منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - سنابل من حقول الذاكرة"ثنائيات في الأدب"
عرض مشاركة واحدة
قديم 16-02-2012, 08:24 AM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
إبراهيم محمد شلبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية إبراهيم محمد شلبي
 

 

 
إحصائية العضو







إبراهيم محمد شلبي غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى إبراهيم محمد شلبي إرسال رسالة عبر Yahoo إلى إبراهيم محمد شلبي

افتراضي رد: سنابل من حقول الذاكرة"ثنائيات في الأدب"

سنبلةٌ في مرج بن عامر تلوّح للرّيح، تُنضِجُ حبوبَها على نار حزيران، وتفتحُ للقرويّين بوابات الرّقص: هذا موسم الأفراح.

لم تعتَدِ النجوم المتساقطة على أضواء الكشّافات بعد، ولا أدركت الرّيح سرّ مكبّرات الصوت، وحتّى الدراري لم تستطع التمييز بين قفزاتها الحذرة ورقصات القرويّين المتقافزة كحبات مطر في آذار على أوراق اللوز والعشب. في الكون سرّ منتهَك، نجمة خجلى تُزفّ إلى قمر ودود؛ حكاية مفضوحة التفاصيل.

لا بأس يا أميم إن حاولت انتقاء الأفضل من ذاكرتي المنهكة، فليس الآلم وحده ما يرسخ في دفاتر الذاكرة، وكلّ خربشات القدر على صفحاتها مختلطةُ الملامح، بعضها واضح وبعضها مبهم، فذاكرتنا كالماء، وتفاصيلنا كالأشياء: بعضها يطفو وبعضها يرسب، وبعضها يذوب. ولست –الآن- أكثر من مترجم، أحاول انتشال ما في قيعانها لأنسج لك منها قصة تليق بعينيك المتعطشتين للتفاصيل.

في قرية تفقد ملامح عذريّتها الزراعية، ما الذي يربط غلال حقولها بتزاوج قاطنيها؟! قلوب أهلها تنقسم مثل خلايا الرّوح، مثل مساحات حقولها بين الورثة، ومراعيها تضيق بفعل الزيتون واللوز اللّذين باتا يلتهمان مساحة قمحها بنهم شديد، وكلّما كبرت شبرا قلّت زنانير عجائزها الحمراء، واختفت الضفائر السوداء التي تُطلّ من تحت مناديلهنّ، ولم أعد أرى من وشم لحاهنّ سوى ما انطبع بذاكرتي من جدّة أبي، ومن الغريب أن أذكر بعض ملامحها أكثر من جدّتي نفسها، فكلّ ما أذكره منها خبز طابونها الذي صحبتني ذات فجر في ظلمة الغسق لتخبزه، ذاكرتي الشاحبة كقنديلها لم تحمل رائحة خبزها، ولكنّها حملت رائحة أرغفة أمي في أيّام الجمعة، رائحة كسرّ حزيران الذي يعلن مهرجان التزاوج بين نجوم الأرض وقمح السماء.

أحاول أن أسبر غور الدهشة في عينيك، أن أنتزع شهقة التساؤل منهما، فإن كنّا نزيلين في فندق الذاكرة، نحتسي قهوة الأمس على طاولة اليوم، فلا بأس أن تتشابك يدانا إذن، فلربما سرت إليّ شوارع مخيّمك، وسرت إليك حقول طفولتي من خلالهما، فلا زال المسرح يختصر المشهد ويختزل الحوار، ولا زلت أحتاج لبراعة في الإخراج كي تكتمل القصة.

من حزيران سرت بي قوافي الشعر والزجل مثل المصل في أوردة المريض، وكلّلت مقلتيّ بالدمع المخبّئ في كلّ عرس ليلة الحناء، "سبّل عُيونُه وِيـمَدّ ايْدُه يِحَنّولُه"، وأنا أحنّي الوجنتين بالدمع الخجول. "شَبّـ(ـن) صِغيّر وْكيف اهلُه سَمَحولُه؟"، مثلما سمحت لعينيّ بفضح رقّتي فَضَحَهُ العشق. وهكذا، نشأتُ على زجل الحادي في الزفة يرسم لمخيّلتي الصغيرة صورًا بالكلمات، وعلى ألحان يرغول أو مجوز يرقّق طباع النفس ويزيل أقنعة القسوة ويكشف عورات الدمع، فكبّرت على تقلّب شاعر يحمل وزر الحروف، ويحمّل الكلمات وزر جنونه، وبينهما ينحبُ مثل ثاكل كلّما جالت الريح بقصبات روحه.

أين قصبات روحك يا أميم؟ ففلسطينيّ في مخيّم، لا يملك أسرع من لحن ناي كي ينتقل من الشتات إلى الوطن، وفلسطينيّ في ابن عامر لا يحتاج لأكثر من لحن ناي كي ينتقل من الوطن إلى الشتات، وبين الريح والناي، نلملم ما يسقط من قمح، ونبذر في حقول ذاكرة أثقلها حزيران بالسنابل والمناجل والحداء.






 
رد مع اقتباس