منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - الشاعر والكاتب المغربي التجاني بولعوالي في حوار مفتوح مع الأقلاميين
عرض مشاركة واحدة
قديم 05-01-2007, 12:51 AM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
التجاني بولعوالي
أقلامي
 
إحصائية العضو






التجاني بولعوالي غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي الجواب عن أسئلة الصديق العزيز الأستاذ سامر سكيك

الجواب عن أسئلة الصديق العزيز الأستاذ سامر سكيك

س- باعتبارك مبدعا نشطا على الإنترنت، ماذا أعطتك الشبكة العنكبوتية ومم حرمتك؟

ج- عندما نطالع مختلف المواقف التي قيلت حول تجربة النشر عبر الشبكة العنكبوتية، نجد أنها تتراوح بين:
- التحفظ من الانتظام في هذه التجربة، تحت ذريعة أننا بالانقياد إلى عالم الإنترنت نحجم عن عالم الكتاب، وبذلك ترجع طرائق التلقين والتوجيه التقليدية القهقرى، وتسود ثقافة السرعة أو (الكوكوت مينيت!) التي تفرخ الطلبة والكتبة وأشباه المبدعين، لاسيما وأنها تمنح الجميع إمكانية أن يكتب بلا قواعد، وأن ينشر من غير رقابة، وأن يسرق ويركب النصوص حسب مزاجه، إلى درجة أن ثمة من الكتاب والأكاديميين المحافظين من يمنع الطالب من أن يعتمد في بحوثه على مراجع ومصادر منشورة في مواقع رقمية، ولو كانت تلك المواقع ذات روابط ووصلات ثابتة!

- وبين الانسياق إلى هذه التجربة الثقافية الجديدة، والاستفادة منها قراءة وبحثا، والاسهام فيها إغناء ونشرا, وأعتبر نفسي من الذين كتب لهم أن يعايشوا هذا العصر الإنترنيتي العجيب ليس متابعة فحسب، وإنما مشاركة، حيث شكل لي عالم الإنترنت متنفسا كبيرا، استطعت من خلاله أن أطل على مجاهل لم تكن تخطر ببالي، وأن أستكشف متاهات عذراء، ما كنت لأستكشفها لو لم أعش في هذا الزمن، ولعل هذا التحاور الأدبي والفكري الذي أعقده اليوم معكم، ما هو إلا ثمرة لذلك.

من هذا المنطلق، أود أن أؤكد أن الشبكة العنكبوتية منحتني الكثير من الأمور، ولم تحرمني من أي شىء، منحتني معرفة شمولية ما كنت لأُُمنحها، ولو أنني أزور كل مكتبات الدنيا ومتاحفها، معرفة بالإنسان والكون والفكر والفن والأدب وهلم جرا، وفوق ذلك منحتني أصدقاء عبر شتى أنحاء المعمورة، منحتني قراء ومتابعين، منحتني كل ما أنا في أمس الحاجة إليه، عندما أريد أن أبحث وأكتب، أو عندما أريد أن أستريح وألهو!

لذلك أدعو أولئك المتحفظين من ارتياد هذه التجربة، إلى أن يحاولوا التأقلم الإيجابي مع مستجدات الحياة، فالإنترنت الذي يزعمون أنه يجعلنا ننزوي عن عالم الكتاب، هو الذي يقربنا من الكتاب، لنشتريه ولو كان بعيدا عنا، ونقرأه ولو لم نكن نملك ثمن شرائه، ثم إن التشدد على الطلبة فيما يتعلق باستعمال المراجع الرقمية، يعبر عن جهل ما بما توصلت إليه مراكز البحوث والدراسات في العالم المتقدم، التي تجعلك تبحث وتؤلف وتصنف دون أن تنهض من على كرسيك، أو تبحث عن المكتبة، وفي ذلك ربح وترشيد للوقت والجهد والمال.


س- لو خصصنا قليلا موضوع كتابك عن مسلمي الغرب، هل مناخ الإبداع والاهتمام متاح لدى الشعراء العرب منهم؟

ج- في الحقيقة، إن مناخ الإبداع لا يتاح للشاعر أو الكاتب من جهة معينة، تقول له أكتب أو لا تكتب، إن هذا المناخ يصنعه الكاتب نفسه، فيعبر عن الوجود وقضاياه بما يتلاءم وثوابت هويته، قد يحدث نوع من التغيير في أدبه، إذا ما هو انتقل من مكان إلى آخر؛ من الوطن إلى المهجر، وهذا التغيير يطرأ في أسلوب تفسيره للأشياء والأحداث، وهو أسلوب نابع من التجارب الشعورية الجديدة التي يشهدها ويحياها.

وفيما يتعلق بحالتي، فقد وقع تحول عميق مس ليس أسلوب تفسيري فحسب، وإنما نوعية الأدب أو الفكر الذي أمارسه، فانتقلت من دائرة الشعر والأدب، إلى نطاق الفكر والسياسة، لأن الإطار العام الذي أنخرط فيه، يطرح إشكالات مغايرة لا تفسر ولا تحل بالشعر والسرد وما إلى ذلك، وإنما بالفكر الذي يمنحك إمكانية فهم وتشخيص وتفكيك هذه الإشكاليات، وهذه ليست حالة استثنائية بقدرما هي ظاهرة معروفة، حيث يبدأ الشخص شاعرا وينتهي مفكرا أو مثقفا، ثم إن طبيعة الحياة في الغرب تطرح معادلات مغايرة لما هي عليه في الوطن، حيث إن كثرة الالتزامات والإكراهات والتحديات، لا تدع لك وقتا كافيا لنظم الشعر، وإن أنت وفرت الوقت الكافي لذلك، فما هو مصير تلك المنظومات الشعرية، التي تموت على الورق، لأنه ليس هناك أنشطة أو حلقات لقراءتها، كما كنا نصنع في الجامعة، يوم كنا نكتب الشعر عن فلسطين والثوار والعراق والمرأة، ونلقيه فورا على أصدقائنا الطلبة المتعطشين للحرف المعبر والكلمة الصادقة.


س- قرأت لك عن شعرية الغموض..فهل أنت من أنصار النص المنغلق؟

ج- يمكن تمثيل الإبداع الشعري ببذرة لها نبتتان؛ الأولى للإمتاع والأخرى للإقناع، إذا كانتا منفصلتين في الظاهر فإنهما متواشجتان في العمق، حتى إن الشاعر في إمتاعه إنما يريد تعليم الآخرين وإقناعهم ليس بالأفكار فقط، وإنما باللغة والتراكيب والإيقاع... ثم إنه حين يشحن نصوصه بشتيت من المعاني والمبادىء والفكر التي يجهد في إيصالها، لا يتريث عند وظيفة التوصيل، بقدرما يتجاوزها إلى الوظيفة الجمالية الإمتاعية، وإلا فلماذا يتفنن في تأليف تلك المعطيات التي يضفي عليها طابعا جماليا بهيا، تتنوع فيه الأساليب والأصوات، وتتكثف عبره الإيقاعات والموازنات الصوتية، وتتضافر فيه المجازات والمحسنات البديعية والمعنوية؟ بل، فلماذا أصلا يختار الشعر – على استعصائه- قالبا لأفكاره، والنثر أيسر وأكثر ليونة وطواعية؟

ثم إن المقصود بالغموض ليس الالتباس في المعنى، أو تنافر الألفاظ، أو استعصاء التركيب، وإنما الرؤية الفلسفية العامة التي تميز الخطاب الشعري، سواء من جهة الدلالة، أو من جهة الصورة النحوية والبلاغية والصوتية التي تأتي عليها تلك الدلالة، حتى أن ثمة من الأشعار ما هو واضح، إما في معانيه أو في معجمه أو في تأليفه أو في إيقاعه... غير أنه في تناوله الفكري للإنسان والوجود والفكر ينزع إلى الغموض الشفيف أو الفصيح كما يطلق عليه البعض.

على هذا الأساس، فالغموض يشكل مكونا أساسيا في بنية الكثير من النصوص الشعرية، فهو الذي يمنحها سر الجمال والتميز، وبسقوطه تسقط قيمتها الفنية، بل وإنه يولد في النص ما يشبه الانكسار في الدلالة أو التركيب أو الإيقاع، وهو في حقيقة الأمر ظل للانكسار النفسي الذي يعتري ذات الشاعر.