06-03-2012, 08:42 PM
|
رقم المشاركة : 163
|
معلومات
العضو |
|
|
إحصائية
العضو |
|
|
|
رد: من أجمل ما قرأت اليوم
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خليف محفوظ
المستحمة
[color="darkorange"]نضت عنها القميص للصب الماء ... فورد وجهها فرط الحياء
وقابلت الهواء و قد تعرت ... بمعتدل أرق من الهواء
و مدت راحة كالماء منها ... إلى ماء معد في إناء
فلما أن قضت وطرا وهمت على عجل إلى أخذ الرداء
رأت شخص الرقيب على التداني ... فأسبلت الظلام على الضياء
فغاب الصبح منها تحت ليل ... وظل الماء يقطر على الماء
فسبحانالإله وقد براها ... كأحسن ما يكون من النساء[/color]
أبو نواس
في تراثنا الأدبي نصوص نادرة ظلت مدفونة في بطون الكتب ، لم يتح لها أن تذاع و تشيع بين عامة القراء ، ربما لحساسية مواضيعها . لا سيما ما اتصل بالدين و الجنس ، وإن كنا نقرأ في الشعر الجاهلي ،و شعر عمر بن أبي ربيعة و قصص ألف ليلة وغيرها في أحايين كثيرة أدبا مكشوفا .
من هذه النصوص المغمورة ، والتي تدخل في " الكثير غير المقروء " بتعبير مارجريت كوهين قصيدة لأبي نواس بعنوان " المستحمة " كما اقترحه لها حنا الفاخوري في محتاراته .
تبادر إلى ذهني و أنا أقف على عنوانها أنني بصدد وصف تقليدي لأمرأة متجردة كتلك التي وصفها النابغة الذبياني وصفا فاضحا في داليته :
سقط النصيف ، ولم ترد إسقاطه ..... فتناولته ، واتقتنا باليد
أين حشد الأوصاف الحسية للمرأة كما ينتجها الخيال و الذوق العربيين ، و تبعه الشعراء العرب في تصويرهم الحسي لمفاتن المرأة ينهلون من مخيال واحد ، أوصاف نمطية تتكرر عند امرئ القيس و النابغة وعمر بن أبي ربيعة ... حتى الجواهري المعاصر في وصفه لأفروديت متجردة لم يبعد كثيرا عن النابغة ، بل اقتفى أثره في وصف ما يستهجن وصفه تلميحا بله تصريحا .
لكني مع أبي نواس في متجردته لم أجد شيئا من هذا القبيل ، وجدت المعنى العميق و الذوق الرفيع ، الرقة و الأنوار و الظلال ، الإيماء و الإيماض ، التماهي و الإغماض حين يكون السكوت أفصح من النطق .
القصيدة تقوم على مفارقة ، إذ تصف جسد مستحمة ، لكن الجسد غائب تماما ، هذه المرأة ما أن تخلع ثوبها للاستحمام حتى يشف الجسم و يختفي من مشهد القصيدة متامهيا مع الماء و الهواء و الضياء في اتحاد عجيب . ماء يجري نحو ماء ، و هواء يسري نحو هواء ، و ضياء يتوهج ليتلاشى في الظلام حين تكتشف المستحمة أن هناك من يراقبها من عين المفتاح .
يبدو لي أن أبا نواس تجنب هنا الوصف الحسي الذي درج عليه سائر الشعراء العرب نشدانا لحقيقة كونية أعمق . إنه يعدد في هذه القطعة العناصر الأربعة للوجود عند القدامى : الماء ، الهواء ، النار ، التراب .
فقد تكرر عنصر الماء خمس مرات ، و الهواء مرتين ، و النار مرتين في لفظتي " الضياء ، الصبح " ، أما التراب فهو أصل الجسد الموصوف الذي يشغل القصيدة كلها .
هذه العناصر الأربعة تتجاذب و تتلاحم لتشكل هذه التحفة الجمالية " المستحمة " .لهذا نراه في ختام القصيدة ينحو بالموضوع منحى خشوع و إجلال على أن الموصوف آية كونية
فسبحان الإله و قد براها ... كأحسن ما يكون من النساء .
|
ما أحلاك يا أستاذ خليف !
ليس فقط الاختيار الحلو ولا الثقافة الرائعه
بل إنك تجعل متعة القراءة متعة على متعة
تجيد النظر وتقتنص بذائقة ملفته للنظر ، وتعبر ببساطة مذهلة
أحترمك وأقدرك
وهذا كان أجمل ما أنا قرأته اليوم 
|
|
|
|