موقع هذه الآيات من سياق السورة
قد اختصّ بني إسرائيل بالخطاب اهتماماً بهم؛ لأنّهم أقدم الشعوب الحاملة للكتب السماويّة التي يؤمن بها الناس في يومنا هذا، ولأنّهم كانوا أشدّ الناس على المؤمنين، ولأنّ في دخولهم في الإسلام من الحجّة على النصارى وغيرهم أقوى ممّا في دخول النصارى من الحجّة عليهم، وهذه النعمة التي أطلقها في التذكير لعظم شأنها، هي نعمة جعل النبوّة فيهم زمناً طويلاً؛ ولذلك كانوا يسمّون في كتبهم: شعب الله. وفي القرآن إن الله اصطفاهم وفضلهم، ولا شكّ أنّ هذه المنقبة نعمة عظيمة من الله منحهم إيّاها بفضله ورحمته، فكانوا بها مفضّلين على العالمين من الأمم والشعوب، وكان الواجب عليهم أن يكونوا أكثر الناس لله شكراً، وأشدّهم لنعمته ذكراً، وذلك بأن يؤمنوا بكلّ نبيّ يرسله لهدايتهم، ولكنّهم جعلوا النعمة حجّة الإعراض عن الإيمان وسبب إيذاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنّهم زعموا أنّ فضل الله - تعالى - محصور فيهم، وأنّه لا يبعث نبيّاً إلاّ منهم؛ ولذلك بدأ الله تعالى خطابهم بالتذكير بنعمته، وقفّى عليه بالأمر بالوفاء بعهده.
إن المستعرض لتاريخ بني إسرائيل ليأخذه العجب من فيض الآلاء التي أفاضها اللّه عليهم، ومن الجحود المنكر المتكرر الذي قابلوا به هذا الفيض المدرار. وفي هذه الموجة من السورة يذكرهم اللّه بنعمته التي أنعمها عليهم إجمالاً في الآية الأولى ليدعوهم بعدها إلى الوفاء بعهدهم معه - سبحانه - كي يتم عليهم النعمة ويمد لهم في الآلاء، قبل البدء في تفصيل بعض نعمه عليهم في الآيات التالية.
وإذا انتقلنا للحديث عن تسلسل الآيات، نقول أنه بعد ذكر آخر الآيات الدالة على النعم التي أنعم الله بها على جميع بني آدم وهي دالة على التوحيد من حيث إن هذه النعم أمور حادثة فلا بد لها من محدث وعلى النبوة من حيث إن محمداً - عليه صلوات الله - أخبر عنها موافقاً لما كان موجوداً في التوراة والإنجيل من غير تعلم ولا تلمذة لأحد، وعلى المعاد من حيث إن من قدر على خلق هذه الأشياء ابتداء قدر على خلقها إعادة، عَقَّبَ بذكر الإنعامات الخاصة على أسلاف اليهود كسراً لعنادهم ولجاجهم بتذكير النعم السالفة واستمالة لقلوبهم بسببها وتنبيهاً على ما يدل على نبوّة محمد - عليه صلوات الله - من حيث كونها إخباراً عن الغيب.
.....