منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - الاستشراق .. ادوارد سعيد .
عرض مشاركة واحدة
قديم 04-02-2009, 11:52 AM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
زياد هواش
أقلامي
 
الصورة الرمزية زياد هواش
 

 

 
إحصائية العضو







زياد هواش غير متصل

Bookmark and Share


افتراضي رد: الاستشراق .. ادوارد سعيد .

مقدمة المؤلف

_ 1 _

لن يشعر الأمريكيون بالشعور نفسه بإزاء الشرق , الذي يغلب أن يرتبط في أذهانهم بصورة مختلفة تماما بالشرق الأقصى (الصين , واليابان , رئيسيّا) .
وبخلاف الأمريكيين , فان الفرنسيين والبريطانيين _ والى حد أقل الألمان , والروس , والأسبان , والبرتغاليين , والايطاليين , والسويسريين _ ذوو تراث عريق مما سأسميه الاستشراق , وهو طريقة للوصول إلى تلاؤم مع الشرق مبنيّة على منزلة الشرق الخاصة في التجربة الأوروبية الغربية .
فالشرق ليس لصيقا بأوروبا وحسب , بل إنه كذلك كذلك موضع أعظم مستعمرات أوروبا , وأغناها , وأقدمها , ومصدر حضاراتها ولغاتها , ومنافسها الثقافي , وأحد صورها الأكثر عمقا وتكرار حدوث للآخر .
وإضافة , فقد ساعد الشرق على تحديد أوروبا (أو الغرب) بوصفه صورتها , وفكرتها , وشخصيتها , وتجربتها , المقابلة .
بيد انه لا شيء من هذا الشرق تخيّليّ صرف . فالشرق جزء تكاملي من حضارة أوروبا وثقافتها الماديتين .
ويعبّر الاستشراق عن ذلك الجزء ويمثله ثقافيا , بل حتى عقائديا , من حيث هو "الاستشراق" نهج من الإنشاء "الكتابي" له ما يعززه من المؤسسات , والمفردات , وتراث البحث , والصور , والمعتقدات المذهبية , وحتى الأجهزة المكاتبية "البيروقراطية" الاستعمارية والأساليب الاستعمارية .

فالاستشراق أسلوب من الفكر قائم على تمييز وجودي ومعرفي بين الشرق و (في معظم الأحيان) "الغرب" .

(يحدد "سعيد" ثلاث معاني للاستشراق :
_ معنيين جامعي و تخييلي , والعلاقة المتبادلة بينهما , الناشطة والمنضبطة تماما , بل ربما منظمة ومقننة .
_ ومعنى محدد تاريخيا وماديا إلى درجة تفوق تحديد أي من المعنيين الآخرين .)

وما أطرحه هنا هو أننا ما لم نكتنه الاستشراق بوصفه إنشاء فلن يكون في وسعنا أبدا أن نفهم الفرع المنظّم تنظيما عاليا الذي استطاعت الثقافة الغربية عن طريقه أن تتدبّر الشرق _ بل حتى أن تنتجه _ سياسيا , واجتماعيا , وعسكريا , وعقائديا, وعلميا , وتخيليا , في مرحلة ما بعد عصر التنوير .

تاريخيا وثقافيا , ثمة فرق كمي , كما أنه ثمة فرقا نوعيا , بين الانشباك الفرنسي-البريطاني , في الشرق , وانشباك أي دولة أوروبية وأطلسية أخرى _ حتى مرحلة الهيمنة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية .

النقطة التي أثيرها هنا هي أن الاستشراق يشتق من علاقة تقارب خاصة قامت بين بريطانيا وفرنسا والشرق , الذي لم يكن في الحقيقة ليعني , حتى أوائل القرن التاسع عشر , سوى الهند وأقاليم الكتاب المقدس .
فمن بداية القرن التاسع عشر إلى نهاية الحرب العالمية الثانية , سيطرت فرنسا وبريطانيا على الشرق والاستشراق , أما منذ الحرب العالمية الثانية فقد سيطرت أمريكا على الشرق , وهي تتناوله كما تناولته فرنسا وبريطانيا ذات يوم .

_ 2 _

بدأت بالافتراض التالي : إن الشرق ليس حقيقة خاملة من حقائق الطبيعة . فهو ليس مجرد وجود ثمة , بالضبط كما أن الغرب نفسه ليس مجرد وجود ثمة .
لقد كان ثمة , وما يزال , ثقافات , وأمم مقامها الشرق , ولحياتها , وتواريخها , وعاداتها , حقيقة قاسية عارية هي , بوضوح , أعظم بكثير من كل ما يمكن أن يقال عنها في الغرب .

ثمة تقييد ثان : هو أن الأفكار , والثقافات , والتواريخ لا يمكن أن تفهم بجدية دون أن تدرس أيضا قوتها , أو , بشكل أدق , تشخّصات قوتها ..
ذلك أن العلاقة بين الغرب والشرق هي علاقة من القوة , ومن السيطرة , ومن درجات متفاوتة من الهيمنة المعقدة المتشابكة .
وليس هناك مثلا إلا أدنى درجات الإقرار في كون مواجهة (فلوبير مع محظية مصرية) أنتجت نموذجا للمرأة الشرقية واسع التأثير , فهي لم تتحدث عن نفسها أبدا , ولم تمثّل مشاعرها , وحضورها , وتاريخها أبدا . بل قام هو بالحديث عنها وبتمثيلها .

ويقودنا ذلك إلى تقييد ثالث . ينبغي على المرء ألا يفترض أبدا أن بنية الاستشراق ليست سوى بنية من الأكاذيب أو الأساطير التي ستذهب أدراج الرياح إذا كان للحقيقة المتعلقة بها أن تجلى .
فأي نظام من الأفكار قادر , بعد كل حساب , على أن يبقى دون تغيّر كحكمة قابلة للتدريس , من زمن ارنست رينان في أواخر 1840 إلى الوقت الحاضر في الولايات المتحدة لا بد أن يكون شيئا أكثر صلابة ومتانة من مجرد مجموعة أكاذيب .
ومن ثمّ , فان الاستشراق ليس استيهاما أوروبيا فارغا حول الشرق , بل إنه لجسد مخلوق من النظرية والتطبيق ما برح , لأجيال عديدة , موضوعا لاستثمارات مادية كبيرة .

يعتمد الاستشراق , بطريقة ثابتة , من أجل استراتيجيه على هذا التفوق الموقعي المرن الذي يضع الغرب في سلسلة كاملة من العلاقات المحتملة مع الشرق دون أن يفقد للحظة واحدة كونه نسبيا صاحب اليد العليا .
ولماذا كان ينبغي أن يكون الأمر على غير هذه الشاكلة , خصوصا خلال مرحلة الهيمنة الأوروبية الخارقة منذ أواخر عصر النهضة حتى الوقت الحاضر ؟
لقد كان العالم , أو الباحث , أو الإرساليّ , أو التاجر , أو الجندي في الشرق , أو فكّر بالشرق , لأنه كان قادرا على أن يكون هناك أو على أن يفكّر به , دون مقاومة تذكر من جانب الشرق .
وتحت العنوان العام للمعرفة بالشرق , وتحت مظلّة التسلط الغربي على الشرق منذ نهاية القرن الثامن عشر , برز شرق معقد متشابك ملائم للدراسة في البيئة الجامعية , وللعرض في المتاحف ...
وإضافة , فان الاكتناه التخيّلي للأشياء الشرقية كان يقوم , بصورة حصرية نوعا , على وعي غربي ذي سيادة برز من مركزيته التي لم يكن ثمة ما يتحداها , عالم شرقي , أولا تبعا لأفكار عامة حول هوية من وما كان شرقيا , ثم تبعا لمنطق مفصّل ليس محكوما ببساطة بالواقع التجريبي بل بمجموعة من الرغبات , والمقموعات , والاستثمارات , والإسقاطات .

ومع ذلك , فان على المرء أن يتسأل دائما : هل ما يهم في الاستشراق هو المجموعة العامة من الأفكار التي تطغى على كتلة المادة_ ومن يستطيع أن ينكر أنها كانت أفكارا مشبعة بمذاهب التفوق الأوروبي , وبشتى أنواع العنصرية العرقية , وبالامبريالية , ما إليها , وبأفكار مذهبية جامدة عن "الشرقي" بوصفه تجريدا مثاليا ولا متغيرا ؟

_ 3 _

ذكرت ثلاثة جوانب من واقعي المعاصر :
وينبغي أن أوضحها الآن وأناقشها بإيجاز من اجل أن يكون جليّا كيف دفعت إلى سبيل معين من البحث والكتابة .
1_ التمييز بين المعرفة الخالصة والمعرفة السياسية : إن تسميتي الرسمية والمهنية هي "إنساني" , وهو لقب يشير إلى الدراسات الإنسانية كميدان لتخصصي , ويشير لذلك , إلى انتفاء احتمال وجود أي شيء سياسي فيما أقوم به في هذا المجال .

لذلك ادرس الاستشراق بوصفه تبادلا حيويا بين مؤلفين أفراد وبين المؤسسات السياسية الواسعة التي شكّلتها الإمبراطوريات العظيمة الثلاث _البريطانية والفرنسة والأمريكية _ التي أنتجت الكتابة الاستشراقية ضمن حدودها الفكرية والتخيلية .

2_ المسألة المنهجية : ولأسباب سأناقشها الآن , قصرت ذلك الطقم من الأسئلة المحدد سلفا , على التجربة الانجلو_فرنسية_أمريكية للعرب والإسلام اللذين , كانا , لألف من السنين تقريبا , ممثلين معا للشرق , وفور القيام بذلك , بدا أنّ جزءا كبيرا من الشرق قد أقصي _الهند , اليابان , الصين , وأقسام أخرى من الشرق الأقصى _ لا لأن هذه المناطق غير مهمة (فهي , بوضوح , كانت مهمة وما تزال) بل لأن بوسع المرء مناقشة تجربة أوروبا للشرق الأدنى , أو الإسلام , في معزل عن تجربتها للشرق الأقصى , بيد أنه في لحظات معينة من ذلك التاريخ الأوروبي للاهتمام بالشرق , أن تناقش أجزاء معينة من الشرق مثل مصر , وسوريا وشبه الجزيرة العربية , دون أن ندرس كذلك الانشباك الأوروبي في الأجزاء الأقصى التي تمثل إيران والهند أهمها , وأحد الأمثلة البارزة على ذلك العلاقة بين مصر والهند فيما يخص بريطانيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر .

سيطرت بريطانيا على شرقي المتوسط منذ نهاية القرن السابع عشر تقريبا . ومع ذلك فان دراستي لتلك السيطرة والاهتمام المنتظم لا توفي ما يلي حقه :
أ _ الإسهامات المهمة في الاستشراق لألمانيا , وايطاليا , واسبانيا والبرتغال .
ب _ حقيقة أن أحد الحوافز الهامة لدراسة الرشق في القرن الثامن عشر تمثّل في الثورة التي حدثت في دراسات الكتاب المقدس تحت تأثير رواد شيقين من جوانب متعددة ...

3 _ البعد الشخصي : إن معظم ما في هذه الدراسة من استثمار شخصي ليشتق من وعيي لكوني "شرقيا" نشا طفلا في مستعمرتين بريطانيتين . (فلسطين ومصر)
وعلى الدرب , والى أقصى درجة من الصرامة والعقلانية في وسعي , حاولت أن أحتفظ بوعي نقدي , كما حاولت أن استخدم أدوات البحث التاريخي , والإنساني , والثقافي التي جعلتني دراستي متلقيا سعيد الحظ لها .
بيد أنني في أي من هذا لم أفقد أبدا السيطرة على الواقع الثقافي "الشرقي" أو الانشباك الشخصي لكوني قد تكوّنت "كشرقي" .

إن تجاربي الشخصية لهذه القضايا هي ما دفعني جزئيا لكتابة هذا الكتاب . فحياة الفلسطيني العربي في الغرب , وبشكل خاص في الولايات المتحدة , تبعث اليأس في النفس .

إذ يوجد هنا إجماع كلي تقريبا على أن الفلسطيني غير موجود سياسيا , وحين يتسامح فيعترف بوجوده , فبوصفه أمرا مزعجا , أو شرقيا .

خريف 2008

..







 
رد مع اقتباس