الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديــات الأدبيــة > منتدى القصة القصيرة > قسم الرواية

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 18-10-2025, 01:42 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عبدالكريم قاسم
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالكريم قاسم
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالكريم قاسم متصل الآن


افتراضي ظل على ضفة النهر...

كان المساء يهبط على المدينة ببطءٍ غريب، كأنَّ الليل يخاف أن يوقظ أحدًا.
المقاهي مزدحمة، والأضواء تتثاءب في الشوارع الطويلة،
وشامخ، ذاك الحائر بين العقل والعاطفة ، جلس في الزاوية البعيدة من مقهى يطلّ على النهر، لم يكن ينتظر أحدًا، لكنه كان يشعر بشيءٍ ينتظره. فبعض اللقاءات لا تحتاج موعدًا، يكفي أن تكون الروح في حال استعدادٍ كي يولد القدر.

وحين دخلت هي، لم يرَ وجهها أولًا، رأى فقط ظلَّها يمرّ عبر الضوء كأنها سرٌّ انكشف لثانية ثم اختفى، كان في صوتها، حين طلبت قهوتها، رنينٌ يشبه المطر على زجاج القلب، وفي مشيتها نوعٌ من التوازن الذي لا يُصنع… بل يُولد مع من خُلِقوا من حلمٍ نادر.

لم تلتفت إليه، لكنه شعر أنها رأت كل أفكاره دفعة واحدة، وكأن بينهما معرفة قديمة، انعكاس لجزءٍ من روحه لم يكتشفه بعد.

ابتسم النادل حين سأل شامخ بصوتٍ خافت:
"هل تعرفها؟"
فأجابه شامخ بارتباكٍ طفولي: "لا… لكنني أعرف الإحساس الذي جاء معها."

كان كل شيء فيها يربكه، حتى صمتها كان له إيقاع، جلس يراقبها من بعيد، يحاول أن يتجاهل اضطراب يديه، ويقاوم رغبةً طفولية بأن يقول شيئًا… أي شيء.

لكنها التفتت فجأة، نظرت نحوه نظرةً عابرة… لا تشبه الفضول، بل تشبه الاعتراف.
ابتسمت بخفّة، ومرّت في تلك الابتسامة كلّ الأسئلة التي لم يُجِب عنها يومًا.

وفي تلك اللحظة، شعر شامخ أن الزمن توقّف لثانيةٍ واحدة، ثم استأنف سيره، لم يكن يعرفها، لكنه أدرك أن شيئًا منه سيبقى عندها، حتى لو خرجت من المقهى ولم تعد أبدًا

منذ ذلك المساء، لم يعرف شامخ أين انتهى منه الواقع وأين بدأ الحلم.
كان يعود إلى المقهى كل يوم، يجلس في نفس الزاوية، يطلب القهوة ذاتها، وينتظر الصدفة أو القدر أن يعيدها إليه.
لم تأتِ، لكنها تركت في المكان أثرًا لا يُمحى؛ كأن الكرسي الذي جلست عليه ما زال يحتفظ بحرارة وجودها، وكأن النهر الذي مرّ بجوارهما يومها لم يتوقف عن الهمس باسمها.

بدأ شامخ يهمس إلى نفسه: "هل الحبُّ حدثٌ أم وعي؟
هل نحن نحبّ الأشخاص، أم نحبّ ما يوقظونه فينا؟
وهل يكون الجمال نعمةً إن جعلنا نرى العالم بعينٍ واحدة؟"
لم يجد جوابًا، لكنه شعر أن كل سؤالٍ يجرّه نحوها أكثر، حتى الحروف حين كتبها في دفتره، كانت تميل نحو اسمها من تلقاء نفسها، كأن القلم يعرف طريقه إلى القلب دون إذنٍ من العقل
وفي مساءٍ آخر، بينما كان يسير على ضفة النهر، لمح ظلًّا يشبه ظلّها،
كان يحمل شيئًا من النور الدافىء ، من الإيقاع الرقيق، من الخطأ ذاته الذي يُشعل الصواب.

تقدّم بخطواتٍ مترددة، يتصارع داخله نداءان:
أحدهما يقول له "اذهب" والآخر يقول: "اهرب"، لكن حين التفتت إليه، وعانقه بصرها دون كلمة، شعر أن كل الأصوات خمدت إلا نبضًا واحدًا في صدره.

قال بصوتٍ خافتٍ لا يسمعه إلا هو: "كم غريبٌ أن نرى في إنسانٍ واحدٍ مرآةَ الوجود كله."

ابتسمت دون أن تعرف ما قال، كأنها فهمت بروحها، لا بأذنها، ثم مضت في طريقها، تاركةً خلفها ريحًا من الأسئلة العطرة.

وقف شامخ طويلًا يحدّق في الأفق، وأيقن أن الحبَّ ليس وعدًا باللقاء، بل امتحانًا للصبر. فأعظم أنواع العشق، تلك التي تُشعل ولا تكتمل، تتركك حيًّا... لكنك لا تعود كما كنت أبدًا.
كان شامخاً يحدّق في الفراغ، والمدينة خلف زجاج المقهى تبدو كأنها تغلي بالضوء والضجيج، كل شيء يتحرك إلا هو. فنجان القهوة أمامه بردَ منذ زمن، والجرس في صدره يدقّ بإيقاع غامض كلّما مرّ وجه يشبهها.

هي لم تكن امرأةً عادية، بل فكرة متجسدة، طيفًا هبط من سماء مجهولة، ترك فيه عطراً يشبه الموسيقى، ومضت دون أن تترك عنوانًا.

منذ تلك الليلة، شرع يسكن الأرصفة، يبحث عنها في العيون العابرة، في الكتب القديمة، في أغاني المذياع التي تأتي صدفةً ثم تختفي كأنها تخاف من أن تفضح سره.

كان يؤمن أن الحبّ ليس صدفةً، بل كائن يسكنك قبل أن تولد، ثم يخرج ليقابلك حين تنضج روحك.ولذا، حين لمحها مجددًا في معرضٍ للفن الحديث، شعر أنه التقى بنفسه في مرآة بعيدة، لم تتغير كثيرًا، سوى أن في عينيها هذه المرّة شيئًا من الحزن العميق، كأنها تعرف كل ما مرّ به من انتظار.

اقترب، لم يقل شيئًا، هي أيضًا لم تقل، لكنّ الصمت بينهما كان صاخبًا، مليئًا باعترافات لا تُقال، وذكريات لم تحدث بعد.

حين سألها أخيرًا:
"هل تذكرين المطر؟"
ابتسمت، وقالت بصوتٍ خافتٍ:
"لم يتوقف يومًا."
ذلك الرد وحده أعاد إليه العمر كله






 
رد مع اقتباس
قديم 22-10-2025, 08:57 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
راحيل الأيسر
المدير العام
 
الصورة الرمزية راحيل الأيسر
 

 

 
إحصائية العضو







راحيل الأيسر غير متصل


افتراضي رد: ظل على ضفة النهر...


اللغة هنا أخذتنا إلى ضفاف من التأمل وآفاق من الفلسفة عن الحب الذي يُخلق ويُنفخ فينا مع الروح ، ثم يظل يكبر ، يتحين آناً يخرج منه من بين خبايا أنفسنا ليصير نبضا وخفقا أو شيئا يشبه العبير الساكن بين الزفرة والزفرة..
السرد كان هادئا يشبه قاربا يتهادى في النهر تحت وهج المساء ، ينقلنا بسلاسة من مشهد إلى حوار داخلي إلى تأمل فكري إلى تحليل فلسفي ..
بعض العبارات التي لامست الحس
( رنينٌ يشبه المطر على زجاج القلب )
( بل يُولد مع من خُلِقوا من حلمٍ نادر )

وبعضها حلقت بنا وجعلتنا نسرح بعيدا
( لكنه أدرك أن شيئًا منه سيبقى عندها )


عميقة هذه العبارة وواقعية ..
بعض الأرواح لها بصمة لا تمحى وإن كانت مرت مرورا عابرا ، هي أرواح هكذا بوهجها تخبئ بين أضلعك دفئا سرمديا لا تطاله يد الصقيع وإن توالت عليك الشتاءات
وغطت بجليدها وثلجها كلك ، ستبقى هي جذوة الشغف والدفء الذي يبقيك على قيد الحياة مشتعلا ..

كأن شامخ والأنثى البطلة تجسيد لمعاني الحياة من حب وآمال تراخينا في السعي لها وجعلنا من التردد ومراوحة الخطو بين الإقدام والتقهقر في أمر ما ،السياج والحائل بيننا وبين تحقيقه ..
كأنهما تجسيد لمعان أكثر من كونهما شخصيات بلحم ودم
كأن الكاتب أراد الحديث عن أفكار ومشاعر إنسانية بطريقة مبتكرة عن طريق تجسدهما في روحين وجسدين ، فأخذنا نحو عالم من الحكمة والفلسفة والتأمل ..

هكذا وصلني ..

تقديري واحترامي
لأخي وأستاذي المكرم / عبد الكريم قاسم ..









 
رد مع اقتباس
قديم 10-11-2025, 09:04 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
عبدالكريم قاسم
أقلامي
 
الصورة الرمزية عبدالكريم قاسم
 

 

 
إحصائية العضو







عبدالكريم قاسم متصل الآن


افتراضي رد: ظل على ضفة النهر...

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة راحيل الأيسر مشاهدة المشاركة

اللغة هنا أخذتنا إلى ضفاف من التأمل وآفاق من الفلسفة عن الحب الذي يُخلق ويُنفخ فينا مع الروح ، ثم يظل يكبر ، يتحين آناً يخرج منه من بين خبايا أنفسنا ليصير نبضا وخفقا أو شيئا يشبه العبير الساكن بين الزفرة والزفرة..
السرد كان هادئا يشبه قاربا يتهادى في النهر تحت وهج المساء ، ينقلنا بسلاسة من مشهد إلى حوار داخلي إلى تأمل فكري إلى تحليل فلسفي ..
بعض العبارات التي لامست الحس
( رنينٌ يشبه المطر على زجاج القلب )
( بل يُولد مع من خُلِقوا من حلمٍ نادر )

وبعضها حلقت بنا وجعلتنا نسرح بعيدا
( لكنه أدرك أن شيئًا منه سيبقى عندها )


عميقة هذه العبارة وواقعية ..
بعض الأرواح لها بصمة لا تمحى وإن كانت مرت مرورا عابرا ، هي أرواح هكذا بوهجها تخبئ بين أضلعك دفئا سرمديا لا تطاله يد الصقيع وإن توالت عليك الشتاءات
وغطت بجليدها وثلجها كلك ، ستبقى هي جذوة الشغف والدفء الذي يبقيك على قيد الحياة مشتعلا ..

كأن شامخ والأنثى البطلة تجسيد لمعاني الحياة من حب وآمال تراخينا في السعي لها وجعلنا من التردد ومراوحة الخطو بين الإقدام والتقهقر في أمر ما ،السياج والحائل بيننا وبين تحقيقه ..
كأنهما تجسيد لمعان أكثر من كونهما شخصيات بلحم ودم
كأن الكاتب أراد الحديث عن أفكار ومشاعر إنسانية بطريقة مبتكرة عن طريق تجسدهما في روحين وجسدين ، فأخذنا نحو عالم من الحكمة والفلسفة والتأمل ..

هكذا وصلني ..ل

تقديري واحترامي
لأخي وأستاذي المكرم / عبد الكريم قاسم ..



الاخت الرائعة راحيل حين اقرأ ما تكتبين من جمال عن اي نص ادرجه في اقلام اشعر بقيمته فعلا وادرك ان هناك من القراء من لهم شغف القراءة وتذوق الحروف فهذا ما يثلج صدر الكاتب ويجعله متمسكا بقلمه . سعيد جدا لهذا التحليل والدراسة العميقة من اخت خبرتُ قدرتها على الابهار .. خالص تقديري واحترامي






 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 10:51 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط