منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - الاستشراق .. ادوارد سعيد .
عرض مشاركة واحدة
قديم 06-02-2009, 11:48 AM   رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
زياد هواش
أقلامي
 
الصورة الرمزية زياد هواش
 

 

 
إحصائية العضو







زياد هواش غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: الاستشراق .. ادوارد سعيد .

2

الجغرافيا التخيلية وتمثيلاتها :
شرقنة الشرق

يعقل جدا أن يطرح المرء منظومة تقول أن بعض الموجودات المتميزة عن غيرها هي من نتاج العقل وصنعه , وإن هذه الموجودات لا تمتلك سوى واقعية اختلاقية فيما تبدو وكأنها موجودة وجودا موضوعيا .
إن جماعة من البشر تعيش على بضعة هكتارات من الأرض ستقيم حدودا بين أرضها ومحيطها المباشر وبين ما هو خارج عن ذلك , وتسمي ما يقع عبر حدودها "أرض البرابرة" .
وبكلمات أخرى , إن هذه الممارسة الكونية , أي تحديد مجال مألوف في ذهن المرء يسمّى مجال"نا" , ومجال غير مألوف خارج مجال"نا" يسمّى مجال"هم" , هي طريقة في خلق مجالات جغرافية يمكن أن تكون مطلقة الاعتباطية .
وأنا أستخدم كلمة "اعتباطية" هنا لأن الجغرافيا التخيّلية من نمط "أرضنا_أرض البرابرة" لا تشترط أن يعتبر البرابرة أنفسهم بهذا التميز , بل يكفي ل"نا" نحن أن نقيم هذه الحدود في أذهاننا , وفي هذه الحال يصبح "هم" "هم" بمقتضى ما نفعله نحن , وتحدّد كلتا أرضهم وعقليتهم بأنهما مختلفتان عما "لنا" .

والى حد ما , تبدو المجتمعات الحديثة والبدائية وكأنها , هكذا , تشتق الشعور بهويتها بطريقة سلبية .

فقد كان ممكنا جدا لآثيني في القرن الخامس أن يشعر بأنه ليس بربريا بقدر ما كان يشعر , ايجابيا , بأنه آثيني .
وتواكب الحدود الجغرافية الحدود الاجتماعية , والعرقية , والثقافية بطرق متوقعة .

ذلك أنه ما من شك في أن الجغرافيا والتاريخ التخيليين يساعدان العقل على أن يزيد إحساسه بذاته حدة وتوترا عن طريق تحديد المسافة والفرق بين ما هو لصيق به وما هو قصيّ عنه .

بيد انه ليس ثمة من جدوى في أن نتظاهر بان كل ما نعرفه عن الزمان والمكان , أو بالحري عن التاريخ والجغرافيا ,هو تخيلي أكثر من أي شيء آخر . إذ ثمة أشياء فعلية كالتاريخ الايجابي والجغرافيا الايجابية اللذين حققا انجازات ضخمة في أوروبا والولايات المتحدة .
والباحثون الآن يمتلكون بحق قدرا أكبر من المعرفة بالعالم , ماضيه وحاضره , مما عرفوا , مثلا , في عصر غيبّون .
لكن هذا لا يعني أنهم يعرفون كل ما تمكن معرفته , أو أن ما يعرفونه _وذلك أكثر أهمية_ قد نفى نفيا فعّالا المعرفة التخيلية , الجغرافية والتاريخية , التي ما فتئت أناقشها .
وليس ثمة حاجة الآن لمناقشة ما إذا كان هذا النمط من المعرفة التخيلية يفعم التاريخ والجغرافيا أو يطغى عليهما ويثقلهما .
دعنا نقل , للّحظة الحاضرة فقط , إن هذه المعرفة قائمة كشيء اكبر مما يبدو أنه مجرد معرفة ايجابية .


يبد انه , فيما يخص الإسلام , كان الشعور بالخوف _إن لم يكن دائما بالاحترام_ الذي أحسته أوروبا , طبيعيا مسوّغا .
فبعد وفاة محمد عام 632 م , تنامت سيطرة الإسلام العسكرية في البدء , ثم الثقافية والدينية , تناميا هائلا .
وسقطت فارس , وسوريا ومصر أولا , ثم شمال أفريقية , في أيدي الجيوش الإسلامية .
وفي القرنين الثامن التاسع فتحت اسبانيا ,وصقلية , وأجزاء من فرنسا .
وبمجيء القرنين الثالث عشر والرابع عشر كان حكم الإسلام قد توغل شرقا حتى الهند , واندونيسيا , والصين .
وفي مواجهة هذا الاجتياح الفائق لم يكن في وسع أوروبا أن تقدم استجابة سوى الخوف والشعور بالرهبة .
ولم يكن لدى المؤلفين المسيحيين , الذين شهدوا الفتوحات الإسلامية , غير اهتمام ضئيل بعلم المسلمين , وثقافتهم العالية , وجلالهم في كثير من الأحيان , هؤلاء المسلمين الذين كانوا , كما وصفه غيبون : "معاصرين لأكثر الأحداث الأوروبية ظلاما وخمولا " .
وكان الشعور النمطي لدى المسيحيين حول الجيوش الشرقية هو أنهم " كان مظهرهم مظهر سرب من النحل , إنما بيد ثقيلة .... فقد خربوا كل شيء . "
هكذا كتب إرخمبرت , الذي كان رجل دين في مونت كاسينو في القرن الحادي عشر .
لم يصبح الإسلام رمزا للعرب , والدمار , وأفواج من البرابرة الممقوتين , بصورة اعتباطية .
فبالنسبة لأوروبا , كان الإسلام رجة مأساوية دائمة . وحتى نهاية القرن السابع عشر "الخطر العثماني" متربصا بأوروبا ممثّلا بالنسبة للحضارة المسيحية كلها تهديدا دائما .
ومع مرور الزمن امتصت الحضارة الأوروبية هذا الخطر وأحداثه العظيمة , وخبراته الموروثة , وشخصياته , وفضائله , ورذائله وحوّلته شيئا منسوجا في لحمة الحياة الأوروبية
.
والنقطة الدالّة هي أن ما ظل متداولا حول الإسلام كان صورة معدولة مصغّرة بالضرورة عن تلك القوى العظيمة الخطرة التي صار الإسلام رمزا لها في أوروبا .
ليس ثمة ما يثير الجدال أو يدعو إلى اللوم في مثل هذا التدجين للغريب المدهش , فهو يحدث بين كل الثقافات دون شك , وبين كل بني البشر .
لقد كان أحد الضوابط المقيدة التي أثرت على المفكرين المسيحيين الذين حاولوا فهم الإسلام ينبع من عملية قياسية , مادام المسيح هو أساس العقيدة المسيحية , فقد افترض _بطريقة خاطئة تماما_ أن محمد كان للإسلام ما كان المسيح للمسيحية .
ومن هذا التصوير الخاطئ وكثير غيره "تشكلت دائرة مغلقة لم يكسرها حتى مرة واحدة التخريج التخيلي .... فقد كان التصور المسيحي للإسلام متكاملا مكتفيا بذاته ."
وكأن أوروبا , بعد أن استقرت مرة على اعتبار الشرق موضعا ملائما لتقمّص اللانهائي في شكل نهائي , أصبحت عاجزة عن الإقلاع عن هذه الممارسة , ويصبح الشرق الشرقي , عربيا , مسلما , أو هنديا , أو صينيا , أو أيّا كان , شبه تقمصات زائفة تكرارية لأصل عظيم ( المسيح , أوروبا , الغرب ) يفترض أنهم كانوا يقلدونه .
ولم يتغير مع الزمن غير مصدر هذه الأفكار الغربية النرجسية الطابع , أما شخصيتها الأساسية فلم يطرأ عليها من تغير .
وهكذا نجد في القرنين الثاني عشر والثالث عشر تصديقا عاما لكون "الجزيرة العربية على حواشي العالم المسيحي ملجأ طبيعيا للهراطقة والعصاة " وأن محمدا كان مرتدا داهية ...

وينبغي أن يتذكر المرء من جديد أن جميع الثقافات تفرض تصويبات على الواقع الخام , محوّلة إياه من موجودات عائمة دون ضابط إلى وحدات للمعرفة .
ولا تكمن المشكلة في أن هذا التحويل يحدث بالفعل , إذ أنه طبيعي جدا أن يقاوم العقل الإنساني هجوم الغرابة التي لم تخضع لمعالجة بعد عليه , ولذلك فان الثقافات كانت تميل دائما إلى إخضاع الثقافات الأخرى لتحوّلات كاملة , متلقية إياها لا كما هي بل , من أجل مصلحة المتلقي , كما يجب أن تكون
.

لقد كان انجاز دانتي الحقيقي في الملهاة الإلهية انه جمع بسلاسة بين التصوير الواقعي العادي وبين نظام من القيم المسيحية كوني وسرمدي .
وهكذا فان كلاّ من الشخوص في رؤيا دانتي لا يمثل نفسه فقط بل إنه كذلك تمثيل نمطي لشخصيته وللمصير الذي خصّ به .
ويظهر "موميتو" _محمد_ في فصل (كانتو) 28 من الجحيم .
وقد وضع في الثامنة من دوائر الجحيم التسع .
ويشرح محمد مسببات عقابه لدانتي , مشيرا كذلك إلى علي , الذي يتقدمه في صف الآثمين الذين يشقهم الشيطان إلى نصفين ...
إلا أن هذا ليس كل ما لدى دانتي ليقوله عن الإسلام .
فقبل ذلك تظهر جماعة صغيرة من المسلمين في الجحيم .
ويقف ابن سينا وابن رشد , وصلاح الدين بين أولئك الوثنيين الفضلاء الذي يحصرون , جنبا إلى جنب مع هيكتور , واينياس , وإبراهيم , وسقراط وأفلاطون , وأرسطو , في الدائرة الأولى من الجحيم , ليقاسوا هناك اقل درجة ممكنة من العقاب (بل عقابا شريفا في الواقع) لأنهم لم يمنحوا نعمة الوحي المسيحي .
وتشكل تمييزات دانتي وإدراكه الشعري الصافي للإسلام مثلا على الحتمية الخططية بل الكونية (كوزمولوجية) تقريبا التي يصبح فيها الإسلام وممثلوه المعنيون مخلوقات أنتجها الفهم الغربي الجغرافي , والتاريخي , وفوق كل شيء , الأخلاقي , فالمعلومات التجريبية حول الشرق أو حول أي جزء من أجزائه لا تشكا إلا عاملا ضئيلا , وما هو هام وحاسم هو ما اسميه هنا الرؤية الاستشراقية , وهي رؤية لا تقتصر بأية حال على الباحث المحترف , بل إنها ملك مشترك لكل من فكر بالغرب والشرق معا .

خريف 2008

..

...................

على ضفاف النص :

_ هي هنا الرؤية التي نريد أن ترافقنا في تحديدنا لجغرافيت"نا" العربية .
رؤية إنسانية ايجابية خلاقة , تستند إلى (الحيوية اللغوية العربية المستمرة) , في عمق هذه الجغرافيا التي (حددتها اللغة العربية) وليس أي جوار جغرافي أو ثقافي أو لغوي , نحن لا يعنيا من هو جوار"نا" ....

_ وهنا أيضا الإصرار على (( رؤية الثقافة العربية الإسلامية )) , بروحها الايجابية , التي استقطبت , وامتصت , واستوعبت , وصهرت , وأعادت إنتاج (( رحم لغوي عربي جغرافي هائل )) , صار يعرف ولا يزال (( بالفلسفة العربية الإسلامية )) .

ما نريد تسجيله كنقطة استناد محورية ورئيسية في السياق التالي :
نحن لا نميل إلى القول بأن للعرب ( ثقافة عربية ) .
بل نرغب في شرح رؤيتنا التي تقول :
أن التراث العربي "قبل الإسلام" تراث لغوي إنساني توحيدي متقدم , "فلسفي فطريا" .
وان التراث العربي "بعد الإسلام" , ارتقى قسريا لغويا وفكريا , من (( ثقافة/فلسفة )) إلى (( فلسفة )) .

لنعيد الصياغة :
اللغة العربية لغة (( فوق ثقافية )) , هي لغة فلسفية , في مرحلة (( ما بعد الإسلام )) , ولا تمتلك هذه اللغة التي (( صارت قرآنية )) , القدرة على التراجع إلى الوراء , ولا يمكن أن تقدم باللغة العربية المعاصرة حتى , نصا ثقافيا بسيطا , هناك جذر لغوي فلسفي حقيقي طاغي جدا .

م : ما جاء بإيجاز عن النبي العربي محمد (ص) , وضعناه باختصار شديد لتوضيح صورة الإسلام تاريخيا في الغرب , كما أراد الكاتب أن يقول بتوسع من الصعب نقله حرفيا .

14/11/2008

..
_________________







 
رد مع اقتباس