منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - الأدب الإسلامي: العلامة محمد إقبال أنموذجاً
عرض مشاركة واحدة
قديم 24-03-2007, 08:28 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عبدالجليل الشيخ
أقلامي
 
إحصائية العضو






عبدالجليل الشيخ غير متصل


افتراضي مشاركة: الأدب الإسلامي: العلامة محمد إقبال أنموذجاً

الأدب الإسلامي: العلامة محمد إقبال أنموذجاً
(2)

ان نظرية الأمتين في شبه القارة الهندية ، نابعة من قناعة إقبال بعقيدته الاسلامية ، و تاريخ الإسلام المجيد ، حـيـث أن العقيدة و اللغة و التاريخ المشترك عوامل أساسية لبناء الأمة ، لذلك نجد التاريخ الإسلامي من المصادر النابضة في شعر إقبال بصور فنية و معبرة عـن ذاكرة الأمة الاسلامية سواء في عـزهـا و قوتها أو تصوير حال دول الاسلام لما آلـت اليه الشعوب الاسلامية في الأنـدلس التي يقول عنها :(يا ظلَّ حدائق أندلسٍ/ أنسيتَ مواني عشرتنا/ وعلى أغصانك أوكارٌ/ عَمُرت بطلائع نشأتنا). و هي أشبه ما تكون بالبكائيت على الأطلال مثلما نرى ذلك في قصيدة صقلية: ( و غرناطة جنة العالمين/عروس المدائن تاج القرى/ و يوم أطاح ببغداد خطب/ أحل على الآمنين الردى/ جرى دمع سعدى بشيراز شعرا / أهاج القلوب و أدمى الحشى).
و لابد لهذه الوقفة على مدائن الاسلام أن يلحقها تذكير بدولة الاسلام حيث يقول:( و للعرب كانت هنا دولة/ و مثوى حضارة أم قرى/ عمالقة البيد خاضوا البحار/ فكانت لأسطولهم ملعبا)، الا أن الحقيقة تفرض عليه أن يعود الى واقعه ليختم بها قصيدة صقلية:( أعـود الى الهند مستعبرا/ بأنبل ذكرى لمجد خلا/ هنا قد بكيت و في الهند أبكى/ و أبكى الصديق معا و العدا / هو القدر اختارني للرثاء / سأرسله صيحة في المـلا).

الرافد الرابع: المعرفة و التجارب الإنسانية:
تعتبر البيئة الإجتماعية في شيه القارة الهندية نموذجاً مصغراً من العالم الإنساني بكافة مناشطة البشرية و الجغرافية ، و الثقافية بما في ذلك العقائد و الأديان المختلفة. و في الوقـت الذي ترزح فيه تحت الإستعمار الإنجليزي ، الذي عمل طوال فـترة و جوده على تقسيم الأرض و إضـاعـة هـوية الإنسان فيها ، و خصوصاً إذا عـلمنا أن الهدف الأساسي من المخططات إنهاء الوجود الحضاري للمسلمين و إبـعـادهـم عـن ديـنـهـم الإسـلام.

و هـذه البيئـة بـتنوعها ، سـاهمت كثيراً في تكوين ذهـنية العلامة محمد إقبال إجتماعيا و جـعـلته أكـثر وعـيـاً بها ، و أكثر تمسكاً بـدينه لأنـه إبـن الثقـافة الإسلامية بالوراثة ، و رجل علم و فلسفة و أستاذ أجيال لأنه صقل موهبته، و نهل من معين الفكر و المعرفة بالدراسة و التجربة ، حيث درس في لاهور، و حصل على درجة الماجستير في الآداب و علم الفلسفة من الكلية الاسلامية ، ثم سافر الى بريطانيا للحصول على الدرجة العلمية في الفلسفة مـن جامعة كامبردج و الدرجة العلمية في القانون من كلية لندن للعلوم السياسية ، و عمل أستاذا للغة العربية في جامعة لندن. و لم يتوقـف حتى حصل على درجة الدكتوراة من جامعة ميونيخ في ألمانيا. و كانت فترة دراسته في أوروبا سانحة ليكون داعية اسلامي و مدافعا عن المسلمين حيث ألقى العديد من المحاضرات في انجلترا عن الإسلام وعظمته.

شارك في المؤتمر الإسلامي عام 1931م ، و تشرف بزيارة القدس الشريف ملبيا دعوة السيد/ أمين الحسيني ، ممثلا لمسلمي الهند ، لأن فلسطين الجذوة التي تنطلق في أعماقه فيرى حال الاســلام و المسلمين لينشد أروع قصائده مطالبا الأمـة بالعودة الى دينها و تاريخها المجيد – قصيدة طلوع الاسلام ( ترنم أيها الشادي و اسمع/ غناءك وامح آثار الطغام / و أيقظ عالم الإسلام و اخلق/ عقاب الجو في جسم الحمام/ و قل هيا فتى الاسلام بادر/ و سر قدما الى نيل المحال / و كن لكتاب ربك ترجمانا / و برهانا لقدرة ذى الجلال )، و هـذا الطلب لا يأتي من فراغ بـل نجـد سـؤالا استنكاريا:( وكيف تغيرت بكم الليالي؟/ و كيف تفرقت بكم الأماني؟ / تركتم ديـن أحمـد ثم عدتم / ضحايا للهوى و الهـوانِ)، سـؤال استنكاري لابـد أن يتبعه بسؤال أخر أكثر قـوة ، و اثـارة لاشعـال جــذوة الاسـلام في نفوس أبناء الأمــة موضحا السـبب ، و هو القائل (أرى التفكير أدركه الخمول/ و لم تبق العزائم في اشتعال / و أصبح وعظكم من غير سحر/ و نور يطل من المقال/ و عند الناس فلسفة و فكر/ و لكن أين تلقين الغزالى / و جلجلة الأذان بكل أرض / و لكن أين صوت من بلال ؟؟)، و حديث الرسول علي أفضل الصلاة و السلام ( أرحنا يا بلال ) ، و لكن الأصوات التي يسمعها لا يوجد فيها صوت بلال المفعم بالايمان و القوة التي تهز أركان الأرض ، و الآذان الذي يريده رمز مـن رموز انتصاراته و فتوحاته الاسلامية و فيه يقظة الأمة:( نحن الذين استيقظت بأذانــهم/ دنـيا الخـلـيقـة من تـهـاويـل الكـرى، نحن الذين إذا دعوا لصلاتهـم/ و الحرب تسقى الأرض جاما أحمرا).

و الآذان رسالة تشرق في الكون، و كناية عن الدين الإسلامي الذي يقول عنه اقبال:( ان المؤمن اذا نادى الآفاق بأذانه أشرق العالم و استيقظ الكون/ ان الدين هو الذي ينظم الحياة / وانه لا يكتسب الا من ابراهيم و محمد عليهما الصلاة و السلام)، و يعبر عن ذلك عن أمجاد دولة الاسلام( بلغت نهاية كل أرض خيلنا/ و كأن أبحرها رمال البيد/ في محفل الأكوان كان هلالنا / بالنحر أوضح من هلال العيد / في كل موقعة رفعنا راية/ للمجد تعلن آيـة التوحيد / أمم البرايا لم تكن من قبلنا/ إلا عـبيدا في إسار عـبيد / بلغت بنا الأجيال حرياتها/ من بعد أصفاد و ذل قيود).
و من هذه الأبيات نتذكر ماضينا و تراثنا حيث اقتباس البيت الأول من قصيدة عمرو بن كلثوم:(ملئنا البر حتى ضاق عنا / و ظهر البر نملئه سفينا) ، أما البيت الأخير فهو من مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه:( كنا قوم أذلاء فأعزنا الله بالاسلام، و هي الحقيقة التي يقرها اقبال حيث يخاطب أبناء الأمة موضحا أسباب الانحطاط في صورة فنية معبرة عن حالهم:( لقد فقد المسلم لوعة القلب/ وانطفأت نار الحياة فيه/ و أصبح ركاما من تراب/ فالصفوف زائغة/ و القلوب مضطربة/ و السجدة لا لذة فيها لأن قلب صاحبها خال من الحنان). و معرفة الأسباب تؤدي الى معالجتها للنهوض بالأمة، لـذلك لم يرضخ لأي من خصومه سواء فـلـسـفـيا أو أدبـيا ، حيث عاش صراعا مع المتصوفة ، و قدم فكرا لمواجهة الاستعمار الانجليزي رافضا الاستعمار و التعايش مع الهندوس ، حيـث يرى وحدته و أمته في الاسـلام. و ألمح الى فكرة قيام الدولة الاسلامية( أضحى الإسلام لنا دينا / و جميع الكون لنـا وطـنـا).

ظل طوال سنوات حياته يهتم بالمجموع ، و اهتمامه بكل ما يعيد للأمة الاسلامية مجدها و حضارتها ، لذلك أستنكر على كمال أتاتورك اسقاطه الخلافة حيث رد عليه بقصيدته المشهورة( خطاب الى مصطفى كمال باشا) في ديوانه رسالة الشرق ( بيام مشرقي) باللغة الفارسية ، حيث عبر عن حزنه على تغريب المجتمع التركي و تقليد أتاتورك للأفكار الغربية بما سماه الاصلاحات ، ليس ذلك فحسب بـل أنـتقـد عـصبة الأمـم المتحـدة في ذلك الوقـت ، و خصوصا أن العالم الذي يرزح في الاستعمار ما هو الا مساحة الأرض للأمة الاسلامية أنذاك إلا أن نجـد الصورة لا تزال حتى الآن ، فكأنما العلامة محمد إقبال ، يعيش بين ظهورنـا:
صور الغاصب عدلا ظلمه *** ما هو التفسير للعدل الجديد
زاد فـي التـحـريـر مـعـنى *** أنه يحكم القيد لتحرير العبيد
قال للطير إذا رمـت الأمان *** فاتخذ في منزل الصياد وكرا
ليس في الأجواء للطير مكان *** و لا تأمن في الصحراء نسرا

و خلاصـة القول: أن أدب العلامة محمد إقبال – رحمة الله عليه - ، مـن الرؤى التي تشكلت على أطرها أسس الأدب الأسلامي، حيث أشرقت البدايات الأولى في شبه القـارة الهندية ، و وجدت أذانا صاغية في العالم الإسلامي للإستفادة من المضامين الإسلامية ، و صياغة الأدب الإسلامي وفق الأسس التي أتبعها العلامة محمد إقبال في صياغة خطابه الأدبي :
** المضمون القرأني فـنـيـاً مـن حيـث الأسلوب و جماليات اللغة.
** المضمون النبـوي و السنة المطهرة مـن حيـث الأفـكـار و أحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة و السلام ، و سيرته العطرة.
** المضمون الإنساني مـن حيث العلوم و التجارب الإنسانية بما في ذلك المناهج الأدبية و الرحـلات .

رحل العلامة محمد إقبال – رحمة الله عليه – من دنيانا الفانية مساء الخميس 21/2/1357هـ الموافق 21/4/1938م. و تتجدد ذكـراه كلمـا أشرقـت شمـس أبريل مـن كل عام ، أو التاسع مـن نوفـمـبر ذكرى ميلاده ، و للناس فيما يعشقون مذاهـب. هـكـذا تتجدد ذكـراه ، و أشـعـاره تنبض بين الحين و الآخر في وجـدان الأمـة ، و هـو القائل:
نفحات مضيئة لي هل تعود *** أنسيم من الحجاز يعود

ان النسيم الحجازي أول بشائر الأدب الإسلامي ، حـيث تسمو النفـس مع بارئهـا ، و بالتالي صياغة الخطاب الأدبي ليكون هـمزة وصل و تـعـارف بين الشعوب . قال تعالى:( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم). سورة الحجرات – أية(13). و التواصل بين الشعوب ثقافة إسلامية عمادها القييم و المبادئ الأصيلة و التي تشكل الصورة العامة في الأدب الإسلامي مـن حيـث الرؤية بغض النظر عـن الأداة التي تختلف وفـق التنوع المكاني و أثـره على الإنسان في شتى مناشط الحياة و إنعكاس ذلك على اللغة و القييم الفنية المصاحبة لها مع الأخذ بعين الإعتبار أن التميز في نهاية الأمـر:( إن اكرمكم عند الله أتقاكم).

حـقـاً ، يرحل المرء ، و تظل كلماته فـواحـة متى أحسن الإختيار ، و استدل على نسيم الحـجـاز أول دلائل الأدب الإسلامي .







التوقيع

سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك

 
رد مع اقتباس