الاتصال وكان يمكن أن يتم. ولو قام بهذه المهمة لما وصلت الأمور بيني وبين قيادة الحزب في الأردن إلى كل هذا التعقيد. وأتساءل هل جرى هذا الأمر لأن الرفيق مجلي أهمل في واجباته الحزبية؟ فأقول لا. حصل الرفيق مجلي على شهادة الحقوق من جامعة دمشق، وكان أثناء الدراسة يعمل معلماً في الساحل السوري، وبعد أن أنهى دراسته عين قاضياً للصلح في دير أبي سعيد والرفيق مجلي من البعثيين القلائل جداً الذين لم يدخلوا سجون المملكة الأردنية الهاشمية.
ففي الاجتماع الأول (للجنة تنظيم القطر) ترأس إجتماع ثلاثتنا الرفيق مجلي، الذي جدد مواقعنا نحن الثلاثة في هذه اللجنة، وهكذا يكون حزب 23 شباط في بدايته يتكون من: الرفيق مجلي والرفيق ضافي كقيادة ومن الرفيق حاكم كقاعدة جماهيرية،؟ وبعد أن تحدد لقاؤنا الثاني انتهى اجتماعنا هذا، وفي الموعد المحدد للاجتماع الثاني التقينا أيضاً في دار الرفيق حاكم في أم العمد، وحينما دخلت إلى غرفة الضيوف التي نلتقي بها وجدت الرفيق مجلي والرفيق حاكم، ومعهم ثالث فسلمت عليهم وجلست، وبعد أن قلت عرفوني على الرفيق الضيف، فأجابني الرفيق مجلي، أن هذا الرفيق هو (العقيد طيارة) الملحق العسكري في السفارة السورية في عمان، فسألت حينها ولماذا سيادة العقيد هنا؟ فقال الرفيق مجلي أنه جاء ليحضر اجتماعنا فقلت لا… إن الحزب ليس له علاقة بالملحقية العسكرية ولا بالسفارة السورية. حينها أستأذن سيادة العقيد وخرج. والعقيد طيارة الذي أصبح فيما بعد عميداً، كان رئيس الوفد السوري الذي التقى وفداً "إسرائيلياً" للتفاوض بعد حرب تشرين (التحريكية).
في هذا الاجتماع جرى حديث عام قصير عن مستقبل العمل، وكيف ندعو للاجتماعات وكان هذا اللقاء لثلاثتنا كلجنة (لتنظيم القطر هو آخر لقاء لنا)، حيث أن رفيقي غادرا الأردن إلى دمشق لحضور (المؤتمر القومي التاسع) الذي سينعقد لانتخاب قيادة قومية (لحزب 23 شباط) وبالتالي يعطي (حركة 23 شباط) الشرعية الحزبية التي لا بد منها -إذاً أريد للافتة البعث أن تبقى مرفوعة - في دمشق.







 
رد مع اقتباس
قديم 21-03-2010, 04:19 PM   رقم المشاركة : 24
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

وواضح أنهم في دمشق في عجلة من أمرهم. وقد غادرا دون أن يعلماني بذلك وواضح أن ترتيبات السفر وما يترتب عليها من قضايا أمنية ومادية قد تمت مع الملحقية العسكرية السورية، وقد تساءلت بيني وبين نفسي أن رفيقيّ كانا يعلمان بتوقيت انعقاد المؤتمر، ولم يطلعاني على ذلك لماذا؟ فإذا كان لهما الحق أن يكونا عضوين في المؤتمر، فطبيعي أن يكون لي مثل هذا الحق فلماذا لم أدعى للمؤتمر؟ إذاً تم كتم الأمر عني، ومن بعد تجاوزي، والقرار في هذا الأمر فلا بد أن يكون من جهة مسؤولة في دمشق !!
استندت إلى تصرفي مع الملحق العسكري، وتبيّن أن الجهات المسؤولة في حركة 23 شباط، لم تكن فقط في عجلة من أمرها للوصول إلى الشرعية الحزبية، ولكنها كانت حريصة أيضاً على نوعية المؤتمرين لتكون بالتالي شرعيتها مكتملة بالشكل والمضمون. ولذا كان التمثيل القومي هزيلاً في هذا المؤتمر، فالأردن مثلاً والذي في حينه كان الحزب قد أصدر بياناً يدين فيه حركة 23 شباط ويعتبرها حركة انقلابية ضد الشرعية الحزبية وأن الحزب في الأردن يتمسك بقيادته الشرعية، ونتيجة لهذا النشاط السياسي قامت السلطات الأردنية باعتقالات واسعة في صفوف الحزب طالت الأكثرية الساحقة من مُنتسبيه، ومن هنا كان الحزب قيادة وقواعد في سجون الاردن في نفس فترة وصول موفدو قيادة حركة 23 شباط، ولم يبق خارج المعتقلات إلا من كان غير منظم، أو الذين وجدت أجهزة الأمن مصلحة لها في عدم اعتقالهم.
ومن هنا تمثّل الأردن بالرفيقين حاكم الفايز، ومجلي نصراوين، هذا عدا التمثيل المزور من الأردنيين والفلسطينيين المقيمين في دمشق.
ولم يكن تمثيل الحزب في الأقطار العربية الأخرى بأفضل من ذلك، ومع هذا التمثيل الأردني الذي ذكرت فقد كان نصيب الحزب في القطر الأردني ثلاثة أعضاء في القيادة القومية هم الرفيقان حاكم الفايز، ومجلي نصراوين والرفيق محمود المعايطة الذي انتخب غيابياً وكان في حينها يعمل في الكويت وليس عضواً في تنظيم الحزب في الأردن، طبعاً هذا الواقع لم يأخذ مني أي نوع من الاهتمام، بل زادني فهماً وقناعة بطبيعة الواقع في دمشق.
وكان يهمني وقد تهيأت لي الفرصة التي لم أسع إليها، أن أعمل جاداً، وألملم شتات حزب البعث العربي الاشتراكي، وأحاول جاهداً بناءه إلى أقرب ما يكون البعث شكلاً ونهجاً نضالياً.
عاد الرفيق مجلي بعد انتهاء المؤتمر، وطبعاً لم يتحدث إلي عن المؤتمر وما جرى فيه ولا حتى عن نتائجه، عاد وتسلم مسؤوليته كأمين سر لجنة تنظيم القطر، وكانت قد ضمت القيادة المسؤولة في دمشق الرفيق هاجم الهنداوي كعضو في لجنة تنظيم القطر. فاجتمعنا نحن الثلاثة اجتماعاً واحد أيضاً، غادر بعدها الرفيق مجلي الأردن كعضو متفرغ في القيادة القومية في دمشق وهكذا أصبحت في مواجهة مباشرة مع المهمة الصعبة: مسؤولية بناء حزب في واقع يسكن فيه الحزب منفردات محمد رسول الكيلاني مدير المخابرات في الأردن، ومعتقلات وسجون الأردن، وليس هذا فقط… فهذا الحزب كأفراد يقف موقف العداء الشديد لحركة الثالث والعشرين من شباط التي أعمل في صفوفها، وهنا لا بد من التنويه بالصفات الأخلاقية والمسلكية التي كان الحزب يحرص على وجوها في منتسبيه. لقد كان لهذه الصفات الدور الأساسي في تمسك البعثيين بالتزامهم برفض الأسلوب الذي قامت عليه حركة الثالث والعشرين من شباط فلم أترك حزبياً أعرفه أو يشار عليّ بالاتصال به، إلا والتقيته وتحدثت إليه وكانت حجتي التي كنت دوماً أطرحها على كل من التقيته، أن الحزب ليس ملكاً لأحد ولكنه ملكاً لمبادئه وأهدافه، وبهذا لن يكون إلا لنفسه والحزب وحده من خلال فكره ونهجه السياسي، ونظريته التنظيمية ونظامه الداخلي من خلال مؤتمراته القطرية وقياداته المنبثقة عنها، هو الذي يتخذ الموقف النظري والعملي الذي يتفق مع كل ذلك. ومع ذلك فقد كان كسبي منهم ضعيفاً والكسب (إذا كان ذلك يعتبر كسباً)، هم من كانت القيادة القومية في دمشق تعيّنهم أعضاء في لجنة تنظيم القطر، وإن كان بوسائلها الخاصة أو بتنسيب من الرفاق الأردنيين الأعضاء في القيادة القومية.
في أواخر عام 1966 التحق الرفيق محمود المعايطة بنا في الأردن بعد أن طردت حكومة الكويت كل البعثيين المعروفين لها ، بعد حركة الثالث والعشرين من شباط في سورية. وعين بعد وصوله إلى الأردن عضواً في لجنة تنظيم القطرالتي كنت أميناً لها. وكان الرفيق محمود عضواً في القيادة القومية،انتخب في مؤتمرها القومي التاسع وأنا لم أكن عضواً في هذا المؤتمر المذكور ولا في القيادة التي انبثقت عنه، وهذا الأمر لم يكن سوياً، ولقد ذكرت أن كسبي من كادر الحزب (حزب البعث العربي الاشتراكي) كان ضعيفاً. لماذا؟ فعدا عن الأسباب التي ذكرتها في السابق، فهناك أسباب موضوعية أخرى،منها : 1- أن حزب البعث العربي الاشتراكي يتكون كادره التنظيمي، رئيسياً من الأطباء والصيادلة والمحامين والمهندسين والقضاة والمعلمين وبعض الموظفين والطلبة، وقلة من بين صفوفه من العمال، 2- أن الحزب في الأردن لا يعرف الحقيقة عن أحداث 1957 في الأردن، عام إقالة الملك حسين لحكومة الأستاذ سليمان النابلسي (رحمه الله) في العاشر من نيسيان لنفس العام المذكور، ولا دور القيادة القطرية والقومية للحزب في هذه الأحداث. 3- إن ولاء الأحزاب لقياداتها ولاء تقليدي لا يضعف إلا بتكرار الأخطاء والنكسات مثلها في ذلك مثل الأنظمة، وخاصة إن كانت أكثرية الكادر الحزبي من شريحة اجتماعية معينة.
بالتأكيد أن علاقتي بقيادة الحزب في الأردن قد عُممت على الحزب بطريقة بعيدة عن الحقيقة، وهنا لا بد أن أذكر لقاءاً متميزاً جرى بيني وبين ثلاثة أو أربعة من الرفاق الحزبيين الذين كانوا قد خرجوا لتوهم من السجون في الأردن، وكانوا كلهم معلمين بينهم محمد فارس الطراونة (النائب والوزير فيما بعد)، وكانوا جميعهم من منطقة المزار في محافظة الكرك، وكان للحزب انتشار واسع في تلك المنطقة، وكنت حريصاً على كسبهم لصف الحزب الذي نبنيه وأخص بالذكر منهم محمد فارس لموقفه الباسل أثناء التحقيق معهم في آخر اعتقالات جرت بعد بيان القيادة ضد حركة الثالث والعشرين من شباط، وقد أمضيت معهم ساعات طويلة شرحت لهم فهمي الذي ذكرت حول ما هو الحزب ولمن هو.وأجريت معهم حواراً حول كل ما له صلة بحركة 23 شباط ومبرراتها ومسبباتها، ومع قناعتهم أنني أتحدث معهم بصدق وموضوعية، إلا أنه عز عليهم التفريط بالتزامهم تماماً كما يعز على أي إنسان من عشيرة التفريط بالتزامه بعشيرته، وهذه لم تكن صفة سلبية، بل هي صفة حميدة في واقع المجتمع الأردني في حينه. ومع كل الصعاب التي واجهتنا إلا أننا استمرينا
بالنضال والمثابرة لكسب أعضاء لجانبنا في الحزب.

بناء الحزب في الأردن :

لقد بينت الصعوبات التي واجهتها في إعادة بناء الحزب في الأردن، وذكرتها ولكن لكل واقع مكوناته، وأنت تستطيع أن تنجح، إذا ما تمكنت من إضعاف سلبيات هذا التكوين بفعل يقنع الناس والأهم الحزبيين المترددين خاصة، وقد طرأت على الواقع الحزبي عوامل جديدة بعد أن هدأت موجة الانفعال وخرج الحزبيون من السجون من هذه العوامل: 1- النتائج الحزبية التي نتجت عن الاعتقالات الواسعة في صفوف الحزب وتبين من خلال هذه الاعتقالات أن الحزب كان مخترقاً في أكثر من موقع من القيادة حتى القاعدة 2- الموقف شبه الجماعي الذي وقفته قيادته القطرية أثناء التحقيق أو أثناء المساومات التي كانت تجري ثمناً للخروج من السجن، وقد وقف أعضاء هذه القيادة واحداً تلو الآخر أمام مذياع إذاعة عمان الأمر الذي لم يكن مسبوقاً في تاريخ الحزب فمبدأ الوقوف من قائد سياسي بإرادته أمام مذياع المملكة الأردنية الهاشمية أمر يثير الأسى. لأنه ماذا سيقول هذا القائد السياسي البعثي؟ سوى ما هو مقرر له أن يقوله من قبل مخابرات (أبو رسول).
3- إن الانشقاق في أي حزب يضعف طاقات هذا الحزب وفعله. على الأقل زمنياً (لكنه أيضاً يمكن أن يكون ولادة جديدة) فإذا تمكن أحد شقي هذا الحزب من إثبات أنه موجود بفعل بيّن وقدرات ملموسة. نجعل الناس الذين يتمثلون مبادئ هذا الحزب إن كانوا من وسط الناس أو من وسط منتسبي هذا الحزب يشعرون بفعله، ويكون طريق النهوض أمامه قد انفتح. وقد ساعد حزبنا الذي كنا نبنيه أنا ورفاقي إضافة إلى ما ذكرت، أن هناك قطراً عربياً مجاوراً يستند إليه الحزب في ذلك الحين، بينما الشق الثاني من الحزب أصيب بضربتين، أولهما النتائج التي ترتبت على الاعتقالات وإفرازات هذه النتائج، وثانيهما أنه قد فقد السند الذي كان يتوفر لنا بعد إنقلاب 23 شباط .
4- نتيجة لواقع حزبنا الملموس في الساحة السياسية في الأردن بعد هزيمة عام 1967 التي جاءت بعد حركة الثالث والعشرين من شباط بعام وثلاثة أشهر. مثل حزب البعث العربي الاشتراكي في التجمع الوطني الذي تكون بعد الهزيمة.
5- العلاقة الإيجابية بين حركة (فتح) حركة التحرير الوطني الفلسطيني التي أصبحت متواجدة على الساحة الأردنية في حينه هذه العلاقة التي كانت تستند إلى علاقة (فتح ) بحركة الثالث والعشرين من شباط هذه العوامل ساعدت على التسارع في إعادة بناء الحزب قبل أن يستند (شق القيادة التاريخية) من الحزب إلى القطر العراقي بعد انقلاب 17-30 تموز عام 1968 الذي استعاد من خلاله الحزب السلطة في العراق، وكنا حينها قد قطعنا شوطاً هاماً على الساحتين الأردنية الفلسطينية ولقد كانت خطتنا التي اعتمدناها أنا ورفاقي في إعادة بناء الحزب هي الانتشار أفقياً على أوسع مساحة ممكنة لكسب أكبر عدد من منتسبي حزب البعث العربي الاشتراكي وخاصة من كادره المتقدم الذين لهم مصلحة في النضال وذلك كي يتواجد في كل موقع مهم شخصية حزبية ذات تجربة، ولأنه بدون ذلك يعني البداية من الصفر، وهذا الأمر عدا عن كونه عسير التحقيق في ظل واقع أجهزة الأمن المكتملة في الأردن قبل الهزيمة، فهو يعني تكريس الانشقاق في الحزب كهدف. وهذا الأمر يتناقض وقناعتي، فأنا لا أريد تكريس الانشقاق في الحزب بل إعادة بنائه على أسس جديدة، وكنت اعتبر أن تنظيم الحزب الذي قادته قيادته إلى الدمار قد انتهى كتنظيم وليس كأفراد بعثيين من هذا الفهم كان علينا بناء الحزب. فالحزب موجود وما علينا إلا أن نعيد بنائه على أسس تنظيمية ونضالية أبرز مكوناتها واقع ما بعد هزيمة حزيران.

المؤتمر التأسيسي للتنظيم الفلسطيني الموحد :

لقد انعقد هذا المؤتمر بإرادة الحزب والدولة في سوريه، حينما أفضت إستراتيجية الحزب أن تصبح (قوات الصاعقة) الجناح المسلح لحزب البعث العربي الاشتراكي جزءاً من العمل الفلسطيني المقاوم، وقد هيأت القيادة في دمشق لهذا المؤتمر مستلزمات تكوينه، حينما ضمّت قبل أشهر فرع فلسطين في دمشق إلى تنظيم الحزب في الأردن. وقد كان دوماً فرعاً مستقلاً يتبع القيادة القومية مباشرة ولا أقول في منتسبي هذا الفرع ما هو ليس فيهم (والأصح في النسبة الأكبر) فإذا كان الوعاء الأكبر وهو الحزب في سوريه لا يشكل حزباً (موحد التفكير موحد السلوك مكوّن نضالياً مؤمن بأهدافه) فكيف بفرع امتهن غالبية منتسبيه سلوك الانتهاز والولاء الغير ثابت لمراكز القوى‍‍‍‍‍‍‍‍؟وضمت القيادة كذلك إلى هذا التكوين جنبها(منظمة الحزب في الكويت).طبعاً لم يكن لنا نحن قيادة الحزب في الأردن رأي حول طبيعة هذا التكوين، وكذلك الاسم الذي أطلق عليه ولو كان لنا رأي لاقترحنا أن يكون الاسم (التنظيم الموحد) لحزب البعث العربي الاشتراكي في الأردن، ولتفادينا إبراز القطرية وإضفاء قطرية الفلسطينيين على الأردنيين، ولكن يظهر أن المتنفذين في القيادة كانوا يزاودون على فتح في القطرية الفلسطينية.
إنعقد المؤتمر وانتخب الرفيق محمود المعايطة رئيساً له وضافي الجمعاني نائباً لرئيس المؤتمر. وكان يجب أن ينتخب أحد الرفاق الفلسطينيين نائباً لرئيس المؤتمر.
تعيين قيادة قطرية مؤقتة للحزب في الأردن :

بعد حركة 23 شباط عام 1966 وحتى منتصف 1967، كان الحزب في الأردن تقوده لجنة تنظيم القطر، وبعد هزيمة حزيران عام 1967، رأت القيادة القومية في دمشق أن الحزب أصبح في واقع يفرض أن تقوده قيادة مكتملة، وضمن هذا التصور، عينت القيادة القومية في دمشق الرفاق التالية أسماؤهم أعضاء في القيادة القطرية المؤقتة: وهم ضافي الجمعاني، محمود المعايطة، هاجم الهنداوي، يوسف قطناني، زهير محسن، فواز الصباغ، يوسف البرجي، أحمد عقل، أحمد اليماني، أحمد النجداوي، إبراهيم البرغوثي. ومن ثم استدعينا إلى دمشق والتقينا هناك الرفيق الدكتور نور الدين الأتاسي الأمين العام للحزب ورئيس الدولة في حينه وكذلك الأمين العام المساعد اللواء صلاح جديد، وبعد ذلك دعانا الرفيق كامل حسين رئيس مكتب التنظيم القومي في القيادة القومية إلى الاجتماع برئاسته، نحن أعضاء القيادة القطرية المؤقتة، ودعانا إلى انتخاب أمين سر قيادة قطر الأردن، وقد ترشح لهذا الموقع القيادي كل من الرفيق ضافي الجمعاني ومحمود المعايطة، وبعد فرز الأصوات تبين أن هزيمة (أبو ساهر) كانت كبيرة. وهنا لا بد من ذكر حقيقة وهي لم ترد إلى ذهني في حينها أن محمود يسعى إلى هذا الموقع، وكان أمراً طبيعياً أن يسعى إليه فهو أولاً عضو في المؤتمر وعضو في القيادة القومية، ولم أكن عضواً في أي من الموقعين. والأمر السوي أن يكون هو أميناً لسر قيادة القطر في الأردن، والأمر غير المفهوم لي هو لماذا لم تصحح القيادة القومية هذا الأمر؟ وقد تكررت عملية التنافس هذه ثلاثة مرات. وقد يسأل سائل ما هو الأمر الذي كان يمنعني من التخلي عن موقعي لمحمود؟ قد يقول قائل إن هذا أمر طبيعي في النفس الإنسانية، وهذا صحيح. ولكن أقول هذا لم يكن السبب، فمحمود صديق وصداقتي له حميمة (حتى بعد أن خرجت من سجن المزة، وأطلعتُ على الماضي بشكل أدق، وحتى بعد أن كتب وحاضر، وابتلع كثيراً من الحقائق المفصلية في تاريخ الحركة الوطنية في الجيش). لقد عملت في معيّته حزبياً وعسكريا، وأنا لا أشعر في أمرته بأنني مرؤوس له، أو تقل إمكاناتي في صنع القرار وقد كنت دوماً أجعله يتقدمّني في أي حفل سياسي واجتماعي، مع أنني المسؤول الأول في الحزب الذي ننتمي إليه معاً، وفي مرحلة لاحقة بعد أن أنتخِبتُ عضواً في القيادة القومية في المؤتمر القومي العاشر. وتوليت بعد ذلك مسؤولية مكتب العمل الفدائي في القيادة القومية، وقررت بعد فترة التنحي لأسباب عديدة، وأن أتخلى عن التفرغ في دمشق وأعود لأتولى مسؤوليتي الحزبية في الأردن، أصرّيتُ أن يتولى هنا المكتب (الرفيق أبو ساهر) وهو موقع يجعلني والحزب وقوات الصاعقة في الأردن مسؤولين أمامه. إن الأمر الذي منعني من التخلي عن موقعي لمحمود (هي تجربة الأردن عام 1957 فمحمود لا يبادر، ومواقع التأثير عليه متعددة ومتنوعة).
الأردن بعد تراجع مد البعث :

أن الطبيعة الثابتة للسياسة في الواقع العربي ممثلةً (بالأنظمة العربية) منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وثم (سايكس-بيكو) ومن ثم مرحلة الاستقلال الوطني، هو عدم التلاقي وعدم التعاون (ذو الطبيعة الدائمة والتي ميزتها، المحورة السياسية ذات الطبيعة المرحلية)، ومن هنا فكل مظهر في الواقع العربي سواء أكان بين قطرين أو أكثر، فهو في حقيقته مظهر غير ثابت إن كان استقراراً أو اضطراباً، وهي حالة هدفها الأساسي منع أي تطور إيجابي في الواقع العربي، يكون في النتيجة خطوة إلى الأمام تقوي هذا الواقع، (والبرهان الأثبت هو حال الجامعة العربية وما آلت إليه بعد نصف قرن من تأسيسها)، والأردن هو أحد الأنظمة الهامة في هذه الاستراتيجية الغربية. فالأردن مثله مثل مشيخات الخليج تجري كل التغيرات من حوله ونظامه ثابت لأنه يتمتع بقرار استراتيجي (من القوى المضادة لطموح العرب) من أجل أن يلعب دوره في التخريب والمحورة وتثبيت التجزئة. إلى أن تصل الأمور التي من أجلها خلق هذا الكيان وهو استيعاب الفلسطينيين المشردين والمهجرين من فلسطين حينما تسوى قضية فلسطين حسب الرؤيا الغربية الصهيونية.
إن العقل الذي أوجد هذا الكيان، هو عقل عليم في كيفية تخريب وحدة الأرض والشعب، فالأردن شكل (Pivot) تجمع عليه وتنطلق منه، السياسة الخاصة بفلسطين وهو كحقيقة استراتيجية (وتد) في حلق المشرق العربي. ومن هنا فقد لعب الأردن أبرز الأدوار ذات النتائج الخطيرة على مستقبل إنسان هذه المنطقة العربية، أدواراً لا تتناسب وواقع الأردن وإمكاناته المتواضعة وقلائل من المفكرين والسياسيين العرب الذين يعرفون حجم الأذى الذي ألحقه هذا الكيان بالقضية القومية وركيزتها الأساس فلسطين، ويدلّك على ذلك حجم الرعاية التي يتمتع بها هذا النظام دولياً وإقليمياً، موقف قادة حزب البعث العربي الاشتراكي القطرية والقومية منه حين ارتد الملك حسين على الديمقراطية في الأردن عام 1957، وكذلك موقف الرئيس عبد الناصر المشابه تماماً لموقف البعث في هذا الأمر، والأخ أبو عمار من حيث قفزه عن تاريخ المنطقة الحضاري والثقافي وحتى العرقي ليجعل من الأردنيين أمة أردنية والفلسطينيون أمة فلسطينية. وبعد ذلك يجعل من الصهاينة عبرانيين من أجل ماذا؟ من أجل أن تصبح (كل شاه معلقة بعرقوبها)، ولا صلة لأحد بأحد، لتسهيل تنفيذ المخطط، ومن أجل وضع النظام في الأردن خارج الرؤيا والمعرفة بمهماته، وهكذا لعب النظام دوره في تحديد مسار النضال الفلسطيني وخياراته عبر المسار الوحيد الذي يسير عليه الآن.
العاصفة فوق الأرض السورية :

العاصفة هي الجناح العسكري لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح). إنني لا أكتب تاريخاً فهناك من أهم أكفأ مني وأعرف (بفتح) وبالمقاومة، ولكنني أكتب ذكريات مرحلة عايشتها معايشة معاناة استهدافت العرب وأرضهم، وأضع رأيي الشخصي وتحليلي الذاتي المبني على الصدق والتماس المباشر بالأحداث.
انطلقت المقاومة الفلسطينية في كانون ثاني عام 1965، وأثبتت انطلاقتها في ذلك التاريخ من خلال البيان العسكري الذي أعلنته العاصفة للعالم، وكان قد سبق هذا الإعلان عملية تنظيمية في كل أماكن تواجد الشعب الفلسطيني في الأقطار المحيطة بفلسطين وفي الشتات، وقد إتخذت قيادة (فتح) دمشق مقراً لها ومركزاً رئيسياً لنشاطها تدريباً وتسليحاً وإعلاماً، ومن هنا من دمشق أعلنت العاصفة بيانها الأول، هذا التواجد وهذا النشاط كانا من بين الأسباب الرئيسية للخلاف في القيادة السورية، والذي حسم لصالح من قادوا حركة الثالث والعشرين من شباط. لقد كان الرئيس أمين الحافظ ضد هذا النشاط وخاصة النشاط العسكري، ويعتبره نشاطاً خطراً وسابق لأوانه، وسورية غير مستعدة الاستعداد الكافي لمواجهة النتائج الخطيرة التي تترتب عليه، إلا أن أشخاصاً ذوي تأثير في القيادة العسكرية السورية ظهر فيهم اللواء أحمد سويداني مدير الاستخبارات العسكرية في حينه، والرائد محمد إبراهيم العلي عضو المكتب العسكري الذي كان يعتبر نفسه (من مؤسسي العاصفة)، كانوا يؤيدون العاصفة. أن هاتين الشخصيتين ما كانتا تقولان بذلك التوجه الاستراتيجي (الكبير والخطير) لو أنهما لم تكونا تستندان إلى قوة أساسية قادرة على حمايتها في القيادة السورية. فمنذ البيان الأول للعاصفة في دمشق، والعاصفة تملأ مساحة واسعة من الإعلام العالمي خاصة الغربي والعربي التابع له، هذا الإعلام الذي إذا ما حدد أهدافه ووضع مخططه موضع التنفيذ، يبدأ قصفاً إعلامياً شديداً، وشديد التضليل على هذه المساحة الواسعة من الواقع العربي والعالمي أقوالاً ورداً على الأقوال، أفعالاً وردود أفعال، أفكاراً وتحليلات أفكار باحثون كلهم يعملون للترويج للحدث ويوجّهون ويستهدفون، وكلها تنصب على انطلاقة العاصفة من أجل (تحرير فلسطين)!وكل الأقوال والأفكار والبحوث والتحليلات والأفعال وردود الأفعال كلها تزول مع الأثير الذي بثه ليتجسّد كل ذلك في العاصفة، لتصبح ملء السمع والبصر، والأمل لهذا الإنسان العربي وخاصة الفلسطيني الساعي لامتلاك ناصية قضيته، التي تاهت بين أيادي المتسلقين، بأداة تمكّنه من الدفاع عنها وعنه.
بعد عام ونيف من إنطلاقة العاصفة، قامت حركة الثالث والعشرين من شباط وبهذا التغيير في سوريه، سار الخط الاستراتيجي الذي تسير عليه حركة التحرير الوطني (فتح) خطوة إلى الأمام، وأصبحت حركتها ونشاطها أكثر أمناً، والخطوة الأهم التي حققتها حركة الثالث والعشرين من شباط، كانت على صعيد العلاقات المصرية السورية، فالرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان لا يستطيع التعامل مع الرئيس السوري في حينه الفريق أمين الحافظ وتجربته مع الأستاذ ميشيل عفلق الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي،كانت - حسب رأيه - ثمارها مرة، وكان يعتبر هاتين الشخصيتين عقبة في علاقة جدية بين مصر وسوريه، وكان الرئيس الراحل يؤخذ بالظواهر وبالسلوك الذاتي تجاهه (دعك من المشيرين والمغرضين)، فلما قامت حركة الثالث والعشرين من شباط اعتبرها خطوة إيجابية في علاقات مصر وسورية، وقد سأله أحدهم عن رأيه في هذه الحركة فأجاب: راقبوا الإعلام الغربي، إن كان راضياً أو ساخطاً، فإن كان ساخطاً فهي ضد مصالحه، وهكذا أزال الواقع الجديد في سوريه عقبتين عن الطريق إلى الهدف أولهما أن حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) أصبحت آمنة وقادرة على التحرك، وصار هناك تناغم في وجهات النظر بين حركة (فتح) وقيادة 23 شباط، وأصبحت مقولة حرب التحرير الشعبية أكثر تداولاً وأصبح إنشاء التنظيمات الفدائية ومن بينها الصاعقة أمراً مسموحاً به، أما العقبة الأهم التي أزالتها حركة 23 شباط فهي تمهيد الطريق أمام علاقات حميمة بين سورية - ومصر أيقظت في نفس الرئيس عبد الناصر حنيناً أصابه فقدانه إصابة بالغة نفسياً وجسمانياً - (وكان هذا هو الطعم الذي بلعه) يرحمه الله.
لقد كان الرئيس عبد الناصر يفتقر افتقاراً شديداً إلى نصائح العارفين بالشؤون العربية، الصادقين بالنصيحة، صحيح أن المرحلة لم تكن قد بلورت هذا الفهم وأوجدت شخصيات مطلعة إطلاعاً عميقاً على تكوين الواقع العربي إن كان واقعاً قطرياً أو واقعاً عاماً، فالمتتبع لمسار الرئيس عبد الناصر في السلطة، وفي النهج يلاحظ أن الشخصيات القوية والقادرة في القيادة المصرية، كانت دوماً تدفع إلى الابتعاد عنه، الأمر الذي جعل السادات وريثاً شرعياً حين غاب الرئيس بسبب الوفاة في 28 ايلول 1970. هل كان هذا صدفة أم فرضاً أما ماذا؟ والعامل المهم، أن مصر لها تطور تاريخي خاص بها وهو مختلف عن بقية أقطار الوطن العربي.
فمنذ انتهاء الحروب الصليبية غاب عامل التفاعل مع المحيط المبني على عقيدة مشتركة ومصالح مشتركة، أهمها العدو المشترك، وخاصة بين مصر وبلاد الشام، فالإسلام هو جوهر العروبة فهو الذي أحياها وأبقاها في كل مواقعها الحالية خارج الجزيرة العربية عنصراً وتراثاً وثقافة. فبعد نشوء الدولة القوية في عهد محمد علي، أصبح العامل الذي يقود خطوات مصر خارج حدودها هو عامل الدولة القوية، التي تبحث عن مجال حيوي في محيطها، وبقي هذا الفهم هو السائد في البناء القومي للدولة، وبين المثقفين حتى في عهد الرئيس عبد الناصر، هذا التعامل جعل إستراتيجية مصر العربية أقرب إلى التكتيك والمناورة السياسية منها إلى الاستراتيجية الثابتة المبنية على معرفة الواقع، والتصرف على ضوء هذا المعرفة بهدي (الأيدلوجية) المتبناة، وهي (أيدلوجية) القومية العربية. حيث كانت المسافة الزمنية بين 23 شباط وهزيمة حزيران عام وأقل من ثلاثة أشهر.
لم تكن هزيمة حزيران هزيمة حرب بين قوتين، فالتاريخ في مساره العام حتى الحرب العالمية الثانية هو نتاج المعارك نصراً أو هزيمة، وكم من منتصرين فقدوا مواقعهم القيادية وواقع العالم الحالي أثبت دليل على ذلك، ولكن هزيمة حزيران مؤامرة أطلسية صهيونية ومن يلوذ بهم من الحكام العرب، مؤامرة نكراء وهي استمرار لحلقات التآمر التي بدأت مع النهوض الصناعي الأوروبي والتكون الجنيني للصهيونية الذي أسفر عن صدور وعد (بلفور) المشؤوم... إلى أن وصلت في يقين منفذيها إلى حلقة من حلقاتها الفاصلة، والتي تمثلت في هزيمة حزيران عام 1967.
إن فرية اللاسامية غير صحيحة لا واقعياً ولا علمياً، وإن أساس العداء (اليهودي الأوروبي) لم يكن لأسباب عنصرية، فاليهود الأوروبيين شرقاً وغرباً، لم يكونوا ساميين، ولكن العداء هو بسبب التشابه حد التناقض في الخلق والسلوك والنظرة إلى الحياة، فكلاهما مرابٍ ومرائً مادي النظرة، يرتكب كل المحرمات من أجل مصالحة.
إن الحضارة الغربية بعد المسيح نبتت في تربة العهد القديم وليس لها صلة بتراث المسيح إلا المظهر الشكلي، ومن هنا فالصهيونية التي ولدت من رحم الحضارة الغربية هي ومسيحية الغرب، وجهان لعملة حضارية واحدة، وإلا ما معنى أن يعلن تشرشل (أعني المستعمرين) أنه الصهيوني رقم (1)؟؟ وبعده جونسون، وبوش ، وتاتشر، وميجور ، ومتيران… (والقائمة تطول)… وما معنى أن يضع الغرب نفسه في خندق الصهيونية ضد العرب، بل والأدهى من
ذلك، أنه هو الحامي لهذا الخندق ، هذه هي اللاسامية‍‍‍‍‍‍‍‍ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍، أننا نقول هذا القول الصحيح عن المتآمرين الأعداء. فماذا نقول ، بحق أبناء جلدتنا العرب الذين يحكموننا؟ الذين دخلوا ويدخلون حتى اليوم في صلب المؤامرة على وطنهم وشعبهم وأمتهم وتراثها، والذين لولاهم لما كانت هناك مؤامرة؟ فحيثما يكون هناك غزو يكون هناك احتلال، ولكن ليس مؤامرة لأنه يستحيل على المؤامرة أن تنجح لو لم يكونوا هم لحمتها. إن اللغة العربية الغنية بالمفردات، والقادرة على النعت والوصف ليس بها ما يطابق حقيقتهم، يقول البعض إنهم (ملوك الطوائف)، كلا إن ملوك الطوائف حالة مختلفة جذرياً، فملوك الطوائف هم نتاج حالة مختلفه جذرياً ، فملوك الطوائف هم محصلة غزو وفتح لأرض ليست أرضهم، وحكموا شعباً ليس شعبهم، أخذ هذا الفتح مداه الزمني (سلطة وحضارة)، ثم انهار لأسباب عديدة أهمها مقاومة شعب هذا الأرض لهذا الاحتلال. أما هؤلاء الحكام فلا ينطبق عليهم موضوعياً إلا أنهم إفراز عصور الانحطاط، التي خيمت على هذه الأمة قرابة سبعة قرون، والتي لو لم تكن أمة حيّة جذورها وأعمق من أن تجتث لاندثرت كما اندثر غيرها من الأمم.







 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 

اشترك في مجموعة أقلام البريدية
البريد الإلكتروني:
الساعة الآن 06:01 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط