|
|
|
|||||||
| المنتدى الإسلامي هنا نناقش قضايا العصر في منظور الشرع ونحاول تكوين مرجع ديني للمهتمين.. |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||||
|
وبهذه المناسبة فإنا نذكر قصة اغتصاب السلطة لأول مرة في الإسلام، تلك الجريمة التي ما بعدها جريمة، والتي كانت أفظع جريمة حلّت بالإسلام، ونُكب بها المسلمون، وهزّت الإسلام هزة بالغة العنف، ودمّرت نظام الحكم في الإسلام تدميراً كاد لا يُبقي له المِسحة الإسلامية، وحوّلته إلى ما يشبه النظام الملكي، القائم على الوراثة، فتحولت به الخلافة حقاً إلى ملك عضوض، كما ورد في الحديث، تلك الجريمة التي ارتكبها معاوية لابنه يزيد، وارتكبها يزيد حين تسلم الحكم بالفعل، وقد بدأت محاولة ارتكابها في السنة الخمسين من الهجرة، وبدأ ارتكابها بالفعل سنة إحدى وخمسين من الهجرة، أي ارتكبت ولم يمض على وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى أربعين عاماً. وإنما نذكر قصة هذا الاغتصاب للسلطة لنرى كيف كان موقف الصحابة منه، فإن ذلك قد يزيدنا ثقة بالرأي، ويُجلي لنا الوقائع، فإن تصرف الصحابة وفعلهم تأنس به النفوس، لأنهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هم خير المسلمين على الإطلاق، وهم الذين نقلوا إلينا هذا الدين. وقصة اغتصاب السلطة لأول مرة في الإسلام، هي قصة أخذ معاوية البيعة لابنه يزيد بالقوة، وأخذ يزيد السلطة والبيعة بالقوة. وأول من حض على هذه ارتكاب الجريمة أشار بهذا الفعل هو المغيرة بن شعبة . فإنه لما استقامت الأمور لمعاوية استعمل على الكوفة المغيرة بن شعبة، ثم هم أن يعزله، ويولي سعيد بن العاص،فلما لغ ذلك المغيرة،قدم الشام على معاوية. فقال: يا أمير المؤمنين،قد علمت ما لقيت هذه الأمة من الفتنة والاختلاف، وفي عنقك الموت، وأنا أخاف إن حدث بك حدث أن يقع الناس في مثل ما وقعوا فيه بعد قتل عثمان، فاجعل للناس بعدك علما يفزعون إليه، واجعل ذلك يزيد ابنك، فراقت هذه الفكرة معاوية، وبد له أن يأخذ بما أشار عليه المغيرة. ولما قالت له زوجته(فاختة بنت قرط) حين بلغها ذلك: لما قالت له:إن ما أشار به عليك المغيرة أراد أن يجعل لك عدوا من نفسك، يتمنى هلاكك كل يوم، شق عليه أن يسمع هذا الكلام، ولم يعبأ به ، ومضى يهيئ الناس لإعلان ذلك عليهم، وأخذ البيعة ليزيد، وقد بدأ ذلك بتدبير خفي، فقد دعا الضحاك بم قيس الفهري، فقال له: إذا جلست على المنبر وفرغت من بعض موعظتي وكلامي، فاستأذني للقيام، فإذا أذنت لك، فاحمد الله تعالى، واذكر يزيد، وقل فيه الذي يحق له عليك، من حسن الثناء عليه، ثم ادعني إلى توليته من بعدي، فإني قد رأيت وأجمعت على توليته. ثم دعا عبد الرحمن بن عبد الرحمن الثقفي، وعبد الله بن مسعدة الفزاري، وثور بن معن السلمي، وعبد الله بن عاصم الأشعري، فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحاك وأن يصدقوا قوله ويدعوه إلى بيعة يزيد، وكان في ذلك الوقت قد اجتمعت عند معاوية وفود الأمصار في دمشق، وفيهم وفود العراق، وعلى رأسهم الأحنف بن قيس. فلما جلس معاوية على المنبر، وفرغ من بعض موعظته، والجمع الحاشد منصت، قام الضحاك بن قيس فنفذ ما أمر به،ثم قام كل من عبد الرحمن بن عثمان، وعبد الله بن مسعدة ،وثور بن معن وعبد الله بن عصام، فنفذوا ما أمروا به،وقال كل ما طلب منه، فقال معاوية أوكلكم قد أجمع رأيه على ما ذكرنا؟ فقالوا كلنا قد أجمع رأيه على ما ذكرنا. فقال : أين الأحنف؟ فأجابه، قال: ألا تتكلم؟ فقام الأحنف فخطب، ومما قاله " فاعرف من تسند إليه الأمر من بعدك، ثم اعص أمر من يأمرك، لا يغررك من يشير عليك، ولا ينظر لك، وأنت انظر للجماعة،واعلم باستقامة الطاعة، مع أن أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيا" حينئذ غضب الضحاك فقام الثانية يخطب فهاجم الأحنف، وهاجم أهل العراق، مهاجمة عنيفة ثم جلس، فقام الأحنف الثانية يرد على معاوية بأعنف مما هوجم به، ومما قاله: " وقد علمت أنك لم تفتح العراق عنوة، ولم تظهر عليه قصعا، ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد علمت، ليكون له الأمر من بعدك، فإن تف فأنت أهل الوفاء، وإن تغدر تعلم، والله إن وراء الحسن خيولا جيادا، وأذرعا شدادا، وسيوفا حدادا، إن تدن له شبرا من غدر، تجد وراءه باعا من نصر، وإنك تعلم أن أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك، ولا أبغضوا عليا وحسنا منذ أحبوهما، وما نزل عليهم في ذلك غير من السماء، وإن السيوف التي شهروها عليك يوم صفين لعلى عواتقهم، والقلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم، وأيم الله إن الحسن لأحب إلى أهل العراق من علي"، فقام معاوية فخطب ورد على الأحنف ولكن ليس ردا مباشرا،بل وصف أوصاف من يريدون الفتنة والعيابين المرتابين، ولمح إلى تحذيرهم، ولكنه لم يشر إلى الأحنف، ولا إلى ما قال، واكتفى بأوصاف عمومية من بعيد، وقام الأحنف وخطب ومما قاله:"واعلم انه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين وانت تعلم من هما، وإلى ما هما" فكانت هذه هي الجولة الأولى في هذه المحاولة، فلما شاهد موقف الأحنف الصلب ، وكان يعني موقف أهل العراق، استخار الله، وأعرض عن ذكر البيعة ليزيد. وفي سنة 50 هجرية قدم المدينة فتلقاه الناس، فلما استقر في منزله، أرسل إلى العبادلة الأربعة: عبد الله بن عباس، وعبد الله ابن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير،وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس، حتى يخرج هؤلاء النفر، فلما جلسوا تكلم معاوية ومما قاله: " فإني قد كبر سني، ووهن عظمي، وقرب أجلي، وأوشكت أن أدعى فأجيب، وقد رأيت أن استخلف عليكم بعدي يزيد، ورأيته لكم رضا، وأنتم عبادلة قريش وخيارها،وأبناء أخيارها، ولم يمنعني أن أحضر حسنا وحسينا إلا أنهما أولاد أبيهما علي، على حسن رأيي فيهما، وشديد محبتي لهما، فردوا على أمير المؤمنين خيرا رحمكم الله"، فتكلم بعده الأربع كل بعد الآخر ورفضوا جميعا طلبه، أما ابن عباس فقد تهرب من الجواب الصريح، وترك كلامه يعطي الرفض، وأما الثلاثة الآخرون فأجابوه بالرفض صراحة، وبكل جرأة،مما قاله ابن عباس:" فإنك قد تكلمت فأنصتنا، وقلت فسمعنا،وإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه اختار محمدا صلى الله عليه وسلم لرسالته، واختاره لوحيه، وشرفه على خلقه،فأشرف الناس من تشرف به وأولادهم بالأمر أخصهم به، وإنما على الأمة التسليم لنبيها، إذ اختاره الله لها، فإنه إنما اختار محمدا بعلمه، وهو العليم الخبير، واستغفر الله لي ولكم". ومما قاله عبد الله بن جعفر:"فاتق الله يا معاوية، فإنك قد صرت راعيا، ونحن رعية ، فانظر لرعيتك، فإنك مسؤول عنها غدا، وأما ما ذكرت من ابني عمي وتركك أن تحضرهما فوالله ما أحببت الحق ولا يجوز لك ذلك إلا بهما، وإن لتعلم أنهما معدن العلم والكرم، فقل، أو دع،واستغفر الله لي ولكم". ومما قاله عبد الله بن الزبير:" فاتق الله يا معاوية، وأنصف من نفسك، فإن هذا عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله، وهذا عبد الله بن جعفر ذو الجناحين ابن عم رسول الله، وأنا عبد الله بن الزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي خلف حسنا وحسينا، وأنت تعلم من هما، وما هما،فاتق الله يا معاوية، وأنت الحاكم بيننا وبين نفسك" ثم سكت. ومما قاله عبد الله بن عمر: "فإن هذه الخلافة ليست بهرقلية، ولا قيصرية، ولا كسروية، يتوارثها الأبناء عن الآباء، ولو كانت كذلك كنت القائم بها بعد أبي، فوالله ما أدخلني مع السنة من أصحاب اشورى إلا على أن الخلافة ليست شرطا مشروطا، وإنما هي في قريش خاصة، لمن كان أهلا ممن ارتضاه المسلمون لأنفسهم من كان أتقى وأرضى " فلما انتهوا من الكلام تكلم معاوي يحاول تأييد طلبه ومما قاله:" وإنما كان هذا الأمر لبني عبد مناف، لأنهم اهل رسول الله، فلما مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولى الناس أبا بكر، وعمر، من غير معدن الملك والخلافة، غير أنهما سارا بسيرة جميلة، ثم رجع الملك إلى بني عبد مناف، فلا يزال فيهم إلى يوم القيامة" وبعد هذه الجلسة الحاسمة أمر بالرحلة وأعرض عن ذكر البيعة ليزيد، وظل على صلة ودّ مع هؤلاء الصحابة، ولم يقطع عنهم شيئا من صلاتهم وأعطياتهم، ثم انصرف راجعا إلى الشام،وسكت عن البيعة ليزيد سكوتا مطبقا، فكانت هذه هي الجولة الثانية، وقد رد فيها على معوية ردا عنيف كبار الصحابة ممن هم أهل الحل والعقد، ومن هم زعماء الأمة، ولذل سكت بعدها سكوتا مطبقا. وبعد ذلك بعام، أي في سنةأحدى وخمسن للهجرة، مرض الحسن بن علي رضي الله عنه مرضه الذي مات فيه، فلما بلغ ذلك معاوية كتب إلى عامله على المدينة: إن استطعت أن لا يمضي يوم إلا يأتينيفيه خبر الحسن، فافعل، فلم يزل يكتب غليه بحاله حتى توفي، فكتب إليه بذلك، فلما أتاه الخبر أظهر فرحا وسرورا حتى سجد، وسجد من كان معه، فبلغ ذلك ابن عباس، وكان بالشام، فدخل على معاوية،فلما جلس قال معاوية:يا ابن العباس هلك الحسن بن علي، فقال ابن العباس: نعم هلك(إنا لله وإنا إليه راجعون)ترجيعا مكررا، وقد بلغني الذي اظهرت من الفرح والسرورلوفاته، أما ولله ما سد جسده حفرتك، ولا زاد نقصان أجله في عمرك، ولقد مات وهو خير منك،ولئن أصبنا به لقد أصبنا بمن كان خيرا منه، جده رسول الله صلى الله عليه وسلم،فجبر الله مصيبته، وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة،ثم شهق ابا عباس وبكي، وبكى من حضر في المجلس، وبكى معاوية ثم قال معاوية: بلغني أنه ترك بنين صغارا فقال ابن عباس: كلنا كان صغيرا فكبر،قال معاوية: كم أتى له من العمر؟ فقال ابن عباس :أمر الحسن أعظم من أن يجهله أحد، فسكت معاوية يسيرا ثم قال: يا ابن عباس أصبحت سيد قومك من بعده، فقال ابن عباس:أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين فلا. ثم لم يلبث معاوية يسيرا بعد موت الحسن حتى أقدم على اخذ البيعة ليزيد فعلا،فبايع ليزيد بالشام، وكتب ببيعته الآفاق يطلب إلى عماله في الأمصار أن يأخذوا البيعة ليزيد. وكان عامله على المدينة مروان بن الحكم، فكتب إليه يذكر الذي قضى الله به على لسانه، من بيعة يزيد، ويأمره أن يجمع من قبله، من قريش، وغيرهم، من اهل المدينة، ثم يبايعوا ليزيد، فلما قرأ مروان كتاب معاوية، أبى من ذلك، وأبته قريش، فكتب لمعاوية: " إن قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك ابنك ،فر رأيك" فما كان من معاوية إلا أن عزل مروان، وولى المدينة سعيد بن العاص، وكتب غليه يدعوا أهل المدينة إلى البيعة ويكتب إليه بمن سارع، ممن لم يسارع، فلما أتى سعيد بن العاص الكتاب، دعا الناس إلى البيعة ليزيد، وأظهر الغلظة، وأخذهم بالعزم، والشدة، وسطا بكل من أبطأ عن ذلك، فأبطأ الناس عنها إلا اليسير لا سيما بني هاشم، فإنه لم يجبه منهم أحد وكان ابن الزبير من أشد الناس إنكارا لذلك، وردا له. فكتب سعيد بن العاص إلى معاوية بكل ذلك، وختم كتابه بقوله:"ولست أقوى عليهم إلا بالخيل والرجال أو تقدم بنفسك فترى رأيك في ذلك" فكتب معاوية إلى عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر، وإلى الحسين بن علي رضي الله عنهم كتبا، وأمر سعيد بن العاص أن يوصلها إليهم،ويبعث بجواباتها،فأجابه هؤلاء الأربعة أجوبة ردوا بها على كتبه، ورفضوا بيعة يزيد، فكتب إلى سعيد بن العاص يأمره أن يأخذ البيعة ليزيد أخذا بغلظة وشدة، ولا يدع أحدا من المهاجرين والأنصار وأبنائهم حتى يبايعوا، وأمره أن لا يحرك هؤلاء النفر يعني الصحابة الكبار، ولا يهيجهم، ففعل سعيد بما أمر به معاوية، أخذهم بالبيعة أعنف ما يكون من الأخذ وأغلظه، فلم يبايعه أحد منهم، فكتب إلى معاوية: إنه لم يبايعني أحد، وإنما الناس تبع لهؤلاء النفر،فلو بايعوك بايعك الناس جميعا، ولم يتخلف عنك واحد،فكتب إليه معاوية يأمره أن لا يحركهم إلى أن يقدم، ثم قدم المدينة حاجا حتى إذا كان بالجرف، لقيه الحسن بن علي،وعبد الله بن عباس،فقال معاوية: مرحبا بابن بنت رسول الله، وابن صنوا أبيه، ثم انحرف إلى الناس فقال: هذان شيخا بني عبد مناف، وأقبل عليهما بوجهه وحديثه، فرحب وقرب، وجعل يواجه هذا مرة، ويضاحك هذا أخرى،حتى ورد المدينة، فلما نزل انصرفا عنه، فمال الحسين إلى منزله، ومضى عبد الله بن عباس إلى المسجد، ثم بعد أن استقر به المقام في منزله، أرسل إلى الحسين بن علي،فخلا به فقال له: يا ابن أخي، لقد استوثق الناس لهذا الأمر، غير خمسة نفر من قريش، أنت تقودهم يا ابن أخي، فما أربك إلى الخلاف؟ قال الحسين أرسل إليهم، فإن بايعوك كنت رجلا منهم، و إلا لم تكن عجلت علي بأمر.قال: أو تفعل؟ قال : نعم، فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما احد. ثم أرسل معاوية بعده إلى ابن الزبير، فخلا به،فقال له: قد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم، يا ابن أخي، فما أربك إلى الخلاف؟ قال ابن الزبير: فأرسل إليهم، فإن بايعوك كنت رجلا منهم و إلا لم تكن عجلت علي بأمر، قال: وتفعل؟ قال : نعم، فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما أحدا، ثم أرسل بعده إلى ابن عمر فأتاه وخلا به، فكلمه بكلام هو ألين من صاحبيه وقال: إني كرهت أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن، لا راعي لها، وقد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر أنت تقودهم، فما أربك إلى الخلاف؟ قال ابن عمر: هل لك في أمر تحقن به الدماء وتدرك به حاجتك؟ فقال معاوية: وددت ذلك، فقال ابن عمر: تبرز سريرك ثم أجيء فأبايعك على أني بعدك أدخل فيما اجتمعت عليه الأمة، فوالله لو أن الأمة اجتمعت بعدك على عبد حبشي لدخلت فيما تدخل فيه الأمة، قال : وتفعل؟ قال: نعم ثم أرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر فخلا به، قال: بأي يد،أو رجل تقدم على معصيتي؟ فقال عبد الرحمن: أرجو أن يكون ذلك خيرا لي، فقال معاوية: والله لقد هممت أن أقتلك، فقال: لو فعلت لأتبعك الله في الدنيا، ولأدخلنك به في الآخرة في النار، ثم خرج عبد الرحمن بن أبي بكر، وفي صبيحة اليوم الثاني أمر بفراش فوضع له ، وسويت مقاعد الخاصة، حوله، وتلقاءه، من أهله، ثم خرج وعليه حلة يمانية، وعمامة دكناء، وقد أسبل طرفها بين كتفيه، وقد ادهن بالطيب وتعطر،فقعد على سريره، وأجلس كتابه منه بحيث يسمعون ما يأمر به، وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس وإن قرب، ثم أرسل إلى الحسن بن علي، وعبد الله بن عباس، فسبق ابن عباس، فلما دخل وسلم عليه أقعده في الفراش عن يساره، ثم أقبل الحسن بن علي، فلما رآه معاوية جمع له وسادة كانت على يمينه، فدخل الحسين وسلم، فأشار إليه، فأجلسه عن يمينه مكان الوسادة، ثم ابتدأ معاوية الكلام، فتحدث عن مسألة البيعة ليزيد مرة أخرى، وكان في كلامه تعريض بالحسين ومما قاله:" فهذه صفة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم خلفه رجلان محفوظان،وثالث مشكور، وبين ذلك خوض طال ما عالجناه، مشاهدة، ومكافحة، ومعاينة، وسماعا، وما أعلم منه فوق ما تعلمان، وقد كان من أمر يزيد ما سبقتم إليه، وإلى تجويزه، وقد علم الله ما أحاول به في أمر الرعية، من سد الخلل، ولم الصدع، بولاية يزيد، بما أيقظ العين، وأحمد الفعل،هذا معناي في يزيد، وفيكما فضل القرابة، وحظوة العلم، وكمال المروءة، وقد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة، والمقابلة، ما أعياني مثله عندكما،وعند غيركما، مع علمه بالسنة، وقراءة القرآن،والحلم الذي يرجح بالصم الصلاب" إلخ. فلما انتهى تيسر ابن عباس للكلام، فأشار إليه الحسين، وقال: على رسلك، فأنا المراد، ونصيبي في التهمة أوفر، فأمسك ابن عباس، فقام الحسين، وتكلم فرد على معاوية بكلام صريح، جريء، مفحم، ومما قاله : " وهيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضلت حتى أفرطت، واستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى محلت، وجزت حتى جاوزت، ما بذلت لذي حق من اسم حقه بنصيب، حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر، ونصيبه الأكمل، وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله، وسياسته لأمة محمد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوبا، أو تنعت غائبا، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص، وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد ما أخذ فيه،من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السبق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف،وضرب الملاهي تجده باصرا، ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق، بأكثر مما أنت لاقيه، فوالله ما برحت تقدح باطلا في جور،وحتفا في ظلم،حتى ملأت الأسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة"،إلى أن قال: أم كيف صاحبت بصاحب تابعا وحولك من لا يتهم في صحبته، ولا يشك في دينه وقرابته،، وتتخطاهم إلى مسرف مفتون، تريد أن تلبس الناس شبهة، يسعد بها الباقي في دنياه، وتشقى أنت في آخرتك، إن هذا لهو الخسران المبين، وأستغفر الله لي ولكم " فنظر معاوية إلى ابن عباس فقال: ما هذا يا ابن عباس؟ ولما عندك أدهى أمر،فقال ابن عباس: إنها لذرية الرسول، وأحد أصحاب الكساء، وفي البيت المطهر قاله عما تريد. فقال معاوية: أعود الحلم التحلم، وخيره التحلم عن الأهل، انصرفا في حفظ الله. ثم أرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بم عمر، وعبد الله بن الزبير، وأعاد عليهم الكلام في يزيد فأعادوا عليه ما قالوه له من قبل، فأمرهم بالانصراف، واحتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يخرج، ثم خرج، فأمر المنادي أن ينادي في الناس أن يجتمعوا لأمر جامع،فاجتمع الناس في المسجد، وقعد هؤلاء الصحابة حول المنبر، فقام معاوية خطيبا وذكر يزيد وفضله، وقراءته القرآن، وقال: و والله لو علمت مكان أحد هو خير للمسلمين من يزيد لبايعت له، فقام الحسين،فقال: والله لقد تركت من هو خير منه أبا وأما ونفسا،فرد عليه معاوية: وقال له: إن يزيد والله خير لأمة محمد منك، فقال الحسين، هذا هو الإفك والزور، يزيد شارب الخمر، ومشتري اللهو خير مني،فرد عليه معاوية، ثم التفت إلى الناس، ومما قاله لهم: " رأيت أن أبايع ليزيد لما وقع الناس فيه من الاختلاف، ونظرا إليهم بعين الإنصاف"، وانتهى الاجتماع، وأصر هؤلاء الصحابة الخمسة على رفض البيعة ومهاجمتها، ومهاجمة معاوية، ويزيد ثم بعد ذلك أمر من حرسه، وشرطته قوما أن يحضروا هؤلاء النفر الذين أبوا البيعة، وهم الحسين، وابن عمر، وابن الزبير، وابن عباس، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأوصاهم معاوية فقال: إني خارج العشية إلى أهل الشام،فأخبرهم أن هؤلاء النفر بايعوا، وسلموا، فإن تكلم أحدهم بكلام يصدقني، أو يكذبني فيه، فلا ينقضي كلامه حتى يطير رأسه، فحذر القوم ذلك، فلما كان العشي، خرج معاوية، وخرج معاوية ومعه هؤلاء الصحابة، وهو يضاحكهم، ويحدثهم، وخرج بينهم وأظهر لأهل الشام الرضا عنهم،وأنهم بايعوا، فقال: يا أهل الشام إن هؤلاء النفر دعاهم أمير المؤمنين، فوجدهم واصلين،مطيعين وقد بايعوا، وسلموا، قال ذلك وهؤلاء الصحابة سكوت، لم يتكلموا شيئا حذر القتل، فوثب أهل من الشام فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن كان رابك منهم ريب فخل بيننا، وبينهم، حتى نضرب أعناقهم، فقال معاوية: سبحان الله! ما أحل دماء قريش عنكم يا أهل الشام، لا أسمع لهم ذاكرا بسوء، فإنهم قد بايعوا وسلموا، وارتضوني فرضيت عنهم رضى الله عنهم، ثم ارتحل معاوية على الفور راجعا إلى مكة. فكانت هذه هي الجولة الثالثة، وفيها تم لمعاوية أخذ البيعة فعلا ليزيد على الناس بقوة السلطان، وبالإكراه، وبالغلظة والشدة، ما عدا كبار الصحابة. هذه قصة أخذ البيعة ليزيد، أو قصة أول حادثة اغتصاب للسلطة حدثت في الإسلام، ومنها يتبين أن كبار الصحابة وقفوا منها أعنف موقف، وعارضوها أشد معارضة، وبالرغم من دهاء معاوية، ومن محاولاته ومناوراته، ومن اصطناعه الشدة والعنف، فإنهم لم يتزحزح فيهم شعرة، وكان أهونهم جوابا أن قال له:" تبرز سريرك ثم أجيء فأبايعك على أني بعدك أدخل فيما اجتمعت عليه الأمة، فوالله لو أن الأمة اجتمعت بعدك على عبد حبشي لدخلت فيما تدخل فيه الأمة" ولم يحظ بموافقة أحد منهم على بيعة يزيد، واعتبروها فعلة نكراء، واستنكروها وهاجموها، وهاجموه فيها، فهذا يدل على أن الصحابة قد صادفتهم مشكلة اغتصاب سلطة، لا مجرد منكر، فكان رأيهم فيها صريحا لا لبس فيه، وكان عملهم تجاهها واضحا، وهو الرفض، والإصرار على الرفض، وشدة معاوية وتهديده لهم بالقتل، لم تستطع إجبارهم على البيعة، ولا على عدم مهاجمتها، كل ما حصل أن معاوية أراد أن يفهم أهل الشام ذلك حجة فينتفضوا عليه فكذب على لسان هؤلاء الصحابة، بحضورهم، بعد أن هددهم بالقتل فعلا إن تكلموا، حتى لو تصديقا له، فسكتوا على كذبته لأهل الشام. وعليه فإن رأي كبار الصحابة هو أن السلطان المتغلب لا يصح السكوت عليه، ولا بد من منازعته في تغلبه، وعدم إقراره على ذلك، أي أن آخذ السلطة بالقوة اغتصابا يجب أن يقاوم، وأن يظل الإصرار على مقاومته، ولا يحل السكوت عليه، مهما اصطنع من شدة، وغلظة، ومهما حصل من قوة، وبطش، تماما كما فعل كبار الصحابة. وهنا يرد سؤال. وهو أن الصحابة لم يقاتلوا معاوية على اغتصاب السلطة بل اكتفوا بالإنكار ، والمقاومة والجواب على ذلك: هو أن معاوية حاكم تولى أخذ البيعة ليزيد وهو حاكم،أي ارتكب هذا العمل وهو حاكم، والحاكم مستثنى من عموم أدلة الغصب بالأحاديث الواردة في طاعته، من مثل حديث حذيفة " تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك فاسمع وأطع"، والحاكم لا يحل قتاله مهما عمل، إلا في حالة واحدة، إذا أظهر الكفر البواح، لأن هذه الحالة جاء بها النص، وما عداها لا يجوز، لأحاديث الطاعة، والصبر على جور الأئمة، ولذلك لم يقاتله الصحابة، واكتفوا بالإنكار بالقول. أما لو ارتكب هذه الفعلة النكراء ولم يكن حاكما فإنه يقاتل بالسف لا بالسلاح، ولهذا فإنه لما مات معاوية، وتولى الحكم يزيد، وأراد أن يأخذ البيعة من الناس، فإن كبار الصحابة لم يكتفوا بالإنكار، والامتناع عن البيعة، كما حصل منهم تجاه معاوية، بل شهروا بوجهه السيف، وأعلنوا عليه القتال، وقاتلوه بالفعل، فإن عبد الله بن الزبير خرج من مكة وأعلنها حربا سافرة على يزيد، يطلب خلعه، وجهز الجيوش لمحاربته، والحسن بن علي رضي الله عنه دعاه أهل العراق لمبايعته، فذهب إليهم لقيادتهم، لقتال يزيد، وخلعه، وأهل المدينة خلعوا يزيد بن معاوية، وتجهزوا لقتاله، ولما جاء جيشه للمدينة قاتلوه أعنف قتال، وكانت وقعة الحرة المشهورة، التي قتل فيها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا، ولم يبق بدري بعد ذلك، وقتل فيها من قريش والأنصار سبعمائة، وقيل ألف وسبعمائة، وقتل فيها من سائر الناس من العجم، والتابعين عشرة آلاف، سوى النساء، والصبيان، كل ذلك لمقاومة يزيد أن يتولى الخلافة، أي لمقاومة اغتصاب السلطة، وهذا يدل على أن الصحابة رضوان الله عليهم، ولا سيما كبارهم قتلوا. مغتصب السلطة. بالسيف، وشهروا في وجهه السلاح، واستمروا في قتالهم حتى قتلوا، مما يؤكد أن حكم اغتصاب السلطة هو مقاتلة المغتصب بالسلاح، قتالا مستمرا حتى يخلع، أو يقتل، وإذا قتل فهو في النار، وهو كل من يقاتل معه، وإذا قتل الذين يقاتلونه فهم في الجنة، ويعتبرون شهداء.
|
|||||
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | تقييم هذا الموضوع |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| نظام الخلافة نظام متميز (بحث سياسي في اساس النظام السياسي في الإسلام) | معاذ محمد | منتدى الحوار الفكري العام | 19 | 02-06-2007 02:18 AM |
| سيرة الحجاج في حكايات ألف ليلة -ملامح الطغيان والاستبداد - د. محمد عبد الرحمن يونس | د. محمد عبد الرحمن يونس | منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي | 5 | 07-08-2006 04:25 AM |
| الديمقراطية في الاسلام! | سمير مهيوب | منتدى الحوار الفكري العام | 45 | 27-07-2006 01:28 PM |
| مقدمة عن الخلافة و الخلفــاء الراشدين (رضي الله عنهم) | ياسر أبو هدى | المنتدى الإسلامي | 20 | 12-07-2006 06:36 AM |
| سيرة الحجاج بن يوسف الثقفي -الجزء الثاني-د. محمد عبد الرحمن يونس | د. محمد عبد الرحمن يونس | منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي | 0 | 16-04-2006 06:38 PM |