نستطيع أن نقول أن كل مفاهيم الإسلام قد فسدت في حس الأجيال المتأخرة من المسلمين, تحوّلت "لا إله إلا الله" من منهج حياة كامل إلى الكلمة التي تُنطق بالأفواه، وتحوّلت العبادة بعد أن انحصرت في الشعائر التعبدية، وخرجت منها الأعمال والأخلاق إلى أداء آلي تقليدي خاوِ من الروح. وتحوّلت عقيدة القضاء والقدر من قوة دافعة إلى النشاط والحركة مع التوكل على الله, إلى قعود عن النشاط والحركة مع تواكل سلبي مريض، وتحوّل التوازن الجميل بين الدنيا والآخرة وإلى إهمال للدنيا من أجل الخلاص في الآخرة، فأُهملت عمارة الأرض وطلب العلم وطلب التمكين والقوة، وعمّ الجهل والفقر والمرض، ورضي الناس بذلك كله على أنه قدر ربّاني لا قبل لهم بتغييره، بل لا يجوز العمل على تغيير خوفاًَ من الوقوع في خطيئة التمرد على قدر الله!
أهذا هو الإسلام؟! أم هذه صورة مناقضة لحقيقة الإسلام؟ وهل يمكن أن يؤدي الشيء ونقيضه إلى نتيجة واحدة ؟!
إذا كان الإسلام يؤدي في حياة الناس إلى التمكين والقوة والنظافة ونقاء الأخلاق والتقدم العلمي والتقدم الحضاري، ومقاومة انحرافات البيئة والتغلب عليها.. فهل يمكن للصورة البديلة أن تؤدي إلي النتائج ذاتها؟! أم أنها تؤدي إلى الضعف والتخلف والخضوع لانحرافات البيئة والعجز عن تقويمها؟
وهذا حدث بالفعل.. فجاء الأعداء من كل حدب وصوب يحتلون أرض الإسلام, يمزّقونها تمزيقاَ, ويقتلون كل ما بقي من قيم في حياة المسلمين. ثم جاء الغزو الفكري ليقول للناس: إن السبب في كل ما حل بهم هو تمسكهم بالإسلام!! أي إسلام هذا الذي كانوا يتمسكون به؟!
حقيقة إنهم كانوا "متمسكين" بشيء ما! وإنهم كانوا يتوهمون أن ما هم متمسكون به هو "الإسلام"! ولكن متى كان الوهم يغني عن الحقيقة أو يؤدي في عالم الواقع ما تؤديه الحقيقة ؟!
مثل الوهم الذي كانوا متمسكين به والحقيقة كمثل ورقة النقد الزائفة يحسبها المخدوع بها ورقة حقيقة حتى إذا ذهب بها إلى السوق لم يستطع أن يحصل بها على شيء مما يريد، وعاد بالخيبة والحسرة إن لم يتعرض لإلقاء القبض عليه وتوقيع العقوبة عليه !
ولقد كان المسلمون متمسكين بأوهام يحسبونها حقيقة.
أوّل هذه الأوهام أن الإيمان هو التصديق والإقرار وأن العمل ليس داخلاَ في مسمى الإيمان !! وبهذا الوهم حسبوا أنفسهم مؤمنين وهم لا يعملون بمقتضى الإيمان !!
وتوهموا أنهم حين يؤدون الركعات المفروضة بأية صورة ويصومون الأيام من استطاع إليها سبيلاَ- فقد أدوا الزكاة المفروضة, ويحجون الحجة المفروضة -من أستطاع إليها سبيلاً- فقد أدوا كل العبادة المفروضة.
ومن ثم خرجت أخلاقيات "لا اله إلا الله" من دائرة العبادة, وأصبح من المستساغ عند كثير منهم أن يؤدوا الركعات المفروضة في المسجد ثم يخرجوا ليكذبوا على الناس ويغشوهم ويخدعوهم, ويخلفوا وعودهم معهم, ولا يخلصوا في أعمالهم, و لا يتقنوا حرفتهم, ولا يأمروا بالمعروف ولا ينهوا عن المنكر, ولا يعمل على وقاية أنفسهم وأهليهم من النار باجتناب ما حرم الله, ولا يعاشروا زوجاتهم بالمعروف, ولا يهتموا بأمر المسلمين, ولم يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله.. وفي حسهم أنهم أدّوا العبادة !!
هل كانت مثل تلك "العبادة" تصلح زاداَ للدنيا أو الآخرة ؟! حين تؤدى على هذه الصورة يسقط وزرها ولكن لا يثاب الإنسان عليها، إنما يكون الثواب في الآخرة على قدر ما في العبادة من صدق. أما في الدنيا فلا يكون لها أثر حقيقي، لذلك قال الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ}
ومن الأوهام كذلك أن أنهم توهّموا أنهم ماداموا "مسلمين" فسينصرهم الله, وسيوفقهم وسيقضي لهم حوائجهم وينجح مقاصدهم, مهما يكن حالهم, ومهما تكن حقيقة أعمالهم!! غفلة كاملة عن السنن الربانية!
تابع...