الثالث: إن استدلالهم بخبر واحد لإثبات أن خبر الواحد يفيد العلم واليقين يعتبر دوراً ولا يصح الاعتماد عليه، فلابد من دليل قطعي كالقرآن والمتواتر لإثبات كون خبر الواحد يفيد العلم واليقين.
الرابع: أن تحويل القبلة ونسخها كان بالقرآن لا بالسنة كما يتوهم البعض، وان تبليغ المصلين في قباء كان على هذا الاعتبار فقد جاء في الرواية "قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة" وفي رواية الإمام احمد وأبي داوود عن أنس قال: إن رسول الله كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت، {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام} فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة فنادى ألا أن القبلة قد حولت فمالوا كما هم نحو الكعبة .
الخامس: أن النبي لم يأمر ذلك الرجل بالتبليغ وإنما الذي حصل أنه تطوع بذلك ولم ينكر عليه صنيعه، وما حصل من أهل قباء هو أنهم يعرفون تماماً أن ما فعلوه هو حكم شرعي عملي وليس عقائدياً ولا يتوقف على دليل قطعي فاكتفوا بنقل آحادهم في هذا الموضوع وان لم يؤمر بذلك، لأنهم يغلبون صدقه على كذبه ولذلك كان ما كان منهم رضي الله عنهم أجمعين.
لذا فالاستدلال بخبر تحويل القبلة في هذا الموضوع استدلال من غير دليل فموضوعنا هو في إثبات أن خبر الواحد يفيد علماً وعقيدة، وخبر الرجل ويسمى عباداً لم يفد إلا عملاً فلم يفد عقيدة، فلو أن أحداً من أهل قباء لم يطعه لم يكفر بدليل أن النبي لم يأمر أحداً منهم بإعادة ما صلى من تلك الصلاة قبل البلاغ ولم يأمرهم بأن يتوبوا ويستغفروا، والله تعالى أعلى واعلم وإليه المصير.
ومما ظنوه دليلاً وليس بدليل أيضاً: حديث "إنما الأعمال بالنيات" فقالوا بأن هذا الحديث وهو خبر آحاد قد احتج به العلماء في العقائد معتبرين أن النية محلها القلب وان العقيدة محلها القلب إذن فالنية هي العقيدة أو تأخذ حكمها.
غير أن هذا مردود وباطل لعدة وجوه أيضاً:
الأول: لم يقل أحد من أهل العربية أن النية هي العقيدة أو أنها الإيمان لا لفظاً ولا معنى، وإنما قالوا إنها: القصد ومحلها القلب.
الثاني: إن العقيدة إذا انعقد القلب عليها صارت إيماناً ولا يصح الرجوع عنها بل الرجوع عنها يعتبر كفراً، بينما لا يسمى الرجوع في النية كفراً ولا معصية، بل ربما يباح الرجوع في النية أحياناً ولو كانت في العبادات، كصلاة وصوم النافلة، كما لا يسمى العمل من غير نية كفرا، بل باطلاً أن توقفت صحته على النية وصحيحاً إذا لم تشترط فيه النية كرد المغصوب والأمانات وكالطلاق والعتاق والنكاح.
الثالث: أنه لابد في الحديث من حذف مضاف وقد اختلف الفقهاء في تقديره فالذين اشترطوا النية في الأعمال قدروه على النحو التالي: "إنما صحة الأعمال بالنيات" والأعمال كما هي أعمال القلب هي أيضاً أعمال الجوارح والحديث يشملها، فلا مجال إذن لحصرها في أعمال القلب ، بل قد قال الشافعي رحمه الله بأن هذا الحديث يدخل في سبعين باباً من الفقه .
فعلى هذا التقدير تتعلق النية في صحة الأعمال لا في كمالها وهذا لا يصح في الاعتقاد إذ عدم الكمال فيه يعني النقص وهذا كفر والعياذ بالله، فلم يبق إلا أن نقول بأن هذا الحديث ليس عقيدة ولا يثبت به عقيدة من هذا الوجه أيضاً.
الرابع: إن الإخلاص في العمل ليس من الإيمان بل من الإحسان كما جاء في الحديث الصحيح حيث سُئل عن الإحسان فقال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" هكذا هي صور الإخلاص.
وقال ابن تيمية: فمن قال إن الأعمال الظاهرة المأمور بها ليست من الإسلام، فقوله باطل، بخلاف التصديق الذي في القلب، فإن هذا ليس في النصوص ما يدل على أنه من الإسلام، بل هو من الإيمان، وإنما الإسلام: الدين كما فسره النبي بأن يسلم وجهه وقلبه لله، فإخلاص النية لله إسلام وهذا غير التصديق، ذلك من جنس عمل القلب، وهذا من جنس علم القلب .
الخامس: كيف يكون هذا الحديث عقيدة أو يفيد اليقين وهو خبر آحاد ولا يكفر منكره بخلاف القرآن والمتواتر من السنة، فمنكر المتواتر من القرآن والسنة يكفر، لأن هذا ثبت بالقطع واليقين فهو عقيدة، وذاك لم يثبت بالقطع بل بالظن فافترقا.
ومما ظنوه دليلاً وليس بدليل أيضاً: قول الله تعالى {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}. معتبرين أن أقل عدد الطائفة واحد والإنذار يتعلق بذكر الجنة والنار وهما عقيدة فيكون خبر الواحد قد استعمل في العقائد، وهذا القول مردود أيضاً من وجهين.
الأول: أنه ليس من المتفق عليه أن أقل عدد الطائفة واحد بل قالوا بأن أقل عددها اثنان فما فوق، فاضطرب الاستدلال بهذه الآية في هذا الموضوع.
الثاني: إن الطائفة في هذه الآية عدد يفيد الجمع لا شخصاً واحداً بدليل ضمير الجمع في قوله تعالى "ليتفقهوا" وقوله "لينذروا".
ومما ظنوه دليلاً وليس بدليل: قوله تعالى {ولا تقف ما ليس لك به علم} معتبرين أن كل ما جاءنا به النبي هو علم وقطع في حقنا لا ظن فيه.
غير أن هذا الاستدلال مردود أيضاً من عدة وجوه:
الأول: إن هذه الآية ظنية الدلالة، فمن معانيها ما رواه الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما: "لا ترم أحداً بما ليس لك به علم".
ومن طريقه أيضاً عن ابن الحنفية قال: شهادة الزور.
قال الطبري: وهذان التأويلان متقاربا المعنى، لأن القول بما لا يعلمه القائل يدخل فيه شهادة الزور، ورمي الناس بالباطل وادعاء سماع ما لم يسمعه ورؤية ما لم يره .
وعليه يمكن أن لا تكون الآية في التبليغ عن الوحي بل هي في الشهادات وما يتعلق بها.
الثاني: على فرض أن الآية في التبليغ أو في التشريع فهي فيما طريقة العلم والقطع كأصول الدين، لا في كل أحكام الشريعة بدليل أن الكثير من فروع الشريعة يكتفى فيه بالظن كالأحكام المبنية على الاجتهاد والكثير من الأحكام المبنية على القياس، فهذا كله يكفي فيه الظن أو على الأكثر غلبة الظن.
الثالث: على فرض أيضاً أنها في التشريع فيحتمل أن تكون خاصة بالنبي أي لا تقل شيئاً برأيك واجتهادك وهذا يتفق مع كونه لا ينطق عن الهوى، بخلاف غيره من الأُمة فإنه يمكنه أن يقول في الشرع باجتهاده، ولو أخطأ فلا شيء عليه، بل له الأجر، ففي الحديث الصحيح "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وان اجتهد فأخطأ فله أجر" وهذا كله ظن لا قطع ولا يقين فيه.
ومما ظنوه دليلاً وليس بدليل أيضاً: انهم ادعوا أن السنة كلها أخبار آحاد ليثبتوا أن العقائد تثبت بالآحاد لا بالتواتر وهذا استدلال مردود أيضاً لعدة وجوده:
الأول: أن الآحاد هو ما رواه واحد عن واحد، والتواتر: هو ما رواه واحد بعد واحد .
وبالنظر والتدقيق في السنة نجد أنها اشتملت على الصنفين، فهناك أحاديث لم يروها إلا واحد عن واحد كحديث "إنما الأعمال بالنيات" وهناك أحاديث رواها واحد بعد واحد كحديث "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" فقد رواه أكثر من ستين صحابياً، فكلهم رووه عن النبي ولم يروه واحد عن واحد منهم.
الثاني: أن الغالبية العظمى من المجتهدين والمحدثين والأصوليين قد أثبتوا وجود التواتر في السنة ولا يكاد يخلو مصنفٌ من مصنفاتهم من ذكرها أو الإشارة إليها، وقد قام بتتبعها وجمعها غير واحد منهم، كالسيوطي في كتابه الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة، وكالكتاني في كتابه نظم المتناثر في الحديث المتواتر، وكالزبيدي في كتابه اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة، أما ما قاله ابن حبان من أن السنة كلها أخبار الآحاد فهو قول ليس عليه دليل، ويخالف واقع السنة ويخالف الغالبية العظمى من العلماء.
الثالث: أن غير واحد من العلماء قد أثبت وجود الحديث المتواتر في العقيدة، كحديث "من شهد أن لا إله إلا الله وجبت له الجنة" قال بتواتره السيوطي في الأزهار المتناثرة والكتاني في نظم المتناثر.
وكحديث "الحوض" والشفاعة ورؤية الله تعالى في الآخرة قال بتواترها ابن حجر وابن الجوزي.
وحديث الإسراء وان إدريس في السماء الرابعة وحديث انشقاق القمر والنزول قال بتواترها الحاكم.
وحديث اهتزاز العرش لموت سعد قال بتواتره ابن عبد البر.
وحديث حنين الجذع قال بتواتره عياض.
وكحديث "الجمل الذي شكا للنبي صاحبه" قال بتواتره الكتاني .
وكحديث "علوه سبحانه فوق سماواته على عرشه" وكحديث "إثبات العرش وكحديث "إثبات الصفات للرب تعالى" قال بتواترها ابن القيم في الصواعق .
ومما ظنوه دليلاً وليس بدليل أيضاً: أنهم قالوا بأن ما نقله النبي عن الوحي هو خبر آحاد، وهذا استدلال لا يقول به من لديه أدنى علم بالفقه والأصول والحديث، وهو تمويه بل جرأة في دين الله، ويكفي أن نقول بأن النبي معصوم في التبليغ عن الكذب والخطأ وأنه لا ينطق عن الهوى، وهذه الصفات ليست موجودة في أحد بعده فلا مجال البتة لمقارنة أحد من الناس به .
ومما ظنوه دليلاً وليس بدليل أيضاً: أنهم قارنوا الرواة بالصحابة وهو استدلال مردود، فالصحابة رضي الله عنهم هم أول من سمع من النبي أقواله وهي في حقهم قطعية لا مجال للظن فيها ما دام قد سمعوها مباشرة منه .
أما بالنسبة لمن بعدهم فقول الصحابة لهم ليس قطعياً لأنهم ليسوا معصومين عن الخطأ إلا بإجماعهم، وهكذا من بعدهم إلى آخر عصر التدوين، ولذلك نشأ علم الجرح والتعديل وعلى ضوئه صححت وضعفت الأحاديث.
ومما ظنوه دليلاً وليس بدليل أيضاً: ادعاؤهم الإجماع على أن خبر الآحاد يفيد العلم، وادعاؤهم الإجماع على أن الآحاد يؤخذ في العقيدة، غير أن هذا زعم باطل فقد ثبت منذ عصر التدوين ومنذ عصر الأئمة الأربعة بأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، وأنه لا يؤخذ في العقيدة وقد أوردت في هذه العجالة ما يثبت ذلك في الباب التالي.