ذكرى مولد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم
قال الله تعالى:﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾
وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾
وقال:﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾
وقال مخاطباً رسوله :﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى﴾.
قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
المتتبع لما جاء في كتاب الله يجد أن ما اختص به محمد هو هذا الدين وهذه الرسالة التي حملها للناس كافة. والغريب فيما عليه المسلمون أنهم يحتفلون كل عام بمولده ويقيمون له الموالد في كثير من المناسبات، وينذرون النذور لإقامة الموالد، ووضعت لهذه المناسبة الكتب، ونظمت لها الأهازيج، وفرض لها الشعر، ولم يتذكر أحد منهم
يوم بعثته
يوم أن منّ الله عليه وعلى الناس
ويوم أكرمه وأكرم من آمن به بهذا الدين
يوم نزل عليه الوحي وبلغه أنه نبي مرسَل. يوم نزلت عليه سورة المدثر وخاطبه ربه بها ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * ولاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾
ولئن جاز التقليد، واتباع سنن من كان قبلنا شبراً بشبر وذراعاً بذراع، تصديقاً لقول المصطفى : «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا من يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال فمن».
فإن النصارى حين يحتفلون بمولد عيسى عليه السلام إنما يحتفلون بالمعجزة الخارقة، والحجة الدامغة على الناس ليؤمنوا به، فكان مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فكان. فالاحتفال بالمعجزة، الاحتفال بالحجة البالغة. فهل كان مولد رسول الله حجة على الناس وهل كان مولده معجزة، أم انه ولد كأي طفل في الحجاز، فأبوه عبد الله بن عبد المطلب، وأمه آمنة بنت وهب، وحملت به في شهر رجب كما يقال ووضعته في ربيع الأول، كأي امرأة أخرى، وكأي مولود آخر، وبلغ في قومه عمراً من قبل أن ينزل عليه الوحي، وهو كأي قرشي، يرعى الغنم، ويحمل الأحجار على كتفه في بناء الكعبة كما يفعل أقرانه، ويريش السهام إلى قومه في حرب الفجار، ويتاجر لخديجة بنت خويلد بمالها، ولم تبد منه في مولده وطيلة حياته حتى سن الأربعين أية بادرة إعجاز، أو حجة في بلاغ. إذن فلا وجه للمقارنة والمفاضلة بين احتفال النصارى بمولد عيسى عليه السلام واحتفال المسلمين بمولد رسول الله ، إلا التقليد الأعمى وليس تقليد الوعي والمفاضلة.
ولنسألْ: لماذا يحتفل المسلمون بهذه المناسبة؟
أهي عبادة؟
أهي اتباع لسنة سنها الصحابة الكرام؟
أم هي كما قلنا تقليد أعمى لما يقوم به النصارى؟
أم ماذا؟
فإذا قلتم إنها عبادة، فالعبادات قد وردت بها أدلة من القرآن الكريم أو السنة النبوية المطهرة، فلا يزاد عليها ولا ينقص منها. والاحتفال بهذه المناسبة لم يرد به دليل فهي ليست من الفروض العينية، ولا فرض كفاية. وليست من المندوبات ـ السنن ـ المستحبات. حيث أن هذه كذلك لا بد وأن يكون قد ورد بها دليل يبين أنها مندوبة أو سنة، أو مستحبة. فكيف يمكن أن تكون من المندوبات ما دام أنه لم يرد بها دليل؟ والرسول يقول: «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» ولا يقال إنها بدعة حسنة، إذ البدعة الحسنة هي القيام بأمر شرعه الله على وجه يستحث به الآخرين للقيام به، أي هي إبداع في أسلوب لتأدية حكم شرعي أمر الله بالقيام به دون أن يحدد له كيفية معينة. ولما كانت هذه الذكرى ليست حكماً شرعياً، ولم يأمرنا الله بالقيام بها، وليست هي أسلوباً في تنفيذ حكم شرعي قد أمر الله به، إذن فلا يصح أن تسمى بدعة حسنة.
وإن كان القيام بهذه الاحتفالات تعبيراً عما نكنه من محبة واحترام وتقدير لمقام رسول الله ، واعتاد المسلمون التعبير عن هذا الاحترام والتقدير بمثل هذه الأفعال فإن اشد الناس وأكثرهم حباً لرسول الله هم صحابته ثم التابعون ثم تابعوهم، ولم يرد في كتب الحديث أو كتب السير والتاريخ أن هؤلاء الناس ـ وهم خيرة الخلق بعد الأنبياء ـ أنهم احتفلوا بهذه المناسبة، أو ورد لها ذكر على ألسنتهم. سواء في عهد الخلفاء الراشدين أم في عهد الأمويين أم العباسيين. فلا يصح أن يقال تيمناً بالصحابة، أو اقتداء بالسلف الصالح.
أما أنها ذكرى، فالذكرى بعد نسيان، هذا من جهة ومن جهة ثانية فإنه يقول: «تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وسنتي» فكتاب الله بين أيدينا. والرسول به يشكونا إلى ربه فيقول: ﴿يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾فلو كانت الاحتفالات لدعوة الناس ليتذكروا ما ترك فيهم رسول الله ـ كتاب الله وسنّة نبيه ـ فالأولى بالقائمين على هذه الأمور أن يتذكروا قول نبيهم: «من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرمات الله ناكثاً لعهود الله عاملاً في عباد الله بالإثم والعدوان ولم يغير عليه بقول أو فعل كان على الله أن يدخله مدخله» أو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»، أم أن ما يقومون به كما وصفهم لينين: (الدين أفيون الشعوب) يريدون صرف الناس عن إدراك واقعهم المرير والتغني أو التباكي في مولد المصطفى؟!
أما إن كان المقصود تذكرة عزة المسلمين وأمجادهم حين كانوا سادة الدنيا فلنا في كل يوم من أيام السنة ذكريات، ابتداءً من ليلة القدر تلك الليلة التي نزل فيها القرآن وفيها يُفْرَقُ كل أمر حكيم، إلى بدء الوحي إلى الإنذار، ثم الصدع بما أُمِر به رسول الله، أي المجاهرة والتحدي بالدعوة والدعاة بعد أن كان بالدعوة فقط، ثم النفر الذين بايعوا على قتل الأشراف وسبي الذراري والأموال في بيعة العقبة الثانية، ثم الهجرة وهي تأسيس أول دار إسلامية، بناء على أول كيان للإسلام، ثم ما تلا ذلك من غزوات كبدر وأُحُد وفتح مكة والطائف، وبدء الغزو لبلاد الشام في مؤتة والعقبة. من تخوم الأردن. وتتابعت الذكريات والأحداث كاليرموك والقادسية وفتح الأندلس والقسطنطينية مما لا تتسع له أيام السنة، وكلها تشير إلى أيام مجد المسلمين وعزتهم، فتحرك مشاعر العزة في نفوس المسلمين خصوصاً وهم يرون أنفسهم الآن، وقد زالت دولتهم، وذاب كيانهم، وتفرقوا أيدي سبأ، فأصبحوا كيانات هزيلة ودولاً كرتونية تحكم بغير ما أنزل الله. فلم يبق للإسلام وجود في الحياة إلا في نفوس المسلمين المؤمنين من أبنائه. إنا الله وإنا إليه راجعون.
أما أنها تقليد، بل تقليد أعمى فيبدو أنها فعلاً مصداقاً لقول رسول الله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم...» الحديث. فما أشبههم بقوم موسى حين مرّوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، ولما يجف الماء عن أقدامهم. تقليد في كل شيء: بالاحتفال بالمولد، بعطلة الأحد، باللباس، في طراز العيش، حتى أصبح الكفار هم المثل الأعلى الذي نقتفي أثره ونقلده في كل شيء.
أم ماذا؟ إن المسلم حين يقرأ قوله تعالى﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ إن هذا الإنذار يوجب على الفرد أن يتذكر في كل لحظة، فهو محاسب على كل عمل يكسبه أو يكتسبه، فلا بد له من البحث عن الحكم الشرعي المسيّر لأفعاله، لأن الأصل في الأفعال التقيد بالحكم الشرعي، ولذلك فإنه يحرص على أن لا يتخلى عن ميزانه، ولا يترك مقياسه وهو الحلال والحرام. كيف لا هو يسمع قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْفَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ﴾ولكي يميز بين الحق والباطل، بين الخير والشر، ليصرف عمله تبعاً لذلك فهو دائم الذكرى لما ترك فينا رسول الله الكتاب والسنة.
أبو دجانة
منتدى العقاب