﴿أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٤٤﴾
حول مضمون الآية:
وعلى ضوء هذه الصورة، نستطيع فهم: ﴿أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ﴾؛ إذ إن الدين كان بالتلقي، دون أن يكون للمؤمنين أي حق في الاطلاع على مصادره.
ويبقى حفظ النصوص الدينية وتعليمها حكراً على أفراد معدودين، يتحكمون في عقائد الناس، وليس على المؤمن إلا استقبال التعاليم وفق ما تملى عليه، دون أن تكون له قدرة على المناقشة أو الاعتراض.
وكان هم العامة أن يعرفوا من الدين العبادات العامّة والاحتفالات الدينيّة ونحوها بالإجمال، ويرجع المستمسّك منهم بدينه في سائر أموره إلى الأحبار فيقلّدهم فيما يأمرونه به.
وكانوا يأمرون بما يرونه صواباً فيما ليس لهم فيه هوىً، وإلاّ لجأوا إلى التأويل والتحريف والحيلة، ليأخذوا من الألفاظ ما يوافق الهوى ويصيب الغرض. لذلك كان توبيخ القرآن في هذه الآية موجهاً لأولئك الجالسين على مقاعد العظة والفتيا، الآمرين الناس بالبرّ، الداعين إلى الخير بكل أشكاله: ألا يوجد فيكم عقل يحبسكم عن هذا السفه؟ فإن من له مسكة من العقل لا يدّعي كمال العلم بالكتاب والإيمان اليقينيّ به، والقيام بالإرشاد إليه، ثمّ هو لا يعمل ولا يستمسك؟ مثلكم كمثل رجل أمامه طريق مضيء، نصبت فيه الأعلام، بحيث لا يضلّ سالكه، ثمّ هو يسلك طريقاً آخر، مظلماً طامس الأعلام، وكلّما لقي في طريقه شخصاً نصح له ألا يمشي معه، وأن يرجع إلى طريق الهدى الذي تركه. أو مثل رجل يتضور جوعاً، يدعو الناس إلى مائدة شهيّة، ويبيت في مخمصة. أو ظاميء يدلّ العطاش على مورد الماء ولا يرد معهم.