وانسكبت المعاني في صدري كما تنسكب الأنوار في ماءٍ صاف بلا ترتيبٍ ولا تدبير، لكنها جاءت مكتملة كصلاةٍ مقبولة،
كأنها من وحيٍ قديمٍ لم يُكتب بحرفٍ بعد، وكأن السماء نطقت بي وأنا أصغي،
ما عرفتُ لها سببًا، إلا أنها اختارتني لأكون مرآتها،
فرأيتُ فيها ما لا يُرى، وسمعتُ منها ما لا يُقال،
ليتني أدري أكان ذلك من صفاء الروح أم من شوقٍ طال مقامه في الغيب؟!
ولمّا هدأ في داخلي الصخب، أقبل السكون كضيفٍ يعرف الطريق إلى القلب، فجلس بين أضلعي يتهامس مع النبض،
رأيتُ المعنى يتشكل ككائنٍ من نور، لا يُمسّ ولا يُحدّ، لكني شعرتُ به يسري فيّ كما تسري الطمأنينة في صلاة الفجر،
هنالك أدركتُ أن الكلمة ليست منّي، بل أنا منها، وأن كل ما خطّه القلب لم يكن سوى ترجمانٍ لسرٍّ تكلّم بي،
فيا عجبًا لمن يظنّ أنه يكتب، والحقّ أن الكتابة هي التي تختاره ليكون نَفَسَها في الأرض!
وهكذا بقيتُ بين سكونٍ يُنطق، وصمتٍ يُفصح، أتنفّس الكلمة كما يتنفّس العابد تسبيحه،
كلما حاولتُ القبض على معناها أفلتت، كأنها تذكّرني أن السرّ لا يُملك بل يُؤتمن عليه،
تغدو الكلمة عندئذٍ طريقًا، والمضيّ فيها عبادة، والوقوف على أعتابها خشوعًا،
فيا ربّ الكلمة الأولى، لا تحرمني من نورها إذا تجلّت، ولا من حيرتها إذا احتجبت،
فإنّي ما عرفتُ نفسي إلا بها، ولا أدركتُك إلا حين نطقتُ بما لم أقصد .