منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - قراءة في رواية (أقاليم الخوف)
عرض مشاركة واحدة
قديم 09-11-2015, 03:24 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي رد: قراءة في رواية ( منافي الرب )

منافي الرب / لأشرف الخمايسي


رواية كبيرة تقع في 370صفحة ، ترميك في غمرة السرد منذ الصفحات الأولى بأسلوبها الشائق، و تقنياتها السردية العالية التي تتقاطع فيها الشخوص و الأمكنة و الأزمنة في لوحات فنية رفيعة.
تدورأحداث الرواية في واحة " الوعرة " بالجنوب المصري، بطلها ( حجيزي بن شديد الواعري) كما جاء في آخر الرواية "خليفة الله الحق ، الذي صام عن الحياة ليعيشها أبدا ، و حارب النسيان مائة عام ، ففاز بالذكر مادامت الدنيا تحيا " ص 367
تتكئ الرواية على خلفية فلسفية يجسدها حجيزي في نظرته إلى الحياة و ما بعد الحياة ، نظرة اكتسبها من تجربة تمرس بها عمرا طويلاناهز المئة عام .
تبدأ الرواية برؤيا يراها حجيزي في منامه ، يرى فيها نفسه يأكل ثلاث تمرات ، و يفيق على آذان الفجر و حلاوة التمرات في لسانه ...ثم يرى في منامه أن تفسير الرؤيا يتمثل في أنه لم يبق له من الدنيا إلا ثلاثة أيام .
يتدفق هدير السرد في هذه الأيام الثلاثة يروي قصة أهل الوعرة ، الواحة الضاربة في العزلة ، وقصة حجيزي الذي يناضل مستميتا كي لا يدفن بعد موته ، يقول : " من الذي علم الإنسان هذه القسوة ؟ من الذي علم الإنسان دفن أحبابه ؟ " ص55
يريد حجيزي أن يحتفظ أهله بجثته بينهم ، هو الذي تعلم فن التحنيط من والده "شديد" ، و طالما حنط معه جثث حيوانات مختلفة . يرد ساخرا على صديقه "سعدون" لما ذكره هذا بأن الدفن سنة : " هذه سنه الغربان يا ناصح ، قالوا الغراب هو الذي علم الإنسان الدفن " ص142
يعلم " حجيزي" أن الخلاص من الموت مستحيل ، و لكن " الخلاص من الدفن ممكن لو أنه أحسن تنفيذ الخطة " ص139
الخطة تتمثل في رحلة يقوم بها إلى "منافي الرب " ، و هي كهوف في الصحراء لجأ إليها رهبان يحيون فيها زهادا متقشفين فروا إليها من خطاياهم في الدنيا ، منهم الراهب يوأنّس الذي يرافق حجيزي في رحلته إلى منافي الرب يدله على مغارة " هنا تختلي مع الله ، اسأله بإخلاص أن يمنحك الطريق الصحيح الذي يؤدي إليه " فيقاطعه حجيزي بأنه يعرف طريقه " أنا أتيت إلى هنا لكي تدلني على ما لا يجعلني بعد موتي أدفن في قبر ، أنا أريد أن أبقى في هذه الدنيا التي عمّرتها " ص204
هناك في مشهد غرائبي يقابل المسيح ، و يكشف له عن رغبته في ألا يدفن " أنا لي نصيب في هذه الحياة ، عمّرتها و زهزهتها ، ليس من الحق أن يسلبوني نصيبي بالموت ثم الدفن " رحلة بحث عن الخلود تذكرنا برحلة كلكامش للغرض ذاته . يعلق المسيح على كلام حجيزي : " هو أنت الإنسان أيها الشيخ ، مفعم بالحياة ، تتعلق بها حتى بعد موتك ، بمثلك يسرّ الرب " ص329
في تجلي المسيح لحجيزي يهاجم الرهبان و يوبخهم على أنهم يعبدون مسيحا مرعبا "ما ألقى الأب في روعنا أن نبشر بالخوف و الرعب منه ، يكره الإنسان نفسه فيعذبها بالأعراف و يبرر كبتها بالخطيئة و مخافة الرب ...مخلوق أيها الإنسان لتحاور الأب و تصنع مشيئتك، لا أنت ملاك و لا أنت شيطان ، كمالك بنقصك و في نقصك اكتمالك " ص331
أما حجيزي فيؤكد له مصيره الذي يكرهه ويحاول التهرب منه " أنت أيها الشيخ جدير بالدفن " ص332 و يخبره أنه حينتحل ساعته سيأتيه المعزّي الذي يفهمه لماذا ينبغي له أن يدفن .
في مشهد مهيب و حجيزي مع ابنه بكيري تحت شجرة البرتقال نفس الشجرة التي كان صديقه سعدون في عودته من عيادة طبيب الأمراض التناسلية مع زوجته و هما يقضيان ليلتهما تحتها قد جامع زوجته تحتها محاولا زرع الحياة في الرحم العقيم ، نفس الشجرة يتوقف عندها حجيزي حين يحس بقرب أجله ليقطف منها حبة برتقال لا يراها إلا هو حتى تمنحه عطرا يحميه من التحلل و التفسخ تمكن أهله من الاحتفاظ بجثته فواحة بعطر البرتقال ...
في هذه اللحظة الحافلة بالرمزية التي تحيلنا تارة أخرى إلى شجرة الخلد التي أغرى بها الشيطان آدم يظهر لحجيزي المعزي الذي حدثه عنه المسيح في هيئة فارس يردف خلفه حسناء تذوب فيه عشقا ليقنعه بالدفن : " يا حجيزي القبر منبع الذكرى ، و الدفن حياة ، يبقى الإنسان حيا في ذاكرة الأحياء بكامل هيئته و صورته طالما هو مدفون في قبر " ص366
حين تمكن المعزي من إقناع حجيزي بالدفن صاح هذا الأخير في ابنه بكير : احفر قبرا ، احفر قبرا ، احفر قبرا .
ثم أخذ يهوى من فوق الغصن " و تراقصت البرتقالة مثل نهد فجره عشق فتضوعت رائحة البرتقال ، بينما انطلقت جثة حجيزي متجهة إلى القبر كأسرع
ما يمكن لجثة أن تتجه إلى قبرها " ص369
أبدع الكاتب في شخصية حجيزي الذي يحمل فكرا ثائرا لم يتعلمه في الكتب و الجامعات و لكنه استنبطه من كتاب الحياة ، إنه أشبه بشخصية زوربا عند كزانتزاكي .
رواية تعد بحق إضافة قيمة للمنجز الروائي العربي







 
رد مع اقتباس