﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ
وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤٨﴾
تفصيل الكلام عن العدل في اللسان العربي:
والفرق بين العدل والقسط: أنّ القسط هو العدل البيّن الظاهر ومنه سمّى المكيال قسطاً والميزان قسطاً، لأنّه يصوّر لك العدل في الوزن حتّى تراه ظاهراً، وقد يكون من العدل ما يخفى، ولهذا قلنا انّ القسط هو النصيب الّذى بيّنت وجوهه.
وللتحقيق فإنَّ الأصل الواحد في المادّة: هو توسّط بين الإفراط والتفريط بحيث لا تكون فيه زيادة ولا نقيصة، وهو الاعتدال والتقسّط الحقيقيّ. وإذا استعملت بحرف "عن" تدلّ على الإعراض والانصراف، وذلك بمقتضى دلالة كلمة "عن" الدالّة على الانصراف.
والعدل يوافق الحق والصواب، كما في: ﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ النساء 58، فيراد إظهار الحقّ في الحكم من دون أن يكون في بيانه نقصان أو زيادة.
وقد يجيء بمعنى الفداء والفدية، أي: ما يجعل في قبال شيء وفي محلّه عوضاً عنه ومساوياً له.
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بَِٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ 150﴾ الأنعام، وقوله: ﴿أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ 60﴾ النمل، يراد جعل شيء عدلاً وعديلاً باللّه تعالى، والباء للتعدية، أي: يجعلون عديلاً بربّهم، يقال عَدَلَ فلاناً بفلان: سوّى بينهما، وعدلت هذا بهذا: إذا جعلته مثله قائماً مقامه، فالمراد جعل شيء معادلاً ومثالاً بربّهم.
وأمّا الآية الأخرى فحذف منها ما يجعل عديلاً به، والمراد: يعدلون به غيره. والإبهام قصد منه أن يشمل جميع موارد العديل من أصنام وذوى حياة وإنسان وملائكة وغيرها.