****
مضى رئيسُ فرْد المقاومة المكلّف بحراسة فهمان إلى هاتفه بعد تركه نحو ساعة مضت، فتحه فسمع مِن شأن فطين ما سمع فألقى الهاتف على الفور وتوجّه مسرعًا إلى حجرة العمليات ليمنع العملية حيث إنّ مقره قريب مِن مستشفى النفق.
وقُطع الرأس بعد توصيل الخلايا العصبيّة الاصطناعيّة مباشرة بينما رئيس فرد المقاومة على باب حجرة العمليّات يأمل أن يدرك مؤيد ليخبره بمنع عمل العملية.
لكن للأسف جاءه الخبر بأنّ الرأس قُطع منذ لحظات.فأسِفَ لذلك.
****
عمليّات التوصيل
وقام بيتر بربط الأوعية الدمويّة والخلايا العصبيّة بالليزر عن طريق تكبيرها بالمجهر، وذلك لمشاهدة العصبونات المراد ربطها وتوصيل الشرايين والأوردة ببعضها ودمْج أطراف الحبل الشوكيّ معًا عن طريق الليزر فائق القصر. ثمّ أحضر رأس الجثة المحفوظ بتقنية التبريد العميق والتي خلاياه دخلت في حالة سبات عميق مِن المستحيل إيقاظها إلّا بتوصيله بخلايا حيّة. حرّك الطاولة بطريقة مناسبة وقرّب الرأس إلى الجسد الجديد وسلّط نبضات الليزر فائقة القصر، سرعة النبضة فيمتو ثانية وبين كلّ نبضة وأخرى 10-12 ثانية يتمُّ تسليطها على مناطق الربط. وعلى طول مدة العمليّة كان جهاز التخدير هو البطل الثاني حيث إنّه ساعد فطين على التنفّسِ حال قطْع الرأس، فأبقى على القلب حيّاً حيث كانتْ عمليات التنفّس تخرج مِن المجرى المؤدِّي إلى الأنف والفمِّ الهالكين عن طريق الشهيق والزفير. ومِن خلال جهاز التخدير كان طبيب التخدير يراقب باستمرار المؤشرات الحيويّة مثل سرعة النبض والضغط الدمويّ وأوكسجين الدمّ ومعدّل التنفّس وتخطيط القلب وكلُّ هذا تمَّ على أحسن حال. كما أنّ جهاز التخثير الكهربائيّ قام بوظيفته على أحسن وجه حيث قام بوقف نزْف الدّم بالأوعية الدمويّة من شرايين وأوردة.
وأثناء العمليّة وبعدها قام جهازُ مصّ المفرزات سحْب الدمِّ والسوائل المتجمعة في جرح العمليّة وتجميعها في زجاجات صُنعتْ خصيصًا لذلك، ثمّ تُرمى بعد ذلك لأنّها غدت مِن النفايات الطبيّة. ولمْ تستغرق العملية أكثر مِن ثمان ساعات في حين أنها كانت في العقد الماضي تستغرق ستة عشر ساعة. وكان مِن أحد عوامل النجاح الأساسيّة هي دقّة الضرْبة الليزريّة التي أتقنها بيتر ببراعة. تمَّ حمْل رأس فطين ووضعه في الهرم الزجاجيِّ وتمَّ حِفظها بتقنية التبريد العميق.
والرأس الجديد فيه خليّة عصبيّة اصطناعيّة قدْ تكون سبب بقائه على قيد الحياة. وفي الخارج، نجد رئيس فرد المقاومة منتظرًا حالما ينتهي بيتر مِن العمليّة، بعد ثمان ساعات تقريبًا خرجَ بيتر بمصاحبة مؤيد فناداه فالتفت إليّه ..فأخبره بأمر يهوديّ الفندق وبكلِّ ما حدث في الفندق بالضبط. فتأوّه مؤيد ودعا لفطين قائلاً: «الله يلطف بك يا فطين.»
ثمّ نظر إلى رئيس فرد المقاومة وقال له: «تكتّمِ الأمر تمامًا ولا تُحدّثْ نفسك به.»
تركه وهاتف فرْد المقاومة ليخبره بنجاح العمليّة، فأعلمَ فهمانَ، فسقط من فوره مغشيّا عليه.
***
وأمّا فطين فقد سبَحتْ روحه في عالمٍ آخر أثناء مدة العمليّة، فقد سافر إلى المستقبل أكثر مِن ثلاثة عشر عامًا . وجد فطينُ ولده في هذا المستقبل وقد ترك عالمه إلى عالمٍ آخر مِن خلال عبور سمّ كسمّ الخياط، وقد رآه من بُعد الأموات في هذا العالم الآخر طريحَ طاولة من نار موضوعة على أرض ناريّة وحوله مخلوقات غريبة تبدو عليهم علامات التقوى والورع، فخشِيَ أن يحترقَ؛ فنادى عليه ليحذره ويدعوه لترك الطاولة والهروب بعيدًا عنهم، بعدها ببضع سنوات أخر وجدهم يلفونه بلفافة مِن نورٍ لمْ يرَ مثلها قطٌّ؛ لأنّها تنبثق من بُعدٍ مختلفٍ؛ من بُعد ولده وبُعده، وقالوا له عندما يأذن الله سنخرجك. عاد فهمان بصحبة فرد المقاومة إلى المنزل منذ ساعتين تقريبًا وفرْد المقاومة أقام معه في المنزل لحين عودة أبيه. أفاق فطينُ مِن العمليّة فوجد مؤيدًا بجانبه، نادى على بروفيسور بيتر
قال بيتر: «حمدًا لله على السلامة يا بطل.»
قال فطين بتوجع: «الله يسلمك يا دكتور.»
قال بيتر: «العمليّة نجحتْ بامتياز، وأنتَ الآن أقوى مِن ذي قبْل بكثيرٍ؛ أنت رجلٌ خارقٌ الآن يا فطين.»
قال فطين مبتسمًا: «حقّاً يا دكتور، أمْ أنّها رسالة التطمين المعتادة التي يقولها الأطباء لمرضاهم.»
قال مؤيد: «بروفيسور بيتر رجلٌ أمريكيٌ لا يفهم ما تقول يا فطين، الأمريكان لهم تقاليد غيرنا، همْ يقولون الحقيقة ولا يعرفون المجاملات.»
طلب بيتر من مؤيد إحضار مِرآة، نصبها بيتر تلقاء وجه فطين ثمّ قال له: «انظرْ، تفحّصْ، هل ترى شيئًا؟»
تفحّص فطين شكله فلمْ يجدْ إلّا خيطًا رفيعًا يكاد لا يُرى إلّا بالمجهر، فحمد الله.
ثُمّ قال بيتر: «أحمد الربَّ وأحمد أيضًا مؤيدًا، فقدْ بذل جُهدًا كبيرًا معي لكي تنجح العمليّة.»
نظرَ فطينُ إلى مؤيد وتذكّرَ يوم أنْ كاد يقتله في منزله بالوادي الجديد فنهض مِن رُقاده كي يقبّل يديه بيد أنّ مؤيدًا دفعه للخلف وقال له: «يا مجنون، أنت ممنوع عن الحركة تمامًا.»
مضى الشهر وأتمَّ الله شفاءه وأخذته سيارة المقاومة إلى منزله بالوادي الجديد. وقد تكتّموا جميعًا أمر يهودِيّ الفندق.
الجزء الخامس
حكمة: سُلطان المرآة يخور أمام سلطان القلب
عاد فطين إلى المنزل واحتضنَ ابنه، ولقد أضمرَ فهمان في نفسه غربة ووحشة شديدتين تجاه هذا الوجه الجديد، وتصنّع مبادلته نفس حرارة الشوق والحرمان الذي طال أمده نحو شهر كاملٍ.
مرّتْ أيامٌ مُنذْ وصوله، وما زالت الهموم تسيطر على قسمات وجهه الجديد، يحاول جاهدًا أنْ ينسى وجهه الأصليّ فما استطاع.
أمّا فهمان فكان يتمزّق إربًَا مِن الداخل - فهو بين بين- يحاول جاهدًا أن يتأقلمَ مع وجه أبيه الجديد فما يستطيع، وعليه أيضًا أن يمارسَ لأبيه دور الطبيبِ النفسانيِّ الذي يجب عليه أنْ يبثَّ فيه عوامل الألفة والأُنْسة.
وفوق كلِّ هذا يحمل ثقلاً كالجبل، فهو يودُّ مصارحة أبيه بشأن يهوديّ الفندق، وهو متأكد أنّ الخبر سيمثل كارثة بالنسبة له؛ إذْ إنّ مصارحته بالحقيقة الآن لن تزيدَه إلّا ألمًا، فما أشدّ أنْ يشعرَ المرءُ بأنّ السهمَ ارتدَّ في نحرِه وقدْ كان يظنَّ أنّه في نحر عدوه؛ لذلك آثر التأجيل ليتحيّن اللحظة المناسبة.
تصدّى بقوّة لهذه المسائل وحاول جاهدًا الوقوف بصبر وحكمة حتى لا يفشل.
قال له: «أبتِ إنّ القلب هو ماهيّة الإنسان، هو كيانه، شخصيته، إرادته، أبتِ إنه الملك، فهو الذي يصدر أوامره على هيئة إشارات لخلايا العقل العصبيّة بأداء وظائف الجسد.»
- «بني، تقصد أنّ القلب الملك، والعقل نائب له؟»
- «نعم أبتِ، وتستطيع أن تستبدل نائبك متى شئت، أبتِ، إنّ العقل صورة والقلب جوهر، ألَا تدري أنّ الله نسب إلى القلب الفهم والإدراك؟ ألَا تدري أنّ الله لا ينظر في صورة الإنسان إلّا قلبه؟»
- «بني، كيف؟»
- «أبتِ، إنّه محل الثواب والعقاب، مثل :الحبّ -الكره -الحساب -العقاب -الخير -الشرّ.»
فطين يعلم كلّ ما يقوله ابنه ولكنّه آثر أن يسمع منه، فأحسّه بقلبه وأحسّ بكؤوس تُصبّ في قلبه من أنهار الجنة، وأراد أن يشرب منه المزيد. ولذلك سأله: «وماذا أيضًا يا بني؟» سأله وهو ولع بكلامه كالعطشان.
- «أبتِ، أتظنّ أنّ العقل هو وحده من يملك خلايا عصبيّة؟ لا لا، فالقلب تمّ تشريحه وتبيّن أنّ له خلايا عصبيّة أيضًا و ذاكره، والمعجزة أبت ِ أنّ .. أنّ ..»
- «قل يا ولدي ما المعجزة هذه؟»
- «إنّ العقل لا يتصرف بصورة مستقلة، لابدّ أن ينتظر الأمر من القلب، وسيظلّ ينتظر وينتظر حتى يأتيه الأمر من القلب، أبتِ، حفظك الله من كلّ سوء، اُنظرْ إلى هذه العبارة التي قالها أساتذة الفيزياء الطبيّة والجراحون: إنّ النشاط الكهربائيّ في القلب أكثر مِن المخ، وفي الواقع المجال الكهربائي للقلب يزيد ستين مرّة عن نظيره في الدماغ، وكذلك المجال المعناطيسيّ له أكبر من نظيره أيضًا في الدماغ بـخمسة آلاف مرة .»
حدّق فيه أبوه بقوة وإعجاب، فسياقة العبارة بهذه الطريقة تنمّ عن طبيب متخصص أو دكتور فيزياء.ثمّ قال له: «نحن نولد بكلّ أعضائنا يا بني لا نولد بالقلب وحده.»
- «أبتِ، أسأل الله أن يتمّ نعمته عليك، إنّ القلب هو أول عضو يتكون في رَحِم أمهاتنا.»
وانتظر فهمان أبيه هنيهة فلم يتكلم فآثر أن يزيده فقال: «القلب هو قلبك لمْ يتغيرْ لكنّ العقل ليس عقلك بل عقل الرأس الجديد، لكنّه لا يتصرف بصورة مستقلة حتى تأتيه إشارات قلبك، فاسترحْ أبتِ وعِشْ حياتك بصورة طبيعيّة، وتأكد أنّ مشاعرك لنْ تختلفَ تجاه مَن حولك، الدليل أنا، هل اختلفتْ مشاعركَ تجاهي؟ أنا فهمان أبتِ، أم أنّي لست أنا؟»
أُعجب فطين بكلامه، هو يدرك جيدًا براعة ابنه في علوم الطبيعة والكيمياء والرياضيات، أمّا أنّه يكون بهذه البراعة في علوم الطبِّ والنفس فهذا جديد عليه. لأوّل مرّة يبتسم مِن قلبه، ابتسامة انبثقتْ مِن معين عقل ابنه العبقريّ؛ هذا العقل الذي أفرزَ فِكرًا مثّل له جيشًا مِن بيادق دفاعيّة ضد فيروسات الأحزان والغربة. احتضنه بحرارة وقد اغرورقتْ عيناه فرحًا وإعجابًا، ثمّ ابتعد قليلاً لينظر في عينيه ويتمتع بنور العلم الذي ينبثق من خلالهما. قعد وأقعد ولده ثمّ سأله مستفهمًا: «قلْ لي يا بُني، أثناء العمليّة وجدتك تجتاز بُعدًا ولجت فيه.» وقصّ له كلّ ما رآه أثناء ما كان مخدّرًا في العمليّة.
دهش فهمان لِما قال أبوه ثمّ أجابه بقوله: «أنت تخشى من فشل العملية ليس من أجل حرصك على الحياة، وإنما حرصك على عدم تركي وحيدًا، ولذلك فعقلك الباطن تحدث إليّ من بُعده الذي سكن فيه أثناء العملية.»
وعقلك الباطن يحدثك بأني سأهلك دونك.
صمت فطين قليلاً، وذهب إلى شأن آخر، حيث تدبّر في أمرِ أهل الحيِّ، كيف سيواجههم بوجهه هذا، قطعًا سيبلّغ أحدهم عنه، ثمّ قال لفهمان:
«للأسف يا ولدي أبوك لمْ يحسن التدبير.»
فردَّ فهمان: «لِم يا أبتِ هل..؟»
قاطعه قائلاً: «لقد نسيت أمر الحيِّ، فتجهزْ للرحيل، فأنا لنْ أخرجَ مِن بيتي أبدًا، اذهبْ غدًا وابحثْ عن مسكنٍ جديد.»
صمتَ فهمان تجاه أمر أبيه إذْ أنّه لا خطورة عليه مِن أهل الحيِّ لأنّ اليهوديَّ لمْ يمتْ، فأرجأ مصارحته إلى حين.
ثمّ قال لأبيه: «حاضر أبتِ، سأبحث.»
حكمة:وانجلى الغمام، للأسف السهم لمْ يصبْ إلّا راميه
مرّتْ عدة أيام فقط وتأقلم تمامًا قلبه مع الرأس الجديد، كما أنّ مرارة الحزن والغربة مضيا إلى زوال.
وخلال هذه الأثناء كان يتابعه الطبيب مؤيد بصورة دائمة ليبلغه تعليمات بروفيسور بيتر.
ولمْ يكفّ مؤيد خلال هذه الفترة عن دعوة فطين كي ينضمّ إلى اتحاد المقاومة، بيد أنّ فطينَ دائمًا يرفضُ ويقولُ له إن رسالته نحو ولده أجلَّ وأسمى، فولده أمّة وحده وحضارة لو فُعّلتْ لكان حُجّة على أهل الأرض جميعًا.
وكلُّما يرفض فطين يزداد مؤيد حسرة على هذه الإمكانيّات والوطنيّة التي لم تنصهرْ في بوتقة كفاح اتحاد المقاومة.
والآن ، قد حانت لحظة المصارحة، كلّم مؤيد فهمان عبر الهاتف وأمره أن يخبر أبيه بالحقيقة.
دلف فهمان حجرة أبيه فوجده شارد الذهن فاستنبهه قائلاً: «أبتِ أبتِ، عرفتُ بأمر شفائِك الكامل وأريد أنْ أبوحَ لك بسرٍّ.»
- «قلْ يا فهمان.»
- «يهودي الفندق لمْ يمتْ.»
اضطرب قلبه وزاغت عيناه بمجرد سماع الخبر ثمّ قال له: «ماذا؟ ماذا قلت يا بني؟»
- «قلت اليهوديّ لمْ يمتْ.»
سأله متفجّعًا: «كيف عرفت؟»
- «ذهبتُ إلى هناك ورأيت اليهوديّ.» وقصَّ له كلَّ ما حدث بالضبط.
تأوّه فطينُ وتحسّر على خوْض المخاطر وبيع منزل زوجته، والأوْجع تحسره لضياع دم العالم هدر، ثمّ سأله: «لِم َقلت ذلك يا بني الآن ولمْ تقلْه قبل ذلك؟»
- «ما كنت أودُّ أنْ أؤلمك مرتيْن، فكفى آلامك التي طالتك بسببي، ولقد قلته الآن بعد أن شفيت؛ فتهون الحسرة التي قد تفتك بك، ولكي تتصرّف بحريّة تامة لتيقنك عندئذٍ ألّا يلاحقك أحد.»
قال وفؤاده انصدع من الحسرة: «كمْ أنت حكيم يا فهمان، كمْ أنت عليمٌ يا ولدي.»
اختلى فطين بنفسه ليفكر في شأن مستقبل فهمان العلميّ.