الطفلة التي كانت
من حي ( الإيرون ) ، هناك العديد من الدروب التي يمكن أن تسلكها الحافلة إلى حي بَلْبَلَة .
أقصر هذه الدروب، أن يتجه السائق نحو شارع الجمهورية، بعد أن يصل بداية الشارع، وحيث يجب أن يتوقف لكي يعبر القطار المتجه إلى أو القادم من إثيوبيا، وبعد أن يعبر زحام المرور، وبعد أن يتجاوز الحفر التي ترجرج الركاب في مقاعدهم، وحيث يجب أن أشاهد المحكمة الكبرى، ومكتب البريد، والمركز الثقافي الليبي، ودار السينما، بوسع السائق أن يدلف بمحاذاة سور ثانوية جيبوتي.
بمحاذاة السور، وفي الفضاء المفتوح، يوجد العديد من الأكواخ، تنتهي حيث تبدأ بنايات متهالكة من عهد الاستعمار الفرنسي، بين هذه البنايات توجد مياه راكدة تركتها المجاري وهي تعبر ناحية سوق الفحم .
بعد أن تتجاوز الحافلة سوق الفحم ، ودكاكين الحضارم وموقف ( بلاص رامبو ) والثانوية الصناعية والتجارية ، لا فائدة من التحدث عن الطريق ، فلا أحد يمكنه أن يسير على قدميه، وحدها الحافلات التي يمكنها أن تسير في تلك الطريق الميتة، التي لا أثر فيها لأي حياة، لا شجرة ولا نبتة ولا حتى عشبة .
حينما دلفت الحافلة إلى الحي ، تذكرت زيارتي الأولى، وذهلت من شعوري بأنني أعيش للمرة الثانية جزءا من حياتي عشته من قبل، وقد بعثت تلك الإعادة الأمينة لذلك المزيج غير القابل للمزج :البشر الذين يتبولون على طرف الطريق، ويسيرون شبه عراة، العور والمشوهون، الأثداء الذابلة و المكتنزة، الوجنات التي تنضح بالصحة، والبارزة من النحول، الشفاه المصبوغة بألوان وردية وبنفسجية، و الجافة والمتشققة، النساء القصيرات والممتلئات، و الطويلات حتى أن رؤوسهن تبدو صغيرة لطولهن، القطط الهزيلة التي تتمسح بالمارة، والوحشية التي تنظر بمكر من تحت الطاولات الخشبية المخلعة ، بعث كل ذلك قشعريرة عبرت عمودي الفقري .
عبرنا الحي ، تطوقنا إيقاعات إفريقية صاخبة، وألحان حزينة تنادي الروح، وأغان عفرية وصومالية، وكلاب تنبح من غير أن ترفع رؤوسها، نباحاً لا تبدو له نهاية، فكلما سكت كلب أتى نباح كلب آخر ليحتل موقع صوته، نباح أسمعه في صمت؛ ليس لأن الكلاب ما تزال تنبح، إنما لأن صوت نباحها مازال يعشش في ذاكرتي .
قبل أن تتوقف الحافلة، كانت واقفة في انتظاري ويداها معقودتان تحت ثدييها.
سألتُ:
- كم تريدين؟ .
أجابت
- صغيرة . وعليك أن تخمن.
قلت
- يعني ؟.
قالت :
- من غير أن ترى؟
توقف حديثنا عند هذا الحد، وواصلنا السير صامتين جنبا إلى جنب.
بعد دقائق انحرفت بي إلى اليمين .
قلت :
- وصلنا؟
قالت :
- لا.
قلت :
- إلى أين إذن؟
.............................
عبرنا مجموعة من الأزقة، ثم سرنا عبر ممر ضيق ، وأخيرا انفتح باب صندقة.
- ادخل.
صوت فتاة خلف الباب.
.................................................. ........
- بسرعة.
عاد صوت الفتاة.
حينما دلفت احتجت إلى لحظات كي أتعود على الرؤية
قالت :
- أخبرتني أنك ستأتي.
قلت :
- من؟
قالت :
- المرأة التي جاءت بك.
في الداخل لم تكن الصندقة تزيد عن ثلاثة أمتار عرضا وأربعة طولا،مقسومة بحاجز يرتفع إلى ما تحت السقف بقليل إضافة إلى حصير وفراش وحيد إلى يمين المدخل ، وأشياء أخرى متناثرة باهتة كأنها رسمت بقلم رصاص. ما لفت انتباهي أكثر هو النافذة المعلقة في الأعلى بحيث لا يصل إليها فضول أحد.
أثناء جلوسي راقبت الفتاة وهي صامتة، فكرت: ربما لأنها صغيرة، ولم تعش ما يكفي لفهم ما سيحدث لها، وإذا لم يخطئ حدسي، فقد شعرت بارتباك شاع مثل لطخة في وجهها الذي يشبه قطعة صافية من القلق.
وهي إلى جانبي سحرتني فكرة علاقة عابرة مع فتاة ولا أعرف اسمها، العادة التي اعتدتها هي أن أسأل أولا عن الاسم . لم أكن أعرف ما إذا كانت الأسماء التي تقال لي حقيقية أو مزيفة ، ولم يكن ذلك يثير اهتمامي ـ فلا يوجد فرق بين الاسم الحقيقي والمزيف؛ كلاهما يشيران إلى الأجساد.
تبادلنا ابتسامات متقطعة، وفيما هي تلملم نفسها، رحت أفكر في أن الابتسامة كمين ننصبه لبعضنا البعض ، وإجراء عملي اخترعه البشر ليمهدوا المسالك الوعرة.
ملت ناحيتها ولمست شفتيها، وأخذتها بين ذراعي، فلم تقاوم، بل ساعدتني برفع رأسها ؛ كي تلتصق شفتاها بشفتي، تماوتت بين يدي أطول فترة ممكنة، وما إن وضعت يدي أسفل بطنها حتى انتفضت.
سألتها:
- هل أنت متزوجة؟
.................................................. ............
كان صمتها مؤثرا، وبدا لي أن قلبها مثقل بالحزن، حاولت أن أقنع نفسي أن حزنها لا يهمني في شيء، لكنني لم أستطع تجاهل دمعتها .
سألتني :
- كم عمرك؟
...............
- أخمن؟ .
قلت :
- خمني.
قالت :
- يمكن أربعين.
انزلق العدد في ذهني كسكين حادة، باردة وساخنة في الوقت ذاته . لحظة شعرت فيها بمرارة من الأفكار والمشاعر، وانبثقت فورا في ذهني فكرة أنني شخت وذبلت.
فيما ظفرت يدها بيدي ، استغرقت في حياتي، واستعدت سنين من المتع. حاولت أن أقنع نفسي أن ما أرغب فيه، وما أتبعه هو الدافع وليس المبدأ ، فالحياة لا تعاش من أجل المبادئ بل من أجل السعادة ؛ لذلك فأنا أفعل وكفى، لم يكن يهمني أن الآخرين يسمون هذا ضلالا؛ لأنني أسميه اختيارا، حياة وعيشا، وللحظات تصورت نفسي مثل إبليس حينما خلق لنفسه الخطر.
قالت :
- يجب أن تسرع.
هززت رأسي كأنني استيقظ من حلم ، مدققا في فتنة جسدها .
كعادتي في التحول السريع من السعادة إلى الحزن اعترتني آلام مريعة،لم يستمر هذا سوى لحظة ؛ إذ شرعت في توبيخ نفسي، شعرت بأنني أغط في أعماقي كحجر، هل انتعش في مبدأ أخلاقي؟ لا، فالأمر مجرد قرف.
ارتطم بالصندقة شيء ما.
قالت :
- إنها هي.
طغت علي معالم صورة : فتاة جاثية قربي، تفاجئ عيناها عيني في نظرة مستقيمة، وسرعان ما تبعثرت الصورة حينما نهضت .
سألتُ:
- من؟
قالت :
- المرأة.
قلت :
- ماذا تريد؟ .
قالت :
- الحساب.
............................. ...............
- تأخذ النصف!
مددت يدي بحذر شديد كما لو لم أكن متأكدا من وجودي معها ، هناك قريبا من صدري تحسست النقود، إذن كل شيء حقيقي وليس مجرد صورة.
حينما عادت استلقت وثوبها مرفوع إلى منتصف فخذها، ضممتها وأصبحنا كتلة واحدة من العواطف، فلا شيء يوحد بين اثنين مثل الحزن.
قلت:
- هل تسمحين بأن أرى؟ وأشرت إلى أصل نهديها الطليقين .
بهدوء حلت الأزارير،وفيما هي تفعل ذلك أشفقت على نفسي، وتمنيت أن تشيخ الحياة وتذبل حتى لا تبقى بعدي، ماذا لو كانت هذه المرة الأخيرة التي أحصل فيها على امرأة؟ فانتابني حزن غريب ، أخرجني منه لحن أغنية انصب علينا من النافذة العالية .
الأفكار التي تسحرنا تأتي فجأة؛ لذلك سحرتني فكرة أن أحملها ، لكي تصف لي الرجل الذي يغني، ابتسمتُ للفكرة، وحدقت في النافذة بعينين كما لو كانتا في تمرين بصري .
بهدوء رحت أشرح لها الفكرة بينما بقيت هي مصغية ، رفضت فازداد افتتاني بالفكرة. سألتها:
- تعرفين حكاية الفراشة التي تسللت من النافذة؟
لم تكن تعرف، فرحت أقصّ عليها كيف تسللت الفراشة؛ لكي تتحدى الموت باحتضانها النار. تقبلت الحكاية كما تتقبل الحقيقة ، فساعدتني على أن أرفعها.
ما إن استقرت على كتفي حتى أصلحت من وضعها، عندئذ فهمت أن ما يجري حقيقة، فليس ثمة برهان أكثر إقناعا من حمل شيء ما ؛ للدلالة على أنه موجود.
في الأعلى الذي يسمو فوق كل الأشياء، سافرت معها في العماء من غير أي مرجعية سوى خط الأفق، حدثتني عن هناك، عن أن قريتها غافية في ضوء القمر، وأن بعض الصخور تتدحرج من قمم الجبال التي تحرسها، وأن الورود تختبئ خلف الأوراق.
حدثتني عنها حينما كانت طفلة، عن القمر الذي كانت تناجيه ، وعن الرسائل التي كانت تكتبها في ضوئه ، عن أبيها الذي مزق تلك الرسائل لأنه كان يخاف خيانة النساء ، عن بقعة دائرية باهتة أدخلتها عالم النساء . عن فرحتها وقلقها من تلك البقعة الداكنة .
حدثتني عن الحي الذي يغرق في العتمة، عن إحدى اللاجئات وهي تتوهج، تدلف كالفراشة من نافذة غير مرئية، عطشى للاحتضان وتجيش بها الرغبة، تسمعها تصيح (إني أموت) وتنقل إلي ما قالته . هل هو صوتها؟ أسأل ، لم تكن تعرف، لكنها تخمن ، ربما صوت لاجئة أخرى تحتضر.
وهي أعلاي تتلوى كاللهب، لم يكن أمامي إلا أن أترك روحي محمولة في جسدها كحطام سعيد، فاندفعت حياتها إلي كعاصفة كنست حياتي التي تخصني: ذكرياتي، أحلامي، قوانيني التي سنت لي الخطأ والصواب.
توقفت العاصفة فجأة كأنما أغلق أحد بوابة، وقرع أذني حديث اللاجئين الذين خرجوا منذ لحظة؛ كي يراقبوا اللاجئة المتوهجة.
فتحت عيني على أنهما عينا الفتاة، فاحترت في وجودي ضمن جسد آخر، في نظري عبر عينين ليستا لي، في سماعي أصوات اللاجئين بأذنين غريبتين عني ، جسدي كمبنى ضخم احتل أنا فيه مكانا صغيرا، مبنى يضم غرفا فارغة وأنا فيها أقل من لا شيء. لم أكن أعبر أبوابا، بل أجد طريقي عبر باحات فارغة تشغل فراغا هائلا يفصلني عن جسدي.