فوزي الديماسي
جريدة الحقائق * ركن الإتجاه المشاكس *
الغرب أو الضفة الأخرى ، واحة الشباب العربي المنشودة في هجير الفقر و الخصاصة و انسداد الأفق أو هكذا يتصّورون ، حلم الشمال حلم ملازم لرؤى كل من أوصدت دونه الدنيا الأبواب ، و بين الحلم و السراب سنوات من التيه و الحيرة تعصف بشباب كأنه الورد في نضارته على أرض فقد عليها كل أسباب الحياة و حلّ تبعا لذلك بالنفوس الكسل و اللامبالاة و الضياع على درب لا تعلم نهايته إلا النهاية، فركب بعضهم موجة الهروب من الواقع المسيج بالظلمات من كل أقطاره ، و لاذوا بالمخدرات و المسكرات و الجريمة و الانتحار ، و استقال وجودهم من كل معانيه الإنسانية ، و باتوا بذلك جثثا مشردة تستوقف بين الحين و الآخر إما ساعة الصفر و ركوب صهوة المنية ، أو إعداد العدة من الحلال و الحرام والتوجه على درب الشوك و الخراب نحو قارب موت يعدّه كثير من العاطلين عن العمل قارب النجاة و السعادة .
قوارب الموت هذه التي احتلت شواطئ الضفة الجنوبية ملتحفة بالظلام و الكتمان تزف حسبها للمسحوقين و التائهين و المشردين في بني جلدتهم الشمس و المال الجمّ و الحور العين فيأتيها الشباب المهزوز من كل فج عميق يمتطون ظهر الخوف و الحذر . مئات من الناس ذهبوا ضحية المستقبل المزعوم و كانوا * وليمة لأعشاب البحر * .
هذا الوضع الجارف لأبنائنا نحو سحيق الهاوية مردّه ضعف اقتصادياتنا المحلّية الهشة و المبنية على أسس ، لا عمد لها سوى الصدفة أو تعليمات بنك النقد الدولي مع غياب وعي التخطيط المحكم و آلياته الدقيقة في مستوى الخيارات الوطنية المحورية الكبرى زيادة على حذف مصطلح الطوارئ من قاموسنا الاقتصادي فاقتصادياتنا الهشة و الهامشية غير قادرة على مواجهة الهزات الاقتصادية سواء المحلية منها أو الإقليمية أو العالمية ، هذا ما يجعل من عديد الدول تعيش على هامش السوق العالمية الأخطبوطية و المتوحشة ، إذن عدم القدرة على التخطيط على المدى المتوسط و المدى البعيد و تفاقم المديونية ثم التبعية الاقتصادية للآخر و قلة الحيلة في مواجهة التكتلات الإقتصادية العالمية و الخلل الناجم عن هذه الوضعية في موازين القوى و نقصد في هذا الصدد مسألة العرض و الطلب في مستوى سوق الشغل ، كلّ هذا أفرز طبقة العاطلين و الهامشيين و المارقين على القانون واستفحلت الجريمة وظاهرة الانتحار و غصّت الشوارع و المقاهي بكل أصناف الشهائد العلمية وامتلأ الفضاء الحالك القوارب الهزيلة الشاحبة الرابضة بمكر على شواطئ البحر المهجورة تلك المغازلة باللفظ و اللحظ للمتشبثين بخيط أمل متآكل ، ويسير نحوها الشباب من ورائهم السجن و العقاب و الموت و الخراب و من أمامهم البخر الهادر الغادر يحدوهم الأمل و الثراء و الخبز و الكرامة و كأني بلسان حالهم يقول : * مطأطئ الهامة أمشي ، منكسر القامة امشي ، في كفّي حفنة أوهام و على كتفي نعشي و أنا أمشي و أنا... و أنا... و أنا أمشي *