رحم الله والدي رحمة واسعة ممتدة حتى تصل به عند أعتاب الفردوس الأعلى وتفرش له هناك متكأ وفرشا بطائنها من استبرق ..
ورحم كل الذين من جيله أولئك الطيبين
الذين كانوا يعرفون حق الجيرة والجوار ..
ذهبت زيارة إلى إحدى الصديقات الجديدات في قائمة الصداقة أو فلنقل بدقة أكبر قائمة المعارف ، كانت تشكو الحر ، وكيف أن الخضار من بصل وبطاطس وغيره يذبل
ويفسد ، فيرمى في القمائم ..
سكت وسرحت طويلا ..
وقلت لها : الأولى لنا إما أن نشتري كميات قليلة ، أو إن كانت الكميات كثيرة أن نقسمها في أكياس ، نوزعها على جيراننا .. هذا أصون لنعم الله من أن ترمى في القمامة ..
قالت بتعجب وهل الأمر بهذه السهولة
الجيران قد لا يعجبهم أن نرسل إليهم الخضار والفواكه ..
تأملت كلامها وقلت قد يكون معها الحق
الناس تختلف
كل بيئة تختلف عن غيرها ..
قلت ماذا لو ذهبت بها إلى بيوت تعرفين حاجتها ..
لم تحاول أن تصغي لاقتراحاتي التي لربما بدت من وجهة نظرها بلا قيمة أو واقعية ..
سافرت بذاكرتي إلى زمن مضى
يوم كان والدي رحمة الله عليه حين يقضي ..
يقضي ما يكفي العمارة كلها من سبع شقق
وشقتنا الثامنة ..
يوزعها في أكياس ويحملها بنفسه ، يضعها عند عتبة باب كل واحد دون أن يطرق عليهم الباب .. متى ما فتحوا عند ذهابهم إلى الصلاة وجدوها ..
لشدة حرصه على الثواب
لم يكن يطلب منا أن نصعد بها إليهم
بل كان رغم كبره يؤثر بالأجر لنفسه ..
هكذا ربانا ، وتربوا إخوتي
أبو كنان مستأجر في عمارة
يقول حين أقضي حوائج بيتي أوزع على جيراني ومعهم مالك العمارة الشخص المتواضع من جيل الطيبين يقبلها منه بفرحة لأنه يعلم أن هذا كان حالنا قبل عقود مضت ..
حين كان الجيران عائلة واحدة ومافي جيب أحدنا لهم جميعا ..
إلا أن أبا حلا يسكن في حي راق وعمارة كل من فيها مهندسون وأطباء ..
يقول لا أظنهم يتقبلون الأمر ..
فلا يفعلها ..
عندما نقول جيل الطيبين فنحن نعني الكثير بهذه المفردة
في داخلها الكثير من المعاني التي لا يقف عليها سوى من عاصرها وشاهدها وامتزج بطيب ذاك الزمن وعطره ..
نحن ( الطيبين ) لو نبشتم ذاكرتنا
لشممتم ألفة الحارة وطهر النفوس ولحمة القلوب ..
رحم الله زمنا كان يعرف ما معنى الإخاء والنقاء ..