|
|
|
|||||||
| منتدى القصة القصيرة أحداث صاخبة ومفاجآت متعددة في كل مادة تفرد جناحيها في فضاء هذا المنتدى..فهيا لنحلق معا.. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||
|
"رياح وأجراس"* مجموعة قصصية فهد الخليوي مقدمة فهد الخليوي:" الزهد في الأضواء" و"كتابة الصمت " بقلم/علي الدميني باطمئنان مبكر يمكنني القول بان " فهد الخليوي " الإنسان ، والكاتب ، والمبدع ، ينتمي إلى شجرة صحراوية تمتلك قدرتها على التعاطي مع وسطها الحياتي – في مختلف أبعاده- وفق منطلقين هما : الزهد في الأضواء ، والاحتفاظ بالقدرة على متابعة "كتابة الصمت" الفاعلة، مدفوعا بوعيه الثقافي وحساسيته الفنية ، في صياغة معادلة ذهبية تضمن للذات استقلاليتها وتفردها إزاء تعالقاتها مع الواقع وإكراها ته. وهذه الشجرة من الكتاب الذين عرفتهم ساحتنا الثقافية المحلية في المملكة ، (من "حمزة شحاته، ومحمد العلي إلى فهد الخليوي ، وأقرانه )، تمتعت بقدرات متفردة مكنتها من المحافظة على معادلات الحرية والاستقلالية الذاتية ، إزاء اشتراطات التواصل مع الآخر، وامتلكت الجرأة والجلد على نقد أنجاز الذات المبدعة أولاً، من خلال نسيانه أو حجبه عن الظهور، وبالتالي امتلكت الشجاعة والمصداقية في نقد منجز الآخر تالياً، بحيث استطاعت من خلال ما انطوت عليه من ملكات " الزهد" في الأضواء والشهرة، أن تمضي في العمل على إبداع كتابة تتسم بالجرأة و الصدق و التقشف في آن . ولعل في هذه التشكيلة الثقافية والإبداعية والنفسية لهذا النمط من الكتاب، ما يفسر لنا أسرار " الزهد " في جمع كتاباتهم بين دفتي كتاب، مثلما غدت حاضناً فنياً لا يمكن أن يرشح عنه إلا تلك الكتابات الاختزالية المكثفة ، التي تغلف ما ينشرونه في الصحف السيارة ، للتعبير عن انشغال كل منهم بالبحث الدائب عن أنموذج فني يجعل الكلام قريباً من الصمت الموجز، والبوح المرموز، المحمّل بطبقات كثيفة من إمكانات التأمل والتأويل. لا نحتفي بمجموعة " فهد الخليوي" الأولى، من خلال النص الماثل بين أيدينا وحسب، وإنما نستحضر البعد الزمني العميق الكامن خلف هذه الإطلالة المتأخرة، لأكثر من ربع قرن على الأقل، لنرى إلى كاتب وقاص عمل في سياق تطور مفهوم الكتابة الأدبية في بلادنا، منذ أوائل السبعينيات الميلادية ، وحتى اليوم. ذلك أن الكاتب ومجايليه، المهمومين بقضايا الكتابة الواعية والمتجاوزة ، كانوا من الأسماء المؤسسة لحساسية كتابة مغايرة، ومغامرة أيضاً، شهدت على أزمنة التحولات المفصلية في حياتنا الثقافية، فغدوا نصاً آخر اختط طريقه ، وأثث بيته الأدبي وفق ما استدعته المرحلة من معادلات التحدي والاستجابة...التفاعل والتراكم... الحنين والإفاقة. "فهد الخليوي " اسم يحتلّ في الذاكرة مساحة أكثر غنى وتأثيراً من جماليات نصوصه التي استمتعت بقراءتها ضمن هذه المجموعة وخارجها، لأن كتابته الثقافية والإبداعية ، التي احتفظ قراؤه ومجايلوه بفاعلية حضورها أكثر مما زهد الكاتب في الحفاظ على نصوصها الأصلية ( حيث مزق الكثير منها ) ، تؤرخ لمرحلة انتقال من ذائقة إلى ضدها، ومن حساسية إلى بديلها، على الصعيدين الدلالي والجمالي معاً. فهد الخليوي " شكّل مع آخرين قنطرة للعبور ما بين حالين ، وما بين مناخين ، مشتبكين بجدل المبنى والمعني، و أخطوطة الرؤيا والتعبير، وشراسة البحث عن أفق دال على ذاته، إلى مدلول يبحث عن تحقق تلك الذات. وتحفل قصته " أجراس " ، من خلال بطل النص الذي يضطر لحمل متاعه وكتبه ومغادرة بيته القديم في إحدى الحارات الشعبية، بما يدلنا على الكتابات المؤسسة لوعي السارد في تلك المرحلة التاريخية ، حيث يقول " أخذ يشحن الكتب ذات الحجم الأكبر.. (الوجود والعدم)، يحتاج بمفرده لكرتون (الحرية سابقة للوجود العدم خارج الوجود) سارتر أديب وفنان .... ،(تدهور حضارة الغرب) لاشبنغلر ، ثلاثة أجزاء ، تحتاج لأكثر من كرتون......ستنتهي مهلة اليومين وأنت تقرأ قبل أن يجيبك هذا الموسوعي الجبار على سؤالك ، أما (هكذا تكلم زاردشت) فأقل حجما ويمكن شحنه مع بقية الكتب (على كل سائر أن يكون جسرا للمتقدمين وقدوة للمتأخرين) نيتشه..... ومنذ كتاباته المبكرة في الصحافة المحلية في مطلع السبعينيات، اختط " فهد الخليوي " لنفسه، مساراً واضح المعالم ، لا يركن إلى المهادنة أو استمراء مجانية الكلمة، كما لم ينخدع بما تعد به من مغانم زائفة. ولذلك ذهب إلى صومعة "الزهد" الفاضلة منذ مطلع التسعينات، بعد أن أسهم بشكل فاعل في الأشراف على الصفحات الثقافية في مجلة " إقرأ " ، و حفر اسمه خلالها كمثقف تنويري، ومبدع يعمل ضمن سياق الباحثين عن رؤى متسائلة ، وآفاق ممكنة "لكتابة جديدة". أيها الصامتان الوقوران كالثلج فوق المآذن والوشم في عتبات المكانْ كيف تبلى الليالي بأقراطها البيض بين ثياب المدينة ، من دون سوءٍ ، ولا تبليانْ غابةً كنتُ، لكنني قد حسبت بأنكما طائرانْ توّج الصمت حبركما فامنحاني من الحبر ما يترع القلبَ قبل انطفاء الأوانْ. في أواخر عام 1990م، الذي ينطوي على العديد من الدلالات، حضر الصديقان، المغموسان في طيات حضورهما البهي في ذاكرتي (فهد الخليوي و جبير المليحان ) في هذا النص القصير ، متيمناً فيه، بكتاباتهما المكثفة، و واقفا من خلاله أمام ما تميزا به من جماليات " صمت الكتابة" ، و " الزهد في الأضواء "، و مؤملاً في نفس الوقت أن يعاودا ملء فراغ موقعيهما الشاغرين في حراك ساحتنا الثقافية . ولكم تغمرني مشاعر البهجة الخاصة اليوم باحتفائي بموافقة " فهد الخليوي" على إصدار مجموعته القصصية الأولى عبر نادي " حائل الأدبي "، و ممارسته لدوره الثقافي من خلال ديوانية " القلب المفتوح " في دارته المحروسة بشمال جدة، مثلما كنت قد سعدت من قبل بمعاودة " جبير المليحان " شغفه بالإبداع القصصي ، وحضوره كفاعل مؤثر، عبر مواقعه العديدة ، في ساحتنا الثقافية . وإذ لا يتيح لي فضاء كهذا الذي اخترته كمقدمة احتفائية بموافقة "مبدعنا " على المضي في تجربة نشر مختارات من نصوصه القصصية، لتدوين قراءة مستمتعة بالنص، فسأكتفي بالإشارة إلى ما تحفل به هذه المختارات من ممكنات القراءة التأويلية المبنية على مفهوم النص القصصي القصير ، من حيث ارتباطه بالسرد البدائي وبناه الأسطورية الرمزية ، القريبة من تشكيل البنية الشعرية ، في ارتكازهما على " التكثيف لا التوسع ، والتركيز لا التشتيت " ، بحسب الناقد عواد علي " *،( وأذكِّر القارئ هنا بأن القاص يكتب القصيدة إلى جانب كتابته للقصة القصيرة ، والقصيرة جداً ). ولذا فإننا نلحظ في هذه القصص غياب البعد الواقعي ( الكنائي) للشخصيات والأمكنة، وحضورها كشخصيات وأمكنة مؤسلبة ، أكثر من حضورها كذوات حقيقية ، كما يقول بذلك " نورثورب فراي ". فالمرأة في قصة " سطور من تراث الوأد " التي تتعرض إلى عملية وأد جماعية ، لا تحيل إلى مخيال امرأة محددة الملامح والسيرة الحياتية، وإنما تتحول إلى مكمن للتأمل والتـأويل، يستذكر تراث الوأد القديم والمعاصر للمرأة، مثلما تغدو موازيا رمزياً لوأد الحقيقة ... وأد المستقبل... و وأد الحرية أيضا. والمرأة في قصة " ظلام " لا تشير إلى كينونة إنسانية بذاتها وحسب ، وإنما إلى حالة اجتماعية عامة تشمل الوجود الفردي والجمعي معاً ، حتى يصبح التعبير عنها في النص دالاً على صراع رغبات مقموعة و هواجس مضمرة لكسر حواجز القيد، تتهيأ لكشف الحجاب عن مكنوناتها، التي غشيتها الظلمة من شدة لبس (القناع / الأقنعة). فالقناع لا يخص المرأة المؤسلبة في النص، وإنما يغدو دالاً شديد الاتساع لحالة مجموعة من الناس ، أو قوم من الأقوام، هم في أمس الحاجة لنزع الحجاب عن أعينهم ، لكي يروا واقعهم كما هو، ولكي يبلغوا مساحات الأزمنة المضيئة. ويمكن أن نمد زاوية النظر إلى تلك التقنية الكتابية في بنائها لفضاء الأمكنة، حين نرى إلى أن " القرية التي هجرتها شاحنات القمح " بفعل سطوة سيد الأرض، وأن المدينة التي تقاوم التغيير فيما تهددها الريح ، ليست قرية بذاتها ، أو مدينة بعينها، وإنما هي أمكنة مؤسلبة ، يمكن أن نتقرى فيها ملامح التعبير عن الذات الإنسانية ، والكيان الوطني ، وعن الأمة الباحثة أيضاً، عن أفق للتشكل الجديد ، عبر رؤى أعين قلقة على مصيرها ، و باحثة عن مستقبلها في هذا الكون. وفي هذا السياق لا أجد أجمل من اجتزاء مفتتح كتابة الدكتورة"شادية شقروش " من الجزائر عن مجموعة الخليوي بعنوا ن " سلــطة الكتابة بين المبدع والمتلــقي قراءة في نصوص فهدالخليوي السردية"، والتي نشرتها في صحيفة عكاظ على مدى ثلاث حلقات ، قائلة : (( يرتكز المقياس الجمالي والفني والحضاري على إنتاج المتميز والأجمل والخالد، وبصورة أدق، المختلف)). من هذا المنطلق يكون الإبداع الحقيقي في براعة البناء والسعي إلي مخالفة السائد، والمألوف، وبالتالي فالتمرد الأدبي القائم على رؤيا فيها نوع من الصفاء والحكمة، سيقودنا بالضرورة إلي الاختلاف، لذا كان لكل انحراف وعدول منطقه الخاص. من هذا المنطلق تصبح الكتابة عنتا والقراءة متعة أو ما يسميه (رولان بارت)Roland Barth لذة النص. ولا شك عندي في أن ما يكتبه القاص "فهد الخليوي" يقع ضمن هذا الإطار الذي نستمتع به ، ونتشوّف معه إلى مزيد من العمل الدءوب على الاستمرا رفي تطوير فاعلية ما يضمره من إضافة وتميز. * عواد علي – صحيفة الزمان – 27/1/2003م ** شادية شقروش – جريدة عكاظ – 7/9/2007م رياح لم تعهد المدينة تلك الرياح التي أزّّت بعنف قرب شواطئها , مما اضطر أمن السواحل لإصدار تحذير عن مدى خطورة ارتياد البحر. وردت أخبار من محيطات بعيدة تفيد بأن المدينة ستمنى برياح أشد , وأكد فلكيون بانتقال الرياح من البحر إلى قلب المدينة. كان سرب من الطيور يغرد فوق البحر, ثم دفعته شدة الرياح للتحليق بعيدا باتجاه الصحراء. أقفرت الشواطئ , بعد أن هجرها الناس وظلوا فى بيوتهم وجلّ أحاديثهم تدور عن الرياح. قال كهل يقطن شرق المدينة : ( ليس باليد حيلة إنها الرياح ). ازدحمت بالسماء سحب كثيفة , وكأنها تنذر بحدوث شيء ما لكن البعض رجّح بأنها مجرد أمطار غزيرة ستدفع بها الرياح إلى أماكن أخرى. استبد شغف لدى الناس بتقصي كل ما يتصل بمعرفة الرياح , وتوصل باحثون إلى أن كلمة رياح هي أكثر المفردات انتشارا بالكتب المقدسة وفي معاجم الأمم القديمة والحديثة. كما أن الكتب المهتمة بتاريخ الرياح أشارت إلى أن مدنا مشتتة بأصقاع العالم اجتاحتها رياح عاتية , ودكت سكونها وبدلت أزمنة بأزمنة وأنماط بأنماط . وأوضحت تلك الكتب بأن بعض الرياح تجري بالفضاء الشاسع وتبدل رونق الطبيعة ولكل ريح في ممالك السماء فلك ومدار. ازداد هيام الناس بالتقاط أخبارالرياح من كل منفذ متاح ، بعض المهتمين عاد به البحث إلى أزمنة سحيقة وروى أن للرياح أساطيرها وطقوسها وهي تضرب بأعماق البحار ، وتجتاح الصحارى، وتدك أقوى الحصون, وتهزم أعتى ألأباطرة, وتحيل الساكن إلى متحرك والثابت إلى رماد. وحكى الراوي أسطورة القرية التي نسفتها الرياح عن بكرة أبيها, ولم ينج من أهلها عدا بضعة رجال ونساء تناسلوا عبرالأزمنة وأعادوا بناء القريةبأنساق جديدة بعد أن هبت عليهم رياح ، حملت أمطاراً غزيرة جلبتها منسماء بعيدة ، وارتوت بعد هطولها الأرض ، وأينعت السنابل ، وتكاثر النسل وأقيمت الأعراس ، وأضيئت الشموع في كل دار وسابلة. وصلت الرياح إلى وسط المدينة ، وأخذ أزيزها يصطخب ويصل إلى أطرافها القصية. انطوى اليوم الأول من مجيء الرياح بعد أن حاصرت المدينة من جميع الجهات. تعامل الناس مع ظاهرة الرياح ، تعاملا ينم عن الاستسلام للأمرالواقع وصدرعن مرصد المدينة ، توضيح أفاد بأن المدينة لم تتعرض طوال تاريخها لرياح بهذه القوة والتأثير. تضرع الآباء والأمهات إلى الله بأن تصبح هذه الرياح ، فواتح خير ومحاصيل بركة ورحمة ، وتجنيب المدينة من شرورها وعواصفها المتقلبة. كان القلق يرتسم على الملامح خوفا من انهيار البيوت ، والصروح والأعمدة سيما وأن المدينة بنيت على النسق القديم ذي الطبيعة العشوائية وربما تصبح في مرمى الخطرالمحدق أمام هول الرياح وضراوتها. 2004م إبادة حرك جسده الضامر , فتح بيديه المرتعشتين خزانته المثقلة بأقفال صدئة. قرأ أوراقا نسخت بمداد زمنه الآفل تذكر ، ضحاياه وكأنهم طيور متوحشة تهبط فوق روحه المتلاشية. شعر بهمود ذهنه ونفور عروقه , وقرقعة عظامه ، نشطت حشرة الإبادة وأنجبت سلالتها المدمرة في ربوع بيته الكبير. قاومها بكل مقتنياته الفتاكة , انهارت مقاومته أمام الزحف الكاسح للحشرة. توغلت الحشرة في بطون الجدران ودلقت عناصر الإبادة في كل زوايا البيت. اطل عبر النافذة إلى بهو بيته الكبير , كان البهو يغرق في لزوجة صفراء والحشرة تسبح في تلك اللزوجة تلتصق بجسدها القاتم أثداء مملوءة بسوائل نتنة. انتشر فحيح الحشرة وفاضت اللزوجة في أرجاء المكان. تحسس نبض عروقه وصرخ: - كياني يحترق! تسلقت سلالات الحشرة أبدان حاشيته وأخذت إحدى زوجاته تعوي من قسوة داء الجرب , وعصف (الدرن) بأطفاله وفلول خدمه. حدق بالشمس وترجرج دمع آسن في قاع عينيه أسلمه إلى ظلام دامس. - إنه الفناء!! قال ذلك واستسلم لعواء طويل! 1990م أجراس خمسون حولا دقت أجراسها في غضون الزمن , بين صخب جرس وآخر تقبع ارتعاشة مرهفة داخل مسرحية طويلة , يشدها قضيبان , هزلي وتراجيدي. كان في تلك الليلة ضجرا , رغب لو تمطر السماء وتبلل الأرض وتنقر بزخاتها هياكل السيارات التالفة وبقايا الأخشاب المهملة وكميات العلب الفارغة المتناثرة على جنبات الشوارع. كان يحلم أن تمطر السماء وتثير في مشاعره عبق الذكريات الآفلة0 قاد سيارته باتجاه جنوب المدينة , كانت منظومة من النجوم مصطفة في السماء وقد نسجت عقدا ضوئيا تلاشى سريعا وسط غيوم بيضاء تمزقت كنتف القطن وسمحت لشفافية ضوء بعيد بالتسرب بين فجواتها الباردة. الأحياء القديمة جنوب المدينة ، تلتصق في بعضها كالتلال الرملية الصغيرة ، وتشيع عبقها الطيب الممزوج بالسكينة والإستكانة. للأمكنة في هذه الأحياء المتصلة بغوابر الأزمنة حضورمتألق في ذاكرته. عبر شارع ضيق ، أفضى به إلى حيه القديم ،ها هو مسجد الحي عند بوابته الخشبية نعشان متقابلان لم يتغير مكانهما ثم مقهى(عبده اليماني) الذي رحل إلى اليمن قبل سنوات وباع المقهى لأحد الهنود توغل داخل الحي إلى أن وصل لمنزله الصغير الذي تركه قبل ثلاثين عاما ، بسبب عجزه عن دفع أجره الشهري ،مالك المنزل أمهله يومين للبحث عن منزل آخر. ـ آنذاك ـ جلب عشرات الكراتين ، من مرمى مستودعات الأغذية لشحن كتبه ، أما باقي الأمتعة فأمكن شحنها بكيس صغير ، إبريق شاي من النحاس الأصفر، سخان كهربائي عتيق ، كوب من الزجاج الباهت ، فراش من الإسفنج الهابط ، أقلام ، ناي , شريط غنائي ل (فيروز) ، وآخر ل(فوزي محسون). أخذ يشحن الكتب ذات الحجم الأكبر (الوجود والعدم) يحتاج بمفرده لكرتون (الحرية سابقة للوجود العدم خارج الوجود) سارتر أديب وفنان أكثر منه فيلسوفا ومنظِرا. (تدهور حضارة الغرب) لاشبنغلر ، ثلاثة أجزاء ، تحتاج لأكثر من كرتون (المدينة ليست نواة حضارة سكان المدن يكررون الحياة والموت بطريقة رتيبة وليس لهم علاقة بصنع الحضارة البتة) كيف؟ ستنتهي مهلة اليومين وأنت تقرأ قبل أن يجيبك هذا الموسوعي الجبار على سؤالك ، أما (هكذا تكلم زاردشت) فأقل حجما ويمكن شحنه مع بقية الكتب( على كل سائر أن يكون جسرا للمتقدمين وقدوة للمتأخرين) نيتشه 00 فيلسوف عظيم لا يتكرر. أقلع عن همهماته وانهمك في ترتيب الكتب ، ذات الحجم الأكبر ، ثم الأوسط ، فالأصغر. حمل كراتينه المدهشة وكيس متاعه الصغير ، ورحل عن هذا الحي قبل ثلاثين عاما. إيقاعات حزينة وشجية ، تناغمت في فضاء روحه شعر أن ذاكرته تشتعل وتصهر المكان والزمان ، وكأنها تحيل حقبة توارت إلى دقائق معدودات. قاد سيارته متجها إلى الشارع العام ، ثم سلك الطريق المؤدية الى البحر هناك وقف على الشاطئ منصتا لدمدمة البحر. 2000م عن قرية هجرتها شاحنات القمح عندما جاء سيد الأرض إلى القرية خاطب الأهالي قائلا: - نظرا للظروف المناخية والجيولوجية ، تقرر عدم مرورالطريق الإسفلتي الجديد عبر القرية. أنهى إمام المسجد على عجل ، خطبة الجمعة مختصرا شتائمه على اليهود وحث خطاه للحاق بالركب المتجه إلى مقر سيد الأرض. دخل أعيان القرية ، يتقدمهم الإمام وشيخ القرية ، وانحنوا أمام سيد الأرض وقبلوا يديه ملتمسين عدوله عن هذا القرار، الذي سيدمر اقتصاد القرية ويحيلها إلى مجرد أكواخ متناثرة وسط صحراء قاحلة. لكن شاحنات القمح سلكت الطريق الجديد ، وظلت القرية معزولة تعاني من هجير الرمال. اتفق أعيان القرية على تزويج سيد الأرض لعلمهم بنهمه الجنسي ، على أجمل بنات القرية ، وأكثرهن إغراءا وجاذبية ، بهدف جره للعدول عن قراره. وضعوا آلية دقيقة ، للبحث عن أجمل فتاة في قريتهم. أقحموا زوجاتهم بهذه المهمة ، لم تترك زوجة شيخ القرية بيتا إلا وطرقته تدخل وتسلم على أصحاب البيت ، تشرح الموضوع على أنه يتعلق بمستقبل القرية. ويأتون بالموجود لديهم من البنات ، تحدق زوجة شيخ القرية بكل فتاة على حدة ، مستغرقة بأدق التفاصيل ، العينان ، صلابة النهدين ، اكتناز الصدر، المؤخرة ، تناسق الجسد ومدى طراوته. تخرج زوجة شيخ القرية وهي تتمتم. - سعيدة الحظ من ستفوز بقلب سيد الأرض!! تطوع نساء كثيرات ، في تنفيذ هذه المهمة وانتشرن بكل أرجاء القرية وتكللت تلك الجهود المضنية بالنجاح. تم انتخاب ، "مضاوي" المفرطة بجمالها وأنوثتها وذكائها ، لكي تزف إلى سيد الأرض. خرموا جسدها الغض بالخماخم الذهبية ، والحجول الفضية ، ومشطوا ضفائرها بالمسك والعنبر، وخضبوا كفوفها بالحناء. علموها كيف تشعل أنوثتها المثيرة ، وتحكم سيطرتها على غرائز السيد التهم سيد الأرض روائع أنوثة مضاوى. لكنه أصيب بسعار مخيف ، قرر بعده التهام كل بنات القرية. 1976م البوابة فرغتالشركة من إنشاء طريق اسفلتي بعرض ثلاثين مترا مضاءً ومرصوفاً تتناثر في وسطه جيوشمن القطع النحاسية المدببة ،يلتف الطريق حول المدينة كثعبان أسود مرصع باللؤلؤ. تصب كل مسارب الطريق داخل المدينة ، تتفرع ثم تتلوى كأمعاء كائن بشري ، وتضيقبقدمي الماشي كلما توغل إلى الداخل. الطرق في هذه المدينة متشعبة وملتوية لاتفضي إلى الخارج ، بما فيها الطريق الجديد الذي يحاصر المدينة على شكل دائرة مقفلةبعد عدة أيام من إنشاء الطريق انتقلت من يد إلى يد ورقة شفافة أنيقة ، رسم فوقها"كروكي" صغير ، تظهر عبر خطوطه الهندسية الدقيقة مدينة داخل دائرة مقفلة ، يشقها خطمستقيم نحيل كأنه وتر فضي يجتاز تجويفة آلة موسيقية. بعد أن طارت الورقة بأذهانالناس ، انتشرت حكاية مخيفة تقول: لو أنشئ طريق مستقيم فإنه سيشق المدينة إلى نصفينوسيبتعد كل نصف عن النصف الآخر أكثر من عشرين مترا بفعل عرض الطريق وهذا الابتعادسيؤثر على التقارب الحميمي للمجتمع ثم يفضي إلى الخارج وخارج المدينة ليس إلا تيهقاتل وصحارى قاحلة. يذهب الناس أحيانا إلى الطريق الجديد ، يعبرون من فوقه ثميدور بهم دورته المعتادة وعندما يجتاحهم الغثيان ينسلون عبر مساربه المتعرجة عائدينإلى بيوتهم. وذات صباح دبت الأقدام واختلجت المشاعر ، عبرت في الأفق سحب مسرعة، وبللت ببعض فيضها جفاف الأرض. شاهد الناس بوابة كبيرة أقيمت عند أحد منحنياتالطريق الجديد ، ترتفع فوقها أقواس عالية ، تبدو للناظر من بعيد وكأنها تشرف علىطريق يفضي الى الخارج. سار بعض الناس الى هناك ، وشاهدوا عن قرب بوابة كبيرة ،ترتفع فوقها أقواس عالية مزدانة بأزهى الألوان على قطبيها الخراسانيين علقت زخارفلطيور وخيول منزجاج وداخل مساحتها المثلثة المقفلة ، تجري مياه عبر أنابيبمضيئة وفوق حوافها نقوش مطلية بماء الذهب ، ورسوم لأهلة وأنجم كأنها تومض فوق جبالشاهقة. أخذ الناس يتأملون البوابة المدهشة باستغراق!! وينظرون إلى أقواسهاالشاهقة ، وانقسموا إلى فريقين. فريق يراهن على أن هذه الأقواس صنعت منالخيزران ، وفريق يراهن على أنها صنعت من شيئ آخر نظرا لضخامتها. عندما اشتدوطيس المراهنة ، صعد من الفريقين رجلان وتفحصا أحد الأقواس ، وإذا بها مصنوعة منأنابيب حديدية صلبة. أمضى الناس هناك بعض الوقت ، ثم عادوا إلى بيوتهم ، فالذيرأوه في ذلك اليوم كان معلما جماليا من معالم المدينة. 1992م سطور من تراث الوأد تحلقوا حول المدفن ، خرج من بين الجمع رجل يحمل فأسا وطفق يحفر في الأرض. اجتثت الفأس جذور أعشاب صغيرة جفت فوق أكوام التراب وتبعثرت بفعل الرياح. اصطفوا على شكل دائرة ، أشهروا سيوفهم وبنادقهم وأطلقوا أعيرة نارية في الفضاء. رقصوا على قرع الطبول , تمايلوا جذلا ثم انطلقت صرخة مدوية: - ادفنوها! ارتدى جسدها الشفيف كفنا منسوجا من عروق ليل طويل. شعت من روحها ومضات عذاب تليد. امتصتها العتمة ، دلفت إلى مهرجان موتها ، وتقاطرت أنوثتها شموسا وأناشيد. أومض طيفها من خلايا الصمت وساد سكون مهيب في ساحة المقبرة. انصرف الجمع عند حلول المساء. كانوا يلوحون برايات سوداء ، ويحملون فوق كواهلهم ليل حالك وسلاسل غليظة وبقايا وأد قديم. 1985م بقايا ذاكرة من بعيد تغفوالقرية في جزء ضئيل من الصحراء، تلوح كنجمة صغيرة تلاشى ومضها في متاهة الفضاء. غمره شعور ممزوج بهاجس الوحدة وغموض المجهول وهويجوب الصحراء للوصول إلى تلك القرية. شعر أنه يتخلص في وهاد الصحراء من ضجيج المدن ، ويتحد مع رموزمغرقة في سكونها وصمتها. الاتساع ، والفراغ ، الرمال الحارقة بصهدها ، والجبال البكماء المخضبة بالسواد، ، وشجيرات الشوك الداكنة التي تدمي شرايين الأقدام. كل هذه العناصرالتي شكلت طبيعة الصحراء ، وصاغت لغزها الغامض ، أيقن أنها تتحاور خارج الحياة بوتيرة لا تتغير. الطريق الإسفلتي الضيق يخترق خاصرة الصحراء ، يتلوى كخيوط سحابة سوداء ، واللوحات الإرشادية بزرقتها الباهتة تنتشر على جانبي الطريق وهي تشير إلى قرى متناثرة بعضها تحول إلى حظائر مهجورة. سأله صديق طفولته الذي لم يبرح أسوار القرية طيلة حياته: - قدومك من الرياض أم من جده. أجاب: - من جدة! ذهب وهو في ريعان شبابه من هذه القرية الصغيرة ، إلى تلك المدينة الكبيرة الراقصة علي أوتار موجها ، وشجن ليلها الممتد إلى تراتيل الفجر. لم يكن يعرف أحدا هناك ، كان صديقه الحميم هو البحر، ثم تزوجأنثى جميلة من أسرة هندية ، وحصل على وظيفة متواضعةواستأجر منزلا صغيرا ، وأنجب العديد من الأطفال. معظم الذين هاجروا إلى المدن هم كذلك ، غالبيتهم من صغار الموظفين الذين يعملون لدى الحكومة ، وقد اكتسبوا المرونة وميزة التسامح في سلوكهم كما تقضي طبيعة المدن. قليلون من تشبثوا في طبيعتهم القروية ، وظلوا طوال حياتهم في قراهم حتى دفنوا في مقابرها. في ذهنه تظل القرية ضئيلة ، سلسلة من القيود المبررة اجتماعيا وكأنها علبة مغلقة ، يشعر أن المدينة فضاء واسعا مزدحما بكل الأجناس والألوان والأضواء ، وتكتل بشري منسجم في وحدته الإنسانية. ذهب إلى البحر صديقه القديم ، وملهمه لكتابة قصيدة ظلت زمنا تختلج في متاهة وجدانه ، كان الوقت يقترب من الغروب والشمس تلامس زرقة البحر ، وتكلل الأمواج الصاخبة بأصيلها الذهبي. قوارب الصيادين ، تذهب وتجئ محملة بما يسد الرمق ، والسفن الضخمة تمخر عباب البحر في رحلة طويلة إلى مدن مشرقة. كانت المدينة ، تمتد كشريط من اللؤلؤ بمحاذاة الشاطئ ، تفصلها قليلا عن البحر تربة (سبخية) رخوة ، وبعض البحيرات الصغيرة المبعثرة. كان سكان المدينة ، يشاهدون البحر من منازلهم مباشرة ، لم تكن مدينتهم طوال تاريخها ترتدي الحجاب أمام بحرها وصخب أمواجه ، قبل أن تحاط شواطئها بسور من الأبنية الإسمنتية. انتشرت ظاهرة الأبنية ، حديثة الإنشاء على طول الشاطئ ولجأ سكان المدينة ، بعد تفشي هذه الظاهرة لقطع مسافات طويلة بحثا عن شاطئ مفتوح. ظل في تلك الليلة شارد الذهن قلقا ، تكسو ملامح وجهه غيمة من الحزن وهو يبحث في بقايا ذاكرته ، عن مدينة حضنت بدفء حنانها بداية صباه ، وطراوة أحلامه. 2007م آخر تعديل ابراهيم حمد يوم 12-10-2008 في 02:04 AM.
|
|||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||
|
عرس |
|||
|
![]() |
|
|