|
|
|
|||||||
| منتدى الحوار الفكري العام الثقافة ديوان الأقلاميين..فلنتحاور هنا حول المعرفة..ولنفد المنتدى بكل ما هو جديد ومنوع. |
![]() |
| مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان) |
|
|
أدوات الموضوع | تقييم الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
رقم المشاركة : 1 | |||||
|
![]() محمود درويش في "كزهر اللوز أو أبعد" تسمية ما لا يسمى واستكشاف ماهية الشعر محمود درويش. يفتتح محمود درويش عمله الشعري الجديد «كزهر اللوز أو أبعد» (دار رياض الريس، 2005) بعبارة لأبي حيّان التوحيدي من كتاب الإمتاع والمؤانسة: «أحسن الكلام ما. قامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم». وبما أن العناوين، والاقتباسات التي يعنون أو يستهل بها الكتّاب نصوصهم ليست عفوية في معظم الأحيان، بل تنطوي على علامات ظاهرة، وأخرى خفية، حول ماهية تلك النصوص، ورسائلها المحتملة، ينبغي التوّقف عند العبارة المذكورة باعتبارها مدخلاً لسبر أغوار النص الدرويشي الجديد. فالعمل، على ضوء عبارة كهذه، محاولة لكتابة أحسن الكلام، في سياق شروط معلنة هي: إما تبديد الخصائص الشكلية لأهم جنسين من أجناس التعبير الأدبي، وهما الشعر والنثر، أو تمكين أحدهما من استعارة قناع الآخر، من دون التنازل عن هويته الأصلية. وبما أن هذه المحاولة تتم على يد شاعر كبير، يمتلك خبرات جمالية، وأسلوبية، برهن عليها على مدار ما يزيد على أربعة عقود من الكتابة، يمكن الاستنتاج في الحالتين أننا في صدد محاولة تستهدف الذهاب إلى ما وراء التخوم التقليدية للقول الشعري. وما ينبغي الكلام عنه، في هذا السياق، يتمثل في حقيقة أن الذهاب إلى ما وراء التخوم التقليدية لجنس من أجناس التعبير، يعني بالضرورة تحويل ماهية الجنس المقصود إلى موضوع للتساؤل. ولا يحتاج الأمر، هنا، إلى براعة خاصة لإدراك أن الشعر نفسه هو موضوع التساؤل في هذا العمل. ما هو الشعر، وما الذي يُدخل كتابة بعينها إلى بيت الشعر، أو يخرجها منه. وقد اختار محمود درويش في عمله الجديد طرح هذه التساؤلات من خلال اكتشاف الحدود التي يتمكن الشعر من تجاوزها لاختبار تعبيرات نثرية مختلفة، من دون التنازل عن شرطه الكبير، أي النظام الذي يقوم الوزن فيه مقام ضابط الإيقاع. لذلك، تتجلى النصوص عبر تقنيات سردية بارعة تضفي على القول شبهة نثر الحياة اليومية، من دون التنازل عن نظام جرى تطويعه، والتدليل على ما يتسم به من لياقة عالية. - 2 - تقترن محاولة اختبار أشكال التعبير النثرية بشرط آخر يتمثل في محاولة تخليص القول الشعري الجديد من البلاغة التي «تجرح المعنى/ وتمدح جرحه». والمقصود بهذا الكلام البحث عن الشعر خارج حمولات بلاغية مجرّبة، والانخراط في تجربة تستهدف الوصول إلى ما يشبه بيتا من الشعر «لا يدوّن بالحروف». وبما أن ما لا يدوّن بالحروف لن يُكتب، أو يُقرأ، ولن يعرف أحد ما هو، بالضبط، على رغم وجوده في الواقع، يحاول محمود درويش في هذا العمل ملامسة الشعر فيسميه بما يشبهه، أو ما يقترب منه - طالما أن اسما يتمكن من القبض على ماهيته غير متوافر في الواقع: «كالشعر غبّ ولادته، «يزغلله» وهج الليل أو عتمة الضوء.. يحبو ولا يجد الاسم للشيء». ثمة الكثير من الكلام عن الشعر في هذا العمل، عن حلم «بقصيدة زرقاء من سطرين»، وعن كلمات ترفرف في الجسد كالنحل، علاوة على مناشدة للغة: «يا لغتي ساعديني على الاقتباس لاحتضن الكون». وفي سياق كهذا ثمة ما يبرر النظر إلى القصائد في هذا العمل مجتمعة، أو فرادى، باعتبارها تمارين في فن القول الشعري، لا تتوقف عند حد الكلام عن صعوبة القبض على الماهية، بل تقدّم نفسها في اعتبارها مقاربات، واقتراحات جمالية محتملة لما يمكن أن يكونه الشعر. لكن اقتراحات كهذه لن تتمكن من القبض على الماهية، في فضاء غير مسكون، أو مؤثث بالتجربة وبالتاريخ الشخصيين للكاتب، وإلا تحوّلت إلى نوع من العبث، وإلى تمارين لغوية، وميتافيزيقية مجرّدة. وهذا هو الضلع الثالث في معادلة العمل الجديد: التساؤل عن ماهية الشعر، تقديم اقتراحات جمالية، والقيام بالأمرين معاً، أي التساؤلات، والأجوبة المحتملة، بمفردات التجربة والتاريخ الشخصيين، وفيهما بقدر ما يتعلّق الأمر بمحمود درويش الكثير من اشتباك الخاص بالعام. وبقدر ما أسهمت عبارة التوحيدي في تحديد الشرط العام لمعادلة من هذا النوع، يمكن النظر إلى هندسة القول الشعري من خلال تقسيم الكتاب إلى قسمين كبيرين يضمان وحدات أصغر، باعتبار الهندسة جزءاً من استراتيجية النص. وهي، أيضا، ذات دلالات تحتمل التأويل. - 3 - يضم الديوان ثمانية مقاطع كبيرة تنقسم إلى قسمين كبيرين، يحوي الأوّل، الذي ينقسم إلى أربعة مقاطع، ثلاثين قصيدة قصيرة، بينما يضم الثاني أربع قصائد طويلة ذات عناوين فرعية لكنها تشترك في عنوان كبير هو: «منفى». وجاءت قصائد القسم الأوّل في أربعة أصوات تشكل ضمائر مختلفة «أنت»، «هو»، «أنا»، «هي». يتم التعامل مع الضمائر في النصوص الشعرية، عادة، باعتبارها أقنعة، أي أن القول الشعري الواحد، يتجلى من خلال أكثر من صوت، لا تمنحه طاقة سردية وحسب، بل تمكنه من الحراك، أيضاً. وثمة، دائما، ما يبرر النظر إلى الأصوات باعتبارها نوعاً من تعددية الصوت الواحد، الذي غالباً ما يكون صوت الشاعر نفسه. ومن اللافت في هذا القسم أن القصائد في معظمها تشبه لوحات الطبيعة الصامتة، التي يختبر من خلالها كبار الرسامين أدواتهم الفنية، وقدراتهم التشكيلية. ففي القصائد كلها (مع إمكان النظر إلى قصائد من نوع «برتقالية»، و»هناك عرس»، و»فراغ فسيح»، و»لوصف زهر اللوز»، على سبيل التمثيل) تجليات بصرية، تستعين بما في الطبيعة من ألوان وظلال لتوليد مشهد ما من نفسه، أي بلا بلاغة مسبقة، أو فكرة مقحمة، أو حتى جدوى مستعجلة. وإذا كنّا نستطيع تفسير وجود الضمائر، هنا، باعتبارها أقنعة تمكّن الطبيعة الصامتة من الحراك وتطمح إلى تخليقها بطريقة درامية، فإن الاشتغال باليومي، والعابر، والفصول، والعلاقات السريعة، وخيبات الأمل، وأيام الإجازات، وبما لا يبدو شعرياً للوهلة الأولى، يعزز من دلالة تخليص القول الشعري من حمولات أصبحت تقليدية، وأدوات مألوفة، في محاولة للقبض على الماهية في أماكن غير متوقعة، وضمن شروط، وجماليات جديدة، متقشفة، وشبه نثرية: «فراغ فسيح. نحاس. عصافير حنطية/ اللون. صفصافة. كسل. أفق مهمل/ كالحكايا الكبيرة. أرض مجعدة الوجه./ صيف كثير التثاؤب كالكلب في ظل/ زيتونة يابس. عرق في الحجارة./ شمس عمودية. لا حياة ولا موت». - 4 - يضم القسم الثاني أربع قصائد طويلة تحت عنوان «منفى». ومع أننا نستطيع الكلام في هذا القسم عن تصعيد الدلالات الواردة في قصائد القسم الأوّل، وتخليقها بطريقة ملحمية، إلا أن الثنائيات التي يضمها القسم الثاني تحرّض على النظر إلى الضلع الثالث في المعادلة الدرويشية، أي إلى فضاء يؤثثه التاريخ الشخصي، وتجربة عمر يشتبك فيها الخاص بالعام، ضمن خصوصية تاريخية نادرة. واستدعى هذا التاريخ ثنائية تتخلل العمل في قسميه، ثنائية يتناوب طرفاها الحضور من خلال تقنيتين سرديتين هما المونولوغ والديالوغ. وكما كانت الضمائر أقنعة محتملة لتعدد الصوت الواحد، فإن ثنائية الأنا، والآخر، في هذا السياق، وكلاهما قناع لصاحبه، تطغى على قصائد المنفى، وتبلغ ذروة في الإفصاح في القصيدة الأخيرة المهداة إلى إدوارد سعيد، وهي استعارت اسمها من أحد تعبيراته المفضلة: «طباق»، حيث يقترن صوتان أو أكثر لتوليف أو توليد نغمة موسيقية واحدة. ومع ذلك، ينبغي التفكير في الثنائيات باعتبارها تجليات أكثر من صوت في ذات واحدة: «تذكرت أن مفتاح بيتي معي، فاعتذرت/ لنفسي نسيتك فادخل»، «أنا اثنان في واحد/ أم أنا واحد يتشظى إلى اثنين/ يا جسر يا جسر/ أي الشتيتين أنا». لا يدل التساؤل، هنا، على انفصام من نوع ما، وليس ثمة من ضرورة لاستعارة دلالات نفسية، أو حتى توظيف مفهوم الهوية. ففي «نهار الثلاثاء والجو صاف» تتجلى الثنائية بفضل حالة جدلية تحتل مركز القلب في القصيدة، جدل التذكر والنسيان. وفي «ضباب كثيف على الجسر» و»كوشم يد في معلقة الشاعر الجاهلي» حالة من الجدل بين الذات وموضوعها، بينها وبين تاريخها، بين أوطانها و منافيها، لكن ذلك يحدث بطريقة أوتوبيوغرافية يحتل الشعر منطقة القلب فيها. فالشعر، بقدر ما يتعلّق الأمر بنصوص هذا العمل وصاحبها هو الحل. «إذا لم يغن الكناري/ يا صاحبي لك... فاعلم/ بأنك سجّان نفسك، إن لم يغن الكناري». - 5- وبقدر ما يدور الكلام على أزمة يعيشها الشعر العربي في هذه الأيام، فإن محاولة شاعر كبير استكشاف حدود جديدة للقول الشعري، وضمن شروط جمالية صعبة فرضها على نفسه، لا تستدعي النظر إلى كلام الأزمة باعتباره مفتعلاً وحسب، بل تحرّض على الكلام عن أفق جديد في الشعر. وهذا، بدوره، يعيد إلى الذهن سؤالاً طرحه عبده وازن في تعليقه على ديوان «لا تعتذر عمّا فعلت» وفي معرض الكلام عن نزعته التجديدية الدائمة: إلى أي من الأجيال الشعرية ينتمي محمود درويش؟ والجواب: إلى ظاهرة في الشعر العربي، عابرة للأجيال، جديدة ومتجددة.(عن الحياة).
|
|||||
|
|
|
رقم المشاركة : 2 | |||||
|
(نص كلمة درويش في حفل التوقيع علي كتاب كزهر اللوز أو أبعد في رام الله) ليس دفاعا عن كتابي الجديد محمود درويش (فلسطين) لستُ من الذين ينظرون إلي المرآة برضا. المرآة هنا هي انكشاف الذات في صورة صارت ملكية عامة... أي صار من حق غيرها أن يبحث عن ملامح ذاته فيها. فإذا وجد فيها ما يشبهه أو يعنيه من تعبير وتصوير، قال: هذا أنا. وإذا لم يعثر علي شراكة في النص / الصورة، أشاح بوجهه قائلاً: لا شأن لي! كما أخشي هذا التعليق الذي صار رائجاً في العلاقة بين الكثير من الشعر الحديث وبين أغلبية القُرَاء، منذ استمرأ الكثيرون من الشعراء توسيع الهُوَة بين القصيدة وكاتبها الثاني: المتلقِي الذي لا يتحقق المشروع الشعري بدونه، وبدون تحركه في اتجاه النص. التُهَمُ متبادلة بين الطرفين. لكن أزمة الشعر، إذا كانت هنالك أَزمة، هي أزمة شعراء. وعلي كل شاعر أن يجتهد في حلِها بطريقته الإبداعية الخاصة. أَعلَمُ أنني سأُتَهم، مرة أخري، بمعاداة شعر الحداثة العربية التي يُعرِفُها العُصَابيُون بمعيارين. الأول: انغلاق الأَنا علي محتوياتها الذاتية دون السماح للداخل بالانفتاح علي الخارج. والثاني: إقصاء الشعر الموزون عن جنَة الحداثة.. فلا حداثة خارج قصيدة النثر. وتلك مقولة تحوَلت عقيدةً يُكَفِرُ مَنْ يقترب من حدودها متسائلاً. وكُلُ مَنْ يُسَائِلُ الحداثة الشعرية عما وصلت إليه يُتَهَم، تلقائياً، بمعاداة قصيدة النثر! لم أَكُفَ عن القول إن قصيدة النثر التي يكتبها الموهوبون هي من أَهم منجزات الشعر العربي الحديث، وإنها حقَقت شرعيتها الجمالية من انفتاحها علي العالم، وعلي مختلف الأجناس الأَدبية، لكنها ليست الخيار الشعري الوحيد، وليست الحل النهائي للمسألة الشعرية التي لا حلَ نهائياً لها، فالفضاء الشعري واسع ومفتوح لكل الخيارات التي نعرفها والتي لا نعرفها. ونحن القراء لا نبحث في التجريب الشعري المتعدِد إلاَ عن تحقُق الشعرية في القصيدة، سواء كانت موزونةً أَو نثرية. وأَعلم أَيضاً أَن مجموعتي الشعرية الجديدة، كسابقاتها، ستُزوِد خصومي الكثيرين بمزيد من أَسلحة الاغتيال المعنوي الشائعة في ثقافة الكراهية النشطة. سيُقال ـ كما قيل ويُقال ـ إنني تخليت عن شعر المقاومة . وسأعترف أمام القضاة المتجهمين بأَنني تخلَيت عن كتابة الشعر السياسي المباشر محدود الدلالات، دون أَن أَتخلَي عن مفهوم المقاومة الجمالية بالمعني الواسع للكلمة... لا لأن الظروف تغيَرت، ولأننا انتقلنا "من المقاومة إلي المساومة ، كما يزعم فقهاءُ الحماسة، بل لأن علي الأسلوبية الشعرية أن تتغيَر باستمرار، وعلي الشاعر أن لا يتوقف عن تطوير أَدواته الشعرية، وعن توسيع أُفقه الإنساني، وأن لا يكرِر ما قاله مئات المرات... لئلاَ تصاب اللغة الشعرية بالإرهاق والشيخوخة والنمطية، وتقع في الشَرَك المنصوب لها: أَن تتحجر في القول الواحد المعاد المـُكَرَر. فهل هذا يعني التخلِي عن روح المقاومة في الشعر؟ أَما من دليل آخر علي المقاومة سوي القول مثلاً: سجّل أنا عربي، أو تكرار شعار: سأُقاوم وأُقاوم؟ فليس من الضروري، لا شعرياً ولا عملياً، أن يقول المقاوم إنه يُقاوم، كما ليس من الضروري أن يقول العاشق إنه يعشق. لقد سمَانا غسان كنفاني شعراء مقاومة دون أَن نعلم أَننا شعراء مقاومة. كنا نكتب حياتنا كما نعيشها ونراها. وندوِن أحلامنا بالحرية وإصرارنا علي أن نكون كما نريد. ونكتب قصائد حب للوطن ونساء محدَدات. فليس كل شيء رمزياً. وليس كل ساق شجرة نخيل خصر امرأة أو بالعكس! لا يستطيع الشاعر أن يتحرَر من شرطه التاريخي. لكن الشعر يوفِر لنا هامش حرية وتعويضاً مجازياً عن عجزنا عن تغيير الواقع، ويشدنا إلي لغة أَعلي من الشروط التي تُقيِدنا وتُعرقل الانسجام مع وجودنا الإنساني، وقد يُساعدنا علي فهم الذات بتحريرها مما يُعيق تحليقها الحر في فضاء بلا ضفاف. إن التعبير عن حق الذات في التعرف علي نفسها، وسط الجماعة، هو شكل من أشكال البحث عن حرية الأفراد الذين تتكون منهم الجماعة. ومن هنا، فإن الشعر المعبر عن سِمَاتنا الإنسانية وهمومنا الفردية ـ وهي ليست فردية تماماً ـ في سياق الصراع الطويل، يُمثِل البعد الإنساني الذاتي من فعل المقاومة الشعرية، حتى لو كان شعر حُب أو طبيعة، أو تأمُلاً في وردة، أو خوفاً من موت عادي. ليس صحيحاً أنه ليس من حق الشاعر الفلسطيني أن يجلس علي تلَة ويتأمَل الغروب، وأَن يصغي إلي نداء الجسد أو الناي البعيد، إلا إذا ماتت روحه وروح المكان في روحه، وانقطع حبل السُرَة بينه وبين فطرته الإنسانية. وليس الفلسطيني مهنة أو شعاراً. إنه، في المقام الأول، كائن بشري، يحبُ الحياة وينخطف بزهرة اللوز، ويشعر بالقشعريرة من مطر الخريف الأول، ويُمارس الحب تلبيةً لشهوة الجسد الطبيعة، لا لنداء آخر... وينجب الأطفال للمحافظة علي الاسم والنوع ومواصلة الحياة لا لطلب الموت، إلا إذا أَصبح الموت فيما بعد أفضل من الحياة! وهذا يعني أن الاحتلال الطويل لم ينجح في محو طبيعتنا الإنسانية، ولم يفلح في إخضاع لغتنا وعواطفنا إلي ما يريد لها من الجفاف أمام الحاجز. إن استيعاب الشعر لقوَة الحياة البديهية فينا هو فعل مقاومة، فلماذا نتهم الشعر بالردة إذا تطلَع إلي ما فينا من جماليات حسية وحرية خيال وقاوم البشاعة بالجمال؟ إن الجمال حرية والحرية جمال. وهكذا يكون الشعر المدافع عن الحياة شكلاً من أشكال المقاومة النوعية. هل أتساءل مرة أُخري إن كان الوطن ما زال في حاجة إلي براهين شعرية، وإن كان الشعر ما زال في حاجة إلي براهين وطنية؟ إن علاقة الشعر بالوطن لا تتحدَد بإغراق الشعر بالشعارات والخارطة والرايات. إنها علاقة عضوية لا تحتاج إلي برهان يومي، فهي سليقة ووعي وإرادة. ميراث واختيار. مُعْطيً ومبدع. ولكن الشعر الوطني الرديء يسيء إلي صورة الوطن الذي يشمل الصراع عليه وفيه مستويات إبداعية لم ننتبه إليها دائماً. لذلك، فإن حاجتنا إلي تطوير أشكال التعبير عن الجوانب الإنسانية في حياتنا العامة والخاصة، بتطوير جماليات الشعر، وأَدبية الأدب، وإتقان المهنة الصعبة، والاحتكام إلي المعايير الفنية العامة، لا إلي خصوصية الشرط الفلسطيني فقط، هي مهام وطنية وشعرية معاً، وهي ما يؤهِل شعرنا للوصول إلي منبر الحوار الإبداعي مع العالم، فيصبح الاعتراف بقدرتنا العالية علي الإبداع أحد مصادر الانتباه إلي وطن هذا الإبداع. فكم من بلد أَحببناه، دون أن نعرفه، لأننا أَحببنا أَدبه! هكذا تمحِي الحدود بين وطنية الشعر وبين نزعته الدائمة لاجتياز حواجز الثقافات والهويات، والتحليق المشترك في الأفق الإنساني الرحب، دون أن ننسي أن للشعر دوراً خاصاً في بلورة هوية ثقافية لشعب يُحارب في هويته. نعم، علي الشعراء أن يتذكروا كل العذاب، وأَن يُصْغوا إلي صوت الغياب، وأَن يُسَمُوا كل الأشياء، وأن يخوضوا كل المعارك. ولكن عليهم أيضاً ألا ينسوا واجبهم تجاه مهنتهم. وأَلا ينسوا أن الشعر لا يُعَرَف، أساساً، في ما يقوله، بل بنوعية القول المختلف عن العادي، وألا ينسوا أن الشعر متعة، وصنعة، وجمال. وأَن الشعر فرح غامض بالتغلُب علي الصعوبة والخسارة، وأنه رحلة لا تنتهي إلي البحث عن نفسه في المجهول. وأنا هنا، لا أُدافع عن كتابي الجديد الذي لم يعد لي. ولم أَعد أتذكر شيئاً منه، منذ خرج مني وأَدخلني في مأزق السؤال الفادح: ماذا بعد؟ بل أُدافع عن حق الشعراء في البحث عن شعر جديد، يُنَقِي الشعر مما ليس منه. فإن شقاء التجديد المتعثِر أَفضل من سعادة التقليد المتحجر.
|
|||||
|
![]() |
|
|