﴿التوبة ُوالإستغفار﴾
الحمدُ للهِ القائل ِفي مُحكم ِالتنزيل : ( وإذا سألكَ عبادي عنـِّي فإنـِّي قريبٌ، أجيبُ دعوة َالداع ِإذا دعان ِ فليستجيبُوا لي وليُؤمنوا بي لعلهم يرشُدون{186} ) ألبقره . والقائل : ( ادعوا ربَّـكم تضرعاً وخـُـفية {55} ) الاعراف .
ويقولُ الرسولُ الأكرمُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ : ( ادعوا اللهَ وأنتم مُوقنونَ بالإجابةِ، وإنَّ اللهَ تعالى لا يقبلُ دُعاءً من قلبٍ غافل ٍلاهٍ ) فالدُّعاءُ عبادة ٌ،
بل هوَ مُخُّ العبادةِ كما بَيَّنَ ذلكَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ .
والدعاءُ هو الرَّجاءُ والتذللُ إلى اللهِ تباركَ وتعالى طمَعَاً في رَحمَتِهِ ورضوانِهِ وكـَرَمِهِ، وهولا بُدَّ أن يكونَ مقروناً بالرَّجاءِ وإحسان ِالظنِّ باللهِ ،
لقولِهِ عليهِ السلامُ في الحديثِ القدُسيِّ فيما يرويهِ عن ربِّهِ : (يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: أنا عندَ حُسنَ ظنِّ عبدي بي , وأنا مَعَهُ حينَ يذكـُرُني )
وفي رواية : ( فلا تظنوا باللهِ إلاّ خيراً )
كما وأنهُ لا يجوزُ اليأسُ وتركُ الدعاءِ لاستبطاءِ الإجابةِ ، فلا يَعلمُ العبدُ ما قـُدِّرَ لهُ منَ الخيرِ أو ما صُرِفَ عنهُ مِنَ الشَّر، وصدقَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ إذ يقول : ( ما من مُسلم ٍ يدعو بدعوةٍ ليسَ لهُ فيها إثمٌ أو قطيعة ُرَحْم ٍ، إلاّ أعطاهُ اللهُ بها إحدى ثلاث : إمَّا أن يُعَجِّلَ لهُ دَعوتهُ، وإمَّا أن يَدَّخِرَهَا لهُ في الآخرةِ، وإمَّا أن يكشِفَ عنهُ منَ السًّوءِ مِثلـَهَا وفي روايةٍ { أو يغفِرَ لهُ بها ذنباً قد سلف} قالوا إذن نكثر؟ قال الله أكثر, ( أيْ :أكثرُ عطاءً )
أيُّها الإخوة ُالأحبَّة : يقولُ الحقُّ جلَّ وعلا : ( أمَّن يجيبُ المضطرَّ إذا دعاه ُويكشِفُ السُّوء {62} ) النمل .
وروى أنسٌ رضي اللهُ عنهُ فقال : سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله ُعليهِ وسلمَ يقول : قال اللهُ تعالى : ( يا ابنَ آدمَ إنكَ ما دَعوتـَنِي ورَجَوتـَنِي غـَفـَرتُ لكَ على ما كانَ مِنكَ ولا أبالي ، يا ابنَ آدمَ ، لو بَلـَغَتْ ذنوبُكَ عَنانَ السماءِ ثمَّ استغفرتني غـَفـَرتُ لك ، يا ابنَ آدَمَ ، لو أتيتـَني بقـُرابِ الأرض ِخطايا ثمَّ لقيتني لا تـُشرِكْ بي شَيئاً لأتيتـُكَ بـقـُرابها مَغفرَة ) هذا الحديثُ الشريفُ وقد بيَّنَ أسباباً ثلاثة ًتحصُـلُ بها المغفرَة :
أوَّلـُها: الدُّعاءُ مَعَ الرَّجاء ، فإنَّ الدعاءَ مأمورٌ بهِ ، وموعودٌ عليهِ بالإجابةِ ,ألم تسمعوا قولَ من لا يُخلفُ وعدهُ : ( وقالَ ربُّـكمُ ادعوني أستجب لكـًّم{60} ) غافر . وقولِهِ عليهِ السَّلام ( ما كانَ اللهُ ليفتحَ على عبدٍ بابَ الدُّعاءِ ويُغلقَ عَنهُ بَابَ الإجابة ) .
وثانيها : الإستغفارُ ولوعظـُمتِ الذنوبُ ، وكثرتِ الخطايا لقولِهِ تعالى في أوسع ِآيةٍ من كتابهِ الكريم : ( قل يا عِباديَ الذينَ أسرفوا على أنفسِهم لا تقنطوا من رحمةِ اللهِ إنَّ اللهَ يغفِرُ الذنوبَ جميعاً إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم {53} ) الزمر .
وبشرى نبيهِ عليهِ السلامُ للتائبينَ المستغفرينَ الأوابينَ لربهم أن بابَ التوبةِ مفتوحٌ ما كانَ في الجسدِ روح .
إذ يقولُ
لو أخطأتم حتى بلغت خطاياكـُم ما بينَ السماءِ والأرض ِ، ثمَّ استغفرتـُمُ اللهَ لغفرَ لكم ) والإستغفارُ طلبُ المَغفرة ، والمغفرة ُهيَ الوِقاية ُ من شرِّ الذنوبِ مَعَ سَترِهَا ، وتلكَ واللهِ شِيَمُ الكرام ، وليسَ أكرَمَ مِنَ اللهِ أحداً وقد سَترَ على عبادِهِ يومَ القيامةِ ، إلاَّ المُجَاهِرُ بالمعصِيَةِ فلا سَترَ له .
وصدقَ اللهُ العظيم : ( ومَن يعمَل سُوءً أو يظلِم نفسَهُ ثمَّ يَستـَغفِرِ اللهَ يَجدِ اللهَ غفوراً رَحيماً {110} ) النساء .
لأنَّ التوبة َلا تكونُ إلاَّ مَقرونة ًبالإستغفارِ بعدَ ترك ِالمعصيةِ والندَم ِعليها , وعقدِ النيَّةِ على عَدَم ِالرُّجوع ِ إليها لأنَّ الاستغفارَ مَعَ الإصرارِ على المَعصِيَةِ وعَدَم ِتركِهَا يمنعُ الإجابة .
وخلاصة ُالقول ِ: أنَّ للتـَّوبةِ شروطاً ثلاثة :
أولها : ألإقلاع ُعن ِالذنبِ .
ثانيها : العزمُ على عدم ِالرجوع ِ إليهِ .
أما ثالثها : الندمُ على ما كانَ .
ويَرحَمُ اللهُ ابنَ عباس ٍرضيَ اللهُ تعالى عنهما وقد قال : ( التائِبُ منَ الذنبِ كمَن لا ذنبَ له، والمُستغفِرُ من ذنبٍ يُقيمُ عليهِ كالمستهزئ ِبربِّهِ )
وأمَّا ثالِثـُها : فالتوحيدُ وعَدمُ الإشراكِ باللهِ ، وَهُوَ منْ أجَلِّ الأسبابِ وأعظمِهَا .
فمن فقدَهُ فقدَ المغفرةِ ، ومَن جاء َبهِ فقد أتى بأعظم ِأسبابِ الغفرَان ، مِصدَاقاً لِقولهِ تعالى : ( إنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أن يُشرَكَ بهِ ، ويَغفرُ ما دونَ ذلكَ لِمَن يَشاء {48} ) النساء
أيُّها الإخوة ُالأكارم : إنَّ الدعاءَ وهوَ عبادة ٌلا يعني أن نترُكَ الأخذ َبالأسباب ، ولنا في رسول ِاللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ خيرَ قدوةٍ وأحسنُ أسوه . فقد تضرع َللهِ بالطائفِ .
فمَنَ أحبَّ أن تقامَ الخلافة ُمن جديدٍ فعليهِ أن لا يَكتفيَ بدعاءِ ربِّهِ لتحقيق ِذلك ، بل يَعمَلُ مَعَ العامِلينَ لإيجادِها ويدعو اللهَ العونَ في ذلكَ , والتعجيلَ بتحقِيقها ويُـلِحَّ في الدُّعاءِ خالصاً للهِ وقد أخذ َبالأسباب .
وصدقَ اللهُ : (ومَن يَتوكل على اللهِ فهوَ حسبُهُ، إنَّ اللهَ بالغُ أمرِهِ ، قد جعلَ اللهُ لِكلِّ شيءٍ قدَرَا{3} ) الطلاق . فكونوا منَ الذينَ يتضرَّعونَ إلى اللهِ بالدعاءِ ليجريَ النـَّصرُ على أيديهم ، وقد بَسَطوا أكـُفـَّهُم مُـلِحَّينَ بالرجاءِ وقد أخذوا بشروطِ التغييرِ .
فقوموا، فتلبَّسوا مَعَ العاملينَ لإعادةِ سلطان ِاللهِ في الأرض.
وصدقَ الله : ( وليَنصُرَنَّ اللهُ من يَنصُرُهُ , إنَّ اللهَ لقويٌّ عزيز {40} ) الحج