منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - سنابل من حقول الذاكرة"ثنائيات في الأدب"
عرض مشاركة واحدة
قديم 13-02-2012, 02:44 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
إبراهيم محمد شلبي
أقلامي
 
الصورة الرمزية إبراهيم محمد شلبي
 

 

 
إحصائية العضو







إبراهيم محمد شلبي غير متصل

Bookmark and Share


إرسال رسالة عبر MSN إلى إبراهيم محمد شلبي إرسال رسالة عبر Yahoo إلى إبراهيم محمد شلبي

افتراضي رد: سنابل من حقول الذاكرة"ثنائيات في الأدب"

حين ألتهم وجع عينيّ بنهمٍ في مرآة صباحي، أحاول ألاّ أتجشأ حزني، فقد جعلتُ من "خلّيها بقلبي" شعارا حين رأيت أمي ذات يوم تخبّئ نكبتها عن عيون جاراتها وتقول: "في القلب تجرح ولا برّه تفضح"، لم يستوعب قِدرُ طفولتي حينها حجمَ وليمتها الباذخة الدمع، كلّ ما في الأمر أنّي ظننتُ الأمر لغزا.

الذاكرة المشوّشة تجعلني مرتبكا بين واقعية مفرطة ورمزية هشّة، وكمن يحاول أن يقترف جرم الكتابة تحزنني ذاتيّتي المغرقة، فأحتاج أحيانا أن أخلع جلدي وأتحدّث عن نفسي بضمير الغائب، فلربّما أخرجني ذلك من عقدة الحزن وتحوّلت أنا نفسي إلى غيري، صارت أناي هو.

أذكره ذلك الطفل، ولستُ أحدّثكِ عنهُ وحدك، هو حديث عابر بيني وبين نفسي على مسمع من الجميع، مسلسل أعرضه على شاشاتي مشاعا، برعاية لا أحد، لا تقطعه الإعلانات ولا تتخلّله الأخطاء التقنيّة والفنيّة، مجرّد عرض سيّئ البثّ والتقديم أتحدّث فيه عن طفل لا أدري إن كنته حقا أم كنت أحلم فيه!

أذكره ذلك الطفل، نحيل الجسم هزيل البنية مديد القامة، نزق كان على صغر سنّه، يحمل كثيرا من الأحلام، خيّالي بجنون، وشرس الردّود أحيانا، لكنّه خجول إلى حدّ يبدو معه أنه لا يملك ثقة بنفسه، ويكبت في قلبه حتى تنزف عينه، حتّى أنّه كاد ينال عقابا من معلّمته لولا أن أشفقت عليه حين رأت بوادر دمعة ترقرقت في عينيه، كان يمكن أن يقول لها: كنت بصحبة أبي الذي جاء ليزور المدرسة وهو قادم خلفي. لكنّه لم يقل، وترك ليعينيه أن تقولا: أنا لم أخطئ!

أذكره ذلك الطفل ساخطا في بيت كان يجد نفسه مضطرا فيه للقيام بمهام البنات لأنّ أخته الوحيدة حينها لم تبلغ من العمر عاما بعد، ولم يكن الأمر ليُعيب حقا، فكثيرا ما تباهى بقدرته على صنع القهوة للضيوف سامحا لأمه بمجالسة ضيوفها باسترخاء تامّ حين يقوم هو بمهام الضيافة، وكانت تطربه كلمات المباهاة التي يسمعها من أمه ومن الضيوف، لكنّه كان يرى في أمه وحشا حين تفرض عليه أن يقوم بتلك المهام أيّام العطل حين كان يودّ الهروب للّعب في الشارع مع الأولاد، وحين لم تكن إطراءات الضيوف تنهال على مسامعه بهجة وطربا. والحقّ أنّ ذلك لم يكن ليثير حنقه فعلا، لكنّ ما كان يثيره ويحبطه حقا هو المسؤولية التي أنيطت به دون أن ينبري لها من تلقاء نفسه: الإهتمام بماشية والده!

ما أسرع ما نتغيّر! كلّ ذلك الآن بات كنز جنونه، فالذاكرة تختلط ويتحوّل السخط إلى الرضا، وتتحوّل الكراهية حبّا، فهو الذي أفنى صباه وجزءًا من شبابه غير يسير في الرعي وخدمة الماشية أغناما وماعزا وأبقارا بات ينظر في عيون تلك الدواب كمن ينظر إلى صفحات قلبه، لربّما تولّد فيه شعور بالحنين حين يقارن تلك الأيام التي قضاها مهرولا خلف جدّه في سهول ابن عامر بأيامه هذه التي يقضيها مهرولا خلف رغيف الخبز حالما بلقاء من يحبّ! لربّما كان ذلك حقّا منبع حبّه لتلك التربة الخصبة، حين يتذكّر صيف البطيخ والشمام ورائحة النبع البارد وطعم اللوز في فمه المتحلّب. فلا عجبَ أن يتحوّلَ كرهُ الطفولة حبّ الرّجولة، كلّ ما في الأمر أن وعينا تغيّر فبتنا ننظر لأنفسنا كما نظر إلينا غيرنا ذات يوم.

ها هو الآن يعرّي نفسه غير خجل، وها هي الذاكرة تختلط، يتشابك الرقص بالبكاء، ينحاز لهذا آنًا ولذاك آنا، يرقص ويترك لهستيريا الرقص أن تسكب حرقة عبراته، ويحلّق في صوفيّة طفولته، يجمع الزعتر في عبّه كما كان يفعل جدّه تماما، الآن فقط يفهم لمَ كان جدّه يضع كلّ شيء في عبّ قمبازه الرائع، يمدّ يمناه في ثنية القمباز على الجهة اليسرى دوما، الآن يفهم، وها هو الآن في لحظة التجلّي تختلط الذاكرة وينكشف له اليقين، فيرقص، ويشبك الرقص بالبكاء، ولربّما حاول أن يجيبك أيّكما أحق بالبكاء، لكنّه الآن يرقص، فشاركيه، أو فتأمّليه.






 
رد مع اقتباس