قال البزار: لم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة .
ففي هذا دليل واضح على أن الصحابة لم يثبتوا القرآن أو شيئاً منه على أنه قرآن بالآحاد كقول ابن مسعود رضي الله عنه، بل بالقطع والمتواتر.
وروى الحاكم في المستدرك وغيره عن كثير بن الصلت قال: كان ابن العاص وزيد بن ثابت يكتبان المصاحف فمروا على هذه الآية فقال زيد سمعت رسول الله يقول "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" فقال عمر: "لما أنزلت هذه أتيت رسول الله فقلت أُكتبنيها" قال شعبة: فكأنه كره ذلك، فقال عمر ألا ترى أن الشيخ إذا لم يُحصن جلد وان الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم" .
وفي رواية الموطأ: قال عمر رضي الله عنه "لولا أن يقال بأني زدت في القرآن لكتبتها" وفي رواية أخرى له "لولا أن يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبتها فإنا قد قرأناها" .
ومع ذلك فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يثبتوا هذه الجملة آية في كتاب الله تعالى لأنها لم تثبت بالقطع بل بالآحاد وهو ظن.
وروى الإمام مالك في الموطأ عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: "كان فيما أنزل عشر رضعات متتابعات يُحرمن فنسخن بخمس رضعات فتوفي رسول الله وهو فيما يتلى من القرآن" .
غير أن هذه الجملة أيضاً لم تثبت آية في كتاب الله لأنها لم تثبت بالقطع بل بالآحاد وهو ظن.
وقد جمع ابن ألانباري وابن أبي داوود في كتابيهما المصاحف عشرات الجمل التي وردت في مصاحف آحاد الصحابة ولم تثبت في المصحف الإمام.
ومن ذلك ما جاء في مصحف ابن الزبير "لا جناح عليكم ان تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج".
ومن ذلك ما جاء في مصحف عائشة "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر".
ومن ذلك ما جاء في مصحف أبي بن كعب "فصيام ثلاثة أيام متتابعات في كفارة اليمين".
وغير ذلك من الجمل، إلا أن الصحابة رضي الله عنهم قد أجمعوا على أنها ليست قرآناً بدليل أنهم لم يثبتوها في المصحف الامام وهو الذي بين أيدينا ولا يصح أن نقول بأنها قرآن لأنها لم تثبت بالتواتر والقطع بل بالآحاد والظن.
ثم قاموا بتصرف لافت للنظر يبين لنا أنها ليست قرآناً، أنهم وافقوا عثمان بن عفان رضي الله عنه على حرقه كل مصاحف آحاد الصحابة التي خالفت في جملها المصحف الإمام الذي أجمعوا على أنه هو القرآن الكريم. وعلى هذا أهل السنة قاطبة، قال صاحب مسلم الثبوت: ما نقل آحاداً فليس بقرآن قطعاً ولم يعرف فيه خلاف لواحد من أهل المذاهب .
وفي هذا الإجماع الفعلي والقولي من أصحاب رسول الله ومن أهل المذاهب لأكبر دليل على أن عقائد المسلمين لا تثبت إلا باليقين، وكتاب الله عز وجل هو أحد أركان العقيدة الإسلامية الذي استشهدنا به على مسألتنا وهو كاف في الرد على من قال أن الآحاد تفيد اليقين وأنها تؤخذ لإثبات العقائد.
الوجه الثالث:- اختلافهم في خبر الآحاد:
ومن الأدلة على أن خبر الآحاد لا يفيد إلا الظن، اختلاف الصحابة ومن بعدهم في إثبات خبر الواحد بين منكر ومتقبل، فلو كان يفيد العلم واليقين لما كان لاختلافهم عليه معنى ولأنكر بعضهم على بعض ذلك، فلما لم يحصل دل ذلك على ما أثبتناه.
أما الصحابة رضي الله عنهم:
فجميعهم لم يقبل رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في عدم اعتبار المعوذتين من القرآن كما أثبتناه آنفاً من إجماع الصحابة على عدم اعتبار خبر الآحاد في القرآن الكريم وهو مصدر العقائد الإسلامية.
مثال آخر:
ومن الأمثلة الشرعية بل قل الأدلة من أفعال وأقوال أصحاب رسول الله دون إنكار من أحد منهم مما يدل على جواز الاختلاف في قبول خبر الآحاد أو عدمه، ما أُثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عدم قبول رواية حفصة أم المؤمنين في قوله تعالى {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} فزادت رضي الله عنها "وصلاة العصر" فقال عمر: ألك بهذا بينة قالت: لا، قال: فوالله لا ندخل في القرآن ما تشهد به امرأة بلا إقامة بينة.
مثال آخر:
ردُّ عمر رضي الله عنه لخبر فاطمة بنت قيس في حكاية النفقة والسكنى للمبتوتة، فقد روى الإمام مسلم وغيره عن الشعبي أنه حدث بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله لم يجعل لها سكنى ولا نفقة. قال عمر: لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة وتلا قول الله تعالى {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}.
وكذلك أنكرته عائشة رضي الله عنها.
مثال آخر:-
أنكرت عائشة رضي الله عنها خبر ابن عمر رضي الله عنه "في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه" فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: ان الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" فلما بلغ ذلك عائشة رضي الله عنها قالت: والله ما قال رسول الله قط أن الميت يعذب ببكاء أحد.
وفي رواية للبخاري عن عمر رضي الله عنه، فقالت عائشة رضي الله عنها: يرحم الله عمر والله ما حدث رسول الله "أن الله يعذب المؤمن ببكاء أهله عليه" .
مثال آخر:
روى البخاري رحمه الله عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: "أتى النبي سُباطة قوم فَبالَ قائماً ثم دعا بماء فجئته بماء فتوضاً" لكن عائشة رضي الله عنها أنكرت ذلك: فقد روى الحاكم وابن عوانه في صحيحيهما أنها قالت: ما بالَ رسول الله قائماً منذ أنزل عليه القرآن، وقالت: من حدثكم أنه كان يبول قائماً فلا تصدقوه .
مثال آخر:
في رؤية النبي ربه ليلة المعراج وهو من المغيبات عنا فقد روى النسائي والحاكم بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد".
وحكى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن أنه حلفَ أن محمداً رأى ربه.
وأخرج ابن اسحق أن ابن عمر أرسل الى ابن عباس: "هل رأي محمد ربه؟ فأرسل اليه: نعم".
غير أن عائشة رضي الله عنها أنكرت ذلك إنكاراً شديداً فقالت: "من حدثكم أن محمداً رأى ربه فقد كذب" .
مثال آخر:
روى الإمام مسلم وغيره عن النبي أنه قال "يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب".
فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فأنكرته وقالت: "قد شبهتمونا بالحمير والكلاب" وفي رواية "عدلتمونا بالكلاب والحمير" وفي رواية "جعلتمونا كلاباً" .
مثال آخر:
روى البخاري ومسلم عن عاصم قال: قلت لأنس بن مالك: أبلغك أن النبي قال لا حلف في الإسلام؟ فقال: قد حالف الني بين قريش والأنصار في داري. وفي رواية مسلم "في داره".
قال ابن حجر العسقلاني: وتضمن جواب أنس إنكار صدر الحديث لأن فيه نفي الحلف وفيما قاله هو إثباته .
فهذه الأمثلة كافية في الاستدلال على أن أخبار الآحاد لا تفيد عند الصحابة إلا الظن وإلا لما ساغ لهم الاختلاف في قبولها وردها على مرأى ومسمع منهم دون إنكار من أحد منهم ذلك.
ثم هناك أمثلة أخرى كثيرة أيضاً في عدم قبولهم رواية الواحد إلا ببينة مما يدل أيضاً على أن خبر الواحد لا يفيد عندهم إلا الظن.
من ذلك:
ما رواه الترمذي وأبو داوود وغيرهما واللفظ له عن قبيصة بن أبي ذؤيب قال جاءت الجدة الى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها: فقال: مالك في كتاب الله تعالى شيء، وما علمت لك في سنة نبي الله شيئاً، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن سلمة فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر ".
ومن ذلك:
ما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه استأذن على عمر رضي الله عنه ثلاثاً فكأنه وجده مشغولاً فرجع، فقال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس، إئذنوا له، فدعي له فقال ما حملك على ما صنعت فقال: إنا كنا نؤمر بهذا، فقال: لتقيمن على هذا بينة أو لأفعلن بك، فخرج فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا، فقام أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فقال: كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: خفي علي هذا من أمر رسول الله ألهاني عنه الصفق بالأسواق .
ومن ذلك:
ما رواه الإمام احمد وأبو داود وغيرهما عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنت رجلاً إذا سمعت من رسول الله حديثاً نفعني الله منه ما شاء إن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر رضي الله عنه .
إذن فكما ترى فإنه لولا عدم إفادة خبر الآحاد اليقين لما كان هنالك داع لطلب أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم أجمعين البينة والإستيثاق ولو بالحلف من أصحابهم، وهم يعلمون يقيناً أنهم صادقون وانهم لا يكذبون على رسول الله لأنهم كلهم عدول بإجماعهم.
فإن قيل: بأنهم قبلوا كثيراً من الروايات دون طلب البينة عليها مما يدل على أنها يقينية عندهم ولو كانت أخبار آحاد.
الجواب: أن قبولهم للروايات دون طلب البينة يدل على أنها ثابتة عندهم، إما سماعا مباشرة من فيّ رسول الله وهذه بالنسبة لسامعها تفيد اليقين عنده، وإما أنها تواترت بينهم تلك الرواية ولو بالمعنى، ولذلك لم يسألوا البينة عليها، ولا تسمى هذه الروايات أخبار آحاد عندهم ولا تنطبق عليها أحكامها.
ثم ان استدلالنا بالأمثلة الآنفة عن أبي بكر وعمر وعلي في طلبهم البينة والاستيثاق من الرواية ليس لإثبات أن خبر الرجلين أو الثلاثة يفيد العلم واليقين فليس هذا موضعه، بل للدلالة على أنه لو كان كل خبر واحد يفيد اليقين عندهم لما سألوا البينة عليه ولما سكتوا على ذلك، وهذا هو محل الشاهد الذي أردناه من هذه الأمثلة الأخيرة.
اختلاف العلماء من بعد الصحابة:
أما بالنسبة للعلماء من بعد الصحابة فحدث ولا حرج حول اختلافهم في قبول ورد أخبار الآحاد والتي لم تبلغ التواتر واليقين اتفاقاً، مما يدل على أن غير المتواتر هو خبر آحاد وأنه لا يفيد العلم واليقين، وهو يفيد العمل لا الاعتقاد وإلا لما جاز لهم أن يختلفوا عليها، وهذه كثيرة جداً يلزمها مجلدات وهي معروفة عند أصحابها وعند أهل الفقه والحديث، لكننا سنضرب بعض الأمثلة منها على سبيل الذكر والاستشهاد.
من ذلك:
أنهم اختلفوا في حديث "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" أورده النووي في الأربعين وقال حديث حسن صحيح رويناه من كتاب الحجة بإسناد صحيح.
وقال الحافظ ابن حجر: أخرجه الحسن بن سفيان وغيره ورجاله ثقات .
وقال ابن رجب الحنبلي: تصحيح هذا الحديث بعيد جداً .
واختلفوا في حديث "ان الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"
قال النووي: حديث حسن رواه ابن ماجة والبيهقي وغيرهما. وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
وقال أبو حاتم الرازي: ولا يصح هذا الحديث ولا يثبت إسناده وأنكره الإمام أحمد، وقال ابن كثير: إسناده جيد .
واختلفوا في حديث "لا ضرر ولا ضرار".
قال الحاكم صحيح الإسناد، وحسنه النووي.
وقال الحافظ خالد بن سعيد الأندلسي: لم يصح حديث "لا ضرر ولا ضرار سندا" .
واختلفوا في حديث "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن".
قال علي بن المديني: انه لم يثبت، وصححه ابن حبان واختلفوا في حديث "لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها" رواه احمد وأبو داود بسند ضعيف.
وقال ابن حجر في التلخيص: لا بأس بإسناده .
واختلفوا في حديث "من جعل قاضياً بين الناس فقد ذبح بغير سكين" حسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة، وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح .
واختلفوا في حديث "مقارنة قبلة الصائم في رمضان بالمضمضة" رواه الحاكم وابن حبان وابن خزيمة في صحاحهم.
وقال النسائي: هذا حديث منكر، وكذلك قال الإمام أحمد بن حنبل .
واختلفوا في حديث "تلقين الميت" فقواه ابن حجر وضعفه ابن القيم .
واختلفوا في حديث "نهى رسول الله عن صوم عرفه" صححه ابن خزيمة والحاكم وضعفه العقيلي .
واختلفوا في حديث "استفت قلبك البر ما اطمأنت إليه النفس…" حسنه النووي وضعفه ابن رجب .
واختلفوا في حديث "أفعمياوان أنتما".
قال ابن حجر: حديث مختلف في صحته، وقال الترمذي: حسن صحيح .
واختلفوا في حديث "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان".
قال الترمذي: حديث صحيح، وصححه الحاكم وابن خزيمة وضعفه العراقي ومغلطاي .
واختلفوا في حديث "تفترق أمتي إلى بضع وسبعين فرقة" قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال ابن حزم: انه لا يصح .
واختلفوا في حديث "طلب العلم فريضة على كل مسلم". فصححه السيوطي، وقال السخاوي له شاهد عند ابن شاهين بسند رجاله ثقات، وحسنه الحافظ المزي، وقال ابن القطان: لا يصح فيه شيء. وقال النووي: ضعيف .
واختلفوا في أحاديث تحريم الغناء، فضعفها ابن العربي وابن حزم وصححها غيرهما .
واختلفوا في حديث "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل".
قال ابن كثير وقد تكلم بعض أهل العلم فيه، قال ابن جريج: ثم لقيت الزهري فسألته فأنكره، فضعفوا هذا الحديث من أجل هذا الحرف، ثم قال: وقد صحح هذا الحديث علي بن المديني أحد الأئمة .
واختلفوا في حديث "مثل أمتي مثل المطر لا يُدرى أوله خير أم آخره" رواه الترمذي وأبو يعلى وغيرهما.
قال ابن عبد البر: ان الحديث حسن، وضعفه النووي ، واختلفوا في حديث "ترى الشمس؟ قال نعم، قال: على مثلها فاشهد أو دع" صححه الحاكم وضعفه ابن عدي .
واختلفوا في أحاديث صحيحي البخاري ومسلم رغم ما زعمه أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله من أنها تفيد العلم واليقين والقطع بصحتها.
فمنها: حديث "الاستخارة" رواه البخاري في صحيحه وضعفه الامام أحمد .
ومنها: حديث "ايما أهاب دبغ فد طهر" رواه الإمام مسلم، وضعفه الإمام احمد.
ومنها: حديث "أنه صلى الكسوف ثلاث ركوعات وأربع ركوعات" رواه البخاري، وضعفه الشافعي.
ومنها: حديث "أن الله خلق التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الاربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة" رواه مسلم في صحيحه، وضعفه البيهقي .
والملاحظ من هذا الحديث أن له علاقة بصفات الله تعالى وهي الخلق والقدرة على الإيجاد من العدم، ومع ذلك فقد اختلف عليه.
ومنها: حديث "أن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" رواه البخاري وضعفه أبو الوليد الياجي .
وهذا الحديث أيضاً يتكلم عن غيب، وقد وجد من ضعفه وبالتالي فهو لا يحتج به.
ومنها: حديث "فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله سبحانه وتعالى رجله فتقول قط قط" متفق عليه.
قال الجزائري: فهذا الحديث ونظائره وهي كثيرة يبعد على المتكلم أن يقول بصحتها فضلاً عن أن يجزم ذلك .
وهذا الحديث أيضاً يتعلق بالغيب وبالذات الإلهية. ومع صحته فوجد من أنكره.
ومنها: حديث" كان للنبي فرس يقال له اللحيف" رواه البخاري، وقد ضعفه الدارقطني وأحمد وابن معين .
ومنها: حديث "يَلقى إبراهيم عليه السلام أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قتره: رواه البخاري في صحيحه، قال الإسماعيلي: هذا خبر في صحته نظر .
ومنها: قول الحافظ ابن حجر بالجملة حول أحاديث الصحيحين التي انتقدها الحفاظ قال: "وعدةُ ما اجتمع لنا من ذلك مما في كتاب البخاري وان شاركه مسلم في بعضه، مائة وعشرة أحاديث، منها ما وافقه مسلم على تخريجه وهو اثنان وثلاثون حديثاً ومنها ما انفرد بتخريجه وهو ثمانية وسبعون حديثاً" .
ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد من الاختلاف في صحة أخبار الآحاد سواء ما ورد في الصحيحين أو في غيرهما، بل تعداه الى ابعد من ذلك، فمن العلماء من أنكر صراحة أحاديث ثبتت عند غيرهم لأنهم اعتبروها مكذوبة موضوعة على رسول الله ومنها ما هو في صحيحي البخاري ومسلم.
فمن ذلك: ما رواه الإمام مسلم "أن الله تعالى خلق التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل".
قال ابن القيم في كتابه نقد المنقول: فصل: مخالفة الحديث الموضوع لصريح القرآن، قال: ويشبه هذا ما وقع فيه الغلط في حديث أبي هريرة "خلق الله التربة يوم السبت …" .
ومن ذلك: ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي يا نبي الله ثلاث أعطنيهن قال: نعم، قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها قال: نعم قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: نعم، قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال نعم…" قال ابن حزم: هذا حديث موضوع لا شك في وضعه .
ومن ذلك أيضاً: ما رواه مسلم في صحيحه "أن النبي قال: ان طالت بك مدة أوشكت أن ترى قوماً يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته في أيديهم مثل أذناب البقر".
أورده ابن الجوزي في موضوعاته عن ابن حبان قال: هذا خبر بهذا اللفظ باطل .
ومن ذلك: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عمر عن النبي في قوله تعالى {أن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} فقال عليه الصلاة والسلام: سأزيده على السبعين".
قال الغزالي في المستصفى: "إن هذا خبر واحد لا تقوم به حجة في إثبات اللغة".
وقال في المنخول: "على أن ما نقل في آية الاستغفار كذب قطعاً، إذ الغرض منه التناهي في تحقيق اليأس من المغفرة، فكيف يظن برسول الله ذهوله عنه" .
هذا بالنسبة لما ورد في الصحيحين أما فيما سواهما فحدث ولا حرج عن اختلافهم فيها بين منكر لها وبين مثبت، حتى ولو كانت تتعلق بالعقائد كأحاديث معجزة ردّ الشمس للنبي بعد غروبها في غزوة خيبر.
قال عنه الجوزقاني: منكر مضطرب، وأورده ابن الجوزي في موضوعاته وقد صححه الطحاوي في مشكل الآثار والقاضي عياض في الشفا .
ومن أراد الاطلاع على صدق ما نقول فلينظر في كتاب الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني ففيها الكثير من الأحاديث الصحيحة والحسنة التي أنكرها بعض العلماء وعدوها من الموضوعات وقد نبه الشوكاني على ذلك في الكتاب المشار إليه.
وكذلك كتاب الحافظ السيوطي "اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" استدرك فيه الكثير من الأحاديث على ابن الجوزي فيما أورده في كتابه الموضوعات الكبرى، وأثبت أنها صحيحة أو حسنة عند غيره.
كما وقد استدرك ابن حجر على ابن الجوزي في موضوعاته ما أورده عن الإمام أحمد من مسنده، بلغت أربعة وعشرين حديثاً، وذلك في كتابه القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد.
وكذلك كتاب المستدرك للحاكم أورد فيه أحاديث على شرط البخاري ومسلم أو أحدهما كما يبدو فيه، إلا أن الحافظ الذهبي تعقبه واستدرك عليه أحاديث كثيرة عدها من الموضوعات.