منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - سنابل من حقول الذاكرة"ثنائيات في الأدب"
عرض مشاركة واحدة
قديم 15-02-2012, 11:15 AM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
إبراهيم محمد شلبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية إبراهيم محمد شلبي
 

 

 
إحصائية العضو







إبراهيم محمد شلبي غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى إبراهيم محمد شلبي إرسال رسالة عبر Yahoo إلى إبراهيم محمد شلبي

افتراضي رد: سنابل من حقول الذاكرة"ثنائيات في الأدب"

يرتّبنا الوقت في حقيبة سفره مثل الثياب، يترك ما فاض منّا في الخزانة، ويمنح بعضا للفقراء المحتاجين، ويسلب آخرين أعزّ ما ملكوا. يحملنا ويمضي.

في نشوة الترحال والإرهاق نتمزّق مثل حقيبة أثقلها حمل الملابس والوقت، ننسى أنّ نجدّد أنفسنا بالراحة والنوم، نعصي جفون ساعاتنا قدر المستطاع، نحتال كي لا نكبر، ونخشى أن نشيخ في نومنا، ونحلم.

الوقت لصّ محتال يعرف كيف يسرق عمرنا بإرادتنا، نسلمّه أرواحنا كما تسلّم عروس جسدها ليلة الزفاف، نرقص ونبتهل لسيّد اللّذّات الزائفات أن يمنح ليلنا سوادا أطول قليلا، ويدركنا فيضان نهر العمر في غفلة، كأنْ لم نكن نعلم، ونبدأ رحلة العدّ التنازليّ، ونعود حتمًا للطفولة.

طفولتي مرج ابن عامر يا أميم!
طفولتي قمباز جدّي.

لم أدرك ما يذاع في نشرات الأخبار، لم يسحرني ذلك الصندوق الخشبيّ سوى برسومه المتحرّكة، وتركتُ لفلسطين أن تنبت في قلبي مثل عشب في جدار بيت هُجّرَ ساكنوه. لم تراودني ظنون الراحلين، ولا تندّرتُ بحكايا اللجوء ولا قصص الهروب، القصف والتخريب لم يكن ليُريعني، وهكذا؛ كبرت مثل عصفور مدلّل، لكنّ قمح سنابلي نمّى بقلبي ما يُريد: حُبّ البلاد.

لماذا جدّي بالذّات وأنا الروح المعلّق في أبي؟ ألأنّني أخشى فراقه اليوم وأنا أراه ثوبا في حقيبة الزمن المتأهّب للقفز دوما كالغزال؟ ألأنّه من آثار النكبة ويعلّم التاريخ أبجدية التدوين والتلقين المضمّخ بالبراءة والدماء؟ أم فيه مرآة قيامتي يوم أبعث من جديد؟ هو كلّ شيء، وهو في حقيبة الوقت المسافر أيّ شيء، ولربّما كان هواءً أو لا شيء، وهو عندي الآن مناط راحلتي حين أرتدّ بفكري للطفولة.

هاتي يدك إذن لنرتدّ لتلك الطفولة سويا، لنعيد ذاكرة المكان إلى الزمان، فلنتحوّل معا إلى صورة في بؤرة آلة تصوير، ولتكن خلفية رقصنا فلسطين: بيدر قمح في حزيران، جبالٌ ترفع القدس للأعلى، فلاحون يحملون غيم تشرين، ظلال زيتون وتين، صبّار يُشهد الأرض على فلسطينيّتها، وغزالات تسابق الريح.

ولكن!
ما فائدة الرقص ويدان متشابكتان لا تقويان على حمل ذكرى؟ الرقص كلّه محض ذكرى، محض فكرة، هُيام في دائرة الإيقاع لنحتال فيه على الوقت ونقنع الساعات أنّا نقرّر ما نريد، وبأنّا نفعل ما نريد، ونحن نعلم ضعفنا، ونحتال لحمل الشمس في قيظ آب، أطفالا كنّا، نجمع ما تفتّق من لوز على غصون الصيف، نحمل تعبنا وضحكنا ونقنع اللوز ليستعدّ لدورة أخرى جديدة، نهدر طفولتنا في جمع اللوز، نشعر بالهرم بداخلنا، ونستشعر قيد الأبوّة حين ترغمنا على عمل الفلاحة، أجرنا أجر زهيد، لكنّنا كنّا نعدّ اللوز لدورة أخرى، ونستهلك دورتنا الوحيدة.

الآن أعلم كيف يكون الرقص من غير رقص أو حراك، يكفي أن يغمض جفني على صورة قبل خمسة وعشرين عاما أو يزيد، وأتذكّر قول مالك بن الريب:

يقولون: لا تبعد، وهم يدفنوني .... وأينَ مكان البُعْد إلاّ مكانيا؟






 
رد مع اقتباس