#تجربتي الإبداعية(المتواضعة): محطات، تحديات، وانبعاث#
تبدأ فصول تجربتي الإبداعية المتواضعة في سبعينيات القرن الماضي، مدفوعة بشغف عميق نحو الكلمة والتعبير. في تلك الحقبة، انطلق قلمي ليخط خواطر شعرية متنوعة، شملت الزجل الوطني الذي يهتف بحب الوطن، والشعر المنثور الذي ينساب بلا قيود القافية والوزن، بالإضافة إلى مقالات تناولت قضايا متعددة.
لقد وجدت هذه البواكير الإبداعية طريقها إلى النور عبر مساهماتي في مناسبات مختلفة...، وقد كان لهذه الأعمال صدى طيب لدى أساتذتي الأفاضل، الذين كان لتشجيعهم الأثر البالغ، كما لاقى هذا العطاء استحسان أصدقائي الأعزاء، الذين كانوا وقودًا إضافيًا للاستمرار.
إلا أن هذه المسيرة الوليدة لم تخلُ من عقبات مؤلمة. فلقد كان أسلوب "القرصنة والتبني" بمثابة صدمة قاسية أدت إلى توقف مؤقت عن هذا العطاء الشريف. أتذكر بأسى كيف تعرضت خواطر وطنية كتبتها بصيغة الزجل الغنائي للقرصنة والتبني من قِبَل أشخاص (لا داعي لذكر أسمائهم). لقد اكتفوا بإجراء تغييرات طفيفة على العناوين وبعض العبارات، وقاموا بتبنيها. بل كان الشعور بالظلم وخيبة الأمل من هذه القرصنة والتبني هو ما دفعني إلى الكف عن هذا النوع من الإبداع، والتوجه في الثمانينيات والتسعينيات إلى مسار إبداعي مختلف تمامًا.
تحول اهتمامي إلى إعداد شبكات الكلمات المتقاطعة والكلمات المسهمة، مستخدمًا اللغتين العربية والفرنسية. وقد نُشر لي العديد من هذه الشبكات في جريدتي "الخل"
و
"les mots croisés + les mots fléchés".
لكن الحنين إلى الكتابة الأدبية لم يغب طويلاً. سرعان ما عدت إلى عوالم الكلمة من جديد، وإن كان ذلك في البداية دون النشر علانيةً، خوفًا من تكرار تجربة القرصنة والتبني المؤلمة. في هذه المرحلة، احتفت كتاباتي بصور الطبيعة الحية بكل تفاصيلها، والغوص في أعماق الوجود الإنساني وتعقيداته. كما اتجه قلمي إلى إبراز التضاد والتفاعل بين عناصر الخير والشر، السعادة والشقاء، الصفو والكدر التي تشكل نسيج الحياة. سعيت جاهداً إلى استخدام لغات متعددة (العربية والفرنسية والإنجليزية) بحثًا عن لغة تكون قادرة على تأكيد معنى عميق، وتوجيه رسالة واضحة، وتعميق دلالة ذات بعد اجتماعي وإنساني. كان هذا البحث ينبئ عن رصيد وافر من الوعي والانغماس في حركة المجتمع والحياة، والانشغال بما تموج به من مواجهات وتحديات وقضايا شائكة.
لم أجد ذاتي الإبداعية تعود لتزدهر بالكامل إلا بعد أن كسرت حاجز الخوف وبدأت النشر من جديد. كان لجريدة "المستقل" ومنبر شبابها الفضل في نشر خاطرتي "تفاءل" و"أ صدفة؟"، بالإضافة إلى مقالاتي مثل "الادارة المغربية" و"أين هم العرب من النظام العالمي الجديد؟". كما نشرت لي جريدة "بيان اليوم" مقالات مهمة منها: "التعليم و الثقافة..العلاقة الغائبة"، "فعل القراءة دور المدرسة أية علاقة؟"، "أيتها الشمس"، و"الفعل الثقافي و المثقفون".
بعد هذه الخطوات المشجعة، أطلقت العنان لفكري ليسبح بحرية في عوالم الواقع تارة، وفي رحاب الخيال والأحلام تارة أخرى. كان الفضل في ذلك يعود لعدة منتديات إلكترونية، أبرزها منتديات مجلة أقلام الثقافية وغيرها. بفضل هذه المنتديات ومسؤوليها وأعضائها الأجلاء، الذين قدموا توجيهاتهم القيمة، وردودهم البناءة، وتعليماتهم الملهمة، ونقدهم الصادق والفعال، استعدت شغفي وولعي بالقراءة والكتابة. لقد بعثوا روحيهما من جديد في قريحتي الإبداعية لتجود وتجود بكل ما هو أصيل ومعبر.
في ختام مسيرتي الممتدة، أتقدم بجزيل الشكر وعظيم الامتنان لكل من ساهم في هذه الرحلة... وأدعو الله العلي القدير أن يوفق الجميع إلى ما يصبون إليه من خير ورقي.
#نور الدين بليغ#