|
|
|
|||||||
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
كان المساء يهبط على المدينة ببطءٍ غريب، كأنَّ الليل يخاف أن يوقظ أحدًا. المقاهي مزدحمة، والأضواء تتثاءب في الشوارع الطويلة، وشامخ، ذاك الحائر بين العقل والعاطفة ، جلس في الزاوية البعيدة من مقهى يطلّ على النهر، لم يكن ينتظر أحدًا، لكنه كان يشعر بشيءٍ ينتظره. فبعض اللقاءات لا تحتاج موعدًا، يكفي أن تكون الروح في حال استعدادٍ كي يولد القدر. وحين دخلت هي، لم يرَ وجهها أولًا، رأى فقط ظلَّها يمرّ عبر الضوء كأنها سرٌّ انكشف لثانية ثم اختفى، كان في صوتها، حين طلبت قهوتها، رنينٌ يشبه المطر على زجاج القلب، وفي مشيتها نوعٌ من التوازن الذي لا يُصنع… بل يُولد مع من خُلِقوا من حلمٍ نادر. لم تلتفت إليه، لكنه شعر أنها رأت كل أفكاره دفعة واحدة، وكأن بينهما معرفة قديمة، انعكاس لجزءٍ من روحه لم يكتشفه بعد. ابتسم النادل حين سأل شامخ بصوتٍ خافت: "هل تعرفها؟" فأجابه شامخ بارتباكٍ طفولي: "لا… لكنني أعرف الإحساس الذي جاء معها." كان كل شيء فيها يربكه، حتى صمتها كان له إيقاع، جلس يراقبها من بعيد، يحاول أن يتجاهل اضطراب يديه، ويقاوم رغبةً طفولية بأن يقول شيئًا… أي شيء. لكنها التفتت فجأة، نظرت نحوه نظرةً عابرة… لا تشبه الفضول، بل تشبه الاعتراف. ابتسمت بخفّة، ومرّت في تلك الابتسامة كلّ الأسئلة التي لم يُجِب عنها يومًا. وفي تلك اللحظة، شعر شامخ أن الزمن توقّف لثانيةٍ واحدة، ثم استأنف سيره، لم يكن يعرفها، لكنه أدرك أن شيئًا منه سيبقى عندها، حتى لو خرجت من المقهى ولم تعد أبدًا منذ ذلك المساء، لم يعرف شامخ أين انتهى منه الواقع وأين بدأ الحلم. كان يعود إلى المقهى كل يوم، يجلس في نفس الزاوية، يطلب القهوة ذاتها، وينتظر الصدفة أو القدر أن يعيدها إليه. لم تأتِ، لكنها تركت في المكان أثرًا لا يُمحى؛ كأن الكرسي الذي جلست عليه ما زال يحتفظ بحرارة وجودها، وكأن النهر الذي مرّ بجوارهما يومها لم يتوقف عن الهمس باسمها. بدأ شامخ يهمس إلى نفسه: "هل الحبُّ حدثٌ أم وعي؟ هل نحن نحبّ الأشخاص، أم نحبّ ما يوقظونه فينا؟ وهل يكون الجمال نعمةً إن جعلنا نرى العالم بعينٍ واحدة؟" لم يجد جوابًا، لكنه شعر أن كل سؤالٍ يجرّه نحوها أكثر، حتى الحروف حين كتبها في دفتره، كانت تميل نحو اسمها من تلقاء نفسها، كأن القلم يعرف طريقه إلى القلب دون إذنٍ من العقل وفي مساءٍ آخر، بينما كان يسير على ضفة النهر، لمح ظلًّا يشبه ظلّها، كان يحمل شيئًا من النور الدافىء ، من الإيقاع الرقيق، من الخطأ ذاته الذي يُشعل الصواب. تقدّم بخطواتٍ مترددة، يتصارع داخله نداءان: أحدهما يقول له "اذهب" والآخر يقول: "اهرب"، لكن حين التفتت إليه، وعانقه بصرها دون كلمة، شعر أن كل الأصوات خمدت إلا نبضًا واحدًا في صدره. قال بصوتٍ خافتٍ لا يسمعه إلا هو: "كم غريبٌ أن نرى في إنسانٍ واحدٍ مرآةَ الوجود كله." ابتسمت دون أن تعرف ما قال، كأنها فهمت بروحها، لا بأذنها، ثم مضت في طريقها، تاركةً خلفها ريحًا من الأسئلة العطرة. وقف شامخ طويلًا يحدّق في الأفق، وأيقن أن الحبَّ ليس وعدًا باللقاء، بل امتحانًا للصبر. فأعظم أنواع العشق، تلك التي تُشعل ولا تكتمل، تتركك حيًّا... لكنك لا تعود كما كنت أبدًا. كان شامخاً يحدّق في الفراغ، والمدينة خلف زجاج المقهى تبدو كأنها تغلي بالضوء والضجيج، كل شيء يتحرك إلا هو. فنجان القهوة أمامه بردَ منذ زمن، والجرس في صدره يدقّ بإيقاع غامض كلّما مرّ وجه يشبهها. هي لم تكن امرأةً عادية، بل فكرة متجسدة، طيفًا هبط من سماء مجهولة، ترك فيه عطراً يشبه الموسيقى، ومضت دون أن تترك عنوانًا. منذ تلك الليلة، شرع يسكن الأرصفة، يبحث عنها في العيون العابرة، في الكتب القديمة، في أغاني المذياع التي تأتي صدفةً ثم تختفي كأنها تخاف من أن تفضح سره. كان يؤمن أن الحبّ ليس صدفةً، بل كائن يسكنك قبل أن تولد، ثم يخرج ليقابلك حين تنضج روحك.ولذا، حين لمحها مجددًا في معرضٍ للفن الحديث، شعر أنه التقى بنفسه في مرآة بعيدة، لم تتغير كثيرًا، سوى أن في عينيها هذه المرّة شيئًا من الحزن العميق، كأنها تعرف كل ما مرّ به من انتظار. اقترب، لم يقل شيئًا، هي أيضًا لم تقل، لكنّ الصمت بينهما كان صاخبًا، مليئًا باعترافات لا تُقال، وذكريات لم تحدث بعد. حين سألها أخيرًا: "هل تذكرين المطر؟" ابتسمت، وقالت بصوتٍ خافتٍ: "لم يتوقف يومًا." ذلك الرد وحده أعاد إليه العمر كله |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||
|
|
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 3 | ||||
|
اقتباس:
|
||||
|
![]() |
|
|