الزائر الكريم: يبدو أنك غير مسجل لدينا، لذا ندعوك للانضمام إلى أسرتنا الكبيرة عبر التسجيل باسمك الثنائي الحقيقي حتى نتمكن من تفعيل عضويتك.

منتديات  

نحن مع غزة
روابط مفيدة
استرجاع كلمة المرور | طلب عضوية | التشكيل الإداري | النظام الداخلي 

 

العودة   منتديات مجلة أقلام > المنتديـات الثقافيـة > المنتدى الإسلامي

المنتدى الإسلامي هنا نناقش قضايا العصر في منظور الشرع ونحاول تكوين مرجع ديني للمهتمين..

إضافة رد

مواقع النشر المفضلة (انشر هذا الموضوع ليصل للملايين خلال ثوان)
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-06-2022, 02:11 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


Ss70014 قراءة في آيات الحج من سورة البقرة





(وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦ ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٧ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ١٩٨ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٩ فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ ٢٠٠ وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ٢٠١ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٢٠٢۞ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٠٣)






 
رد مع اقتباس
قديم 09-06-2022, 11:48 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍأَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَنلَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦)








(وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ):

(وَأَتِمُّواْ): تَمَّ الشي يَتِمُّ تَمّاً وتَماماً. وأَتمَّ الشيءَ، أي: جعله تامّاً، وأُنْشِدَ:
إنْ قلتَ يوماً نَعَمْ بَدْأً فَتِمَّ بها ..... فإنَّ إمْضاءَها صِنْف من الكَرَم
وفي الحديث: "أَعوذ بكلمات الله التامَّاتِ"، وقيل: إنما وصف كلامه بالتمام لأَنه لا يجوز أَن يكون في شيء من كلامه نَقْص أَو عَيْبٌ كما يكون في كلام الناس. وقيل معنى التَّمام ههنا أَنها تنفَع المُتَعَوِّذ بها وتَحْفَظه من الآفات وتَكْفيه.
وفي حديث دُعاء الأَذان: "اللهمَّ رَبَّ هذه الدَّعْوة التامَّة"، وصَفَها بالتَّمام لأَنها ذِكْر الله ويُدْعَى بها إلى عِبادته وذلك هو الذي يستحِق صِفَة الكمال والتمام.
تَتِمَّة كل شيء ما يكون تَمام غايته، كقولك: هذه الدراهم تمام هذه المائة، وتَتِمَّة هذه المائة.
وقُرِيء: {وأقيموا} في محل: (وَأَتِمُّواْ).
(ٱلۡحَجَّ): الْحَجُّ (بِفَتْحِ الْحَاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا) هُوَ في اللسان العربي: الْقَصْدُ، حَجَّ إِلَيْنَا فُلاَنٌ: أَيْ قَدِمَ، ويقال حجَّ فلانٌ الشيء، إذا قصده مرَّةً بعد أخرى، وأدام الاختلاف إليه.
وَحَجَّهُ يَحُجُّهُ حَجًّا: قَصَدَهُ. وَرَجُلٌ مَحْجُوجٌ، أَيْ مَقْصُودٌ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ العربيةِ: الْحَجُّ: الْقَصْدُ لِمُعَظَّمٍ.
وَالْحِجُّ بِالْكَسْرِ: الاِسْمُ. وَالْحِجَّةُ: الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ، وَهُوَ مِنَ الشَّوَاذِّ، لأِنَّ الْقِيَاسَ بِالْفَتْحِ.
والحج في الاصطلاح الشرعي: هُوَ قَصْدُ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ (وَهُوَ الْبَيْتُ الْحَرَامُ والمشاعر) فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ (وَهُوَ أَشْهُرُ الْحَجِّ) لِلْقِيَامِ بِأَعْمَالٍ مَخْصُوصَةٍ تشتمل على أركانٍ، وواجباتٍ، وسُننٍ، بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ مفصلة في كتب الفقه.
ولفظة (ٱلۡحَجَّ) قرئت في سائر المواضع بفتح الحاء على لغة أهل الحجاز، كما قرئت بالكسر في أكثر من قراءة. وقيل: هما لغتان بمعنى واحدٍ، وقيل: بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم.
(وَٱلۡعُمۡرَةَ): أما العمرة فهي مشتقة من التعمير وهو شغل المكان ضد الإخلاء ولكنها بهذا الوزن لا تطلق إلاّ على زيارة الكعبة في غير أشهر الحج، وهي معروفة عند العرب وكانوا يجعلون ميقاتها ما عدا أشهر الحج، فكانوا يقولون "إذا بريء الدبر، وعفا الأثر، وخرج صفر، حلت العمرة لمن اعتمر" ولعلهم جعلوا ذلك لتكون العمرة بعد الرجوع من الحج وإراحة الرواحل
واصطلح المُضَريُّون على جعل رجب هو شهر العمرة ولذلك حرمته مُضَر فلقب برجب مُضَر، وتبعهم بقية العرب، ليكون المسافر للعمرة آمناً من عدوه، ولذلك لقبوا رجباً منصل الأسنة ويرون العمرة في أشهر الحج فجوراً.
وفائدة التخصيص بقوله: (لِلَّهِۚ) - هنا - أنَّ العرب كانت تقصد الحج للاجتماع، والتظاهر، وحضور الأسواق؛ وكلُّ ذلك ليس لِلَه فيه طاعةٌ، ولا قربةٌ؛ فأمر الله تعالى بالقصد إليه لأداء فرضه، وقضاء حقِّه.
والجمهور على نصب "العُمْرَةَ" على العطف على ما قبلها، و (لِلَّهِۚ) متعلقٌ بـ أتِمُّوا، واللام لام المفعول من أجله. ويجوز أن تتعلَّق بمحذوفٍ على أنها حالٌ من الحجِّ والعمرة، تقديره: أتمُّوها كائنين لله.
وقريء: {والعُمْرَةُ} بالرفع على الابتداء. و (لِلَّهِۚ) الخبر، على أنها جملة مستأنفةٌ.

ما هو الإتمام؟:

التِّمُّ الشيء التامُّ. وقوله عز وجل: (وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِ‍ۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ) البقرة 124، قيل: (فَأَتَمَّهُنَّۖ) أي: عمِل بهنّ.
ويقال: تَمَّ إلى كذا وكذا، أَي بَلغه. قال العجاج:
لما دَعَوْا يالَ تَمِيمٍ تَمُّوا ..... إلى المَعالي وبهنَّ سُمُّوا
أَي: أَسرعوا إلى الدعوة. وليلُ التِّمامِ (بالكسر) أَطول ما يكون من ليَالي الشِّتاء. قال امرؤ القَيس:
فَبِتُّ أُكابِدُ لَيْلَ التِّمامِ ..... والقَلْبُ من خَشْيَةٍ مُقْشَعِر
ويقال رُئِيَ الهلال لِتمِّ الشهر وولدت المرأة لِتِمٍّ وتمام (بفتح التاء وكسرها) إذا أَلْقَتْه. وأَتَمَّت المرأة وهي مُتِمٌّ: دنا وِلادُها وأَتَمَّت الحْبْلى فهي مُتِمٌّ إذا تَمَّت أَيامُ حَمْلِها. وأَتَمَّ النَّبْتُ: اكْتَهل، وأَتَمَّ القمرُ: امْتلأَ فبَهَر، وهو بدْرُ تَمامٍ وتِمامٍ وبدرٌ تَمامٌ.
وفي التنزيل العزيز: (ثُمَّ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ) الأنعام 154، قيل: يجوز أَن يكون المراد: تَماماً من الله على المُحْسِنين، ويجوز: تَماماً على الذي أَحسنه موسى من طاعة الله واتِّباع أَمره، ويجوز تَماماً على الذي هو أَحسن الأَشياء.
وتَمَّمَ على الجَريح: أَجْهِزَ. وتَمَّ على الشيء: أَكمله. قال الأَعشى:
فتَمَمَّ على مَعْشوقَةٍ لا يَزيدُها ..... إِليه بَلاءُ السُّوءِ إِلاَّ تَحبُّبا
واسْتَتَمَّ النِّعْمة: سأَل إِتْمامها. والتَّمِيمُ: الطويلُ. والتَّمِيمُ: التامُّ الخلْق والتَّمِيمُ: الشاذُّ الشديدُ والتَّميمُ: الصُّلْب. قال:
وصُلْب تَمِيم يَبْهَرُ اللِّبْدَ جَوْزُه ..... إِذا ما تَمَطَّى في الحِزام تَبَطَّرا
أَي يَضيق عنه اللِّبْد (الصوف) لتَمامه. والتَّمِيمُ: العُوَذ واحدتها تَمِيمةٌ، أي: الخَرز الذي يُتَّخَذ عُوَذاً، وإِيّاها أَراد الهُذَلي بقوله:
وإِذا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفارَها ..... أَلْفَيْتَ كلَّ تَمِيمة لا تَنْفَعُ
وقال آخر:
إِذا مات لم تُفْلِحْ مُزَيْنةُ بعدَه ..... فتُوطِي عليه يا مُزَيْنُ التَّمائما
وتمم الشيء أهلكه وبلغه أجله. قال رؤبة:
في بَطْنه غاشيةٌ تُتَمِّمُهْ
والغاشية: وَرَم يكون في البطْن، تُتَمِّمُهُ أَي: تُهْلِكه وتبلِّغه أَجَلَه.
وتتامُّوا أَي: جاؤوا كلهم وتَمُّوا. والتَّمْتَمةُ: ردُّ الكلام إِلى التاء والميم وقيل: هو أَن يَعْجَل بكلامه فلا يكاد يُفْهِمك، وهو رجل تَمْتام وهي تَمْتامةٌ.

ما الفرق بين: الإتمام والإكمال؟:

- ثمة فرق دقيق بين الكمال والتمام، وإن كان اللفظان يتفقان معجميًّا في الدلالة على معنى واحد هو: إزالة النقص. أما الإتمام - كما ذكر بعض المفسرين - فيدل على إزالة نقصان الأصل، بينما الإكمال يدل على إزالة نقصان العوارض بعد تمام الأصل. ولهذا كان قوله تعالى: (فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ) البقرة 196، قال: (كَامِلَةٞۗ) لأنها أحسن وأبلغ من "تلك عشرة تامة"؛ لأن التمام في العدد قد علم بإضافة الثلاثة إلى السبعة، لكن بقي احتمال نقص في الأوصاف، وهو ما نفاه وصفها بالكمال.
ولهذا يقال: "رجل كامل" إذا كان جامعًا للمناقب وخصال الخير، فهو متكامل الأوصاف، بينما يقال: "رجل تام" إذا كان غير ناقص الطول. ومما يُشعر بوجود الفرق بينهما أنهما جاءا متعاطفين في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) المائدة 3، ولأن العطف يقتضي المغايرة؛ وفقاً للقاعدة، فإن (الكمال) هنا: اسم لاجتماع أبعاض الموصوف به، و(التمام) اسم للجزء، والبعض الذي يتم به الموصوف بأنه تام؛ ولهذا قال أصحاب النظم: القافية تمام البيت، ولا يقال كمال البيت، ويقولون: البيت بكماله؛ أي باجتماعه، والبيت بتمامه؛ أي: بقافيته، ويقال: هذا تمام حقك للبعض الذي يتم به الحق، ولا يقال: كمال حقك.

وعلى أساس هذا الفارق أوثرَتْ لفظة (الإكمال) مع الدين؛ للدلالة على أن أصل هذا الدين - بمعنى الإسلام أو عقيدة التوحيد - هو أساس ثابت لا يحتمل زيادة أو نقصًا في كل الأديان والشرائع السماوية: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) آل عمران 19. وقيل في تفسير المراد بإكمال الدين هنا: اليوم أكملت لكم حدودي وفرائضي وحلالي وحرامي بتنزيل ما أنزلت، وبيان ما بينْت لكم، فلا زيادة في ذلك ولا نقصان فيه بعد اليوم.

ولعل مما يؤيد هذا الرأي أن سورة المائدة التي نزلت فيها تلك الآية الكريمة قد جاءت حافلة بتشريع الأحكام في التحليل والتحريم والغسل والطهارة والسرقة والقصاص والخمر، وما إلى ذلك من أحكام، هذا فضلًا عن أن هذه الآية قد صدرت بالنص على بعض ألوان التحريم.

ولعل مما يؤيده - أيضًا - تخصيص الإكمال بالمخاطبين من المسلمين، ثم إضافة الدين إلى الضمير العائد عليهم (لَكُمْ دِينَكُمْ)؛ ففي هذا وذاك دليل على أن متعلق الإكمال ليس هو أصل الدين الثابت في كل الشرائع السماوية، بل هو ما قررته هذه الشريعة الخاتمة من أصول التشريع والأحكام التي لا تقبل زيادة ولا نقصاناً. أما العدول عن لفظ الإكمال إلى لفظ الإتمام في الآية الكريمة فذلك لأن متعلق الإتمام هو النعمة التي ظفر بها المسلمون تدريجيًّا، حتى أوفت على غايتها عند نزول هذه الآية التي ذكر المفسرون أنها نزلت يوم عرفة في حجة الوداع. وتكون النعمة هي نعمة ظهور الدين، ونصر المسلمين على أعدائهم، وأن تمامها كان بفتح مكة ودخولهم لها آمنين ظاهرين.

ولعل مما يدعم هذا الرأي قوله سبحانه قبل ذلك في الآية ذاتها، مخبرًا عما آل إليه أمر الكفار من قهر وإذلال: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ). ويكون في العدول عن لفظ الإكمال إلى لفظ الإتمام في (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) لفتًا للمسلمين إلى تذكر فضل الله سبحانه في هذا النصر المظفر الذي نالوه بعد أن كان مجرد أمنيات تجول في خواطرهم وتتطلع إلى تحققها نفوسُهم.

- أكمل الأمْرَ: أي أنهاهُ على مراحل مُتقطّعة، بينها فواصل زمنيّة؛ فالذي عندهُ أيّام إفطار في رمضان وعليه صيامها فيما بعد، لديه فرصة أحد عشر شـهراً لقضائها، ولو على فترات متقطّعة، لذلك قال تعالى: (ولتُكْملوا العِدّة) البقرة 185
أما: أتمّ الأمر، فيجب ألا ينقطع العمل حتّى ينتهي، إذ لا يجوز مثلاً الإفطار عند النهار في يوم الصيام، ولو لفترة قصيرة، لذلك يقول الله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ) البقرة 187، ولم يقل: "أكملوا". وكذلك قال: (وأتمّوا الحجّ والعُمرة للّه) ولم يقل: "وأكملوا" لأنه لا يجوز للحاج أن يتحلّل مِنَ الإحرام في الحجّ حتى ينتهي من شعائره.

أما لماذا الدين أُكْمِلَ والنعمة أُتِمَتْ؟، فلأن الدين ممثلاً في القرآن الكريم، تنزل على أكثر من عقدين من الزمان، أما النعمة فلم تنقطع أبداً، فذكر فيها الإتمام، بخلاف الدين الذي ذكر فيه الإكمال لوصوله بعد نزول آخر آياته إلى مرحلة الكمال.

ما قيل في مدلول إتمام الحجِّ والعمرة:

- إتمام الحجِّ والعمرة: أن يتمَّهما بمناسكهما وحدودهما وسننهما.
- تمام الحجِّ والعمرة: أن تحرم بهما مفردين مستأنفين من دويرية أهلك.
- تمام الحجِّ والعمرة: أن تحرم بهما من دويرية أهلك.
- تمام العمرة أن تُعْمِرَ في غير أشهر الحجِّ، فإن فعلها في أشهر الحج، ثم أقام حتى حجَّ؛ فهي متعة، وعليه فيها الهدي إن وجده، أو الصيام إن لم يجد الهدي، وتمام الحج أن يأتي بمناسكه كلِّها بحيث لا يلزمه دمٌ، بسبب قرانٍ، ولا متعةٍ.
- إتمامها: أن تكون النفقة حلالاً، وينتهي عما نهى الله عنه.
- إتمامها: أن تخرج من أهلك لهما؛ لا لتجارةٍ، ولا لحاجةٍ أخرى.






 
رد مع اقتباس
قديم 10-06-2022, 12:23 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍأَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَنلَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦)






الحج عند الأمم:

الحج من أشهر العبادات عند العرب وهو مما ورثوه عن شريعة إبراهيم - عليه السلام - كما حكى الله ذلك بقوله: (وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ ...) الحج 27، حتى قيل إن العرب هم أقدم أمة عرفت عندها عادة الحج.
وهم يعتقدون أن زيارة الكعبة سعي لله تعالى قال النابغة يصف الحجيج ورواحلهم:
عَلَيْهِنَّ شُعْثٌ عامدونَ لرَبِّهمِ ..... فهن كأطراف الحَنيِّ خَوَاشِع
وكانوا يتجردون عند الإحرام من مخيط الثياب ولا يمسون الطيب ولا يقربون النساء ولا يصطادون، وكان الحج طوافاً بالبيت وسعياً بين الصفا والمروة ووقوفاً بعرفة ونحراً بمنى. وربما كان بعض العرب لا يأكل مدة الحج أقطاً ولا سمناً ـ أي لأنه أكل المترفهين ـ ولا يستظل بسقف، ومنهم من يحج متجرداً من الثياب، ومنهم من لا يستظل من الشمس، ومنهم من يحج صامتاً لا يتكلم، ولا يشربون الخمر في أشهر الحج، ولهم في الحج مناسك وأحكام تختلف عن المناسك الإسلامية، موضحة في كتب التاريخ والسير.

وكان للأمم المعاصرة للعرب حجوج كثيرة، وأشهر الأمم في ذلك:
- اليهود فقد كانوا يحجون إلى الحائط الغربي من المسجد الأقصى، وهو حائط البراق ويسمونه "حائط المبكى"، وهو بحسب اعتقادهم المتبقي من هيكل سليمان. كما يحجون إلى الموضع الذي يزعمون أن فيه تابوت العهد في القدس الشريف. والحج - عندهم - فرض على الذكور دون الإناث والقصر والمرضى، وكل شخص عليه أن يقدم "صدقة" لم تحدد قيمتها.
- واتخذت النصارى زيارات كثيرة، حجاً، أشهرها زياراتهم لما يزعمون أنها منازل ولادة عيسى - عليه السلام - كما يحجون إلى بعض قبور قديسيهم في روما وغيرها. ورغم أنه لا توجد نصوص في الكتاب المقدس تحث على أي نوع من الزيارة إلى أمكنة مقدسة، يحج المسيحيون إلى عدة أماكن لها أثرها الديني في عقائدهم، ككنيسة المهد في فلسطين، حيث يزعمون أنها مسقط رأس المسيح، ونهر الأردن في الأردن حيث تم تعميده على يد يوحنا المعمدان، ويتم الحج إلى الأخير في 6 يناير/كانون ثاني من كل عام في عيد الغطاس. كما يحجون إلى الفاتيكان ولورديس في فرنسا التي تشتهر بتجلي العذراء للقديس برناديت عام 1858.
وقد كان لغيرهم من الأمم حج إلى البلدان المقدسة عندهم، مثل:
- الهندوس الذين يؤدون طقوس الحج على ضفاف نهر الغانج المقدس في استعراض ديني يسـمونه "كومبه ميلا"، هو مهرجان ديني يعتبر أكبر تجمع بشري في الأرض، ويستمر لمدة خمسة وخمسين يوماً كل ثلاثة أعوام، ويشارك فيه ما يزيد عن ستين مليوناً، حيث يجتمع هناك الرهبان الهندوس وعبدة البراهما على مختلف الطوائف بأتباعهم للترويج لتفسيراتهم الفريدة للتعاليم الهندوسية.
ومن ضمن الطقوس الصلاة وتقديم البخور والتمسح بالرماد والاغتسال في النهر، كنوع من نظافة الجسد والروح من الخطايا والذنوب.
- أما مساكنيهم من السيخ فالمعبد الذهبي هو أقدس معابدهم، وداخله يجد الزائرون النص المقدس عند السيخ والمسمى بـ "جورو جرانث صاهيب". والمعبد يقع في مدينة إمريتسار الهندية، التي يسافر إليها الآلاف من أتباع هذه الديانة كل عام لحضورمهرجان رقص وأهازيج.
- وأما الحج في البوذية فهو من أعظم الطقوس الدينية، حيث يلتمس البوذي فيه رجاء الشفاء من الأمراض والمتعة الروحية، وقد بدأه البوذيون في طقوس من السفر الجماعي والزيارة إلى الأماكن المقدسة بعد أعوام طويلة على موت بوذا. والمواقع المقدسة لديهم هي لومبيني مسقط رأس بوذا في النيبال، وبود غايا ذات القداسة العظمى والمكانة الأسمى، حيث جاءه الوحي تحت شجرة تين، وهى اليوم المركز الرئيس للحج، الذى يؤمه البوذيون من شتى أنحاء العالم. وسارناث في الهند، حيث كانت موعظته التبشيرية الأولى، وكوسينارا في الهند حيث مرقده. وقد زرع الناس في كل إقليم بوذي شجرة واحدة من نوع الشجرة المقدسة يحجون إليها في مناسبات مختلفة، كتلك التي في معبد بروبودور بالقرب من جوكجاكرتا بإندونيسيا.
كذلك أنشأوا معابد عدة، تعرض رمزاً مقدساً كتذكار سن بوذا في كاندي في سريلانكا، والأديرة والمعابد الجبلية في الصين (أومي - واتى - بتو - شيوها) المخصصة لنظراء بوذا "البوذي مستقبلاً"، ومعابد شيكوكو في اليابان، وهي ثمانية وثمانون معبداً تتوزع على طريق امتداده أكثر من ألف كيلو متر، فيما يحج أهل الصين إلى مكان واحد، هو هيكل المعبود تيان الأعظم.
- وفي اليابان يتوجه الملايين من أتباع الشنتوية سنوياً إلى ضريح آيسى الكبرى وهو من أقدس مواقع الديانة الشنتوية. وآيسى هي موطن يتجمع فيه أكثر من مائة ضريح مثل الضريح الداخلي نايكو وهو مخصص لإلهة الشمس إماتيراسو، والضريح الخارجي غيكو وهو مكرس لآلهة الحصاد.وتستضيف الأضرحة في آيسى سنوياً أكثر من سبعة ملايين شخص.
- وأما البهائيون، فيحجون إلى المركز العالمي للبهائيين، الواقع في مدينتي عكا وحيفا في شمال فلسطين المحتلة، وفي الأولى "قصر البهجة" وفيه ضريح بهاء الله وفي الثانية ضريح محمد رضا الشيرازي الملقب بالباب، والضريحان محاطان بحدائق خلابة المنظر. وقبل ذلك كانوا يحجون في الأصل إلى "بيت الباب" في إيران و"بيت البهاء" في العراق، لكن البيتين تم هدمها كنوع من محاربة انتشار الديانة البهائية. وباستثناء الطواف ليس للبهائيين مناسك معينة لحجهم، ولا يعرف له موعد محدد، فيمكن للبهائيين زيارة هذه الأماكن في أي وقت من السنة، وأداء ما يحلو لهم من طقوس العبادة والصلاة والصوم.






 
رد مع اقتباس
قديم 13-06-2022, 12:22 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍأَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَنلَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦)






ما قيل من اختلاف في وجوب العمرة:

اتَّفقت الأُمَّة على وجوب الحج، على من استطاع إليه سبيلاً، واختلفوا في وجوب العمرة؛ فذهب أكثر العلماء إلى وجوبها، وذهب قومٌ إلى أنها سُنَّةٌ.
أما أصحاب الوجوب، فيستدلون بالآية، وبأن الإتمام قد يراد به فعل الشيء كاملاً تاماً؛ بدليل قوله سبحانه وتعالى: (وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِ‍ۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ) البقرة 124، أي: فعلهنَّ على التمام، والكمال، وقوله: (ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ) البقرة 187، أي: فافعلوا الصيام تاماً إلى الليل.
ودليلهم الثاني من الكتاب: قوله تعالى: (يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ) التوبة 3، مما يدلُّ على وجود حجٌّ أصغر، وهو العمرة. وإذا ثبت أن العمرة حجٌّ، فتكون واجبةٌ؛ لقوله تعالى: (وَللهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ) آل عمران 97.

وللرد على رأي الوجوب:
الدليل الأول يرده أن قوله: (وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ) معناها: أنَّ العمرة عبادةٌ الله، وذلك لا يؤكد وجوبها ولا ينفيه.
ورد الدليل الثاني أن (يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ) لعله سمي كذلك لخصوصية ذلك اليوم، لأنه نزلت فيه آخر آيات القرآن، وكان يوم عرفة، ويوم جمعة، فاجتمعت فيه أسباب لتسميته بهذا الاسم، فيكون الاسم مختصاً بذلك اليوم من التاريخ الإسلامي.

والخلاصة أنه ليس في الآية حجة عند مالك وأبي حنيفة - رحمهما الله - على وجوب الحج ولا العمرة، ولكن دليل حكم الحج والعمرة عندهما غير هذه الآية، وعليه فمجمل الآية عندهما على وجوب هاتين العبادتين لمن أحرم لهما، فأما مالك فقد عدهما من العبادات التي تجب بالشروع فيها وهي سبع عبادات عندنا هي: الصلاة، والصيام، والاعتكاف، والحج، والعمرة، والطواف، والائتمام. وأما أبو حنيفة فقد أوجب النوافل كلها بالشروع. ومن لم ير وجوب النوافل بالشروع ولم ير العمرة واجبة يجعل حكم إتمامها كحكم أصلْ الشروع فيها، ويكون الأمر بالإتمام في الآية مستعملاً في القدر المشترك من الطلب اعتماداً على القرائن.
ومن هؤلاء من قرأ: {والعمرةُ} بالرفع حتى لا تكون فيما شمله الأمر بالإتمام بناء على أن الأمر للوجوب فيختص بالحج.
وجعلها الشافعية دليلاً على وجوب العمرة كالحج، ووجه الاستدلال له أن الله أمر بإتمامها فإما أن يكون الأمر بالإتمام مراداً به الإتيان بهما تامين أي مستجمعي الشرائط والأركان، فالمراد بالإتمام المعنى الشرعي على أحد الاستعمالين السابقين، قالوا: إذ ليس هنا كلام على الشروع حتى يؤمر بالإتمام، ولأنه معضود بقراءة: {وأقيموا الحج}. وإما أن يكون المراد بالإتمام هنا الإتيان على آخر العبادة فهو يستلزم الأمر بالشروع، لأن الإتمام يتوقف على الشروع، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فيكون الأمر بالإتمام كناية عن الأمر بالفعل.

والحق أن الآية ليست دليلاً لحكم العمرة. وقد اختلف العلماء في حكمها فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنها سنة، وقال مالك: لا أعلم أحداً رخص في تركها. وذهب الشافعي وأحمد وابن الجهم من المالكية إلى وجوبهما. وعبادة مثل هذه لو كانت واجبة لأمر بها
القرآن مثلما فعل في الحج بقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ) آل عمران 97، ولم يذكر العمرة، ولأنه لا يكون عبادتان واجبتان هما من نوع واحد، ولصرح بها النبي - صلى الله عليه وسلم - بألفاظ واضحة، لا بتلفيقات ضعيفة للعلماء. وحديث " بني الإسلام على خمس " وحديث جبريل في الإيمان والإسلام لم يذكر فيهما العمرة، ولو كانت واجبة لذكرت فيهما.






 
رد مع اقتباس
قديم 14-06-2022, 12:04 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍأَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَنلَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦)







(فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ):

عطف على: (وَأَتِمُّواْ)،والفاء للتفريع الذكري فإنه لما أمر بإتمام الحج والعمرة ذكر حكم ما يمنع من ذلك الإتمام. ولا سيما الحج لأن وقته يفوت غالباً بعد ارتفاع المانع، بخلاف العمرة
.
وجاء الشرط بحرف "إن" لأن مضمون الشرط كريه لهم، فألقى إليهم الكلام إلقاء الخبر الذي يشك في وقوعه، والمقصود إشـعارهم بأن المشـركين سيمنعونهم من العمرة.
وأصل الحصر، والإحصار: المنع والحبس، أو هو منع الذات من فعل ما، يقال أحصره أي: منعه مانع. قال تعالى:(لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ) البقرة 273، أي منعهم الفقر من السفر للجهاد وقال لابن ميادة:
وَمَا هَجْرُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ تَبَاعَدَتْ ..... عَلَيْكَ وَلَا أَنْ أَحْصَرَتْكَ شُغُولُ
ومنه قيل للملك: الحصير؛ لأنه ممنوع من الناس. قال لبيدٌ:
جِنٌّ لَدَى بَابِ الْحَصِيرِ قِيَامُ
ويقال: حَصِرَ صَدْرُه، أي: ضاق؛ ورجلٌ حَصِرٌ: لاَ يُبُوحُ بسرِّه، قال جرير في ذلك المعنى:
وَلَقَدْ تَكَنَّفَنِي الْوُشَاةُ فَصَادَفُوا ..... حَصِراً بِسِرِّكِ يَا أُمَيْمَ حَصُوراً
والحَصِيرُ: معروفٌ؛ لامتناعِ بعضه ببعض، وانضمامُ بعضه إلى بعضٍ، تشبيهاً باحتباس الشَّيء مع غيره، والحصر: احتباس البول، والغائط.
وقيل: حُصِر وأُحْصِر بمعنى، وقيل: بل مختلفان. وهما يقالان في المرض، والعدوِّ جميعاً. وفرَّق بعضهم، فقيل: في فصيح الكلام، يقال: أُحْصِر فلانٌ: إذا منعه أمرٌ من خوفٍ، أو مرض، أو عجز؛ قال تعالى: (ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ)
البقرة 273، وحُصِر: إذا حبسه عدوٌّ، أو سجنٌ، فالمشهورُ مِنَ اللُّغَةِ: أُحْصِر بالمرضِ، وحُصِر بالعَدُوِّ، وعكس آخرون المدلول. وقيل: إنَّ الحَصْرَ مختصٌّ بالمنع الحاصل من جهة العدوِّ؛ قالوا: لا حصر إلاَّ حصر العدوِّ، وأكثر أهل اللغة يردُّون هذا القول.
وفائدة هذا الخلاف في أنَّه: هل يثبت للمحصر بالمرض وغيره من الموانع حكم المحصر بالعدوِّ؟. انفرد الشافعيُّ بقوله: لا يثبت، وقال غيره: يثبت بالنص عند البعض، وبالقياس عند آخرين.

ما المراد من الإحصار في الآية؟:

قد اختلف الفقهاء في المراد من الإحصار في هذه الآية على نحو الاختلاف في الوضع أو في الاستعمال. والأظهر أن الإحصار هنا أطلق على ما يعم المنع من عدو أو من غيره، بقرينة قوله تعالى عقبه: (فَإِذَآ أَمِنتُمۡ) فإنه ظاهر قوي في أن المراد منه الأمن من خوف العدو، وأن هذا التعميم فيه قضاء حق الإيجاز في جمع أحكام الإحصار ثم تفريقها كما سيتبين عند قوله تعالى: (فَإِذَآ أَمِنتُمۡ). وكأنَّ هذا هو الذي يراه مالك - رحمه الله - ولذلك لم يحتج في «الموطأ» على حكم الإحصار بغير عدو بهذه الآية، وإنما احتج بالسنة. والأظهر أن الآية وإن صلحت لكل منع لكنها في منع غير العدو أظهر.

قضاء المحصر:

إذا أُحصر، فلا قضاء عليه بالإحصار؛ لأنه إن كان محرماً بحجّ الفرض، أو النَّذر، وكان ذلك في العام الذي وجب عليه الحجُّ فيه، لم يجب القضاء؛ لأن شروط وجوب الحجِّ لم تكمل؛ لوجود الإحصار، وإن كان ذلك في العام الثاني:وجب عليه الحجُّ للوجوب السَّابق، لا للإحصار، وإن كان الحجُّ تطوُّعاً، فلا قضاء؛ لأنَّه لم يجب عليه ابتداءً.






 
رد مع اقتباس
قديم 15-06-2022, 11:31 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍأَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَنلَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦)







(فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ):

"مَا" موصولة، بمعنى: الذي، ويضعف جعلها نكرة موصوفة. وفيها ثلاثة أقوال:
1) أنَّها في محل نصب، أي: فليُهدِ، أو فلينحر.
2) أنه مبتدأ والخبر محذوف تقديره: فعليه ما استيسر.
3) أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: فالواجب ما استيسر.
واستيسر هنا بمعنى: يسر المجرّد كصعب، واستصعب، وغني واستغنى، ويجوز أن يكون بمعنى: تفعَّل نحو: تَكَبَّر واسْتَكْبَرَ، وتعظَّم واسْتَعْظَمَ.
و (مِنَ) في قوله: (مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ): تبعيضية محلها النَّصب على الحال من الضَّمير المستتر في (اسْتَيْسَر) العائد على "مَا"، أي: حال كونه بعض الهدي، أو هي لبيان الجنس.
و (ٱلۡهَدۡيِۖ) إما جَمْعَ هَدْيَةَ، أي: اسم الحيوان المتقرب به لله في الحج، فهو فَعْل من أهدى. أو أن يكُون مصدراً واقعاً موقع المَفْعُول، أي: المُهْدَى، ولذلك يقعُ للأفرادِ والجَمْعِ. وَيُقالُ في جمع الهَدْي: " أَهْدَاءُ".
وفي هذا الموضع من الآية إضماران:
1) التقدير الأول: (فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ) فتحللتم،
2) والتقدير الثاني: فَلْيَهْدِ أو فلينحر ما اسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِ.
والهدي للمُحْصَر أعلاه بدنه، وأوسطه بقرةٌ، وأدنه شاةٌ، فعليه ما تيسر من هذه الأجناس.

حكم المُحْصَر الذي عدم الهدي:


إذا عدم المُحْصَرُ الهَدْي، هل ينتقل إلى البَدَل؟ فيه خلافٌ:

- قال أبو حنيفة: لا بَدَلَ لَهُ، ويكونُ الهَدْيُ في ذمّته أبداً؛ لأنه تعالى أوجَبَ على المحصرِ الهَدْيَ على التَّعْيين، ولم يثبت له بَدَلاً، فيقيمُ على إحرامه؛ حتى يجدهُ للآية.
وقال غيرهُ: له أَنْ يَتَحلَّل في الحال للمشقَّة، وهؤلاء قالُوا يقوِّم الهدي بالدَّرَاهِمِ، ويشتري بها طعاماً، ويُؤدِّي؛ لأنَّهُ أقربُ إلى الهَدْي.
- وقال أحمدُ: له بدلٌ؛ فعلى الأوَّل: هل له أنْ يَتَحلَّلَ في الحالِ، أو يقيم على إحرامه؟
ثم المُحْصَرُ إِنْ كانَ إحرامه بفرضٍ، قد استقرَّ عليه، فذلك الفَرْضُ في ذِمَّتِه، وإن كان حَجّ تَطَوُّعٍ، لا قَضَاء عليه، عند مالكٍ، والشَّافعي، وقال مجاهدٌ والشَّعبي والنَّخعيُّ، وأصحابُ الرَّأي: عليه القَضَاءُ.
ولا يَمْنَعُ المُحرم الاشتراطُ في الحَجِّ، إذا خاف الحَصْر بمرضٍ، أو عَدُوٍّ، وهو قول مالكٌ وأصحابُهُ، والثَّورِيِّ، وأبي حنيفة، وأصحابه - رحمهم الله - والاشتراط أنْ يَقُولَ في إحرامه، إنْ حَبَسَنِي حابِسٌ فمحَلِّي حيثُ حَبَسَني.
وقال أَحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور لا بأس أنْ يَشْتَرِطَ، وله شَرْطُهُ.

هل في العمرة حكم إحصار كالحج؟:

اختلَفُوا في العُمْرة، فأكثر الفُقَهاءِ قالوا: حُكْمُهَا في الإحْصار كَحُكْم الحَجِّ، وعن ابن سيرين أَنَّهُ لا إحصار فيها؛ لأَنَّهَا غير مؤقّتة، ويرده قوله تعالى: (فإِنْ أُحْصِرْتُمْ) عَقِيبَ ذكر الحَجِّ والعُمْرَةِ، فيكونُ عَائِداً إليهما.






 
رد مع اقتباس
قديم 16-06-2022, 01:16 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍأَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَنلَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦)







(وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ):

هذا بيان لملازمة حالة الإحرام حتى ينحر الهدي، وإنما خص النهي عن الحلق دون غيره من منافيات الإحرام، كالطيب تمهيداً لقوله: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ). ويعلم استمرار حكم الإحرام في البقية بدلالة القياس والسياق.
وفي الآية حَذْفٌ؛ لأنَّ الرَّجُلَ لا يَتَحَلَّلُ ببلوغ الهَدْي مَحِلَّه، حتى يَنْحَر؛ فتقدير الآية الكريمة: حتَّى يَبْلُغَ الهَدْي مَحِلَّه، فينحر فإذا نَحَرَ فاحلقوا.
و (مَحِلَّهُۥۚ): يجوز أَنْ يكونَ ظرفَ مَكَانٍ، أو زمانٍ؛ فالمَحِل (بفتح الميم وكسر الحاء) مكان الحلول أو زمانه، يقال: حل بالمكان، يحِل (بكسر الحاء) وهو مقام الشيء. والمراد به هنا مبلغه وهو ذبحه للفقراء، وهو قول مالك. وقيل محله هو محل ذبح الهدايا وهو منى.
والمحل عند أبي حنيفة: الحرم، وعند أحمدُ والشَّافعيُّ: حيث حُبِسَ. والخلافُ مبنيٌّ على البَحْثِ في المَحَلِّ؛ فقال أبو حنيفة: هو اسمٌ للمكان. وقال غيره: هو اسمٌ للزَّمانِ الذي حصل فيه الحل.


(فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ):

"مَنْ" يَجُوزُ أنْ تكونَ شرطيةً، وأَنْ تكونَ موصولةً.
و (مِنْكُمْ) على الأظهر في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحال من (مَّرِيضًا)؛ لأنه في الأصل صفةٌ له، فلمَّا قُدِّم عليه انتَصَبَ حالاً.
وتَكُونَ "مِنْ" تبعيضيةٌ، أي: فَمَنْ كانَ مريضاً منكم.
ويجوز في: (أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى) أَنْ يكُونَ هذا مِنْ بابِ عَطْفِ المُفْرَدَاتِ، وأن يَكُونَ من باب عَطْفِ الجُمَلِ.
وأجازوا أن يَكُونَ (أَذٗى) مَعْطُوفاً على إِضْمارِ "كان" لدلالةِ (كَانَ) الأولى عليها، والتقدير: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ) كان (بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ).
والباء في: (بِهِۦٓ) للإلصاق، أو هي ظرفيةً.
والأذى: مَصدر بمعنى الإِيذاءِ، وهو الأَلَمُ، يُقالُ آذاه يُؤْذِيه إيذَاءً وأذى، فكان الأَذَى مصدر على حذف الزَّوائد، أو اسم مصدر كالعَطَاءِ اسم للإِعْطاءِ، والنَّبَاتِ للإِنْبَاتِ.
وقولُهُ: (مِّن رَّأۡسِهِۦ) في مَحَلِّ رَفْع؛ صِفَةٌ لأَذَى، أي: أذى كَائنٌ من رَأْسِهِ.
والمراد: مرض يقتضي الحلق سواء كان المرض بالجسد أم بالرأس. وقوله: (أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ) كناية عن الضرر الشديد في الرأس.
وقوله: (فَفِدْيَةٌ) مُبْتَدَأً والخبرُ مَحْذُوفٌ، أي: فعليه فِدْيَةٌ، أو أن تَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدأ محذوف، أي: فالواجبُ عليه فِدْيَةٌ، أو أن تكُونَ فاعل فعلٍ مقدَّر، أي فَتَجِبُ عليه فديةٌ.
ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ فعلٍ قبلَ الفَاءِ تقديرهُ: فَحَلَقَ فَفِدْيَة.
(مِّن صِيَامٍ): في مَحَلِّ رفعٍ صفةً لـ "فدية".
(أَوۡ صَدَقَةٍ): (أَوۡ) للتَّخيير.
(أَوۡ نُسُكٖۚ): فى أصل النَّسُك قولان:
1) أَنَّهُ مَصْدَرٌ يُقَالُ: نَسَكَ ينسُك نُسْكاً ونُسُكاً بالضَّمِّ والإِسكان.
2) أنه جَمْعُ نَسِيكة، والنَّسيكَةُ في الأَصْلِ: سَبيكة الفِضَّةِ، وتُسَمَى العبادةُ بها؛ لأَنَّ العِبَادَة مُشْبهةٌ سبيكة الفِضَّة في صَفَائِهَا وخُلوصِها من الآثام. ويُقَالُ للمتعبد" نَاسِكٌ"، لأَنَّهُ يُخلص نفسه من الآثام وصغارِها كالسَّبِيكةِ المخلَصة من الخَبَثِ. وقيل للذَّبيحة "نَسيكة" لذلك لأنها أشرف العبادات التي يُتَقرَّبُ بها إلى اللَّهِ تعالى.
والنسك (بضمتين وبسكون السين مع تثليث النون) يقصد به العبادة، ومنها: مناسك الحج، كما يطلق على الذبيحة المقصود منها التعبد، وهو المراد هنا.

حكم الفدية لعلة الحلق:

إِذَا تَأَذَّى المحرم بالمرض، أو بهوامّ رأسه؛ أُبيح له المُدَاوَةُ في الحَلْقِ بِشَرْطِ الفِدْيَةِ، وهو على التَّخْيير بينَ أن يذبح، أو يَصُومَ، أو يَتَصَدَّق، فَأَقَلّ النُّسُكِ شَاةٌ، وَأَوْسَطُهُ بَقَرَةٌ، وأعلاه بَدَنَةٌ. وأمَّا الصِّيامُ، فليس في الآية كمِّيته، وفيه قولان:
1) أنَّه ثَلاَثَةُ أَيَّام؛ لما رَوَى أَبو دَاودَ أنَّه - عليه السَّلامُ - لمّا مرَّ بكعب بنِ عجْرة، وَرَأَى كثرةَ هَوَامّ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: "احْلِقْ، ثُمَّ اذْبَحْ شَاةً نُسُكاً، أَو صُم ثَلاَثَةَ أَيَّامِ أَوِ أَطْعِم ثَلاَثَة آصعِ مِنْ تَمْرٍ على سِتَّة مساكِينَ".
2) الصِّيام كصيام المتمتع عَشْرَة أَيَّامٍ، والإطعام مِثْلُ ذلك في العَدَدِ؛ لأَنَّ الصِّيَامَ والإطعام لمّا كان مُجْمَلَيْنِ في هَذَا المَوْضِعِ؛ وَجب حَمْلُهُ على المبيَّنِ فيما جاء بعد ذلك، وهو الَّذي يلزمُ المتمتِّعَ إذا لم يجد الهدي.
والّذي يقتضيه ظاهر الآية الكريمة؛ أنَّهُ يؤخر الفِدْيَةَ عن الترخص، لأن الإقْدَامَ على التّرخص كالعِلَّة في وُجُوبِ الفِدْيَة؛ فكان مُقَدَّماً عليه. وأيضاً يراعى أنَّ التقدير في سياق الآية الكريمة: فَحَلَقَ فعليه فِدْيةٌ.

ولا مصوغ لقول بَعْضِهُم: هذه الآية الكريمة مختصّة بالحَصْرِ؛ وذلك إِنْ قيل أي بلوغ الهَدْي محلَّه، ربما لحقه مرض، وأذى في رأْسِهِ، فأذن الله تعالى له في إِزَالَة ذلك المُؤْذِي بشرط أن يَفْدِي.
بل الكَلاَمُ مستأنفٌ في كُلِّ محرم لحقه مرض، أو أذى في رَأْسِهِ، فاحْتَاج إلى العلاج والحلق، فبيَّن اللَّهُ تعالى أّنَّ لهُ ذلك، وبين ما يجبُ عليه من الفِدْية، وقد يَكُونُ المَرَضُ محوجاً إلى اللِّبَاسِ، من شدَّة البَرْدِ أو غيره، وقد يحتاج في الأَمْرَاضِ إلى استِعْمَالِ الطّيب كثيراً، وبالجملة فهذا الحُكمُ عامٌّ في جميع مَحظوراتِ الإِحْرامِ.

حكم من حلق رأسه عمداً لغير عذر:

أَمّا من حلق رأسه عامِداً من غير عُذْرٍ، فقال أبو حنيفة والشَّافعيُّ يجب عليه الدَّمُ.
وقال مالكٌ: حكمه حكم من فعل ذلك بعذر؛ لأَنَّ وجوبه على المَعْذُور تنبيه على وجوبه على غير المَعْذُورِ.






 
رد مع اقتباس
قديم 17-06-2022, 12:29 PM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍأَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَنلَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦)








(فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ):

(فَإِذَآ): الفاء لمجرد التعقيب الذكري. وجيء بـ "إذا" لأن فعل الشرط مرغوب فيه. والأمن ضد الخوف، وهو أيضاً السلامة من كل ما يخاف منه أمن كفرح أمناً، أماناً، وأمناً، وآمنة وإمناً (بكسر الهمزة) وهو قاصر بالنسبة إلى المأمون منه، فيتعدى بـ "من"، تقول: أمنت من العدو، ويتعدى إلى المأمون، تقول: أمنت فلاناً إذا جعلته آمناً منك.
(فَإِذَآ أَمِنتُمۡ) أي: برأتم من المرض، أو الأمن ضد الخوف من العدو، وهذا أظهر، مثل قوله: (ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ) التوبة 6، الدال على عدم الخوف من القتال.
(فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ): الفاءُ: جوابُ الشَّرْطِ بـ "إذا"، والفَاءُ في قوله: (فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ) جوابُ الشَّرط الثاني.
(تَمَتَّعَ): معنى التَّمَتُّع: التَّلَذُّذ، يقالُ تمتَّعَ بالشَّيءِ، أي: تَلَذَّذَ به، والمتاع: كُلُّ شَيءٍ يُتمتع به، وأصلُهُ من قولهم: "حَبْلٌ ماتِعٌ" أي: طويلٌ، وكل ما طالت صحبته بالشَّيء، فهو مُتَمتِّعٌ به.
والآية جاءت بلفظ التمتع على المعنى اللساني أي: الانتفاع، وأشارت إلى ما سماه المسلمون بالتمتع وبالقران، وهو من شـرائع الإسلام التي أبطل بها شريعة الجاهلية، واسم التمتع يشملها لكنه خص التمتع بأن يحرم الحاج بعمرة في أشهر الحج ثم يحل منها ثم يحج من عامه، ذلك قبل الرجوع إلى أفقه، وخص القران بأن يقرن الحج والعمرة في إهلال واحد ويبدأ في فعله بالعمرة ثم يحل منها ويجوز له أن يردف الحج على العمرة كل ذلك شرعه الله رخصة للناس، وإبطالاً لما كانت عليه الجاهلية من منع العمرة في أشهر الحج، وفرض الله عليه الهدي جبراً لما كان يتجشمه من مشقة الرجوع إلى مكة لأداء العمرة كما كانوا في الجاهلية ولذلك سماه تمتعاً.
الباء في قوله:(بِٱلۡعُمۡرَةِ) صلة فعل: (تَمَتَّعَ).
وقوله: (إِلَى ٱلۡحَجِّ) متعلق بمحذوف دل عليه معنى إلى تقديره متربصاً إلى وقت الحج أو بالغاً إلى وقت الحج أي أيامه.
وقد فهم من كلمة (إلَى) أن بين العمرة والحج زمناً لا يكون فيه المعتمر محرماً وهو الإحلال الذي بين العمرة والحج في التمتع والقران، فعليه ما استيسر من الهدي لأجل الإحلال الذي بين الإحرامين، وهذا حيث لم يهد وقت الإحصار.
(فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ):اسْتَيْسَرَ هنا بمعنى يسر وتيسر أي: ما أمكن تحصيله من الهدى بدون مشقة أو تعب.
والمعنى: فعليه ما تيسر من الهدي، وهو ما يجزئ في أضحية، وهذا دم نسك، مقابلة لحصول النسكين له في سفرة واحدة، ولإنعام الله عليه بحصول الانتفاع بالمتعة بعد فراغ العمرة، وقبل الشروع في الحج، ومثلها القِران لحصول النسكين له.
وتقدير الكلام: فإذا أمنتم بعد الإحصار وفاتكم وقت الحج وأمكنكم أن تعتمروا فاعتمروا وانتظروا الحج إلى عام قابل، واغتنموا خير العمرة فمن تمتع بالعمرة فعليه هدي عوضاً عن هدي الحج، فالظاهر أن صدر الآية أريد به الإحصار الذي لا يتمكن معه المحصر من حج ولا عمرة، وأن قوله: (فَإِذَآ أَمِنتُمۡ) أريد به حصول الأمن مع إمكان الإتيان بعمرة وقد فات وقت الحج، أي أنه فاته الوقت ولم يفته مكان الحج، ويعلم أن من أمن وقد بقي ما يسعه بأن يحج عليه أن يحج.


شروط وجوب دم التَمتُّع:

يشترط لوجوب دم التَّمَتُّع خمسة شروطٍ:
1) أن يُقَدّم العُمرة على الحَجِّ.
2) أن يُحرم بالعُمرة في أشهر الحَجِّ، فلو أحرمَ لها قبل أشهر الحَجِّ، وأتى بشيء من الطَّوَافِ، ولو شوطاً واحِداً، ثم أكمل باقيه في أشهر الحَجِّ في هذه السَّنة، لم يلزمه الدَّمُ؛ لأنَّهُ لم يجمع بينَ النُّسُكَيْنِ في أشهر الحَجِّ.
وقال أبو حنيفة: إذا أتى بأكثر الطَّوَافِ في أشهر الحَجِّ، فهو مُتَمَتِّعٌ، وإذا أتى بالأكثر قبل أشهر الحَجِّ فلا.
3) أن يَحِجُّ في هذه السَّنَة، فإن حَجَّ في سَنَةٍ أخرى لم يَلْزَمْهُ دَمٌ؛ لأَنَّه لم يوجد مُزَاحمة الحَجِّ والعمرة في عامٍ واحدٍ، ولم يحصل الترفُّه بترك أحد السّفرين، إلاَّ على قول ابن الزُّبير فيما قَدَّمناه.
4) ألا يكُون من حاضري المسجد الحرام لقوله تعالى: (ذٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ)، وهو مَنْ كان أهلُهُ على أقلّ من مسافة القَصْرِ، وهل تُعْتَبَرُ هذه المَسَافَةُ من مَكَّة، أو من الحرمِ فيه وجهان.
5) أن يُحْرِم بالحَجِّ من مَكَّةَ بعد الفَرَاغ من العُمرة، فلو رجع إلى الميقاتِ، وأحرمَ بالحَجِّ منه، لا يلزمُهُ دَمُ التَّمَتُّعِ.

وجوه التَّمَتُّع بالعمرة إلى الحَجِّ:

التَّمَتُّع بالعمرة إلى الحَجِّ على أربعةِ أوجهٍ:
‌أ) أولها متفق عليه، وهو المراد بقوله تبارك وتعالى: (فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْي)، وذلك أَنْ يُحْرِمُ بالعُمْرَةِ في أشهر الحَجِّ، ويكون آفاقيًّا (أي قادماً من خارج حدود الحرم)، ويفرغ منها، ويقيم حلالاً بمكَّة إلى أن يحرم بالحجِّ من عامِهِ قبل رجوعه إلى بلدِهِ.ولها ثَمَانيةٌ شروطٍ:
...1) أن يجمع بين الحجّ والعمرة.
...2) في عامٍ واحدٍ.
...3) في سفر واحد.
...4) في أشهر الحَجِّ.
...5) مقدِّماً الحج.
...6) غير مخلط لها بالحَجِّ.
...7) وأن تكُونَ العُمرةُ والحج عن شخصٍ واحدٍ.
...8) ويكون آفاقيًّا.

ب) الوجه الثَّاني من وجوه التَّمتُّع بالعُمْرَة: هو القِرَانُ، وهو أنْ يَجْمَعَ بينهما في إحرامٍ واحدٍ، فيُهِلّ بهما جميعاً في أشهر الحَجِّ، يتمتع القارن بترك السّفر إلى العُمْرَةِ، مرَّة، وإلى الحَجِّ أخرى، ولا يحرم لكلِّ واحد من ميقاتِهِ، فيدخل تحت قوله تعالى: (فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ).
‌ج) الوجه الثالث هو أنْ يُحْرِمَ بالحَجِّ فإذا دخل مَكَّةَ فسخ حجّه إلى عمرة، ثم يحلّ إلى أن يُهِلَّ بالحج يَوْم التَّرْوية، والجمْهُورُ على تَرْكِ العَمَل بها.
د) الوجهُ الرَّابع من التمتع: متعة المُحصر، ومن صُدَّ عن البيت
.

حكم الأكل من دم التمتع:

على قولين:
‌أ) دم التمتع دم جبران، فلا يجوزُ له الأكل منه، وحججهم على وجوه:
1) أنَّ التمتع حصل فيه خَلَلٌ فيكون دم جبران.
2) أنَّ الدّم ليس بنسك أصلي من مناسك الحَجّ، أو العمرة، كما لو أفردها وكما في حقّ المَكِّي، والجمعُ بين العبادَتين لا يوجب الدَّم، بدليل أنَّ من جمع الصَّلاة، والصّوم، والاعتكاف لا يَلْزَمُهُ دم، وإذا ثبت ذلك فليس الدَّم دم نسك، بل دم جبران.
3) أنَّ هدي التمتع ليس مُؤَقّتاً، والمناسِكُ كلّها مؤقتة، فيكُونُ دم جُبرانٍ.
4) أنَّه يُبَدَّلُ بالصَّوم، ودم النُّسك لا النُّسُك لا يُبَدَّلُ بالصَّوم.
‌ب) وقال أبو حنيفة دم نسك، ويأكُلُ منه.


حد دم التمتع ووقت ذبحه:

المجزي فيها جذعة من الضأن، أو ثنية من المَعْزِ، أو شركُ ستَّةٍ في بدنةٍ، أو بقرةٍ، ووقت وجوبه بعد الإحرام بالحجِّ؛ لأنَّ قوله: (فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْيِ) يدلُّ على أنَّه عقيب التَّمَتع، ويستحب ذبحه يوم النَّحرِ فلو ذبح بعد الإحرام بالحجِّ جاز؛ لأَنَّ التمتع قد تَحَقَّقَ. وعن أبى حنيفة لا يجوز إلاَّ يوم النَّحر؛ لأَنَّهُ نسك عنده.






 
رد مع اقتباس
قديم 18-06-2022, 12:41 PM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍأَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَنلَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦)








(وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ):

معطوف على قوله: (وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ) وليس معطوفا على قوله:(فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ)؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم. أما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق (حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ)، ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة، إن كان قارناً، أو من فعل أحدهما إن كان مفرداً أو متمتعاً.
(مَحِلَّهُۥۚ): المحل هو الموضع الذي يحل فيه ذبحه، فالمحل في حصر العدو عند مالك والشافعي: موضع الحصر، وعند أبي حنيفة محل الهدي في الإحصار: الحرم.

من المخاطب بقوله: (وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ)؟:

محله الخطاب لجميع الأمة محصر ومخلي . ومن العلماء من يراها للمحصرين خاصة، أي: لا تتحللوا من الإحرام حتى يُنْحَرَ الهدي.
واختلف العلماء في المحصر: هل له أن يحلق أو يحل بشيء من الحل قبل أن ينحر ما استيسر من الهدي؟ قال مالك: لا يجوز لأحد أن يأخذ من شعره حتى ينحر هديه،
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا حل المحصر قبل أن ينحر هديه فعليه دم، ويعود حرماً كما كان حتى ينحر هديه، وإن أصاب صيداً قبل أن ينحر الهدي فعليه الجزاء، وسواء في ذلك الموسر والمعسر لا يحل أبداً حتى ينحر أو ينحر عنه.
وقال الشافعي في المحصر إذا أعسر بالهدي: فيه قولان: لا يحل أبداً إلا بهدي، والقول الآخر: أنه مأمور أن يأتي بما قدر عليه، فإن لم يقدر على شيء كان عليه أن يأتي به إذا قدر عليه.
واختلفوا إذا نحر المحصر هديه هل له أن يحلق أو لا؟ فقالت طائفة: ليس عليه أن يحلق رأسه؛ لأنه قد ذهب عنه النسك، واحتجوا بأنه لما سقط عنه بالإحصار جميع المناسك كالطواف والسعي - وذلك مما يحل به المحرم من إحرامه - سقط عنه سائر ما يحل به المحرم من أجل أنه محصر. وممن احتج بهذا وقال به أبو حنيفة ومحمد بن الحسن قالا: ليس على المحصر تقصير ولا حلاق. وقال أبو يوسف:يحلق المقصر، فإن لم يحلق فلا شيء عليه. وقد حُكى عن أبي يوسف أن عليه الحلاق، والتقصير لا بد له منه. واختلف قول الشافعي في هذه المسألة على قولين: أحدهما أن الحلاق للمحصر من النسك، وهو قول مالك، والآخر ليس من النسك كما قال أبو حنيفة.
والحلق في الحج والعمرة أفضل من التقصير، وهو مقتضى قوله: (وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ)، ولم يقل تقصروا. واتفق أهل العلم على أن التقصير يُجزيء عن الرجال، إلا شيء ذكر عن الحسن أنه كان يوجب الحلق في أول حجة يحجها الإنسان.
واتفقوا كذلك على أن النساء لم تدخل في الحلق، وأن سنتهن التقصير. بل رأت جماعة أن حلقها رأسها من المثلة. واختلفوا في قدر ما تقصر من رأسها، فكان الشافعي وأحمد وإسحاق يقولون: تقصر من كل قرن مثل الأنملة. وقال عطاء: قدر ثلاث أصابع مقبوضة، وقال قتادة: تقصر الثلث أو الربع، وفرقت حفصة بنت سيرين بين المرأة التي قعدت فتأخذ الربع، وفي الشابة أشارت بأنملتها تأخذ وتقلل، وقال مالك: تأخذ من جميع قرون رأسها، وما أخذت من ذلك فهو يكفيها، ولا يجزي عنده أن تأخذ من بعض القرون وتبقي بعضاً، وقال ابن المنذر: يجزي ما وقع عليه اسم تقصير ، وأحوط أن تأخذ من جميع القرون قدر أنملة.
ولا يجوز لأحد أن يحلق رأسه حتى ينحر هديه، وذلك أن سنة الذبح قبل الحلاق، فمن خالف هذا فقدم الحلاق قبل النحر، فعليه الهدي عند أبي حنيفة، ولا شيء عليه في المشهور من المذاهب الأخرى.




(فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ):

(فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ): أي: فمن لم يجد الهدي، إما لعدم المال، أو لعدم الحيوان، صام ثلاثة أيام في الحج، أي: في أيام الحج، وهي من عند شروعه في الإحرام إلى يوم النحر. وقيل: يصوم قبل يوم التروية يوماً، ويوم التروية، ويوم عرفة. وقيل:ما بين أن يحرم بالحج إلى يوم عرفة، وقيل: يصومهنّ من أوّل عشر ذي الحجة، وقيل: ما دام بمكة. وقيل: إنه يجوز أن يصوم الثلاث قبل أن يحرم. وقد جوز بعض أهل العلم صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهدي، ومنعه آخرون.
وفي رفع: (فَصِيَامُ) ثلاثة أوجه:
1) أن تكونَ مبتدأً والخبرُ محذوفٌ، أي: فعليه صيامٌ.
2) أنْ تكونَ خبرَ مبتدأ محذوف أي: فالواجبُ عليه صيامٌ.
3) أن يكونَ فاعلَ فعلٍ مقدَّر أي: فَيجِبُ عليه صيامٌ.
وقريء: {فصيامَ} نصباً، على تقديرِ: فَلْيَصُمْ، وأُضيف المصدرُ إلى ظَرْفِهِ معنىً، وهو في اللفظِ مفعولٌ به على السَّعِةِ.
و (فِي ٱلۡحَجِّ): متعلقٌ بـ "صيام"، وقَدَّر بعضُهم مضافاً أي: في وقتِ الحَجِّ. ومنهم مَنْ قَدَّر مضافين، أي: وقتَ أفعالِ الحَجِّ، ومنهم مَنْ قَدَّره ظَرفَ مكانٍ أي: مكانَ الحج. قوله: (وَسَبۡعَةٍ): الجمهورُ على جَرِّ "سبعة" عطفاً على ثلاثة.
وقريء: {وَسَبۡعَةً} بالنصب، عطفاً على محلَّ (ثَلَٰثَةِ) أو أن ينتصبَ بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: فَلْيَصُومُوا.
وقوله: (إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ): منصوبٌ بـ "صيام" أيضاً، وهي هنا لِمَحْضِ الظرفِ، وليس فيها معنى الشرط.
وفي قوله: (رَجَعْتُمْ):
- التفاتٌ فإنَّ قبلَه خطاب للمفرد الغائب، ولو سيق هذا على نظم الأولِ لقيل: "إذا رجع" بضميرِ الغَيْبَةِ.
- وحمل على المعنى؛ إذ فلأنه أتى بـ "من" المفرد لفظاً، وحمله على معنى الجمع، فقال: (رَجَعْتُمْ)، ولو راعى اللفظَ لأفردَ، فقال: "رَجَعَ".
وقوله: (فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ ...) يعنى أنَّ المتمتع إذا لم يجد الهَدْيَ، فعليه أنْ يصُومَ، وهل الهدي أفضلُ أم الصِّيَامُ؟ فيه وجهان:
- الظَّاهِرُ أنَّ المبدل أفْضَلُ من البدل.
- لا فرق، فهما سواء في الكمال والثَّوابِ؛ إذ ذكر الكمال في الصيام، فقال: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ).

أيام صيام من لم يجد هدياً:

قالوا:
- الثلاثةُ الأيام في الحج آخرها يوم عرفة؛
- حُكي عن أبي حنيفة: يصومها في إحرامه بالعُمْرة، لأنه أحد إحرامي التمتع؛ فجاز صوم الأيام فيه كإحرامه بالحج. وقال أبو حنيفة أيضاً وأصحابه: يصوم قبل يوم التّروِيَة يوماً، ويومَ التروية ويوم عرفة.
- وقال مالك بن أنس: له أن يصومها منذ يُحرِم بالحج إلى يوم النحر؛ لأن الله تعالى قال: (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ) فإذا صامها في العمرة فقد أتاه قبل وقته فلم يجزه.
- وقال الشافعيّ وأحمد بن حنبل: يصومهن ما بين أن يُهِلّ بالحج إلى يوم عرفة؛ وروي هذا عن مالك، وهو مقتضى قوله في مُوَطَّئه؛ ليكون يوم عرفة مفطراً؛ فذلك أتبع للسُّنة، وأقوى على العبادة.
- وعن أحمد أيضاً: جائز أن يصوم الثلاثة قبل أن يُحرم.
- وقال الثوريّ والأوزاعيّ: يصومهنّ من أوّل أيام العشر؛ وبه قال عطاء.
- وقال عُروة: يصومها ما دام بمكة في أيام مِنًى؛ وقاله أيضاً مالك وجماعة من أهل المدينة.

ما المراد بالرجوع هنا؟:

المراد بالرجوع هنا: الرجوع إلى الأوطان. قال أحمد وإسحاق: يجزيه الصوم في الطريق، ولا يتضيق عليه الوجوب إلا إذا وصل وطنه، وبه قال الشافعي وقتادة والربيع ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وغيرهم. وقال مالك: إذا رجع من مِنىً، فلا بأس أن يصوم. والأوّل أرجح.






 
رد مع اقتباس
قديم 19-06-2022, 01:03 PM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍأَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَنلَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦)









(تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ):

(تِلْكَ عَشَرَةٌ): مبتدأ وخبرٌ، والمشار إليه هي السَّبعة والثَّلاثة، ومُمَيِّزُ السَّبعة والعشرة محذوف للعلم به. وقد أثبت تاء التأنيث في العدد مع حذف التَّمييز، وهو أحسن الاستعمالين، ويجوز إسقاط التَّاء حينئذٍ.
(كَامِلَةٞۗ): يقال: كَمَلَ (بتثليث الميم) يَكْمُل (بضم الميم وفتحها)؛ ثلاث لغات.
وقوله: (كَامِلَةٌ) يحتمل بيان الكمال من ثلاثة أوجهٍ: إمَّا أن تكون كاملة في البدل عن الهَدْي قائمة مقامه لا تنقص عنه، أو أنَّ ثوابها مثل ثواب القادر على الهدي، أو أنّ حجّ المتمتع الصّائم كاملاً كحج من لم يتمتَّع.
وبقوله (كَامِلَةٌ) أفاد التحريض على الإتيان بصيام الأيام كلها لا ينقص منها شيء، مع التنويه بذلك الصوم وأنه طريق كمال لصائمه، فالكمال مستعمل في حقيقته ومجازه.
وٱختلفوا في معنى قوله: (تِلْكَ عَشَرَةٌ) وقد عُلم أنها عشرة؛ فقيل: لما جاز أن يتَوهّم متَوَهمّ التّخيير بين ثلاثة أيام في الحج أو سبعة إذا رجع بدلاً منها؛ لأنه لم يقل وسبعة أخرى ـ أزيل ذلك بالجملة من قوله: (تِلۡكَ عَشَرَةٞ)، ثم قال: (كَامِلَةٌ) بتأكيد آخر فيه زيادة توصية بصيامها وألا ينقص من عددها؛ كما تقول لمن تأمره بأمر ذي بال: اللَّهَ اللَّهَ لا تقصّر. وقيلت أقوال أخرى نستعرضها.

لِمَ قال: تِلْكَ عَشَرَةٌ بعد الثَّلاثة والسَّبعة مع إن من المعلوم أن جمعهما عشرة؟:


في التعليل لذكر جمع الثَّلاثة والسَّبعة أقوال كثيرة، منها:
- إن العَرَبَ إذا ذكرت عددين، فمذهبهم أن يُجْمِلُوهُمَا.
- فائدةُ الفَذْلَكَةِ في كُلِّ حساب: أن يُعْلَمَ العَدَدُ جُمْلَةً كما يُعْلَمُ تَفْصِيلاً، لِيُحْتَاط به من جِهَتَيْنِ، فيتأكَّد العِلمُ. وفي أمثالهم: "عَلَمَانِ خَيْرٌ مِنْ عَلَمِ".
- إنما تَفْعَلُ العَرَبُ ذلك؛ لأنَّها قليلةُ المَعْرِفَةِ بِالحِسَاب، وقد جاء: "لا نَحْسُب، وَلاَ نَكْتُب". ، وورد ذلك في أشعارهم، قال الأعشى:
ثلاثٌ بالغَدَاةِ فَهُنَّ حَسْـبي .....وسِــتٌّ حين يُدْرِكُني العِشـاءُ

فذلك تِسْعَةٌ في اليومِ رِيِّي .....وشُرْبُ المرءِ فَوْقَ الرَّيِّ داءُ
وقال الفرزدق:
ثلاثٌ واثنتان فَهُنَّ خَمْسٌ .....وسادسةٌ تَميلُ إلى شَمَام
وقال آخر:
فَسِرْتُ إليهمُ عِشْرِينَ شَهْرًا ..... وَأَرْبَعَةً فَذَلِكَ حِجَّتانِ
- "فتلك عشَرَةٌ: ثلاثةٌ في الحَجّ وسبعةٌ إذا رَجَعْتُمْ" فَقَدَّمَ وأخَّر.
- جيء بعشرة توطئةً للخبرِ بعدها، لا أنَّها هي الخَبَرُ المستقلُّ بفائدةِ الإسناد كما تقول: "زيدٌ رَجُلٌ صَالِحٌ" يعني أن المقصود الإخبار بالصَّلاح، وجيء برجلٍ توطئةً، إذ معلومٌ أنه رجلٌ.
- جَمَعَ العدَدَيْنِ لجوازِ أن يُظَنَّ أنَّ عليه ثَلاَثَةً أو سبعةً؛ لأنَّ الواو قد تقوم مقام أو، ومنه:(مَثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) النساء 3، فأزال احتمال التَّخيير، وهذا إنَّما يتمشَّى عند الكوفيِّين؛ فإنَّهم يقيمون الواو مقام "أو".
- ربما طرأ توهم أن الله أوجب صوم ثلاثة أيام فقط وأن السبعة رخصة لمن أراد التخيير، فبين الله ما يدفع هذا التوهم، بل الإشارة إلى أن مراد الله تعالى إيجاب صوم عشرة أيام، وإنما تفريقها رخصة ورحمة منه سبحانه، فحصلت فائدة التنبيه على الرحمة الإلهية. ونظيره قوله تعالى: (وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيۡلَةٗ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٖ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗۚ) الأعراف 142، إذ دل على أنه أراد من موسى - عليه السلام - مناجاة أربعين ليلة ولكنه أبلغها إليه موزعة تيسيراً.
- المعتاد أن يكون البدل أضعف حالاً من المبدّل، فبيَّن الله - تعالى - أنَّ هذا البدل ليس كذلك، بل هو كامل في كونه قائماً مقام المبدّل، فيكون الصائم ساكن النَّفس إلى حصول الأجر الكامل من عند الله،
- ذكر العشرة ليتوصل به إلى قوله: (كَامِلَةٞۗ)؛ لأنَّه لو قال: "تِلْكَ كَامِلَةٌ"؛ لجاز أن يراد به الثَّلاثة المفردة عن السَّبعة والسّبعة المفردة عن الثَّلاثة، فلا بدّ من ذكر العشرة.
- إن الله تبارك وتعالى لو قال أوجب عليكم صيام عشرة أيّام، لم يبعد أن يكون دليل يقتضي خروج بعض هذه الأيّام، فإنّ تخصيص العام كثير في الشَّرع، فلما قال: (تِلۡكَ عَشَرَةٞ) كان ذلك تنصيصاً على أنَّ المخصص لم يوجد البتَّة، فيكون أقوى دلالة، وأبعد من احتمال التَّخصيص.
- إنَّ التَّوكيد طريقة مشهورة في كلام العرب كقوله: (فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ 46) الحج، وقوله: (وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) الأنعام 38. وفائدة التوكيد أنَّ الكلام المعبَّر عنه بالعبارات الكثيرة الشّريفة وبالصِّفات الكثيرة، أبعد عن السَّهو والنّسيان من الكلام المعبَّر عنه بعبارة واحدة، وكونه معبراً عنه بعبارات كثيرة يدلُّ على كونه مشتملاً على مصالح عظيمة، لا يجوز الإخلال بها، فإذا كان التّوكيد مشتملاً على هذه الحكمة كان ذكره هنا دالاًّ على رعاية هذا العدد في هذا الصَّوم، فإنَّه من المهمّات التي لا يجوز إهمالها ألبتَّة.
- إنَّ هذا الكلام يزيل الإبهام الذي في تصحيف الخطّ، فإنَّ سبعة، وتسعة متشابهان في الخطِّ، فلمَّا قال بعده: (تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ)؛ أزال هذا الاشتباه.
- إنَّ قوله: (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) يحتمل أن يكون المراد، أن يكون الواجب بعد الرُّجوع أن يكمل صيام سبعة أيّام، على أنَّه يحسب الثَّلاثة المتقدِّمة منها، ويكمل عليها أربعةً، فلما قال: (تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ) أزال هذا الاشتباه.
- إن هذا خبر، ومعناه الأمر، أي: تلك عشرة فأكملوها ولا تنقصوها.
- إنَّه تعالى لما أمر بصيام ثلاثة أيَّام في الحجِّ وسبعة بعد الرُّجوع، فليس فيه بيان أنَّه طاعةٌ عظيمة كاملة، فلمَّا قال بعده: (تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ) دلَّ ذلك على أنَّ هذه الطَّاعة في غاية الكمال؛ وذلك لأنَّ الصَّوم مضافٌ إلى الله تعالى بلام الاختصاص كما قال: "الصَّوْمُ لي"، والحجُّ أيضاً مضاف إلى الله تعالى بلام الاختصاص كما قال: (وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ)، فَكَمَا دَلَّ النَّصُّ على مَزِيدِ اختصاص هاتين العبادتين بالله - سبحانه وتعالى - فالفعل دلَّ أيضاً على ذلك. أمّا في الصَّوم فلأنَّه عبادة لا يطّلع العقل على وجه الحكمة فيها ألبتَّة، وهو مع ذلك شاقٌّ على النَّفس جدّاً، فلا جرم لا يؤتى به إلاَّ لمحض مرضاة الله - تعالى - ثمَّ إنَّ صوم هذه تعني الانقياد له. وكذا الحجّ عبادة لا يطَّلع العقل على وجه الحكمة فيها ألبتَّة، وهو مع ذلك شاقٌ جداً؛ لأنَّه يوجب مفارقة الأهل، والولد والتَّباعد عن أكثر اللَّذَّات، فلا جرم لا يؤتى به إلاّ لمحض مرضاة الله تعالى، ثمَّ إنَّ صوم هذه الأيّام العشرة بعضه واقعٌ في زمن الحج، فيكون جمعاً بين شيئين شاقَّين جدّاً، وبعضه واقعٌ بعد الفراغ من الحجِّ، وهو انتقالٌ من شاقٍّ إلى شاقٍّ، ومعلوم أنَّ ذلك سبب لكثرة الثَّواب، وعلوِّ الدَّرجة، فلا جرم لمَّا أوجب الله - تعالى - صيام هذه الأيَّام العشرة، شهد سبحانه على أنَّها عبادة كاملة في غاية الكمال والعلوّ، فقال تعالى: (تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ)، أي: وإنها كاملة.

ما حكمة كون الأيام عشرة؟:

لعله نشأ من جمع سبعة وثلاثة لأنهما عددان مباركان، ضبطت بمثلهما الأعمال دينية وقضائية. وجعل صيام بعض الأيام في مدة الحج لجعل العبادة عند سببها، وأما جعل الأيام الأقل في الحج، فلأن فيه مشقة، فكان من رحمة الله أن جعل عدد الأيام الأكبر في حالة الاستقرار بعد الرجوع للمنزل.






 
رد مع اقتباس
قديم 20-06-2022, 12:29 PM   رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍأَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَنلَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦)










(ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ):

قوله: (ذٰلِكَ لِمَن): (ذٰلِكَ) مبتدأٌ، والجارُّ بعدَه الخبرُ. واللامِ في: (لِمَن) على بابِها، أي ذلك لازمٌ لِمَنْ، و "مَنْ" يجوز أن تكونَ موصولةً وموصوفةً.
و (حَاضِرِي): خبرُ (يَكُنۡ) وحُذِفَت نونُه للإِضافة.
وقيل: الإشارة بقوله: (ذَٰلِكَ): راجعة إلى التمتع، فتدل على أنه لا متعة لحاضري المسجد الحرام، كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه. قالوا: ومن تمتع منهم كان عليه دم، وهو دم جناية لا يأكل منه.
وقيل: إنها راجعة إلى الحكم، وهو وجوب الهدي، والصيام، فلا يجب ذلك على من كان من حاضري المسجد الحرام، كما يقوله الشافعي، ومن وافقه.
والمراد بمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام: من لم يكن ساكناً في الحرم، أو من لم يكن ساكناً في المواقيت، فما دونها على الخلاف في ذلك بين الأئمة.

(من المقصود بـ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ)؟:

وحاضرو المسجد الحرام هم أهل بلدة مكة وما جاورها، واختلف في تحديد ما جاورها:

- فذهب قوم إلى أنَّهم أهل مكَّة، وهو قول مالك.
- وقيل: الحرم كلُّه، وهو قول الشَّافعيِّ، وأحمد لقوله تعالى: (سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى) الإسراء 1، وإنما أسرى به من الحرم من بيت أمِّ هانئ لا من المسجد، وقال: (ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ) الحج 33، والمراد الحرم؛ لأن الدماء لا تراق في البيت، والمسجد الحرام إنَّما وصف بهذا؛ لأن أصل الحرام المنع، والمحرم: ممنوعٌ من المكاسب، والمسجد الحرام ممنوعٌ أن يفعل فيه ما منع من فعله.
- وقيل: أهل عرفة والرجيع وضجنان.
- وقال الشَّافعيُّ: كلُّ من كان وطنه من مكَّة على أقلّ من مسافة القصر، فهو من حاضري المسجد الحرام.
- وقيل هم أهل الميقات فما دونه، وهو قول أصحاب الرَّأي.
- وقيل: من كان دون الميقات.
- وقيل: يقال حرامٌ، وحرمٌ مثل: زمانٍ وزمنٍ، وذكر حضور الأهل، والمراد حضور المحرم، لا حضور الأهل، لأنَّ الغالب على الرَّجل أنّه يسكن حيث أهله ساكنون فلو خرج المكيٌّ إلى الآفاق، وأهله بمكَّة، ثمَّ عاد متمتعاً؛ لزمه هدي التمتع، ولا أثر لحضور أهله في المسجد الحرام.
- وقيل المراد بقوله: (لمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ)، أي يكون أهلاً لهذه العبادة.

ويَظهَرُ مِن الآيةِ ومِن قولِ العلماء أنّهم لا يَختلِفونَ فيمَن كان في حدودِ الحَرَمِ، وإنّما يَختلِفونَ فيمَن هو خارِجَها، ومكَّةُ اليومَ غيرُ مَكَّةَ في الصَّدْرِ الأوَّلِ، فقد اتَّسَعَتْ وتَغَيَّرَتْ مَعالِمُها، حتّى بلَغَ البُنْيانُ متَّصِلًا إلى مَواضِعَ يقصُرُ فيها بعضُ السَّلَفِ الصلاةَ، فيَظْهَرُ أنّ مَن كان دونَ القَصْرِ مِن مَكَّةَ، فهو مِن أهلِها، ومَرَدُّ ذلك إلى العُرْفِ.



(وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ):

(وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ): أي: فيما فرضه عليكم في هذه الأحكام، وقيل هو أمر بالتقوى على العموم، وتحذير من شدّة عقاب الله سبحانه.
(وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ): افتتح بقوله: (وَٱعۡلَمُوٓاْ) اهتماماً بالخبر، فلم يقتصر بأن يقال: "وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إن ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ"، فإنه لو اقتصر عليه لحصل العلم المطلوب، لأن العلم يحصل من الخبر، لكن لما أريد تحقيق الخبر افتتح بالأمر بالعلم، لأنه في معنى تحقيق الخبر، كأنه يقول: لا تشكوا في ذلك، فأفاد مفاد "إنَّ"، وتقدم آنفاً عند قوله تعالى: (وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ 194) البقرة.
والعقاب والمعاقبة سيَّان، وهو مجازاة المسيء على إساءته، وهو مشتقٌّ من العاقبة، كأنّه يراد عاقبة فعل المسيء.
و (شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ): من باب إضافة الصِّفة المشبَّهة إلى مرفوعها.

ما الحكمة من ختم الآية بهذا التنبيه؟:

أمَرَ بتَقْواهُ، بعدَ أنْ بيَّنَ حدودَهُ في الحَجِّ، حتّى لا تُخرَمَ تلك الحدودُ، وللتأكيدِ على أهميَّةِ الإتيانِ بها. ثمَّ جاء تحذيرٌ ووعيدٌ مِن التفريطِ في تلك الحدودِ، وبيانٌ لِخَطَرِ تغييرِها والتساهُلِ بها، وأنّ ما وضَحَتْ مَعالِمُه مِن حدودِ اللهِ في مَناسِكِ الحجِّ، لا ينبغي لأحدٍ أن يتساهَلَ فيه، متذرِّعًا بعمومِ قولِهِ ﷺ: افْعَلْ ولا حَرَجَ"*، فإنّ ذلك كان في أعمالِ يومِ النَّحْرِ، لا في كلِّ مَناسكِ الحجِّ.
* أخرجه البخاري (٨٣) (١/٢٨)، ومسلم (١٣٠٦) (٢/٩٤٨)، من حديث عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهما.






 
رد مع اقتباس
قديم 21-06-2022, 12:21 PM   رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
عوني القرمة
أقلامي
 
إحصائية العضو






عوني القرمة غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: قراءة في آيات الحج من سورة البقرة

(وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍأَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَنلَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦)





حول مضمون الآية:

ليس لدينا تاريخ محدد موثق لنزول آيات الحج هذه إلا رواية تذكر أن قوله تعالى: (فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ) حيث نزلت في الحديبية سنة ست من الهجرة. كذلك ليس لدينا تاريخ مقطوع به لفرضية الحج في الإسلام، سواء على الرأي الذي يقول بأنه فرض بآية: (وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ ...) أو بآية: (وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ) آل عمران 97، فليس لدينا عن وقت نزولها رواية قطعية الثبوت. وقد ذكر الإمام ابن قيم الجوزية في "زاد المعاد" أن الحج فرض في السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة؛ ارتكاناً منه إلى أن الرسول ﷺ حج حجة الوداع في السنة العاشرة، وأنه أدى الفريضة عقب فرضها، إما في السنة التاسعة أو العاشرة. ولكن هذا لا يصلح سنداً؛ فقد تكون هناك اعتبارات أخرى هي التي جعلت الرسول ﷺ يؤخر حجه إلى السنة العاشرة، وبخاصة إذا لاحظنا أنه أرسل أبا بكر - رضي الله عنه - أميراً على الحج في السنة التاسعة. وقد ورد أن رسول الله ﷺ لما رجع من غزوة تبوك هم بالحج، ثم تذكر أن المشركين يحضرون موسم الحج على عادتهم، وأن بعضهم يطوفون بالبيت عراة، فكره مخالطتهم. ثم نزلت "براءة"، فأرسل علياً - كرم الله وجهه - يبلغ مَطْلَعَ "براءة" للناس، وينهي بها عهود المشركين، ويعلن يوم النحر إذا اجتمع الناس بمنى: "أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو إلى مدته ..." ومن ثَمَّ، لم يحج ﷺ حتى تَطَهَّرَ البيتُ من المشركين ومن العرايا.

وهناك ما يستأنس به على أن فريضة الحج وشعائره قد أقرها الإسلام قبل هذا؛ فقد ورد أن الفريضة كتبت في مكة قبل الهجرة، لكن هذا القول قد لا يجد سنداً قوياً، إلا أن آيات سورة الحج المكية - على الأرجح - ذكرت معظم شعائر الحج، بوصفها الشعائر التي أمر الله إبراهيم بها، وقد ورد فيها: (وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡ‍ٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ 26 وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ 27 لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ 28 ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ 29 ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ 30 حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ 31 ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ 32 لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ 33)... (وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 36 لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 37) الحج. وقد ذكر في هذه الآيات أو أشير إلى الهدي والنحر والطواف والإحلال من الإحرام وذكر اسم الله، وهي شعائر الحج الأساسية.
وكان الخطاب موجهاً إلى الأمة المسلمة موصولة بسيرة أبيهم إبراهيم، مما يشير إلى فرضية الحج في وقت مبكر، باعتباره شعيرة إبراهيم الذي إليه ينتسب المسلمون. فإذا كانت قد وجدت عقبات من الصراع بين المسلمين والمشركين - وهم سدنة الكعبة إذ ذاك - جعلت أداء الفريضة متعذراً بعض الوقت، فذلك اعتبار آخر. ومن المرجح أن بعض المسلمين كانوا يؤدون الفريضة أفراداً في وقت مبكر، بعد تحويل القبلة في السنة الثانية من الهجرة.

وأول ما يلاحظ في بناء الآية هو تلك الدقة التعبيرية في معرض التشريع، وتقسيم الفقرات في الآية لتستقل كل فقرة ببيان الحكم الذي تستهدفه، ومجيء الاستدراكات على كل حكم قبل الانتقال إلى الحكم التالي، ثم ربط هذا كله في النهاية بالتقوى ومخافة الله. والفقرة الأولى في الآية: (وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ) تتضمن الأمر بإتمام أعمال الحج والعمرة إطلاقاً، متى بدأ الحاج أو المعتمر فأهل بعمرة أو بحج أو بهما معا، وتجريد التوجه بهما لله. وقد فهم بعض المفسرين من هذا الأمر أنه إنشاء لفريضة الحج. وفهم بعضهم أنه الأمر بإتمامه متى بديء - وهذا هو الأظهر - فالعمرة ليست فريضة عند الجميع ومع هذا ورد الأمر هنا بإتمامها كالحج، مما يدل على أن المقصود هو الأمر بالإتمام لا إنشاء الفريضة بهذا النص. ويؤخذ من هذا الأمر كذلك أن العمرة - ولو أنها ابتداء ليست واجبة - إلا أنه متى أهل بها المعتمر فإن اتمامها يصبح واجباً.والعمرة كالحج في شعائرها ما عدا أن مناسكها لا تتعدى حدود المسجد الحرام، وتؤدى في الأرجح على مدار العام، بينما الحج تدخل فيه أعمال منى وعرفة ومزدلفة، وموقوت بأشهر معلومات.

ويستدرك من هذا الأمر العام بإتمام الحج والعمرة حالة الإحصارمن عدو يمنع الحاج والمعتمر من إكمال الشعائر - وهذا متفق عليه - أو من مرض ونحوه يمنع من إتمام أعمال الحج والعمرة - واختلفوا في تفسير الإحصار بالمرض والراجح صحته. ومن الإحصار ما استجد على المسلمين من قيود السفر كتأشيرة الدخول لبلاد الحرمين.
وفي هذه الحالة ينحر الحاج أو المعتمر ما تيسر له من الهدي ويحل من إحرامه في موضعه الذي بلغه. ولو كان لم يصل بعد إلى المسجد الحرام ولم يفعل من شعائر الحج والعمرة إلا الإحرام عند الميقات، وهو المكان الذي يهل منه الحاج أو المعتمر بالحج أو العمرة أو بهما معا، ويترك لبس المخيط من الثياب، ويحرم عليه حلق شعره أو تقصيره أو قص أظافره كما يحرم عليه صيد البر وأكله. وهذا ما حدث في الحديبية عندما حال المشركون بين النبي ﷺ ومن معه من المسلمين دون الوصول إلى المسجد الحرام، سنة ست من الهجرة، ثم عقدوا معه صلح الحديبية، على أن يعتمر في العام القادم؛ فقد ورد أن هذه الآية نزلت، وأن رسول الله ﷺ أمر المسلمين الذين معه أن ينحروا في الموضع الذي بلغوا إليه ويحلوا من إحرامهم فتلبثوا في تنفيذ الأمر، وشق على نفوسهم أن يحلوا قبل أن يبلغ الهدي محله - أي مكانه الذي ينحر فيه عادة - حتى نحر النبي ﷺهديه أمامهم وأحل من إحرامه، ففعلوا. وما استيسر من الهدي، أي ما تيسر، والهدي من النعم، وهي الإبل والبقر والغنم والمعز. ويجوز أن يشترك عدد من الحجاج في بدنة أي: ناقة أو بقرة، كما اشترك كل سبعة في بدنة في عمرة الحديبية، فيكون هذا هو ما استيسر. ويجوز أن يهدي الواحد واحدة من الضأن أو المعز فتجزيء. والحكمة من هذا الاستدراك في حالة الإحصار بالعدو كما وقع في عام الحديبية، أو الإحصار بالمرض، أو غيرها، هي التيسير، فالغرض الأول من الشعائر هو استجاشة مشاعر التقوى والقرب من الله، والقيام بالطاعات المفروضة. فإذا تم هذا، ثم وقف سبب الحصر، فلا يحرم الحاج أو المعتمر أجر حجته أو عمرته. ويعتبر كأنه قد أتم، فينحر ما معه من الهدى ويحل. وهذا التيسير هو الذي يتفق مع روح الإسلام وغاية الشعائر وهدف العبادة.

وبعد هذا الاستدراك من الأمر الأول العام، يعود السياق فينشيء حكماً جديداً عاماً من أحكام الحج والعمرة، بقوله: (وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ)، وهذا في حالة الإتمام وعدم وجود الإحصار، فلا يجوز حلق الرؤوس - وهو إشارة إلى الإحلال من الإحرام بالحج أو العمرة أو منهما معاً - إلا بعد أن يبلغ الهدي محله، وهو مكان نحره بعد الوقوف بعرفة، والإفاضة منها. والنحر يكون في منى في اليوم العاشر المسمى بيوم النحر، وعندئذ يحل المحرم. أما قبل بلوغ الهدي محله فلا حلق ولا تقصير ولا إحلال. واستدراكاً من هذا الحكم العام يجيء هذا الاستثناء: (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ) ففي حالة ما إذا كان هناك مرض يقتضي حلق الرأس، أو كان به أذى من الهوام التي تتكون في الشعر حين يطول ولا يمشط، فالشرع يبيح للمحرم أن يحلق شعره للضرورة، قبل أن يبلغ الهدي الذي ساقه عند الإحرام محله، وقبل أن يكمل أفعال الحج، وذلك في مقابل فدية: صيام ثلاثة أيام، أو صدقة بإطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة والتصدق بها.

ثم يعود إلى حكم جديد عام في الحج والعمرة: (فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ)، أي: فإذا لم تحصروا، وتمكنتم من أداء الشعائر، فمن أراد التمتع بالعمرة إلى الحج فلينحر ما استيسر من الهدي. وتفصيل هذا الحكم: أن المسلم قد يخرج للعمرة فيهل محرماً عند الميقات، حتى إذا فرغ من العمرة - وهي تتم بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة - أحرم للحج وانتظر أيامه. وهذا إذا كان في أشهر الحج. هذه صورة من صور التمتع بالحج إلى العمرة. والصورة الثانية هي أن يحرم من الميقات بعمرة وحج معاً، فإذا قضى مناسك العمرة انتظر حتى يأتي موعد الحج. وهذه الصورة الثانية للتمتع هي "القران". وفي أي من الحالتين عليه أن ينحر ما استيسر من الهدي بعد العمرة ليحل منها، ويتمتع بالإحلال ما بين قضائه للعمرة وقضائه للحج. وما استيسر يشمل المستطاع من الأنعام سواء الإبل والبقر أو الغنم والمعز. فإذا لم يجد ما استيسر من الهدي فعليه فدية: (فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ)، والأولى أن يصوم الأيام الثلاثة الأولى قبل الوقوف بعرفة في اليوم التاسع من ذي الحجة. أما الأيام السبعة الباقية فيصومها بعد عودته من الحج إلى بلده: (تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ) ينص عليها نصاً للتوكيد وزيادة البيان. ولعل حكمة الهدي أو الصوم هي استمرار صلة القلب بالله، فيما بين العمرة والحج، فلا يكون الإحلال بينهما مخرجاً للشعور عن جو الحج، وجو الرقابة، وجو التحرج الذي يلازم القلوب في هذه الفريضة.

ولما كان أهل الحرم عُمَّاره المقيمين فيه لا عمرة لهم،إنما هو الحج وحده،لم يكن لهم تمتع، ولا إحلال بين العمرة والحج، ومن ثَمَّ فليس عليهم فدية ولا صوم بطبيعة الحال: (ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ). وعند هذا المقطع من بيان أحكام الحج والعمرة، يقف السياق ليعقب تعقيباً قرآنياً، يشد به القلوب إلى الله وتقواه: (وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ)، وهذه الأحكام من أداء وأعذار ورخص، ضمان القيام بها بالمناسك، أو استغلال رخصها هو هذه التقوى، وهي مخافة الله، وخشية عقابه.






 
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 

اشترك في مجموعة أقلام البريدية
البريد الإلكتروني:
الساعة الآن 08:04 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.3
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.
جميع المواضيع والردود المنشورة في أقلام لا تعبر إلا عن آراء أصحابها فقط