﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ
وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤٨﴾
حول مضمون الآية:
ومن المفسرين من فسر ﴿لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡٔٗا﴾ بالعموم، وما جاء بعدها بعطف الخاص على العام؛ بمعنى أن إجزاء نفس عن نفس لا يكون إلا بأن يُشفع له أو يفتدى أو ينصر.
وهذا النوع من العطف موجود في مواضع متعددة من كتاب الله، لعل أشهر أمثلتها قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوّٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ 98﴾ البقرة؛ فذكر الملائكة على العموم، ثم خصص منهم جبريل وميكال، وقوله: ﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ﴾ البقرة 238، ولا شك أن الصلاة الوسطى من الصلوات.
على أن من العلماء من يرون أن من شروط عطف الخاص على العام ألا يكون المعطوف جملة. لكن من الشواهد الكثيرة ما يدحض هذا الرأي، ومنها الآية السابقة على آية الإجزاء: ﴿ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ 47﴾ إذ أن عطف التفضيل على الإنعام هو عطف الخاص على العام، فالتفضيل هو - في الحقيقة - من الإنعام الذي من الله به عليهم، وقد خصص التفضيل لعظم قدره.
ومثله - كذلك - ﴿وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ 40 وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِۢ بِهِۦۖ وَلَا تَشۡتَرُواْ بَِٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ 41﴾ هو من عطف الأخص على الأعم؛ لأن الوفاء بالعهد مطلق، والإيمان بما أنزل الله مصدقاً لما معهم وألا يكونوا كافرين به، إنما هي من متطلبات العهد ومواثيقه. وإذا قلنا أن مدلول (لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡٔٗا) قريب من معنى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ البقرة 281، و ﴿يَوۡمَ لَا يُغۡنِي مَوۡلًى عَن مَّوۡلٗى شَيۡٔٗا﴾ الدخان 41، يصير العطف مغايراً لما قالوه؛ ويكون المقصود أنه لا يحول بين نفسٍ وبين عقاب الله حائل، أي: نفي حرمة الشخص في ذاته، وأن عمله وحده هو المعيار في الحساب والجزاء، بمعنى أن المحك هو المسئولية الشخصية للفرد.
أما ما تلى فهو نفي للإعانة والواسطة والفدية والنصير.