السؤال 125 : إذا كان بعض الصحابة من الخوارج الذين نص الرسول على كفرهم وعلى أنهم من كلاب جهنم، فكيف نجمع بين هذا الأمر وبين عدالة الصحابة وبين ما ينسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من انه قال أصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم ؟
والصحابة من الخوارج : هم عمران بن حطان ([285]) وأبو وائل شفيق بن سلمة وهو ممن روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ([286]) وذو الخويصرة وحرقوص بن زهير السعدي وهما أساس الخوارج وذو الثدية الذي قتل في النهروان وعبد الله بن وهب الراسبي وكان من كبار الخوارج ([287]) .
----------------------
[285] . الإصابة ج3 ص179 .
[286] . اسد الغابة ج3 ص3 .
[287] . الإصابة ج5 ص96 والطبري ج4 ومسند احمد 14755 والإصابة ج2 ص174 .
الجواب:
قد تصدر عن مدرسة معينة سمعة حسنة، من ناحية نوع العلم أو التعليم، التريبة، ونوعية الطلاب، ولكن يجدر السؤال أن هذا هو السمة العامة لهذه المدرسة، ولكن هذا لا يعني أن الأفراد فيها، بمستوى واحد يليق بالسمة العامة، من الناحية التربية والأخلاقية أو حتى التمييز العلمي، أما أن أغلب من فيها ومن تخرج منها عكس هذا الانطباع؟؛ وكذلك مدرسة الصحابة يتفاوت أفرادها من حيث مستويات الترقي بإيمان التقوى، ومراتب الإحسان، ولكن يجتمعون بالاستقامة التامة على أمر الله، والإيمان القلبي الثابت، وهذه هي العدالة ..
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( إنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا )؛ (1) ..
ويوافق ذلك قوله تعالى: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [هود : 112] ..
فمطلوب الاستقامة وفق الحديث والآية، من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابه تام، أي إسلام تام، للإن مفهوم الإسلام بحقيقته، هو الاستلام لأوامر الله كاملة بالاستقامة على أمر الله ..
وهم متساوون بتحقيق الإيمان القلبي حتى ينالوا شرف الصحبة الحقيقي وهو أول الفلاح، لقوله تعالى: { لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [التوبة : 88] ..
فالصحابة الكرام هم من اكتمل إسلامهم وحسن إيمانهم بما عقلته قلوبهم من حقيقة التوحيد بالإيمان القلبي، بما استنارة به قلبوهم من الحق، فاستقاموا على معرفة الله والإيمان بذلك ..
عن سفيان الثقفي رضي الله عنه، قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً، لا أسال عنه أحداً بعدك أو غيرك؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( قُلْ آمنتُ باللهِ ثم استقِمْ )؛ (2) ..
وسفيان بن عبد الله الثقفي صحابي مغمور، لأن الاستقامة على المعرفة وثبات الإيمان في قلوب الصحابة رضوان الله عليهم، حالة سائدة فهم أول من نزل بهم قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [الأحقاف : 13]
وهذا الإيمان الذي تكلم عنه الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان، بأنه لا يزيد ولا ينقص إذا ملئ القلب، إنما يزيد ويثقل بالترقي بمراقي التقوى في مقام الإحسان، أو ما يمكن تسميته الإيمان الإحساني، كإيمان من وصف الله تعالى بالأتقى، وهو الصديق الأكبر رضي الله عنه وأرضاه ..
عن هذيل بن شرحبيل رضي الله عنه أن الفاروق الأشهب عمر رضي الله عنه وأرضاه؛ قال: ( لو وُزِنَ إيمانُ أبي بكرٍ بإيمانِ هذه الأمةِ لرجحَ بهِ )، وفي رواية موقوفة أخرى:( لو وُزِنَ إيمانُ أبي بكرٍ بإيمانِ الناسِ لرجح إيمانُ أبي بكرٍ )؛ (3) ..
فهؤلاء أهل الدرجات العلى السابقون، الذين قال فيهم تعالى: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً } [الأحزاب : 23]
فهم صفوة منتخبة من مؤمنين الصحابة رجال أزاحوا بتقواهم الجبال ..
وباقي الصحابة أصحاب استقامة تامة وإيمان ثابت، يشمل أوسطهم وأصغرها مقاما ..
كما في الحديث الذي سبق تخريجه في السؤال: 106، عن صحابي مغمور لم يعرف إلا بهذا الحديث من صغار الصحابة، هو حارثة بن مالك الأنصاري رضي الله عنه، سأله النبي صلى الله وآله وسلم: ( كيف أصبحت يا حارثة )؛ فقال: أصبحت مؤمنا حقا يا رسول الله!؛ فسأله من يقرأ السرائر بنور الله، صلى الله عليه وآله وسلم: ( إن لكل قول حقيقة، ولكل حقيقة برهان، فما برهان ما تقول؟ )، فأجابه حارثة: عزفت نفسي عن الدنيا، واستوى عندي تبرها ترابها، فاظمأت نهاري [بذكر الله وتسبيحه]، وأسهرت ليلي [ قائما لله]، فكأني أرى عرش ربي بارزا!، وكأني أرى الجنة وأرى أهلها يتنعمون، وكأني أرى النار وارى أهلها يعذبون؛ فقال: له النبي العظم صلى الله عليه وآله وسلم: ( إنك امرؤ نور الله قلبه بالإيمان، قد عرفت فالزم )؛ (4) ..
نقول أين حارثة بن مالك الأنصاري في جانب أجلاء الصحابة من أوسطهم إلى أرفعهم مكانة، فقد كان من صغار الصحابة وهذا حال إيمانه!، لذلك رواية هذا الحديث رواية آحاد معضل، لم تتولاه سلسلة متصلة من الثقاة أو جمع من الضعفاء، ليعضضوا سنده ..
في رواية الصالحين أهل القلوب: قد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، من قبل الصحابة عن حقيقة الإيمان، فقال: ( نور يقدف بالقلب فينفسح له القلب )[[ رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" [ج8/ص: 126/ر:14] ]]، وسئل عن علامة ذلك في سلوك المؤمن؟، فقال: ( الإنابة لدار البقاء، والتجافي عن دار الشقاء، وانتظار الموت قبل الموت! )؛ أو قال: ( التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله )[[ رواه البيهقي في " الشعب" [ج7/ص: 253/ر:10553] ]] ..
عن عبد الله بن مسعود، وأبي جعفر رضي اله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( (( إِنَّ الْإِيمَانَ إِذَا دَخَلَ الْقَلْبَ انْفَسَحَ لَهُ الْقَلْبُ وَانْشَرَحَ )), وَذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ: { فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ } سورة الأنعام آية 5، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, وَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ آيَةٍ يُعْرَفُ بِهَا؟ قَالَ: (( نَعَمْ , الْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ, وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ, وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الْمَوْتِ )) )؛ (5) ..
فقد عاشوا هذه الحقيقة فعشقوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي انقذهم من ويلات العذاب إلى النعيم المقيم في الدارين ..
فهم من أمرهم الله فلبوه فكانوا أول من اهتدى بنور الله، فقد قال الله لهم مذكرا بنعمته عليهم، من باب أهمية التذكير بالتمسك بما هم عليه: { وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } [آل عمران : 103]
عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّكُمْ في زَمانٍ كَثيرٍ عُلَماؤُه، كَثيرٍ خُطَباؤُه، من ترك عشر ما يعرف فقد هوى!، وسيأتِي زَمانٌ على أمَّتي كثيرٍ خطباؤُه، قَليلٌ عُلماؤُهُ، قليل علماؤه، مَنِ اسْتَمْسَكَ بِعُشْرِ مَا يَعرِفُ فَقَدْ نَجَا )؛ (6) ..
فمن منا هذا حاله، اليوم؟!؛ فبأي حق نتكلم بعدالة هؤلاء الأجلاء النجباء، وقد تعجبوا من قبل إلى ما آل له حالنا اليوم:
عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ( (( يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا )), قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: (( أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ )), قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ: (( حُبُّ الْحَيَاةِ [الدنيا]، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ )) )؛ (7) ..
وفي رواية أخرى: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَقُولُ لِثَوْبَانَ: ( كَيْفَ أَنْتَ يَا ثَوْبَانُ، إِذْ تَدَاعَتْ عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ كَتَدَاعِيكُمْ عَلَى قَصْعَةِ الطَّعَامِ تُصِيبُونَ مِنْهُ؟ ) قَالَ ثَوْبَانُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا؟ قَالَ: ( لَا، بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ يُلْقَى فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنُ ) قَالُوا: وَمَا الْوَهَنُ؟ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ( حُبُّكُمُ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَتُكُمُ الْقِتَالَ )؛ (8) ..
---------------------------