|
|
|
|||||||
| قسم القصة القصيرة جدا هنا نخصص قسما خاصا لهذا اللون الأدبي الجميل |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||||
|
مطعم هالة (1) لعبد الله المتقي نموذجا حميد ركاطة سبق لنا وأن تناولنا أعمال سابقة للمبدع عبد الله المتقي "الكرسي الأزرق"(2) و"قليل من الملائكة"(3) سوف تناول في هذه الدراسة شعرية القصة القصيرة جدا في مطعم هالة. وتجدر الاشارة أنه لابد من توطئة لوضع القارئ ولو بعجالة حول مفهوم "الشعرية"كما ورد في تنظيرات وأراء شيوخ هذا الفن في امريكا اللاتينية وإسبانيا وكذا النتائج التي خلص إليها بعض نقاد القصة بالوطن العربي والمغرب تحديدا حول مفهوم الشعرية وحدوده وأفاقه وكذا توظيفه في القصة القصيرة جدا، مفهوم عثرنا عليه ضمن عناوين دراسات نقدية ولا يتعدى أحيانا جانب الاشارة أو التلميح إليه ضمن سياق أو على هامش تحليل نص معين، وهو مايجعل الدارس يشعر بنوع من الشح بل الغموض أحيانا أو الخلط في تحديده، فبقدر ما ارتبط مفهوم الشاعرية بالشعر نجد مجرد انزياحاته هي التي تطغى بظلالها في نص أو نصوص ليس إلا. فما المقصود بالشاعرية؟ وهل هي مجرد توظيف جمالي تتم بلورته بالقدر الذي يظهرها كشكل قابل للقياس أم أن الأمر يتعدى هذا الطرح نحو أبعاد أخرى أعمق وأدق؟ يشير الباحث مصطفى جباري في دراسة له حول شعرية القصة القصيرة عند إدغار ألان بو قائلا "يدرج بودلير أفكار بو في الشعرية، ويستند على صنافة الأنواع الأدبية التي تقيم تماتلات واختلافات وتراتبية، يقارن تباعا بالقصيدة وبالرواية ليستخلص الخصائص الفنية لكل منها ويقابل بينها" (4) لكن في القصة القصيرة جدا يطرح هذا المفهوم كمعطى جمالي وبلاغي بحيث أن عامل القصر هو الذي يفرضه لكنها "تحظى بالمزايا الأدبية للإكراه أو الضرورة" (5) فعلاقة القصة ق ج بالشعر تكمن في الاشتراك في مجموعة من الخصائص على اعتبار أنها جنس سردي له خصائصه ونذكر من بينها الكثافة والخيال. وهكذا يرى "لويس ما طيو دييت أن "كثافة القصة القصيرة جدا تجعلها أكثر قربا من الشعر، أما خوصي ماريا ميرينو فيقول: "علاقتها بالشعر تكمن في كونها ابداعا ناتجا عن إلهام مفاجئ من صنع الخيال يأتي من داخل الحدس وليس من داخل التفكير" (6) وهذا الطرح قد نجد له مبررا حسب كتاب آخرين يذهبون إلى حدود قصوى كما هو الآمر مع هيبوليتونافارو الذي يقول " كما هو الحال بالنسبة للشعر تذهب القصة القصيرة جدا باللغة إلى أقصى الحدود، لكن يجب أن لا تبتعد عن طابعها السردي أي سرد الأحداث ووقائع لا يمكن للقصيدة أن تقوم به" (7) إن هذه الرؤية يزكيها الناقد التونسي عبد الدائم السلامي في دراسة له حول "شعرية القصة القصيرة جدا حيث يعتبرها "النمط الأدبي الأكثر قدرة على تقطيع الواقع وتمثل تفاصيله لبناء معناه الشعري مهما تنوعت رؤى المبدعين بخصوص وظيفتها، ومهما تباينت آراؤهم بشان ملامحها وأشكالها الكتابية" (8) إن مفهوم الشعرية في ق ق ج يتجسد من خلال المزج بين الشعر والمحكي القصصي الذي يستعير بعض خاصيات القصيدة كالاستعارة / الشبيه / المجاز / التشكيل البصري / تداعي الصور / الانزياح، وهنا يشير الباحث حسن المودن إلى شعرية الإيجاز من خلال دراسته لمجموعتي القاصين سعيد منتسب (9) وعبد الله المتقي حيث يرى أن " القصة القصيرة جدا تتميز بخصائص كمية ونوعية فنصوصها ..لا تتألف إلا من عدد قليل من الكلمات، ولكنها تنقل اشتغالها من المستوى الكمي إلى المستوى النوعي موظفة شعرية الإيجاز والتكثيف" (10) إن هذا الايجاز والتكثيف تمارسه اللغة بجماليتها على القصة و"بواسطة الخرق الدائم لقواعد اللغة المعيارية (و) تحويل مستمر للمسافات القائمة بين الدال والمدلول وخلق دلالة جديدة مشبعة بطاقة البث الإيحائي وهي لغة شعرية تستعير من النص الشعري إمكاناته" (11) من هنا حاولت دراسات الناقد جميل حمداوي مقاربة هذا المفهوم وهي تبحث عن سماته الخاصة يقول عن مجموعة سعيد منتسب أنها " تتسم بشعرية التكثيف والايحاء بعيدا عن التنميط والاسهاب والايجاز الطي يوحي بالرمزية والايحاء والكتابة الايحائية" (12) في حين لا حظ أن قصص الكاتب سعيدبوكرامي في مجموعته الهنيهة الفقيرة (13) تتميز بشعرية التجريد والغموض وبكونها مغرقة في شعرية الانزياح وانتهاك أعراف العيار .. والنزوح بالكتابة السردية نحو الفضاء الشعري المجنح في الخيال لكنها تتحول إلى نصوص شعرية نثرية نفتقد الحبكة السردية المعهودة في القصة الكلاسيكية" (14) إن مفهوم الشعرية هو أثر شمولي، وليس ملمح عابر وغامض و ما يساعد على تجلياته هو الاحساس به بشير الباحث مصطفى جباري أن بو "يعطي (..) معنى شمولبا ل" أثر الكلية " الخلق الايقاعي للجمال .. الذي يثير الاحساس الشعري" ويتجلى في كل فن، في الرسم والنحت والهندسة والرقص،وكذا في فن الحدائق، لكنه في الشعر والموسيقى له حالته الخاصة" (15) وهو الطرح الذي يؤكده الناقد حسن المودن بكوننا أثناء المزج بين الشعر والسرد نستحضر المفكر فيه والمحسوس به ما يجعل " القصة تكتب بطريقة تمزج بين السرد والشعر.. بين الفكر والشعور ، بين الوضوح والغموض والانفتاح على لغات الشعر والموسيقى والحلم واللون فاتحة الطريق أمام انفراج المعاني وتعددها وانبثاق لذة القراءة وقلقها" (16) فللقارئ في النهاية " الكلمة الأخيرة ليصبح من الممكن إدراك الأثر وهي الصيرورة نفسها التي تحدث" (17) إن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو ما هي درجة الخطورة في انفتاح القصة القصيرة جدا وتوظيفاتها الشعرية؟ فللغة الشعر خصوصيتها ويجب الابقاء على المسافات القائمة بين كل جنس خوفا من الاختلاط أو تأثير الواحدة على الأخرى على حد افتقاد الملامح والمعالم المميزة للهوية؟ فهل تمتلك القصة القصيرة جدا فاعلية وحصانة أثناء الانتقال؟ أم أنها بزئبقيتها تقود غزواتها واختراقاتها للحدود الأجناسية وتعود سالمة؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة وأخرى قد تجد ضالتها في الخلاصة التي استخلصها الباحث جاسم خلف إلياس في كون "اللغة الشعرية تمتلك خطورتها لذاتها فإما إن تجر القاص إلى آليات الشعر وتقضي على القصصية، وإما تسمو بقصته وتأشيرة دخولها دائرة القص بجدارة" (18) وربما هذا راجع لقدرة القاص على " التلاعب بالنظام اللغوي بين المعيارية والإيحائية، صورة تحمل رؤية الإحباطات التي نواجهها في عالمنا وتحمل العديد من الدلالات المباشرة المفتوحة على دلالات أكثر اتساعا عن هموم الإنسان" (19) من هنا نتساءل كيف تحددت المعالم الشعرية في كتابة عبد الله المتقي وما هي مرتكزاتها وحدود توظيفها الإبداعي؟ * الملمح الشعري في "مطعم هالة " كثيرة هي الأسئلة التي يطرحها المتلقي عند قراءته لأعمال عبدالله المتقي القصصية نظرا لما تتشح به من لمسة شاعرية في بعض نصوصها وربما هذا راجع إلى كونه ارتحل للكتابة في هذا الجنس من الشعر أو لمزجه بين الكتابة في أنماط سردية متعددة (شعر قصة قصيرة قصة قصيرة جدا رواية ....) ما يجعله كمبدع متعدد يمتلك قدرة رهيبة على التكثيف والتنميط أو التوظيف ما جعلها تكتسب خاصية يصعب محاكاتها وسوف نبرزها من خلال دراستنا لنصوص مجموعته الأخيرة في محاولة لإبراز ملمحها العام المتجلي في الانزياح الشعري . ملامح عثرنا عليه في أكثر من نص " غرام / خارج المرآة / ماذا سيحدث / ظلمات / أخيرا / حمار الليل / رحيل البحر / أصابع مبتورة ... وتجدر الإشارة أن هناك نصوص أخرى شيدت انطلاقا من الارتكاز على تقنية الحوار بين شخصين في الغالب " رجل وزوجته / الرجل والمرآة / المرأة والمرآة / وردة ونورس.. فهذه الحوارات الثنائية إبرزت عمق الانهزام الإنساني وفداحة الانتماء لجنس معين نظرا للتشوهات التي غالبا ما تلصق صفة العجز أو النقص وعدم الاكتمال للذات التي تبخس إلى حد كبير، فأغلب النصوص كتبت على شكل مقاطع قد لا يربط بينها وبين ما يليها علاقة أية أحيانا سوى كونها جزء من رقعة حكي تتآلف كأرخبيل سرعان ما يتحول بعد رحيل البحر إلى امتداد فسيح من اليابسة وهنا يكمن سحر هذا النوع من الكتابة التي تبدو كجبل الجليد حين يتآلف الحدث الرئيسي ويتشكل معناه وكأننا إزاء لوحة تكعيبية فالقاص يتدخل من خلال إثبات علامات غالبا ما تكون أرقاما (1/2/3/4) هي ربما محددات طبوغرافية أو علامات تشوير داخل النص الذي يتحول إلى شذرات أو جمل ضمن متوالية قصصية ترتبط فيها النهاية بالبداية " كتابة عبد الله المتقي اعتنت بتقانات الجملة ودفعتها باتجاه تتناسب ومعطيات المناخ الداخلي لهذه الكتابة فكان التكثيف اللغوي واختزال المضمون وخيبة أفق الانتظار الذي يتوقعه القارئ، وهيمنة عنصر المفارقة على باقي المكونات وانزياح المعنى والتداخل الاجناسي" (20) فهي رسمت حمولتها المتكررة المتوسلة بومضها الدنو بشكل رهيب من البناء الشعري الذي يعتمد الإيقاع الحاد لرؤيا بل يعتمد كذلك الإيقاع البطيء للأحداث محاولة وضع حدود وهمية بين ما سبقها من الأجناس دون القطع معها بشكل مطلق من هنا نلمس صعوبة وضع الحدود الفاصلة بين القصة القصيرة جدا أو حتى القصة الومضة " (21) وحتى لو حاول الكاتب ذلك فإنه في نظري سيكون إزاء ممارسة نوع من التعسف القاسي بحق النص . إن ما يضفي المسحة الشعرية على نصوص عبد الله المتقي القصصية القصيرة جدا هو بناؤها الأقرب إلى قصيدة النثر في تداعيات صورها وكذا الايقاع الذي يكاد يتخذ من وزنه رنة موسيقية خاصة أن هذا التوظيف يجعل بعض النصوص اقرب إلى الشذرة أو السوناتا بما تحيل عليه معانيها من دلالات فهي بقدر ما تضم بين حناياها مشاعر الفرحة والرومانسية تضم كذلك نوعا من الحزن أو نجدها تجمع بين الشعورين معا في نفس الوقت يقول سارد نص الميت يعود" "انتظرته بمقهى الوردة.. ولم يأت وحين تحرقت غيضا عادت إلى بيتها وما أن أغلقت الباب وراءها بغضب حتى رن الهاتف " البقية في حياتك "صرخت بحرقة، بكت، نتفت شعرها، نشبت أظافرها في وجهها .. وما هو إلا وقت وجيز حتى قرع البا ببحرارة بكت بين أحضانه وكان هو يقبلها ويخلل ضفائرها المبعثرة". إن الشعور الثاني سيتم في زمن نفسي بقدر ما يمنح الإحساس بالألم يفتح أفاقا لفرح آخر متواري بين الحنايا لتستمر عبره الذكريات الجميلة للميت الذي شكلت عودته نوعا من الإياب نحو عالم جميل . إن ما يضفي المسحة الشعرية على نصوص عبد الله المتقي القصصية القصيرة جدا هو بناؤها الأقرب إلى قصيدة النثر في تداعيات صورها وكذا الايقاع الذي يكاد يتخذ من وزنه رنة موسيقية خاصة أن هذا التوظيف يجعل بعض النصوص اقرب إلى الشذرة أو السوناتا بما تحيل عليه معانيها من دلالات فهي بقدر ما تضم بين حناياها مشاعر الفرحة والرومانسية تضم كذلك نوعا من الحزن أو نجدها تجمع بين الشعورين معا في نفس الوقت. إنه أمر نلمسه مثلا في نص "محو" الذي بقدر ما شكل العنوان عتبة للمرور يضحى هو حامل النص في نظري لكون فعل الصدمة التي تحدثنا عنها سابقا كان هوما منح النص قوته وخصوصيته يقول السارد " خرج من شقتها شاحبا كالخريف، ليجد في قمامة أزبالها كثيرا من المناديل اللزجة .. تنهد عميقا، ثم عاد لبيت النعاس كي يمسح اسمه من جسدها " . لقد شكل المكان بقداسته وشاعريته وخصوصيته عالما ومختبرا لصنع كل أحداث النص فالمترسب في مخيلتنا عن بيت النعاس غالبا ما نقرنه بالخصوصية / واللذة / الجنس / الراحة / الحياة الزوجية / مفاهيم قد تجعل من الجسد المشجب الذي تعلق عليه كل تلك التمثلات التي تترجم لدلالاتها، سواء المقدسة أو المدنسة وهو أمر سنلمسه في تصرف البطل الذي "عاد لبيت النعاس كي يمسح اسمه من جسدها". لقد تحول الجسد إلى صفحة للكتابة الايروتيكية خصوصا وأننا بحضرة نزال مسروقة لحظاته كما أنه ربما تم تحت طائلة الإكراه أو الضرورة ولم يحدث فيه انتشاء أو تفاعل كيميائي بين جسدين وهو أمر أبرزته حالة البطل الذي خرج من شقة المرأة شاحبا كالخريف." إن عدم الرضا دلالة على عدم التجاوب والإحساس بالغثيان هو أمر ستؤكده وقائع أخرى ستبرز ذلك الإحساس بكون الجسد الذي جاء يطلب فيه لذته كان ملوثا من قبل غيره يقول السارد '" ليجد في قمامة أزبالها كثيرا من المناديل اللزجة " . إن الصادم في النص هو العمق الأخر الذي تنفتح عليه آفاق النص بل القص وآثامه وهي تعري عن طبيعة المكان الغرق في البؤس والتهميش و كأننا في مطرح للنفايات .. ما جعل المحو السبيل الوحيد للانتقام من الخيانة بل الوسيلة الوحيدة للنسيان المتعمد . * المكان بين الدلالة الوظيفية والرمزية إن إلقاء نظرة متفحصة على نصوص المجموعة سيمكننا من التقاط إشارات مكانية عديدة عملت على تحقيق توازيات نصية سواء من حيث الارتكاز على مجموعة من الاعتبارات الخاصة، فالإحالات المكانية تجسدت من خلال المكان محددا فقط لبناء الحدث الحكائي لكنه لا يكون مرتكزا أساسيا بقدر ما يغدو معلمة من بين معالم أخرى تتكرر لنسج بنية من الصورة الدالة والأحداث المختلفة داخل القصة الواحدة، هذا المكان الذي يصل حد الاختفاء بشكل واضح مادام فضاؤه الحقيقي يصير هلاميا ومتفككا فيشيد داخل أعماق الشخوص أنفسهم وأحيانا تصير اللغة حاملا مكانيا بامتياز . وبالرغم من تضمينه من خلال المجموعة في نصوص عديدة " مطعم هالة" هل " استقالة " ظلمات " لحية أنيقة " فقد تم تهميشه على حساب الحدث والزمن النفسي رغم كونه تربع على العتبة أو عنوانا للنص أو في بداية نص ما، فالسرد يتم تهريبه لصالح بناء الحدث بكل آلياته وتقنياته مثلا يقول السارد " دخل مطعم هالة، فتح حقيبته أخرج منها حزمة من المجاميع القصصية .. وباهتمام بدأ يوزع بالمجان حتى نفدت ثم تساءل بغضب : هل أنا كاتب قصص قصيرة جدا إلى هذا الحد؟ أما في نص " هل " يفتتح النص بالإشارة المكانية من الداخل يقول السارد " دخل مطعم هالة لاهثا " وهو نص بقدر ما يبرز جنون البطل ستفتح خاتمته أفق تحليق مماثل لنص مطعم هالة بتساؤل ماكر " هل أنا طفل بشاربيه؟ " إن هذا النسج جعل من فضاء المطعم خلفية سينوغرافية لإبراز عمق الجنون /والخبل /والإبداع بل الضحك حتى البكاء يقول السارد " دخل شاعر وعشيقته مطعم هالة ..."وسينتهي النص بحوار ملغوم " ماذا تفعل هكذا بأصابعك سألته؟ ـ سأتوقف عن كتابة القصيدة يرد الشاعر . فالمكان بقدر ما يبرز الاختلاف الغرابة سيعلن عن حالات نفسية رهيبة كما هو الأمر في نص " مرايا " يقول السارد " في مطعم هالة جلس القرفصاء، وأخرج من حيوبه كثيرا من المرايا نثرها أمامه تأملها للحظات، ثم صرخ ساخرا " هل أنا منافق إلى هذا الحد؟ ". إنها لعبة التكرار ضمن متوالية المكان والحدث والموقف الغريب لتصوير عمق الضعف الإنساني وانتفاضات النفس وخلخلة الأنا المتمركزة حول ذاتها وعالمها الأصغر من حبة خردل والمماثلة في سعتها للكون بشساعته فنص " ظلمات" يستوقفنا هو الآخر لكونه يبدأ بنفس البناء يقول السارد " دخل مطعم هالة متوترا /جلس فوق الكنتوار خلل لحيته كثيرا ./ ثم أخرج صرة بنية : كتابا أصفر سواكا من عود الأرك ../ قارورة كحل ../ حزاما ناسفا / . ثم صرخ في الحضور .بعنف / . هل أنا مجنون إلى هذا الحد؟ " . قصص بنفس المدخل منفتحة على أسئلة موجعة تبرز الشرخ النفسي والانشطار وهي بتوازياتها المتناقضة ترصد عوالم من المتقابلات اللغوية الدالة بين التطرف و الإرهاب / الانفتاح والانغلاق / الإيمان والكفر / الحياة والموت تمرر خطابات واقعية كأنها تضع الملح فوق الجرح لتنزف حقائقه المغيبة . إنه نوع من الاستنطاق الذي تمارسه الشخوص على سرير التشريح النفسي وهي وجها لوجه بانحرافاتها وزيغها عن المنظومات المجتمعية وكأنها تمارس بارتدادتها نحو الأعماق نوعا من النقد الذاتي فالمكان أحيانا سيتم استيراده من إيحاءات المعنى الدال عليه كما هو الأمر في العديد من النصوص كنص " لحية أنيقة " يقول السارد "استلقت على قفاها فوق السرير متعبة من الايروتيك، ليقفز إلى ذاكرتها مطعم هالة". إنها كتابة تلعب على المتوازيات والمتقابلات من صور وأحداث وشخوص :كتابة تنزع نحو تحريك الصور الدالة والمواقف المعبرة التي تجعل من اللغة مجرد وسيلة ثانوية فلحمة القصص الحقيقية في تداعيات حدثين لهما نفس الوضع والحالة النفسية لكنهما ينطلقان في اتجاهين متباعدين من خلال الحفاظ على مساحة بينهما "وهو ما يمكن اعتباره شاعرية تتم في زمن نفسي بعيد عن واقع القذارة والخيانة والبؤس يقول السارد " عاد منهكا ليرسم في خياله/ بحرا يزحم بالنوارس / معطفا من جلد كالبني / وطفلة تتشعبط في حبل مفتول / / عادت منهكة لترسم في خيالها طبقا من سمك/ وجها حليقا وشاربين كثين / ورجلا يلتقط صورا لامرأة / / تضع في ملابسها قليلا من العطر / (عفوا عزيزي القارئ اللقطتان كانتا من وحي أربعاء قديم). وهذا التقابل والتطابق في السلوك والحدث المتوازي هو وضع سيجعل من المتخيل وإفرازاته هو المتغير الباحث عن مشترك في النهاية " رسم في خياله بحرا = ترسم في خيالها طبقا من سمك ووجها حليقا وشاربين، إن إفرازات الخيال تجعل الذات تجنح بحثا عن النصف المفقود والحب الملحوم به فالبطل يرى محبوبته في صورة طفلة تتشعبط في حبل مفتول = بينما هي ترى فيه فارسا بوجه حليق وشاربين كثين وهذه الصورة سرعان ما يتم العصف بها نظرا لما ولدته القفلة من شكوك وهواجس يقول السارد " ورجلا يلتقط صورة لامرأة تضع في ملابسها قليلا من العطر " واقعة تنزاح بثقلها نحو الشك المثير للغيرة والقلق . في حين نكاد نشعر بنوع من العصف الهادر ونحن إزاء نص "قطار الفجر " الذي كانت شدراته المقتطعة من زمن حكي عبارة عن لوحات رومانسية كما أن اللغة الشاعرية والجميلة بقدر ما جعلت من الاستطراد اللغوي والاستعاري مجالا لها فتحت القص على أفق مختلف ومغاير فالسفر سيتم نحو شفتين كما أن البطلة ستبتاع تذكرتين وهي مواقف بقدر ما تثير الدهشة تدفعنا للتأمل، كما أنه نص مجزأ إلى أربعة لقطات أو ومضات لكل منها دلالته الخاصة، يقول السارد " 1 في فجر ملتبس، ابتاعت تذكرتين من الشباك الوحيد، كي تستقل القطار إلى شفتين . 2 في العربة الأولى، رسمت بورتريها لراهب حزين، وسربا من العصافير يصلي 3 في العربة الثانية، رسمت الكثير من المرايا، وسربا من النوارس يؤدي إلى البحر 4 وفي المحطة الأخيرة، نسيت حقيبتها السوداء في البوابة المفضية إليها .
|
|||||
|
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | تقييم هذا الموضوع |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| القصة القصيرة وشروطها | زاهية بنت البحر | منتدى القصة القصيرة | 9 | 03-01-2014 01:37 AM |
| قرات هذا اليوم | نوال جمال | قسم القصة القصيرة جدا | 2 | 12-11-2011 01:34 PM |
| القصة القصيـــرة رؤئ من العالم العربي | محمود ابو اسعد | منتدى القصة القصيرة | 3 | 12-10-2010 11:43 AM |
| التقنيات الفنية و الجمالية المتطورة فى القصة القصيرة | حسن غريب أحمد | منتدى البلاغة والنقد والمقال الأدبي | 4 | 16-08-2009 03:44 PM |
| القصة القصيـــرة رؤئ من العالم العربي | محمود ابو اسعد | منتدى القصة القصيرة | 22 | 17-01-2008 04:46 PM |