﴿يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ
وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٤٠﴾
حول مضمون الآية:
إنَّ عهد الله - تعالى - إليهم يعرف من الكتاب الذي نزّله إليهم، فقد عهد إليهم أن يعبدوه ولا يشـركوا به شيئاً؛ وأن يؤمنوا برسـله متى قامت الأدلّة على صدقهم، وأن يخضعوا لأحكامه وشرائعه.
ويدخل في عموم العهد عهد الله الأكبر الذي أخذه على جميع البشر بمقتضى الفطرة وهو التدبّر والتروّي، ووزن كلّ شيء بميزان العقل والنظر الصحيح، لا بميزان الهوى والغرور.
ولو التفت بنو إسـرائيل إلى هذا العهد الإلهيّ العامّ، أو إلى تلك العهود الخاصّة المنصوصة في كتابهم، لآمنوا بالنبي - عليه صلوات الله - واتّبعوا النور الذي أنزل معه وكانوا من المفلحين. ولا حاجة إلى تخصيص العهد بالإيمان بالنبي - عليه صلوات الله - كما فعل مفسّـرونا فإنّ الإيمان داخل في العهد العامّ، وهو من أفراد العهد الخاصّ، فلا دليل على قصر عموم العهد المضاف عليه. ولمّا كان من موانع الوفاء بالعهد الذي فشا تركه في شعب إسرائيل، خوف بعضهم من بعض لما بين الرؤساء والمرؤسين من المنافع المشتركة؛ عقّب الأمر بالوفاء بقوله: ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ﴾ أي: إن كنتم تخافون فوت بعض المنافع، ونزول بعض المضارّ بكم، فوجب ألا تخافوا إلا الله. وخوف غير الله ينحصر في خوفين:
- خوف العلماء للجماهير التي يحكمها الجهل والتطرف،
- أو خوف بعض الجماهير من مخالفة علمائهم إذا حادوا عن الحق.
والأولى أن لا تخافوا ولا ترهبوا إلاّ مَن بيده أزمّة المنافع كلّها، وهو الله الذي أنعم عليكم بتلك النعمة الكبرى، أو النعم كلّها، وهو وحده القادر على سلبها، وعلى العقوبة على ترك الشكر عليها، فارهبوه وحده لا ترهبوا سواه.