جحود الديموقراطيين
لقد كتب الكثير عن الديموقراطية في العالم الإسلامي(1) و منه العالم العربي . و أنا لن أتعرض في هذه المقالة للديموقراطية من حيث مناقشة
أعني بالعالم الإسلامي تلك البلاد التي غالبية سكانها من المسلمين وإطلاق كلمة دول إسلامية على البلاد التي غالبية سكانها مسلمون و ليسوا عربا هو إطلاق خاطئ ، لأن الدولة هي كيان تنفيذي لمجموعة من المفاهيم و المقاييس و القناعات . و الدولة الإسلامية هي الكيان التنفيذي لمجموعة من المفاهيم و المقاييس و القناعات الإسلامية ، و من المعلوم أن الدول التي يطلق عليها دولا إسلامية ليست كيانات تنفيذية لمجموعة المفاهيم و المقاييس و القناعات الإسلامية
تعريفها، السيادة للشعب والأمة مصدر السلطات أو الحكم عليها من حيث واقعها في إعتمادها على أساس فكري مبني على الحل الوسط و ليس العقل، و مخالفتها للفطرة الإنسانية . أو من حيث تناقضها مع العقيدة الإسلامية و الأحكام الإسلامية ومن البديهي أن الفكر الذي لا يبنى على العقل هو فكر غير صحيح و أن الفكر الذي يتناقض مع فطرة الإنسان هو فكر فاسد لا يصلح للإنسان و أن الفكر الذي يتناقض مع العقيدة الإسلامية هو فكر كفر. كما أن الأحكام التي تتناقض مع أحكام الإسلام هي أحكام كفر. بل سأتعرض في هذه المقالة إلى الديموقراطيين أنفسهم أي إلى الذين يدعون لها و ينظمون المؤتمرات ويعقدون الندوات و يقدمون المحاضرات للتأثير على الرأي العام ، حتى يتقبلها الناس و يرغبوا بها و يحترموا من
يدعوا إليها ، و يرضوا بها بديلاً عن الإسلام .
سأتعرض إلى جحود الديموقراطيون العرب ، لأنهم هم من أعرفهم معرفة شخصية و أعايشهم في ندواتهم و محاضراتهم و أقرأ لهم .
يقال أن أفضل ما يكتبه الكاتب ، كتابته عما حصل معه فعلا ، كتابته عن واقع عايشه و أحسّه ، لذلك فإنني لن أزيد في هذه المقالة عما حصل معي فعلاً في ندوة من الندوات الكثيرة جداً التي لا يمل الديموقراطيون من عقدها و تكرارها ، لن أزيد إلا شرحاً لما قلته و تفصيلا قليلاً.
سأكتب عن هؤلاء الديموقراطيين، عما جرى في ندوة طغى عليها من قبلهم ميل في عدم
الإستغراق بالتنظير و عدم الخوض في التعريفات بل تبلورت لديهم عدة إهتمامات هي التي
أرادوا أن تتوفر في الديموقراطية التي يريدونها
و هذه الإهتمامات هي :
1_ أن يكون للناس دور في اتخاذ القرار .
2_ أن ترتبط الديموقراطية بتحرر العرب .
3_ و لأن الديموقراطية السائدة في العالم هي ديموقراطية الرأسماليين ، فإن الحاضرين ربطوا الديموقراطية التي يريدونها بالإشتراكية .
تحدث المتحدثون ، و ذهبوا في التاريخ بعيداً ، و هم في تصورهم أنهم يبحثون في التاريخ ، كتاريخ للإنسانية من حيث علاقة هذا التاريخ بالثلاثة إهتمامات التي تهمهم فذهبوا بعيداً و أزاحوا الغبار عن مفكرين قبل الميلاد و ربطوا بينهم و بين الديموقراطية و بعد ذلك صاروا يقتربون شيئاً فشيئاً ، و أزاحوا الستارة عن أوروبا في القرون الوسطى ، و ساروا مع تاريخ أوروبا عبر فلاسفتها و مفكريها ، لافتي الأنظار إلى البدايات الديموقراطية عند مفكري أوروبا إلى أن و صلوا إلى الثورة الفرنسية و عصر التنوير كما يسمونه ، و ذكروا العديد من مفكري هذا العصر الأوروبيين .
و بذلك فهم قد تصوروا أنهم شملوا التاريخ الإنساني كله من حيث ارتباطه بالديموقراطية حسب الإهتمامات التي اشترطوها .
لقد طغى على هذه الندوة ربط الديموقراطية بهذه الإهتمامات الثلاثة ، فلذلك كان خطابي حسب طرحهم ، فلم أخاطبهم خطابا متعلقا بنقض الديموقراطية بل خطاباً يستهدف نقض مصداقيتهم . و أنا أعتمد فيما أرى من جدوى لهذا الخطاب هنا ، على بعض الحقائق .
من هذه الحقائق، أن المعاني الإنسانية أي المعاني التي توصل إليها مفكرو البشر غنية جدا .
و الرسل يرسلهم الله يعتمدون بعض هذه المعاني . و لا تعني الرسالات السماوية أنها تاتي بالجديد في كل ما تأتي به ، بل الرسالات تعني ما الذي تعتمده هذه الرسالات "و ما أتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا " الآية 7: الحشر .
لذلك فإن المفكرين تطغى عليهم إهتمامات قد يرونها إيجابية لحياة الناس ، من مثل النظرة إلى رأي الأكثرية نظرة احترام و تقدير ، و مثل نظرة إشراك الناس في اتخاذ القرار ، لأن القرار يؤثر على حياتهم ، و مثل النظر إلى الغير نظرة مسؤولية في عدم ترك العمال مثلا مستغلين من قبل أصحاب المال . و من مثل النظرة إلى الفقراء نظرة مسؤولية بوجوب تخليصهم من فقرهم ، و النظرة إلى الشعوب المستعبدة في ضرورة تحررها من الاستعمار و الإستعباد .
إن ميزة الرسل عندما يختصهم الله بتبليغ الناس الطلب الإلهي ، الأوامر و النواهي الإلهية
أنهم أي الرسل ، فوق الشبهات من حيث ارتباط ما يدعون إليه بمصالحهم الشخصية . أو ضيق الأفق الناتج عن تأثرهم ببيئاتهم و مجتمعاتهم أو ظروفهم أو تأثرهم بالواقع . هذه الميزة التي تؤيدها المعجزة ميزة الرسل هذه "الله أعلم حيث يجعل رسالته " الآية 124:الأنعام يفتقدها المفكرون في هذا المجتمع أو تلك البيئة من هذا الشعب أو ذاك على مختلف العصور و الوقائع و من اطلع على سير حياة كبار مفكري الإنسانية، الذين لم يسيروا مع الرسالات السماوية ، يرى مدى انحطا ط سيرهم الذاتية من حيث ارتباطهم بمصالحهم و شهواتهم ، بخلاف السير الذاتية للرسل و سير من اتبعهم و سار معهم من المفكرين .
لقد أدخلت هذه الفقرة على الموضوع كي تفهم الوجهة التي اتخذتها في ردي على هؤلاء المفكرين الديموقراطيين أن خطابي انطلق بناء على اهتماماتهم كما يدعونها وكي يكون واضحا أنني لو ذهبت في خطاب نظري _ بغض النظر عن اهتماماتهم _أشرح العقيدة الإسلامية أو النظام الإسلامي ، لأصبحت في واد، والواقع الفكري المراد معالجته _ اهتمامات
الديمقراطيين _في واد آخر .
إنني أرى _مع من يرى _ أن الإغراء الكامن في الرد على المفكرين من أفكارهم نفسها هو إغراء قوي ، و مثل هذا الرد هو رد خطير لأنه سلاح ذو وجهين . و الصحيح و السليم في نفس الوقت هو الرد العقائدي .
و لكن الديموقراطيين في هذه الندوة لم يكن طرحهم طرحاً عقائدياً. أو طرحا يستدعي
ردّه إلى أسسه ، بل كشفوا عن إهتمامات تشدهم و رأوا أن الديموقراطية هي التي تلبي هذه الإهتمامات . هذه الإهتمامات التي لم تتحقق يوماً في الديموقراطية طيلة عصور التاريخ
وقد تحققت بالعصر الإسلامي فقط طيلة التاريخ البشري ، لا على الشكل الذي يخرجونه بل بحسب الجوهر الذي يتشوف الإنسان إليه من خلال ما يبديه من إهتمام . و من هنا رأيت أن
يكون خطابي موجهاً إلى مصداقيتهم في النظرة التاريخية و مصداقيتهم في ادعاء حصول هذه الإهتمامات في غير العصر الإسلامي .
و هذا ما قلته لهم مع شيء من التفصيل (1)
إنكم ذهبتم بعيداً في أعماق التاريخ ، ذهبتم مئات السنين قبل الميلاد ، لتوحوا إلى السامع أنكم تتوخون الحقيقة المرتبطة باهتماماتكم ، و أنكم تبحثون عن أصولها التاريخية ، و أنكم ترصدون التاريخ البشري بحثاً عن إهتماماتكم لتظهروا نصاعة الحقبة التي تحققت فيها هذه الإهتمامات.
يتبع